النص المفهرس

صفحات 181-200

المنير بإمكان اجتماعهما في حق من انقطع دمها قبل الفجر فثبت الصوم ولم
تغتسل، وهذا صوم صحيح وحكم الحيض - باعتبار تحريم الوطء باقٍ حتى
تغتسل على الصحيح في صحة الصوم وتحريم الوطء. فإن قلت: الحيض غير
موجود حقيقة، قلت: ليس العمل على صورته وإنما هو على استصحابه حكماً ،
كما أن الإحرام علة في إبقاء الحج معقوداً لا حكمه . ويحتمل أن يريد الإمام أن
المرأة قد يجتمع عليها وصفان ويعتريها حالتان مقتضيان للتحريم ، إما إحرام
وحيض، أو إحرام وصوم ويدل لهذا قوله في ((البرهان)) مثل تحريم المرأة الواحدة
بعلة الحيض والإحرام ، والصيام والصلاة . فمراده اجتماع وصفين من ذلك
كالصيام مع الصلاة ، أو الإحرام مع الحيض ، لا أن الاربعة تجتمع .
الخامس :
القائلون بامتناع اجتماع العلل فإذا اجتمعت كان كل واحدة منها ، لا بعينها ،
علّةً . حذراً من تحصيل الحاصل إذا جعلنا كل واحدة علة مستقلة . ومن اللطيف
عند ذلك أن المفسرين اختلفوا في قوله تعالى ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن
يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة / ٤٩] : فقيل : فائدة تخصيص البعض تعظيم قدر
الذنب ومعناه أن بعض ذنوبهم كافٍ في إهلاكهم . وقيل : فائدته التنبيه على ما
يصيبهم في الدنيا من العقوبات فكان بعض ذنوبهم يوجب عقوبات الدنيا ،
وبعضها يوجب عقوبات الآخرة . فعلى التفسير الأول يكون فيها تمسك للقول بأن
الأسباب المستقلة إذا انفردت تكون علة منها إذا اجتمعت واحدة لا بعينها ، لأن
هؤلاء الكفار صدرت منهم أسباب كل سبب منها لو انفرد لاستقل بالهلاك ، فلما
اجتمعت أخبر الله - جل اسمه أن السبب منها في الإصابة بالعقوبات والإهلاك
بعضها، لاكُلّها، والباقي فات محل تأثيره ، وهذا هو عين القول بأن السبب عند
الاجتماع واحد لا بعينه ذكره ابن المنير .
السادس :
قال ابن سريج في كتاب ((إثبات القياس)): فإن قيل: إذا استنبط معنيين
مختلفين وسُبرا فصَحًا ما السبيل في ذلك ؟ قيل : إن كان أحدهما يدخل في الآخر
١٨١

کدخول المأكول المدخر في المأکول غیر المدخر نظر في زيادة الزائد فاعتبر، کما ذکرنا
في تعليل الربوي . وإن كان المعنيان متضادين احتيج إلى قياسهما على غيرهما ليعلم
أيُّهما أصح وذلك مثل تخيير النبي ◌َّ ه بريرة لما عتقت. قال بعضهم: خيّرها لأن
زوجها كان عبداً، وقال بعضهم : بل كان حُرّاً، وقال بعضهم: لا أبالي أكان
حرّاً أو عبداً، وإنما خيّرها لحدوث العتق، فأما كونه حرّاً أو عبداً فيدرَك بالخبر.
وأما من قال خيّرها لحدوث العتق فهو الذي يحتاج علته وعلة من خالفه إلى قياسهما
على نظيرهما، ليعلم أصحهما ، ثم ذكر أن العلة فضل الحرية لما فضل الله به الحر
على العبد، فإذا حدث الحرية حدث الخيار للنقص والفضل، فيعمل في هذا
الباب بالنظر إلى نفس العلة المعارضة وإلى ما يخالفها حتى يعلم أصحهما .
١٨٢

،
می
فصْل
وأما تعليل الحكمين بعلة واحدة فإن كانت بمعنى (الأمارة) فلا خلاف كما قاله
الآمدي في الجواز، كما / لو قال الشارع : جعلت طلوع الهلال أمارة على ١/٢٩٦
وجوب الصوم والصلاة . ومنه البلوغ والحيض علامةً لأحكام عديدة . وإن كانت
بمعنى ( الباعث) فاختلفوا فيه على أقوال: (أحدها) وهو الصحيح - الجواز، إذ لا
يمتنع أن يكون الوصف الواحد باعثاً على حكمين مختلفين ، أي مناسباً لهما بأمر
مشترك بينهما ، كمناسبة الربا والشرب للحد والتحريم . و (الثاني) : المنع
مطلقاً . و(الثالث) المنع إن لم يتضادّا.
والصحيح الأول ، فيجوز تعليل المتماثلين بالعلة الواحدة لكن في محال
متعددة ، كالقتل الصادر من زيد وعمرو فإنه موجب للقصاص عليهما .
وقد يعلل بهما مختلفان غير متضادين كالحيض يحرم الوطء ومسَّ المصحف
ونحوه ، وكالإحرام المانع من النكاح والصيد والطيب وأخذ الشعر والأظفار ،
ذكره الأستاذ أبو إسحاق .
وقد يعلل بها مختلفان متضادّان بشرطين متضادين ، كالجسم يكون علة
للسكوت بشرط البقاء في الحيّز ، وعلة الحركة بشرط الانتقال عنه. ومثّله إلكيا بما
يكون مبطلاً لعقدٍ مصحِّحاً لآخر : قلت : كالتأبيد في التجارة والبيع. قال :
الكيا : ويمتنع أن يكون لحكمين في شيء واحد في حالة واحدة، لاستحالة حصول
الحكم على هذا الوجه . ولا يمتنع كونهما علتين لحكمين مِثلَيْنْ في شيئين . فأما
كونهما علة الحكمين مثلين في شيء واحد فمحال ، لأن الأحكام الشرعية لا يصح
فيها الزائد ، وإنما تتماثل الأحكام وتعلل بعلل مختلفة في أحوال ، كقطع اليد
قصاصا وسرقة فلا يمنع منه ، ولكنهما حكمان مختلفان في الآثار وإن تماثلا في
الصورة والله اعلم .
١٨٣

