النص المفهرس
صفحات 121-140
مسألة [المعلول] اختلفوا في ((المعلول)) ما هو؟ فقيل: هو محل العلة، وهو المحكوم فيه كالخمر للإسكار والبُرّ للطّعم، فإن المعلول من وجد فيه العلة، كالمضروب والمقتول وكالمريض المعلول ذاته، وحكاه الشيخ أبو إسحاق وسليم عن أبي علي الطبري وغيره، وخيالهم في ذلك أن الحكم مجلوب العلة ولا علة فيه إذن، وإنما جلبته العلة وصَحَّ بها، بل العلة في المحكوم فيه كالمأكول والمشروب لوجود الأكل والشرب فيه، ولذلك يقول الفقهاء: إن العلة جارية في معلولاتها، ولا يريدون به في أحكامها، والجمهور على أن المعلول هو الحكم لا نفس المحكوم فيه، کالمدلول حكم الدليل، وكذا المعلول حكم العلة، وحكاه الشيخ وسليم عن أبي بكر القفال وصححاه: وكذا الكيا الطبري، ونسبه القاضي عبد الوهاب في التلخيص للجمهور. لأن تأثير العلة في الحكم دون ذات المحكوم فيه، وقال ابن برهان: الخلاف لفظي . وأما ((المعلَّل)) بفتح اللام. فقال القاضي عبد الوهاب: هو الحكم في البُرّ والخمر دون ذاتيهما، ومتى قلنا إن البر معلل فمجاز، ومرادنا أن حكمه معلل، وأما ((المعلِّل)) بكسرها فقال الشيخ أبو إسحاق: هو الناصب للعلة و((المعتل)) هو المستدل بالعلة قال القاضي وأما ((المعتل به)) فهو العلة كما أن المستدل به هو الدليل. وأما (التعليل)) فقيل هو إلحاق المعلِّلِ الفرعَ بالأصل بالعلة المقتضية لذلك، وقيل: هو الإخبار منه عن إلحاقه والاعتلال والتعليل واحد . مسألة [تَقَدُّم العلة على الْمَعَلول في العَقْلِيُّاَتْ] العلة متقدمة على المعلول في الأمور العقلية، فإنا نعلم قطعاً أن حركة الخاتم متفرعة عن حركة الإصبع، وليست حركة الأصبع متفرعة عن حركة الخاتم، وأما ١٢١ الشرعية فقال الأصفهاني: هو كذلك لكن يفترقان من جهة أن العقلية تفعل بذاتها والشرعية يجعل الشارع إياها موجبا أو علة على الخلاف . واعلم أنه لا خلاف أن العلة تتقدم على المعلول في الرتبة. واختلفوا هل تسبقه في الزمان أو تقارنه؟ على مذاهب: أحدها: وعليه الأكثر من المعتزلة والفقهاء أنها تقارنه واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر /٤٢] وزعم بعضهم أن ذلك في العقليات مجمّع عليه، وكلام الرافعي في كتاب الطلاق يقتضي ترجيحه فإنه قال: الذي ارتضاه الإمام ونُسب إلى المحققين أن المعلَّقَ بالصفة يقع مع وجودها، فإن الشرط علة وضعية، والطلاق معلول لها مقارن في الوجود، كالعلة العقلية مع معلولها. انتهى. وقال في الروضة: إنه الصحيح وأجاب الرافعي رحمه الله تعالى عن قول القائل: إن جئتني أكرمتك. أن الإكرام فعل لا يتصور إلا متأخراً عن المجيء فلزم الترتيب ضرورة، وقد يقال: هذا لا يرد لأن الكلام في معلول يترتب على العلة ٢٨٦/ب عند وجود المعلّق بنفسه وما ذكروه ترتيب إنشاء فعل على وقوع شيء / وهو يتأخر عنه ضرورة. أما وقوع الطلاق فإنه حكم شرعي لا يفتقر إلى زمان مخصوص فسبيله سبيل العلة مع المعلول . والثاني: أنها معه. وللرافعي إليه صَغوٌ ظاهر . والثالث: أن العقلية تقارن معلولها لكونها مؤثرة بذاتها، والوضعية تسبق المعلول، والشرعية من الوضعية. حكاه ابن الرفعة في كتاب الطلاق من ((المطلب)). مسألة [لأبْدَ للحُكمْ مِن علة] ونقل ابن الحاجب في الكلام على السبر والتقسيم إجماع الفقهاء على أنه لابد للحكم من علة واستشكل ذلك بالأصل المشهور أن افعال الله لا تعلل بالغرض. قلت: ولا منافاة بينهما لأن الأحكام غير الأفعال. ١٢٢ قال