مسَالك العلة
أيّ الطُرق الدُالَة على العلة
اعلم أنه لا يكتفى في القياس بمجرد وجود الجامع في الأصل والفرع ، بل لا بد
من دليل يشهد له في الاعتبار . والأدلة ثلاثة أنواع : إجماع ، ونص ، واستنباط
ومنهم من أضاف إليه دليل العقل. [وجعله] القاضي عبد الوهاب في ((الملخص))
وجهاً . والمشهور طريقة السمع فقط .
[المسلك] الأول
الاجْماع على كون الوَصْفُ عِلْ
وهو مقدَّم في الرتبة على الظواهر من النصوص ، لأنه لا يتطرق إليه احتمال
النسخ . ومنهم من قدم الكلام على النص ، لشرفه .
وهو نوعان : إجماع على علة معينة ، كتعليل ولاية المال بالصغر. وإجماع على
أصل التعليل وإن اختلفوا في عين العلة ، كإجماع السلف على ان الربا في
الأوصاف الأربعة معلل ، واختلفوا في أن العلة ماذا ؟ .
ومثال القياس فيه أن الأخ للأبوين مقدم على الأخ من الأب في الميراث ،
الامتزاج النسبين ، فيقاس عليه ولاية النكاح وغيرها فإنها أثرت في الإرث إجماعاً
ولكن في غيره لوجود العلة فيه .
ومن ذلك : إجماعهم على أن الغصب هو علة ضمان الأموال ، فيقاس عليه
السارق وجميع الأيدي الغاصبة ، واجماعهم على أن البكر الصغيرة مَوْلِيٍّ عليها في
النكاح ، فقاس عليها أبو حنيفة الثيب الصغيرة .
قال القاضي أبو الطيب الطبريُّ : وكذلك قوله : لا يقضي القاضي وهو
غضبان . وقال : وأجمعوا على أنه ليس لنا علة تعود على أصلها بالتعميم إلا هذا
١٨٤

المثال ، وذلك جائز بالإجماع . وفيما قاله نظر . وقد سبق تعدّي الاستنجاء بالجامد
القالع من النص على الأحجار، نظراً لمعنى الإزالة .
ومثّله غيرُه بقول عمر رضى الله عنه، في السواد : لو قسمته بينكم لصارت
دولاً بين أغنيائكم. ولم يخالفه أحد . وقول علي رضي الله عنه ، في شارب
الخمر : إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افتری فإنه يجب علیه حد
المفتري . ولم يُخالَفْ وفيه نظر، فقد منع بعض أصحابنا القياس على أصل مجمع
على حكمه ، لما فيه من الافتيات على الصحابة ، إذ قد يجوز أن يكون إجماعهم
النطق خاص ، أو لمعنى لا يتعدى . ولكن الجمهور على الجواز طرداً أوجب دليل
العمل بالقياس إذا ظهر التساوي في المناسبة وإن لم يتجانس الحكمان من كل
وجه ، ولعله شطرُ المسائل القياسية عندهم .
واعلم أن كون الإجماع من طرق العلة حكاه القاضي في ((مختصر التقريب)) عن
معظم الأصوليين، ثم قال ؛ وهذا لا يصح عندنا، فإن القائسين ليسوا كل
الأمة ، ولا تقوم الحجة بقولهم . ثم ردّد القاضي جوابه في أثناء الكلام فقال : لو
جعلنا القائسين أمارة لخبر غلبة الظن في المقاييس لكان محتملاً، وإن لم نقل أنه
يفضي إلى القطع . والذي استقر عليه جوابه أنه لا أثر لإجماع القائسين إلا أن يقدر
رجوع منكري القياس عن الإنكار ، ثم يجمع الكافة على علة فتثبت حينئذ
قطعاً .
وردّ إمام الحرمين في ((البرهان)) هذا بأن المحققين على أن منكري القياس ليسوا
من علماء الأمة ولا حملة الشريعة ، فإن معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد ،
والنصوصُ لا تفي بعشر معشار الشريعة .
وحكى ابن السمعاني وجهاً ثالثا عن بعض أصحابنا أنه لا يجوز القياس على
الحكم المجمع عليه مالم يعرف النص الذي أجمعوا لأجله وهاهنا أمور :
أحدها : أن هذا الإجماع ليس من شرطه أن يكون قطعيا ، بل يكفى فيه
الظن .
١٨٥

ثانيها - أنه إذا كان قطعيا امتنع ورودُه في الطرديّ ، فإن كان ظنّياً ورد فيه لكن
یتعین تأويله .
ثالثها - أن المستدل إذا قاس على علة إجماعية فليس للمعترض المطالبة بتأثير
تلك العلة في الأصل ولا في الفرع ، فإن تأثيرها في الفرع ثابت بالاجماع ، وأما
المطالبة بتأثيرها في الفرع فلاطراد المطالبة في كل قياس ، إذ القياس هو تعدية
حكم الأصل إلى الفرع بالجامع المشترك . وما من قياس إلا ويتجه عليه سؤال
المطالبة بتأثير الوصف في الأصل والفرع على المعترض ، فيقال مثلا : إنّا قد نُثبت
العلة مؤثرة في الأصل بالاتفاق ويثبت وجودها في الفرع فتمم لي القياس ، فإن
ثبت عدم تأثيرها امتنع قياسك ، فعليك بيانه . فإن بين المعترض الفرق بين
الأصل والفرع لزم المستدلّ جوابُه وإلا انقطع . أما فتح باب المطالبة بالتأثير ابتداء
فلا يمكن منه ، لما ذكرنا .
[المَسْلك] الثَّانِى
النصْ عَلَى العَّلة
قال الشافعي رضي الله عنه: متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نصبه أدلّة
او أعلاماً ابتدرنا إليه ، وهو أولى ما يسلك .
ثم المشهور أن إلحاق المسكوت عنه بالعلة المنصوصة قياس ، وقال ابن فُورَك :
ليس قياساً ، وإنما هو استمساك بنص لفظ الشارع ، فإن لفظ التعليل إذا لم يقبل
١/٢٩٧ التأويل عن كل ما تجرى العلة فيه كان المتعلَّق / به مستدلاً بلفظ ناصّ في العموم
حكاه في ((البرهان)) عند الكلام على مراتب الأقيسة.
واعلم أن التعليل معنى من المعاني ، وأصله أن تدل عليه الحروف كبقية
المعاني ، لكن تدل الأسماء والأفعال على الحروف في إفادة المعاني .
فمن حروف التعليل : كي ، واللام ، وإذن ، ومن ، والباء ، والفاء ، ومن
اسمائه : أجل ، وجَرّاء ، وعلّة ، وسبب ، ومقتضى ، ونحو ذلك ، ومن
أفعاله : عللت بكذا ، ونظّرت كذا بكذا .
١٨٦

ثم قد يدل السياق في الدلالة على العلّية، كما دل على غير العلية. وقد يكون
محتملاً فيُعينُّ السياق أحدَ المحتملين . وقد خلط المصنفون الشروط بالعلل ،
وعمَدوا إلى أمثلة يُتَلَّقَّى التعليل فيها من شيء فظنوه يُتَلَقِى من شيء آخر ، وربما
التبس عليهم موضوع الحروف لكونها مشتركة فظنوه للتعليل في محل ليس هو فيه
للتعليل ، كتمثيلهم التعليل بالفاء بقوله تعالى : ﴿والسارقُ والسارقة فاقطعوا
أيديهما﴾ [المائدة / ٣٨] وليس كذلك فيما سيأتي تحقيقه .
وقد قسموا النصَّ على العلة إلى صريح وظاهر :
[الأول: الصريح] : قال الآمدي : فالصريح هو الذي لا يحتاج فيه إلى نظر
واستدلال ، بل يكون اللفظ موضوعاً في اللغة له. وقال صاحب ((التنقيح)): هو
ما يدل عليه اللفظ سواء كان موضوعاً له أو لمعنى يتضمه ، فدخل الحروف المتصلة
بغيرها . وقال الأبيارى : ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل ، بل
المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى . وقد قال القاضي
إنه للتعليل إلا أن يدل على غير ذلك ، وهو بمثابة قوله : ﴿أقم الصلاة لدلوك
الشمس﴾ [الاسراء / ٧٨] قال : لا يصلح الدلوك لكونه علة ، فهو معنى عند
الدلوك ، وإنما قال ذلك لأن عنده أن العلل الشرعية لا بُدَّ فيها من المناسبة ،
وليس ميل الشمس من هذا القبيل .
ثم الدالُّ على الصريح أقسام :
أحدها - التصريح بلفظ الحكم : كقوله تعالى: ﴿حكمة بالغة﴾ [القمر / ٥]
وهذا أهمله الأصوليون ، وهو أعلاها رتبةً .
وثانيها - لعلة كذا ، أو لسبب كذا .
وثالثها - من أجل ، أو لأجل : وهو دون ما قبله ؛ قاله ابن السمعاني ،
يعني : لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير واسطة من (١) قوله لأجل يفيد معرفتها
بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم ، والدال بلا واسطة أقوى . وكذا قاله
الصفي الأصفهاني في ((النكت)).
(١) كذا في جميع النسخ.
١٨٧

كقوله تعالى : ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل) الآية [المائدة / ٣٢] على
أن المشهور في أن ((من أجل)) متعلق بـ ((كتبنا)) ، أي كتبنا على بني آدم القصاص
من أجل قتل ابن آدم أخاه ، بمعنى السبب في شرعية القصاص حراسة الدنيا .
وظن بعضهم أنه تعليل لقوله ﴿من النادمين﴾ أي من أجل قتل أخيه . وليس
كذلك ، وإنما هو علة لحكمه سبحانه على باقي الأمم بذلك الحكم .
فإن قلت : فكيف يكون قتل واحد بمثابة قتل الناس كلهم ؟ قلت: تفخيماً
لشأن القتل ، وأنه وصل في أنواع الظلم والفساد إلى هذه الحالة ، ولا يلزم من
المتشابهين التساوي من كل الوجوه لاختلافهما في مقدار الإثم واستوائهما في أصله
لا وصفه .
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) ،
وقوله : (نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافّة) .
ورابعها - كي: كذا جعلها الإمام في ((البرهان)) من الصريح ، وخالفه
الرازي . والأول أصوب . كقوله تعالى : ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء
منكم﴾ [الحشر / ٧] فعّل سبحانه قسمة الفيء بين الأصناف بتداوله بين الأغنياء
دون الفقراء . وقوله: ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد / ٢٣] فأخبر أنه قدّر
ما يصيبهم من البلاء قبل أن تبرأ الأنفس ، أو المصيبة ، أو الأرض ، أو
المجموع ؛ وهو الأحسن . ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وحكمته البالغة
التي فيها أن لا يحزن عباده على مافاتهم ولا يفرحهم بما آتاهم إذا علموا أن المصيبة
مقدرة كائنة ولا بد ، كتبت قبل خلقهم ، فهوّن عليهم .
خامسها - إذن : كقوله عليه الصلاة والسلام : (أينقص الرُّطَبُ إذا جف؟)
قالوا : نعم ، قال : (فلا إذن) كذا جعله الشيخ أبو إسحاق والغزالي من
الصريح، وجعله في ((البرهان)) و((المحصول)) من الظاهر . قال الشيخ أبو حامدٍ
الإسفرايني: ولم يسأل النبيُّ وَّ عن ذلك لأنه لم يعلمه ، لأن ذلك معلوم لكل
أحد بالحسّ ، وإنما سأل عنه ليبين أنه إنما منع من بيعه لأجل أنه ينقص ، لئلا
يَظُنَّ ظانٌّ أنه لغير هذه العلة .
١٨٨