الأصفهاني في ((شرح المحصول)): ندعي شرعية الأحكام لمصالح العباد، ولا ندعي أن جميع أحكام الله تعالى لمصالح العباد، وذلك ليس في علم الكلام وندعي إجماع الأمة، ولو ادعى مدّع إجماع الانبياء على ذلك، بمعنى أنا نعلمُ قطعاً أن الأنبياء صلوات الله عليهم بلّغوا الأحكام على وجه يظهر بها غاية الظهور مطابقتها لمصالح العباد في المعاش والمعاد ثم انقسم الناس إلى موفّق وغيره، فالموفَّق طابق فعله وتركه للأحكام الشرعية ففاز بالسعادتين في الدارين، والمخذول بالضدِّ من ذلك، والأمر فيهما ليس إلا لخالق العباد. انتهى. وهكذا ذكر المَروى أن رعاية المصالح لم تخص شريعتنا بل كان معهودا في الشرائع المتقدمة، وعليها انبنت ووقف عليه الفقيه المقترح وقال: لا علم لنا بذلك، وقطع به الأبياري، وقال ابن المنير: ليس كما قال، فإن شريعة عيسى لم يكن القصاص فيها مشروعا، وقد أريد بها صلاح الخلق إذ ذاك، وما قاله في القصاص من شريعة عيسى باطل بل كان مشروعاً وإنما الذي لم يشرع فيها الدِيّة، ويتلخص ثلاثة اقوال، ثالثها: الوقف. فإن قلت: إذا كانت كل شريعة انبنت على مصالح الخلق إذ ذاك فبماذا اختصت شريعتنا حتى صارت أفضل الشرائع وأتمّها؟ قلت: بخصائص عديدة: منها: نسبتها إلى رسولها وهو أفضل الرسل. ومنها: نسبتها إلى كتابها وهو أفضل الكتب: ومنها: استجماعها لمهمات المصالح وتتماتها ولعل الشرائع قبلها إنما انبنت على المهمات وهذه جمعت المهمات والتتمات، ولهذا قال عليه السلام: (بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) و(مثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً) إلى قوله: (فكنت أنا تلك اللبنة) يريد عليه السلام أن الله عز وجل أجرى على يده وصف الكمال ونكتة التمام. ويلزم من حصول نكتة الكمال حصول ما قبلها من الاصل دون العكس . واعلم أن مذهب أهل السنة أن أحكامه تعالى غير معللة بمعنى أنه لا يفعل شيئاً لغرض، ولا يبعثه شيء على فعل شيء، بل هو الله تعالى قادر على إيجاد المصلحة بدون أسبابها وإعدام المضار بدون دوافعها. وقال الفقهاء: الأحكام معللة ولم يخالفوا أهل السنة بل عَنَوا بالتعليل الحكمة وتحجّر المعتزلة ومن وافقهم من الفقهاء ١٢٣ واسعاً فزعموا: أن تصرفه تعالى مقيّد بالحكمة مضيق بوجه المصلحة. وفي كلام الحنفية ما يجنح إليه، ولهذا يتعين الماء في إزالة النجاسة عندنا خلافا لهم، وكذا نبيذ التمر لا يتوضأ به خلافا لهم . والحق أن رعاية الحكمة لأفعال الله وأحكامه جائز واقع ولم ينكره أحد، وإنما أنكرت الأشعرية العلة والغرض والتحسين العقلي ورعاية الأصلح، والفرق بين هذه ورعاية الحكمة واضح، ولخفاء الغرض وقع الخبط. وإذا أردت معرفة الحكمة في أمر كوني أو ديني أو شرعي فانظر إلى ما يترتب عليه من الغايات(١) في جزئيات الكونيات والدينّات متعرفا بها من النقل الصحيح نحو قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَه من آياتنا﴾ [الإسراء/١] في حكمة الإسراء وبملاحظة هذا القانون يتضح كثير من الإشكال ويطلع على لطف ذي الجلال. وقرر ابن رحال في ((شرح المقترح)) الإجماع بطريق آخر فقال: قال أصحابنا: الدليل على أن الاحكام كلها شرعية لمصالح العباد، إجماع الأمة على ذلك، إما على جهة اللطف والفضل على أصلنا، أو على جهة الوجوب على أصل المعتزلة، فنحن نقول: هي وإن كانت معتبرة في الشرع لكنه ليس بطريق الوجوب، ولا لأن خلو الأحكام من المصالح يمتنع في العقل كما