وزعم بعض الحنفية أن المقصود النهي عن البيع عند النقصان ، لأن إذاً لا
تتناول إلا المستقبل . ورد عليه إمام الحرمين بأن المسئول عنه إنما هو فعل الحال ،
ولم يجرِ لفعلٍ مستقبلٍ ذكر ، وإنما جرى السؤال بصيغة المصدر . قال ابن المنير :
وهذا مخالف للقواعد ، فإن (إذاً) أبداً لا يتناول إلا المستقبل ، والفعل المسئول عنه
مستقبل قطعاً ، لأن الماضي والحال الحقيقي ، - أي الذي حدث ، لا يسأل عنه ،
وإنما يسأل عن فعل مستقبل غير أنا لا نقول : إن المستقبل هو البيع في حالة
النقصان متفاضلاً ، بل المستقبل المسئول عنه حقيقة : هذا رطب وهذا تمر .
وسادسها - ذكر المفعول له: فإنه علة للفعل المعلل ، كقوله تعالى: ﴿ونَزّلنا
عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمةً﴾ [النحل / ٨٩] ونصبُ ذلك على
المفعول له أحسنُ من غيره ، كما صرح به في قوله : ﴿لتبين للناس ما نزل اليهم﴾
[النحل / ٤٤]، وفي قوله: ﴿ولِأَتِّمَّ نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة / ١٥٠]
فإتمام النعمة هي الرحمة . وقوله : ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر﴾
[القمر / ١٧] أي لأجل الذكر، كما قال : ﴿فإنما يسّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾
[الدخان / ٥٨] وقوله: ﴿فالملقيات ذكرا، عُذْراً أو نذراً﴾ [المرسلات / ٦] للإعذار
والإنذار .
[الثاني: الظاهر] وأما الظاهر فهو كل ما ينقدح حمله على غير التعليل أو
الاعتبار إلا على بُعد . وهو أقسام :
أحدها - اللام : وهي إما مقدَّرة ، كما سيأتي في مذهب الكوفيين ، وإما
ظاهرة ، لقوله تعالى: ﴿لدلوك الشمس﴾ [الاسراء / ٧٨] ، ﴿وما خلقت الجن
والانس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات / ٥٦]، ﴿ويُنزل عليكم من السماء ماءً ليطهرّكم
به﴾ [الأنفال / ١١] ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾ [آل
عمران / ١٢٦] والقرآن محشوٍّ من هذا .
فإن قلت : اللام فيه للعاقبة ، كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم
عدوّاً وحزَناً﴾ [القصص / ٨] وقوله: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة﴾ [الحج / ٥٣]
قلتُ : لام العاقبة إنما تكون / في حق من يجهلها ، كقوله : ﴿فالتقطه آل ٢٩٧/ب
١٨٩

فرعون ليكون لهم . .﴾ ، أو يعجز عن دفعها ، كقول الشاعر :
. لدوا للموت وابنوا للخراب
وأما من هو بكل شيء عليمٌ فيستحيل في حقه معنى هذه اللام ، وإنما اللام الواردة
في أحكامه وأفعاله لام الحكم والغاية المطلوبة من الحكمة . وقوله : ﴿ليكون لهم
عدوا وحزنا﴾ هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره له ، فإن التقاطهم إنما كان
لقضائه ، وذكر فضلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه جزاء لهم وحسرة عليهم .
وعن البصريين إنكار لام العاقبة .
قال الزمخشري : والتحقيق لام العلة ، فإن التعليل فيها وارد على طريق المجاز
دون الحقيقة ، لأن داعيهم للالتقاط لم يكن لكونه عدوا وحزّنا ، بل المحبة
والتبني ، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرةً شُبِّه بالداعي الذي يفعل
الفعل لأجله ، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل ، كما استعير الأسد لمن يشبه
الأسد .
ونقل ابن خالويه في كتابه ((المبتدأ)) عن البصريين أنها لام الصيرورة ، وعن
الكوفيين أنها لام التعليل . ونقل ابن فورك عن الأشعري أن كل لام نسبها الله
لنفسه فهي للعاقبة والصيرورة دون التعليل ، لاستحالة الغرض ، فكأن المخبر في
((لام الصيرورة)) قال: فعلت هذا بعد هذا ، لا أنه غرض لي . واستشكله الشيخ
عزالدين بقوله تعالى : ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ [الحشر / ٧]، وبقوله
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك﴾ [الفتح / ١] فقد صرح فيه بالتعليل ، ولا
مانع من ذلك، إذ هو على وجه التفضل. وقال صاحب ((التنقيح)): اللام في
اللغة تأتي للتعليل ، وتستعمل للملك ، وإذا أضيفت الى الوصف تعينت
للتعليل .
وجعل الرازي في ((المحصول)) اللام من الصرائح. وقال في ((الرسالة البهائية))
عن الغزالي أنه قال في ((شفاء الغليل)) إنها صريحة في التعليل ، وكذلك الباء والفاء
ثم استشكل ذلك بأنه إما أن يكون المراد بالصريح مالا يستعمل إلا في التعليل أو
١٩٠

ما يكون استعماله في التعليل أظهر . فإن كان الأول فليست اللام صريحة في
التعليل لأنها تستعمل في غيره كقوله :
لدوا للموت .
وقول المصلي : أصلي لله . فإن كان الثاني فلا يبقى بين الصريح والإيماء
فرق ، لأن الإيماء إنما يجوز التمسك به إذا كانت دلالته على العلية راجحة على
دلالته على غير العلية ، وحينئذ فلا بد من الفرق بين ما يصير فيه اللفظ صريحا في
العلة وعند عدمه يصير إيماء ، ولم يثبت ذلك .
الثاني - أَنْ (المفتوحة المخففة) فإنها بمعنى ((الاجل))، والفعل المستقبل بعدها
تعليل لما قبله ، نحو : أَنْ كان كذا ، ومنه : ﴿أن تقولوا إنما أُنزل الكتاب على
طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام / ١٥٦] فإنه مفعول لأجله ، قدّره البصريون ؛ كراهة أن
تقولوا ، والكوفيون : لئلا تقولوا ، أو : لأجل أن تقولوا . وكذلك قوله تعالى :
﴿أن تقول نفس يا حسرتى﴾ [الزمر / ٥٦]، وقوله: ﴿أن تضِلَّ إحداهما فتذكّرَ
إحداهما الأخرى﴾ [البقرة / ٢٨٢] . فالكوفيون في هذا كله يقدرون اللام ، أي :
لئلا تضل ، و: لئلا تقول . والبصريون يقدرون المفعول محذوفاً ، أي : كراهة
أن تقولوا ، أو : حذراً أن تقولوا .
فإن قيل : كيف يستقيم الطريقان في قوله : ﴿أن تضل إحداهما﴾ ؟ فإنك إن
قدرت: ((لئلا تضل إحداهما)) لم يستقم عطف ((فتذكر إحداهما)) عليه ، وإن
قدرت : ((حذراً أن تضل إحداهما)) لم يستقم العطف أيضاً . وكذلك إن قدرت
((إرادة أن تضل)). قيل : المقصود إذ كان إحداهما تنسى ، إذا نسيت أو ضلت ،
فلما كان الضلال سبباً للاذكار جعل موضع العلة ، كما تقول : أعددت هذه
الخشبة أن يميل الحيط فأدعمه بها ، فإنما أعددتها للدعم لا للميل . هذا قول
سيبويه والبصريين ، وقدره الكوفيون في تذكير إحداهما الأخرى إن ضلّت ، فلما
تقدم الجزاء اتصل بما قبله فصحت (أنْ) .
الثالث - إنْ ((المكسورة ساكنة النون)) الشرطية . بناء على أن الشروط اللغوية
أسباب ، فلا معنى لإنكار من أنكر عدَّها من ذلك . نعم ، التعليق من الموانع ،
١٩١

فيترتب على ما يترتب على الأسباب ، وعليه الخلاف من الشافعية والحنفية : هل
الأسباب المعلقة بشرط انعقدت وتأخر ترتّب حكمها إلى غاية ، أو لم تنعقد
أسباباً ؟ لكن من جعل وجود المانع علةً لانتفاء الحكم يصح على قوله أن الشرائط
موانع ، وهي علل لإنتفاء الحكم .
الرابع - إنَّ : كقوله عليه الصلاة والسلام : (إنها من الطوافين عليكم) قال
صاحب ((التنقيح)): كذا عَدُّوها من هذا القسم ، والحق أنها لتحقيق الفعل ، ولا
حَظّ لها من التعليل ، والتعليل في الحديث مفهوم من سياق الكلام وتعيّنه فائدة
للذكر .
وكذلك أنكر كونها للتعليل الكمال بن الأنباري من نُحاة المتأخرين ، ونَقَل
إجماعَ النحاة على أنها لا ترد للتعليل قال : وهي في قوله : (إنها من الطوافين
عليكم) للتأكيد ، لا لأن(١) علة الطهارة هي الطّوْاف ، ولو قدرنا مجيء قوله :
((هي من الطوافين)) بغير إنّ لأفاد التعليل، فلو كانت ((إنّ)) للتعليل لعدمت العلة
بعدمها ، ولا يمكن أن يكون التقدير ((لأنها)) وإلا لوجب فتحها ولاستفيد التعليل
من اللام . وتابعه جماعة من الحنابلة ، منهم الفخر إسماعيل البغدادي في كتابه
المسمى بـ ((جُنّة المناظر))، وأبو محمد يوسف بن الجوزي في كتابه ((الإيضاح في
الجدل)). ولكن ممن صرح بمجيئها للتعليل أبو الفتح بن جني ، ونقل القاضي
نجم الدين المقدسي في ((فصوله)) قولين للعلماء فيه ، وأن الأكثرين على إثباته .
وليس مع النافي إلا عدمُ العلم ، وكفى بابن جني حجة في ذلك .
الخامس - الباء : قال ابن مالك : وضابطه أن يصلح غالبا في موضعها اللام ،
كقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله﴾ [الأنفال / ١٣]، وقوله: ﴿فبظلم
من الذين هادوا حرّمنا عليهم﴾ [النساء / ١٦٠]، ﴿فكّلاً أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت /
٤٠]، وقوله عليه الصلاة والسلام : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) ، وجعل منه
الآمدي والهندي ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [الأحقاف / ١٤] ونسبه بعضهم إلى
المعتزلة وقال : إنما هي للمقابلة ، كقولهم : هذا بذلك ، لأن المعطي هو من قد
(١) في جميع النسخ (لأن) ومقتضى السياق (لا أنّ)
١٩٢

يعطي مجانا ، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب .
وتقدم في الحروف الفرق بين باء السببية وباء العلة و((إِنَّ) تشارك الباء في
التعليل وتمتاز عنها بشيئين : أحدهما : أن ما يليها في حكم من رُجع إليه فيما
يتكلم فيه فقال موسعا كالجواب : لأنه كذا . والثاني : أن خبرها غير معلوم
للمخاطب . أو منزَّل منزلة غير المعلوم لما لم يعمل بمقتضاه .
وزعم الإمام فخر الدين أن دلالة الباء على التعليل مجاز من جهة أن ذات / ١/٢٩٨
العلة لما اقتضت وجود المعلول دخل الإلصاق هناك ، فحسن استعمالها فيه مجازاً .
قال الهندي : وهذا يخالف ما ذكره غيره . ولما أشعر به كلامه هنا من أن دلالة
اللام والباء قائمة على التعليل ظاهرة من غير فرق . ثم ذكر أنها في اللام حقيقة
وقال الأصفهاني في ((نكته)): الباء دون اللام في العلّية ، لأن محامل اللام أقل من
محامل الباء . واللام وإن جاءت للاختصاص فالتعليل لا يخلو عن الاختصاص
فكانت دلالة اللام أخصّ بالعلة .
السادس - الفاء : إذا علق بها الحكم على الوصف ولا بد فيها من تأخرها وهي
نوعان :
أحدهما : أن تدخل على السبب والعلة ، ويكون الحكم متقدماً . كقوله عليه
الصلاة والسلام في المحرم وقصته ناقته : (لا تُخَمِّروا رأسه فإنه يبعث [يوم القيامة
ملبّياً]).
والثاني : أن تدخل على الحكم وتكون العلة متقدمة ، كقوله تعالى : ﴿الزانية
والزاني فاجلدوا﴾ [النور / ٢]، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا .. ﴾ [المائدة / ٣٨]،
﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ﴾ [المائدة / ٦] فالفاء للجزاء ، والجزاء مستحقٌّ
بالمذكور السابق ، وهو السرقة مثلاً ، لأن التقدير : إن سرق فاقطعوه . ومن هذا
القبيل قوله تعالى : ﴿ولا يستطيع أن يُلَّ هو فلْيُمْلل وليُّه بالعدل﴾ [البقرة / ٢٨٢]
ظاهر الخطاب يدل على أن العلة من قيام الولي بالإملاء أن مَوْلِيَّه لا يستطيعه ،
فصار ذلك موجباً قيام الولي بكل ما عجز عنه وليُّه ضرورة طرد العلة . قال الإمام
الرازي : ويشبه أن يكون هذا في الإشعار بالعلة أقوى من عكسه ، يعنى : لقوة
١٩٣