يقول المعتزلة، وإنما نقول رعاية هذه المصلحة أمر واقع في الشرع، وكان يجوز في العقل أن لا يقع كسائر الأمور العادية. ثم القائل بالوجوب ما يريد ما هو المفهوم من الوجوب الشرعي، ولكن معناه عنده أن نقيضه يمتنع على الباري، كما يجب وصفه بالعلم لأن نقيضه - وهو الجهل - ممتنع، وعلى هذه الطريقة ينزل كلام ابن الحاجب وغيره ويرتفع الإشكال . وقال بعض المتأخرين: اشتهر عند المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل واشتهر عند الفقهاء التعليل وأن العلة بمعنى الباعث، ويتوهم كثير من الناس أنها الباعث للشرع فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين وليس كذلك ولا تناقض (١) بياض بمقدار كلمة . ١٢٤ بل المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف، مثاله حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له ولا باعث عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس بغير ذلك، وإنما يتعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه وبالقصاص، لأنه وسيلة إليه فكلاهما مقصود للشارع: حفظ النفوس قصْدَ المقاصد، والقصاص قصدَ الوسائل، وأجرى الله العادة أن القصاص سبب للحفظ. فإذا قصد بأداء فعل المكلف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص، وانقاد إليه القاتل امتثالا لأمر الله تعالى ووسيلة إلى حفظ النفوس، كان له أجران أجر على القصاص وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأجور به من جهة الله تعالى، أحدهما بقوله: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [سورة البقرة/ ١٧٩] والثاني: إما بالاستنباط أو بالإيمان بقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾. وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة ومن هنا نبين أن كل حكم معقول المعنى / فللشارع فيه مقصودان : أحدهما: ذلك المعنى، والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه وأمر المكلف أن يفعله قاصدا به ذلك المعنى، فالمعنى باعث له لا للشارع. ومن هنا تعرف أن الظاهرية فاتهم نصف التفقه ونصف الأجر، وتعرف أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجراً من التعبدي، نعم التعبدي فيه معنى آخر وهو أن النفوس لا حظ لها فيه فقد يكون الأجر الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي، وتعرف به أيضاً أن العلة القاصرة سواء فيها المستنبطة والمنصوص عليها . ١/٢٨٧ فائدة : بعين كل مسألة ثلاث مراتب: حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني لا الأول، وكذا حفظ المال بقطع السرقة، وحفظ العقل باجتناب الخمر ونحوه، وكان بعضهم يجمع بينهما ويقول في تفسير المتكلمين: إن الأحكام وقعت على وفق المصالح لا أنها علة لها، وهذا وحده لا ينشرح له الصدر. انتهى. ١٢٥ نعم حكاية الإجماع مردودة فإن أبا الحسين بن القطان من قدماء أصحابنا اختار في كتابه أن الأحكام جميعها إنما ثبتت بالعلة، إلا أن منها ما يقف على معناه، ومنها ما لا يقف، وليس إذا خفيت علينا العلة أن يَدُلَّ على عدمها، فقد أوجب الله تعالى علينا السعي والاضطباع لعلة سبقت في غيرنا. ثم قال: وذهب بعض الحنفية إلى أنه ليس كل الأحكام تُعلِّل، بل منها ما هو لعلة، ومنها ما ليس له علة. قال: وهذا خطأ، لأن الواضع حكيم. وحكى ابن الصلاح في ((فوائد رحلته))، عن كتاب العلل في ((الأحكام)) للقاسم ابن محمد الزجاج