إشعار العلة بالمعلول ، لوجوب الطرد في العلل دون العكس ، ونازعه
النقشواني .
وهو ضربان :
أحدهما : أن يدخل على كلام الله ورسوله، إما في الوصف ، كالحديث السابق ،
أو في الحكم ، كالآيات السابقة .
والثاني : أن يدخل في كلام الراوي ، كقوله : سها فسجد ، وزنى ماعز
فُرُجم . وسواء في ذلك الراوي الفقيه وغيره ، لأن الظاهر أنه لو لم يفهم لم
يعاقب .
قيل : والفاء إذا امتنع كونها للعطف تعيّنّ للسبب . والمانع للعطف أنها متى
قُدِّرت له اختل الكلام ، كقوله عليه السلام : (من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) لأنها
لو كانت عاطفة بمعنى الواو لتضمّنت الجملة معنى الشرط بلا جواب ، وهذا مبني
على حصر الفاء للتعليل والعطف ، وهو ممنوع ، بل هي في هذه المواضع جواب ،
أي رابطة بين الشرط وجوابه ، ولا يلزم من كون الأول شرطا كونه علة .
وقد جعل في ((المحصول)) - تبعاً للغزالي - الباءَ والفاء من صرائح التعليل ، ثم
خالف الرازي في رسالته ((البهائية)) ورد على الغزالي وقال : الباء قد تستعمل لغير
التعليل ، ومنه : باسم الله ، والفاء للتعقيب لا للتعليل .
وقال ابن الأنباري من النحويين : الفاء إنما يكون فيها إيماء إلى العلة إذا كان
المبتدأ اسماً موصولاً بجملة فعلية أو نكرة موصوفة :
فالاسم الموصول نحو : الذي يأتينى فله درهم ، وقوله تعالى : ﴿الذين ينفقون
أموالهم بالليل والنهار سِرّاً وعلانية فلهم أجرهم﴾ [البقرة / ٢٧٤] فما بعد الفاء ، من
حصول الأجر ، ونفي الخوف والحزن ، مستحق بما قبلها ، من الإنفاق على ذلك
الوصف . ويجري مجرى ((الذي)) الألف واللام إذا وصلت باسم الفاعل ، كقوله
تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .. ﴾ [المائدة / ٣٨]، و ﴿الزانية
والزاني فاجلدوا . .﴾ [النور / ٢]، أي: لسرقتهما ولزناهما. فاستحقاق القطع
١٩٤

والجلد إنما كان للسرقة والزنى لا لغيرهما ، ولولا الفاء جاز أن يكون لهما ولغيرهما .
والنكرة الموصوفة نحو : كل إنسان يفعل كذا فله درهم ، فيدل على استحقاق
الدرهم بالفعل المتقدم ، فإذا لم تدخل لم يدل على ذلك ، وجاز أن يكون به
وبغيره ، لأن في الكلام معنى الشرط ، إذ المعنى : إنْ يأتني رجل فله درهم .
والشرط سبب في الجزاء وعلة له ، ولهذا دخلت الفاء ، لأنها للتعقيب ،
والمسبَّب في الرتبة عقب السبب ، فكان في دخولها إيماء إلى العلة ، وإذا حذفت لم
يقتضِ اللفظ أن يكون الدرهم مستحقاً بالفعل المتقدم ، بل به وبغيره لعدم الفاء
المفيدة للتنبيه على العلة الموجبة للاستحقاق .
وهنا أمران :
أحدهما : أن دخول فاء التعقيب على المعلول واضح، لوجوب تأخره عن العلة .
وأما دخولها على العلة نحو (فإنه يبعث . .) فوجهه أن العلة الغائبة لها تقدم
في الذهن وتأخر في الوجود ، كما تقول : أكلَ فشَبع ، فالشِبّع متأخر في الوجود
متقدم في الذهن .
وبهذا يجاب عن الاعتراض على القول باستفادة التعليل من الفاء بترتيب
الوضوء على القيام الى الصلاة ، ولو كانت للتعليل لزم أن يكون القيام إلى الصلاة
علة الوضوء ، وذلك ممتنع ، بل علة وجوب الوضوء وجود الحدث . ولقد اعتاص
الجواب على الغزالي حتى انتهى فيه إلى الإسهاب . وجوابه يعلم مما ذكرنا أن العلة
تنقسم إلى ما يتقدم تصورها وإلى ما ينعدم تصورها . والصلاة بالنسبة إلى الوضوء
لك أن تجعلها من الأول بأنها حكمة الوضوء ولها شرط يصح ترتيبه عليها بالفاء ،
كما رتب بعث الشهيد المحرم على هيئته ، وأن تجعلها من الثاني فإنه قد أمكن جعل
القيام إلى الصلاة مظنة وسببا ، ويكون الحدَث شرطاً من شرائط السبب أو من
شرائط الحكم وإلحاق شرط بالوصف المومأ إليه لا يستكثر .
وقال بعضهم : الأولى أن تدخل الفاء على الأحكام ، لأنها مترتبة على العلل ،
ولا تدخل على العلل لاستحالة تأخر العلة عن المعلول ، إلا أنها قد تدخل على
العلل على خلاف الأصل بشرط أن يكون لها دوام ، لأنها إذا كانت دائمة كانت في
١٩٥

حالة الدوام متراخية عن ابتداء الحكم ، فصح دخول الفاء عليها بهذا الاعتبار ،
كما يقال لمن هو في حبس ظالم إذا ظهر آثار الفرج : أبشر فقد أتاك الغوث ، وقد
نجوت .
الثاني : ما ذكر من أن الفاء للتعليل في آية السرقة من جهة أنه رتب القطع على
السرقة بها ، فدل على أن السرقة هي السبب لا يأتي على مذهب سيبويه ، لأنه
يرى أن قوله ؛ ﴿فاقطعوا﴾ جواب لما في الألف واللام من معنى الشرط، وإنما
الكلام عنده على معنى ؛ فيما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة ، فهذه ترجمة
سيقت للتشوف إلى ما بعدها ، فلما كان في مضمون الترجمة منتظراً قيل : فاقطعوا
أيديهما فالفاء إذن للاستئناف لا للجواب . وإنما حمل سيبويه على ذلك أن الفاء لو
كانت جواباً لقوله : ﴿والسارق﴾ وكان الكلام مبتدأ أو خبراً لكانت القواعد
تقتضى النصب في ﴿السارق﴾ لأن الأمر بالفعل أولى، كقوله: زيداً اضربْه. فلما
٢٩/ ب رأى / العامة (١) مطبقةً على الرفع تفطن لأنها (١) لا تُجمِع على خلاف الأولى ،
فاستدل بذلك على أنه خارج على معنى الاستئناف وذكر مثل قوله ﴿والسارق
والسارقة﴾ كالترجمة والعنوان .
السابع - لعل : على رأي الكوفيين من النحاة ، وقالوا : إنها في كلام الله تعالى
للتعليل المحض مجردة عن معنى الترجي لاستحالته عليه ، فإنه إنما يكون فيما تُجهل
عاقبته . كقوله تعالى ؛ ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم
تتقون﴾ [البقرة / ٢١] قيل ؛ هو تعليل لقوله (اعبدوا) ، وقيل : لقوله (خلقكم) ،
وقيل : لهما . وقوله : ﴿كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم
تتقون﴾ [البقرة / ١٨٣]، ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾[طه / ٤٤] فـ(لعل)) في هذا
اختصت للتعليل والرجاء الذي فيهما متعلّق المخاطبين .
الثامن - إذْ : ذكره ابن مالك ، نحو ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله
فأووا إلى الكهف﴾ [الكهف / ١٦]، ﴿وإذْ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك
قديم﴾ [الأحقاف / ١١] ﴿ولن ينفعكم اليوم إذْ ظلمتم أنكم .. ﴾ [الزخرف / ٣٩]
(١) أي عامة القرّاء.
١٩٦

وقد أشار إليه سيبويه ، ونازعه أبو حيان .
التاسع - حتى : أثبته ابن مالك أيضاً . قال : وعلامتها أن يحسن في موضعها
(في) ، نحو : خذ حتى تعطى الجود . ومن مُثُلها قوله تعالى ﴿ولنبلونكم حتى
نعلمَ المجاهدين منكم﴾ [محمد / ٣١] وقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾
[البقرة / ١٩٣]، ويحتملها ﴿حتى تفيء .. ﴾ [الحجرات / ٩]. وزعم صاحب
((التنقيح)) أن منها (لَا جَرَم) بعد الوصف، كقوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النارَ﴾.
[النحل / ٦٢] وجميع أدوات الشرط والجزاء كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً
فاطهروا﴾ [المائدة / ٦]، ﴿ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخَر﴾
[البقرة / ١٨٤]، (من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) . وكذا حرف (إذا) فإن فيها معنى
الشرطية ، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة / ٦] وجعل
الآمدي منها (مَنْ) أيضاً .
تنبيه : هذه الألفاظ كما تختلف مراتبها في أنفسها في الدلالة على التعليل كذلك
تختلف بحسب وقوعها في كلام القائلين ، فهي في كلام الشارع أقوى منها في كلام
الراوي ، وفي كلام الراوي الفقيه أقوى منها في غير الفقيه ، مع صحة الاحتجاج
بها في الكل ، خلافا لمن توهم أنه لا يحتج بها إلا في كلام الراوي الفقيه ، وهذا
بحث توهّمه بعض المتأخرين ، وليس قولاً . وزعم الآمدي أن الوارد في كلام الله
أقوى من الوارد في كلام النبي بَّةَ. والحق تساويهما، وبه صرَّح الهندي ، لعدم
احتمال تطرق الخطأ إليهما .
(المَسْلك) الثالث
الإيمَاء وَالتَّنبيّه
وهو يدل على العِلّية بالالتزام ، لأنه يفهمها من جهة المعنى لا اللفظ ، وإلا
لكان صريحاً، ووجه دلالته أن ذكره مع الحكم يمنع أن يكون لا لفائدة ، لأنه
عبث ، فتعين أن يكون لفائدة ، وهي إما كونه علة أو جزء علة أو شرطاً ،
١٩٧

والأظهر كونه علة لأنه الأكثر في تصرف الشارح . وهو أنواع :
احدها : ذكر الحكم السكوني أو الشرعي عقب الوصف المناسب له ، وتارة
يقترن بـ (أنْ) ، وتارة بالفاء ، وتارة يُذكر مجرداً . فالأول كقوله تعالى : ﴿وزكريا
إذ نادى ربه : ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين﴾ - إلى قوله ﴿خاشعین﴾
[الأنبياء / ٨٩ - ٩٠] وقوله: ﴿إن المتقين في جنات وعيون .. ) الآية [الذاريات /
١٥]. والثاني كقوله ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا .. ﴾ [المائدة / ٣٨] و ﴿الزانية
والزاني فاجلدوا .. ﴾ [النور / ٢] والثالث: ﴿إن المتقين في جنات ونهَرَ﴾ [القمر /
٥٤]، ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم
عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة / ٢٧٧].
والذي بعد الفاء تارة يكون حكما ، نحو ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء .. ﴾
[البقرة / ٢٢٢]، وتارة يكون علة ، نحو (فإنه يُبعث يوم القيامة ملبّياً) فإنه علة تجنيبه
الطيب .
ثم منه ما صُرِّح فيه بالحكم والوصف معا فهو إيماء بلا خلاف ، كقوله عليه
السلام : (من أحيا أرضا ميتة فهي له) ، (من ملك ذا رحم محرم عتق عليه) ،
فقد صرح في الأول بالإحياء ، وهو الوصف ، والحكم وهو الملك . وفي الثاني
بالملك وهو الوصف ، وبالعتق وهو الحكم . ومنه ما لم يصرح بها :
فإن صرح بالحكم - والوصف مستنبط - كتحريم الربا في البُرّ المستخرج منه علةُ
الكيل أو الطعم أو الوزن ، فليس بإيماء قطعاً . وقيل : على الخلاف في عكسه ،
وهو ما حكاه ابن الحاجب واستبعده الهندي . وإن صرح بالوصفٍ - والحكم
مستنبط - كالصحة المستنبطة من حِلّ البيع والنكاح ، فهل النصُّ الدالَّ على ثبوت
الحِلّ إيماء أو ثبوت الصحة ؟ اختلفوا فيه : فذهب قوم إلى إثباته ، ورجحه
الهندي ، لأن الصحة لازمة للحل ، إذ لولا الصحة لم يكن للإحلال فائدة .
وذهب قوم إلى أنه ليس بإيماء إليها ، لأنها غير مصرَّح بها ، فهو كما لو صرَّح
بالحكم واستخرجنا العلة قياساً لأحدهما على عكسه . وجمع ابن الحاجب في
الصورتين ثلاثة أقوال . والنزاع لفظي يلتفت إلى تفسير (الإيماء) هل هو اقتران
١٩٨