تلميذ أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا: اختلف القَّاسُون في العلل، فقال قوم منهم بنفي العلل، وزعموا أن تشبيه الشيء بالشيء على ما يغلب في النفس، لا أن ثَمَّ له علةً توجب الجمع بين الشيئين، وزعموا أنه لم ينقل لهم عن أحد من الصحابة العلل، وقد حُكى عن جميعهم القياسُ، فقلنا بالتشبيه إذ هو منقول عنهم ولم يُعلَّل بالعلل. قال: واختلفوا في أن كل حكم لابُدَّ له من علة، فقال قوم: ما أعلمنا الله علته قلنا إنه لعلة، وما لم يعلمنا علته لم نقطع أنه لعلة بل جوزنا فيه أحد الأمرين. قال: وهذا عندي هو الأصح. انتهى. وقال الإمام الرازي في ((الأربعين)): اتفقت المعتزلة على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللةٌ برعاية مصالح العباد، وهو اختيار المتأخرين من الفقهاء. وهو عندنا باطل .. إلى آخره .. وقال إلكيا: فصلٌ: في أن الأحكام الشرعية هل وضعت لعلل حكمية أم لا؟ ذهب بعضهم إلى امتناع أن يتعبَّد الله عبادَه بما لا استصلاح فيه. وهذا قول مرغوب عنه. ونحن وإن جوزنا أن يَتعبَّد الله عباده بما شاء، ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح، دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملاءمة الشرع للعبادات الجبلّية والسياسات الفاضلة وأنها لا تنفك عن مصلحة عاجلة وآجلة. قال الله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة﴾ [النساء/١٦٥] وقال: ﴿وليعلم الله من ينصره ورسلَه بالغيب﴾ [الحديد/٢٥] ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ [الحديد/٢٥] وهذا كله يدل ١٢٦ على أنه تعالى إنما تعبدهم بالشرائع لاستصلاح العباد، وهذا لا يعلم إلا بالشرع، وأن العقل لا يدل على أن عند وقوع أحد الفعلين يقع الآخر على سبيل الاختيار إذا لم يكن المختار ممن ثبتت حكمته، فإذا صح ذلك السمع فأحدها القياس على ما سنبينه . ثم الأحكام الشرعية تنقسم إلى ما اطلعنا عليه وعلى وجه الحكمة فيه بأدلة موضوعة من النصّ تارة، ومن مفهوم وتنبيه وسير وإيجاز"، ومنها ما لا يطلع فيه على وجه الحكمة الخفية، وهي من ألطاف الله التي لا يُطّلع عليها، فمن هاهنا تخصيص التكاليف بوقت دون وقت، وتخصيص بعض الأفعال بالندب، وبعضها بالوجوب، وهذه المصالح بحسب المعلوم من حال المتعبَّدين به واحداً(٢) اختلف الافعال من الله تعالى في النقل من شریعة إلى أخرى، وقد بنی الله أمور عباده على أن عرَّفهم معاني دلائلها وجملها، وغيب عنهم معاني دقائقها وتفاصيلها، كما إذا رأينا رجلين عليلين تفاوتت عللهما عرفنا الوجه في افتراقهما، ولو سألنا عن تعداد الاختلاف جَهِلنا وهذا فن يهون بسطه. إذا عرفت هذا فهل يجوز أن يقول الله لرسوله: احكم فكلَّ ما حكمت هو الصواب؟ أو يأمر عامة الخلق أن يحكموا بما عَنّ لهم، أو بعض العالم من غير اجتهاد؟ فيه خلاف سيأتي. فقيل: لله أن يتعبد بذلك والصحيح خلافه، فإن هذه الأحكام إذا وضعت لمصالح العباد يجوز أن يختار الفساد والصلاح جميعاً وليس اختياره عَلَماً على الصواب، وبمثله لم يجز ورود التعبد بتصديق نبيّ من غير أمارة، فكما يجوز تفويض الأمر إلينا في الخبر على اتفاق الصدق فكذلك القول في المصلحة. قال: والفرق بينه وبين الاجتهاد أن الأمارة على التعبد به مقطوع بها، والظن مبني على أمارة تفضي إلى الظن قطعاً، وهنا بخلافه، إذ لا أمارة. إذا علمت ذلك فما ذكرناه من اشتمال كليات الشرع وجزئياته على المصالح وانقسامها