الحكم والوصف ، سواء كانا مذكورين أو أحدهما مذكوراً والآخر مقدراً ، أو
بشرط أن يكونا مذكورين؟ وإن إثبات مستلزم الشيء نقيض إثباته .
الثاني - أن يذكر الشارع مع الحكمة وصفا لو لم يكن علة لعرِي عن الفائدة ،
إما مع سؤال في محله ، أو سؤال في نظيره .
فالأول : كقول الأعرابي : واقعت أهلي في رمضان ، فقال : (أعتق رقبة) فإنه
يدل على أن الوقاع علة للإعتاق ، والسؤال مقدَّر في الجواب ، كأنه قال : إذا
واقعتَ فكفِّرْ. وقد مَرّ أن مثل هذا للتعليل فكذا هنا ، لأن المقدَّر كالمحقّق ، فإن
حذفتَ من ذلك بعضِ الأوصاف وعللتَ بالباقي سُمِّ (تنقيح مناطٍ) ، مثاله :
أن يقول : كونه أعرابياً لا مدخل له في العلة ، إذ الأعرابي وغيره حكمهما سواء .
وكذا كون المحل أهلاً ، فإن الزنى أجدر به .
(والثاني) كقوله ، وقد سألته الخثعمية : إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة
الحج أينفعه إن حججت عنه ؟ قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان
ينفعه؟)) قالت : نعم ، فذكر نظيره وهو دَين الآدمي ، فنبّه على كونه علة في
النفع وإلا لزم العبث .
وجعل إمام الحرمين وغيرُه منه قوله عليه السلام للسائل عن القُبلة : (أرأيت لو
تمضمضت بماء) فقال : نَبَّه عليه الصلاة والسلام على قياس القُبلة على المضمضة
في صحة الصوم معها . وقال المحققون غير ذلك ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام
إنما نبّه على نقيض قياس يختلج في صدر السائل ، وذلك أن الاشكال الذي عند
القائل إنما نشأ من اعتقاده أن القُبلة مقدمة الجماع ، والجماع مُفسِد / ومقدمة ١/٢٩٩
الشيء ينبغي أن تُنزَّل منزلة الشيء ، لما بين المقدمة والغاية من التناسب ، فنَّه
عليه الصلاة والسلام أن تعليل تنزيل القُبلة منزلة الجماع في الإفساد بكونها مقدمة
منقوض بالمضمضة في الوضوء وإن كان صائماً ، فإن المقدَّمة وجدت من المضمضة
ولم يوجد الإفساد ، وإلا فكيف تُقاس القُبلة على المضمضة في عدم الإفساد بجامع
كونهما مقدمتين للمفسِد ، ولا مناسبة بين كون الشيء مقدمة لفساد الصوم وبين
كون الصوم صحيحا معه ، بل هذا قريب من فساد الوضع .
١٩٩

أما إذا علم الشارع فعلاً مجرداً تكلم عقيبه بحكم فهل يكون علمُه كإعلامه
حتى يكون الفعل المجرد المعلوم سببا ؟ فيه خلاف حكاه الأبياري . وقال :
الصحيح أنه لا يصح استناد التعليل إليه ، لاحتمال أنه حكم مبتدأ وجرى ذكر
الواقعة اتفاقاً ، ويحتمل الربط لقربه من القرينة . وقال صاحب ((جُنّة الناظر)):
من أنواع الإيماء الحكم عند رفع الحادثة إليه ، كقوله : ((كفَر)) لمن قال : واقعت .
وذهب جماعة من الأصوليين إلى أن شرط فهم التعليل من هذا النوع أن يدل
الدليل على أن الحكم وقع جواباً لما رفع إليه ، إذ من الممكن أن يكون الحكم
استئنافاً لاجواباً ، وهذا كمن تصدى للتدريس فأخبره تلميذ بموت السلطان
مثلاً، فأمره عقب الإخبار بقراءة درسه ، فإنه لا يدل على تعليل القراءة بذلك
الخبر، بل الأمر بالاشتغال بما هو بصدده وبترك مالا يعنيه . وإذا ثبت افتقار فهم
التعليل إلى الدليل فليس إلا انتفاء القرائن الصارفة ، إذ السؤال يستدعي
الجواب ، فتأخيره عنه يكون تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة ، وذلك على خلاف
الدليل .
واعلم أن اعتراف هؤلاء بكون السؤال يستدعي الجواب اعتراف بكون السؤال
قرينة على كون الواقع جواباً ، فيكون مناقضاً لقولهم : إن فهم التعليل يفتقر إلى
الدليل ، والقرائن الصارفه ترشد المعارض لدلالة الدليل على تعيين الواقع
جوابا ، فلا يؤخذ انتفاؤها في حد الدليل . نعم يقف العمل بالدليل على
انتفائها ، وذلك لا يخص هذا النوع من الإيماء ، بل هو جارٍ في جميع الأنواع ،
لأن انتفاء المعارض مشترط في العمل بجميع الدلائل .
والثالث : أن يفرق بين حكمين لوصف :
إما مع ذكرهما معاً ، نحو : للراجل سهم وللفارس سهمان ، وقوله : ﴿لا
تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن﴾ [البقرة / ٢٢٢] فإنه تنبيه على أن ما
جعله غاية للحكم يكون علة ، وقوله : ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ،
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة / ٨٩] فإنه يدل على أن المؤثر في حكم
المؤاخذة والتفصيل ما وقع به الفرق .
٢٠٠