إلى ما يلوح للعباد وإلى ما يخفى عليهم لا خلاف فيه، ولكن اختلفوا (١) كذا في الأصول. (٢) كذا ولعل الصواب ((ولهذا)) في الأصول. ١٢٧ وراء ذلك في القياس الشرعي وأنه من مدارك الأحكام أو من القول بالشبه المحض، والذين ردوا القياس اختلفوا فيه، فقيل: لا يجوز ورود التعبد به أصلاً، وقيل: يجوز ولكن يمتنع ورود التعبد فال: ويمتنع ورود التعبد بالقياس في جميع الحوادث لأنه لابد من أصول تعلَّل وتحمَل الفروع عليها، ولهذا قلنا: إنه مظنون من حيث إن جهات المصالح مغيَّة عنا، فلا وصول إلى المعنى الواحد من بين المعاني على وجه يعلم أنه الأصلح دون ما سواه قطعا، ولأجله تفاوتت الآراء، وإنما اعتبرنا الأصول السمعية لصحة القياس لأنه لا يجوز رَدُّ الفرع إلى الأصول ٢٨٧/ب العقلية، ولا يجوز/ أن يتوصل إلى أحكامها بالأمارات التي يتوصل بمثلها إلى مصالح الدنيا،، لأن لها أمارات معلومة بالعادة. انتهى . مسألة وإذا ثبت أن الحكم لا يثبت إلا لمصلحة إما جوازاً أو وجوباً - على الخلاف - انبنى على ذلك أنه لا ينصب أمارة على الحكم إلا بمناسبة أو مَظنة معنى يُناسب، وإلا لزم ثبوت الحكم لا لمصلحة وهو ممتنع، فإن قيل: فقد يكون في غير المناسب مصلحة وأقرّ التعريف والعلامة وصار له طريقان: ظهور المناسب، ومحض العلامة. قلنا: لا يخلو عن المناسبة وإن خفي علينا. على أنه سيأتي في فصل الطرد من كلام الشافعي والأصحاب أنه لا يشترط ظهور المناسبة . مسألة قال بعضهم: الأحكام الضمنية لا تعلل، لأن الإنسان إذا سافر إلى بلد لزم منه نقل الأقدام وقطع المسافات، ثم إنه لا يعلّل لعدم خطوره بباله، وهذا صحيح في حق الإنسان، فأما في أحكام الشرع فلا، لأن الشارع للأحكام لا تخفى عليه خافية فتحقق شرائط الإضافة إلى المصالح مضاف ومعلل، لأن شرط الإضافة ليس إلا العلم والخطور بالبال . ١٢٨ مسألة هل الأصل في الأصول أن تكون غير معللة ما لم يقم الدليل على كونها معللة، أو الأصل أنها معلّلة إلا لدليل مانع؟ قولان حكاهما الدبوسي وشمس الأئمة. قالا: والأشبه بمذهب الشافعي أنها معلّلة في الأصل، إلا أنه لابد لجواز التعليل في کل أصل من دليل يميز. قالا: والمذهب عند علمائنا أنه لابد مع هذا من قيام دليل يدل على كونه معلَّلا في الحال . مسألة قال الدبوسي: حكم العلة عندنا تعدية حكم الأصل المعلَّل إلى فرع لا نَصَّ فيه ولا إجماع ولا دليل، وعند الشافعي حكم العلة توقف حكم النص بالوصف الذي ترتب عليه كالعلة العقلية، وفائدة الخلاف تظهر في مسألتين: أحداهما: أن العلة القاصرة لا يصح التعليل بها عندنا وعندهم يجوز، والثانية: امتناع تعدِّيها إلى فرع منصوص عليه عندنا، وعندهم: لا. قلت: وهذه هي المسألة السابقة أن الحكم ثبت بالأصل أو العلة. وقال ابن السمعاني: في مذهب الحنفية أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل في الفرع بعلة الأصل، وفي الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل بها. ثم إن وجدت تلك العلة في موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم في ذلك الموضع، وإلا فلا يثبت. قال: وهذا هو الخلاف في أن العلة القاصرة هل تصح أم لا؟ فعندنا: تصح، وعندهم: لا. ثم اعلم أنه كما جرى الاختلاف في الحكم فكذا في علة الحكم كاختلافهم في الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ وكذا الاستيلاء على مال الغير عندنا علة للضمان وعندهم: ليس بعلة . مسألة المحققون من أصحابنا كما قاله ابن السمعاني على أن العلة لابد من الدليل على صحتها، لأنها شرعية كالحكم، فكما لابد من الدليل على الحكم فكذا العلة. قالوا: وإذا ثبت متفقٌ عليه وادعى أنه معلّل بمعنى أبداه فهو مطالب بتصحيح ١٢٩ دعواه في الأصل، وقد ذكر بعض الجدليين أنه لا تسوغ هذه المطالبة، لكن على المعترض أن يبطل معناه الذي ذكره إن كان عنده مبطل له. وهذا ليس بشيء، والصحيح هو الأول لما بيناه من فساد الطرد، وستأتي مسالك العلة الدالة على صحتها، وقال ابن فورك: من أصحابنا من قال: نعلم صحة العلة بوجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها ولا يرفعها أصل ، ومنهم من قال : يحتاج إلى دلالتين يُعلم بأحدهما أنه علة وبالآخر أنها صحيحة، ومنهم من قال: إذا دل الدليل على أنه علة لم يحتج إلى غيرها، لأن الفائدة ليست بعلة. واختلف أصحابنا في الجريان، هل هو دلالة صحة العلة أم لا؟ على وجهين ومعنى الجريان هو استمرارها على الأصول حتى لا يدفعها أصل ثابت . مسألة في أن العلة هل هي دليل على اسم الفرع ثم تعلق به حكم شرعي؟ هكذا ترجم أبو الحسين في ((المعتمد)) هذه المسألة، وحكى عن أبي العباس بن سريج رحمه الله أنه قال: إنما يثبت بالقياس الأسماء في الفروع ثم تُعَلّق عليها الأحكام، وكان يتوصل إلى أن الشفعة تركة، ثم يجعلها موروثة، وأن وطء البهيمة زنى ثم يتعلق به الحد. وبعض الشافعية كان يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمراً لاشتراكهما في الشدة ثم يحرمه بالآية. وأكثر القيّاسين على أن العلل ثبتت بها الأحكام، فإن كان ابن سريج يمنع من الأحكام في الفروع بالعلل فذلك باطل، لأن أكثر المسائل إنما تعلل فيها أحكامها دون أسمائها، وإن أراد أن العلل قد يتوصل بها إلى الأسماء في بعض الموانع، ولم يمنع من أن يتوصل بها إلى الأحكام، فإن أراد بالعلل العلل الشرعية وبالأسماء الأسماء اللغوية فذلك باطل، لأن اللغة أسبق من الشرع، ولتقدم اللغة خاطبنا الله عز وجل بها، فلا يجوز إثبات أسمائها بأمور طارئة، وإن أراد أن الأسماء قد ثبتت في اللغة بقياس غير شرعي نحو أن يعلم أنهم سمَّوا الجسم الذي حضرهم بأنه أبيض لوجود البياض، قسنا ما غاب عنهم من الأجسام البيض فليس ببعيد، وإن أراد أن من الأسماء الشرعية ما يثبت بالعلل فغير بعيد أيضاً. انتهى. وقد سبقت هذه المسألة في القياس في اللغة . ١٣٠ مسألة إذا حرم الشيء لعلة فارتفعت هل يوجب ارتفاع الحكم؟ قال ابن فورك: الذي نذهب إليه أنه يرتفع ويبقى بعد ذلك موقوفاً على الدليل كتحريم الخمر للشدة، ثم تحرم للنجاسة، وكملك الغير مع عدم الإذن. ثم هي على ضربين: علل مطلقة للحكم، وعلل مقيدة، فالمطلقة كقول القائل علة القتل القتل. وشرطها أن يرتفع الحكم بارتفاعها فلا يجوز أن يوجد قتل إلا بقتل، ومنه مناقضة الشافعي لمحمد بن الحسن في الجمع بين الأختين في المبتوتة، لأن اعتلاله وقع مطلقاً بأنّه يؤدي إلى اجتماع مائِهِ في رَحِم أختين. فقال: إذا خلا بها وطلَّقها لم يؤدِّ إلى ذلك فأجزه. فقال بعض أصحاب أبي حنيفة: ذلك لعلة أخرى قلنا: إن الاعتلال وقع مطلقا، فلذلك كان كلام الشافعي نقضاً لما قال. فأما أن يقول علة قتل القاتل كذا فيجوز أن يقتل غير القاتل، كما تقول أدركته لقربه وارتفاع المانع لم يدركه. قلنا وإن لم يوجد ذلك المعنى من طريق آخر فلا يكون نقضاً وإنما ذلك لسببين مختلفين لحكم واحد . ١٣١ ١/٢٨٨ فصْل في ذكر شرُوط العِلَةَ الأول: أن يكون مؤثراً في الحكم : فإن لم يؤثر فيه لم يجز أن يكون علة، فإن النبي وَلقوله لم يرجم ماعزاً لاسمه ولا لهيئة جسمه، ولكن الزنى علة الرجم، وكذا الطّعم علة الربا دون الزرع، هكذا ذكره الماوردي والروياني. ومرادهما بالتأثير المناسبة وأحسن من عبارتهما قول الأستاذ أبي منصور: أن يكون وصفها مما يصح تعليق الحكم بها، فإن لم يجز تعليق الحكم بها فإن لم يجز تعليق الحكم على وصف لم يجز أن يكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، ولهذا قلنا: إن المعصية لا تكون علة للتخفيف، وأبطلنا بذلك قول من جعل الردة علة لإسقاط وجوب الصلاة والصوم، وإباحة الفطر والقصر وأكل الميتة في السفر الذي يكون معصية . وأجاز بعضهم التعليل بمجرد الأمارة الطردية. والحَقُّ خلافه وأنه لابد أن يشتمل على حكم يبعث المكلف على الامتثال ويصح شاهداً لإناطة الحكم بها على ما تقدم. وقال القاضي في ((التقريب)): معنى كون العلة مؤثرة في الحكم هو الحكم بأن يغلب على ظن المجتهد أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها دون شىء سواها، والمراد من تأثيرها في الحكم دون ما عداها أنها جعلت علامة على ثبوت الحكم فيما هي فيه وليس المراد أنها موجبة لثبوت الحكم لا محالة كالعلة العقلية التي يستحيل ثبوتها مع انتفاء الحكم أو ثبوت حكمها مع انتفائها، وقيل: معناه إنها جالبة للحكم ومقتضية له ويجب أن يكون معنى هذه الألفاظ أجمع أنها(١) علامة على ثبوت الحكم (١) كذا في الأصول. ١٣٢ لا يوجبه في حق من غلب على ظنه كونها مؤثرة فيه . وفي أي موضع يعتبر تأثير العلة؟ وجهان حكاهما الشيخ في ((اللمع)) أحدهما: في الأصل لأن العلة تنزع من الأصل اولاً. والثاني: أنه يكفي أن يؤثر في موضع من الأصول. قال: وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله وهو الصحيح عندي، وحكى شارحه فيها ثلاثة أوجه: أحدها: تأثيره في الأصل. قال: وهو قول أكثر أصحابنا واختاره ابن الصباغ، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة. والثاني: « شترط تأثيرها في الفرع، لأنه المقصود والأصل ثابت بالاجماع. والثالث: انه يكفي في موضع من الأصول سواء المقيس عليه وغيره وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق والغزالي وغيرهم لأن تأثيرها في موضع يدل على صحتها . الثاني: أن يكون وصفا ضابطا: لأن تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع لا حكمة مجردة لخفائها، فلا يظهر إلحاق غيرها بها، وهل يجوز كونها نفس الحكمة، وهي الحاجة إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة؟ قال الإمام الرازي في ((المحصول)): يجوز. وقال غيره: يمتنع واختاره في ((المعالم))، وفصّل آخرون فقالوا: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها لمساواة ظهور الوصف، واختاره الآمدي والهندي، واتفقوا على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها، أي مظنتها بدلاً عنها، ما لم يعارضه قياس والمنقول عن أبي حنيفة المنع، وقال: الحكمة من الأمور الغامضة، وشأن الشرع فيما هو كذلك قطع النظر عند تقدير الحكم عن دليله ومظنته. وعن الشافعي الجواز وأن اعتبارها هو الأصل، وإنما اعتبرت المظنة للتسهيل . وعلى هذا الأصل ينبني خلافهما في المصابة بالزنى، هل تعطى حكم الأبكار أو الثيبات في السكوت؟ فإن قطع بانتفاء الحكمة في بعض الصور كاستبراء الصغيرة فإنه شرع لتبين براءة الرحمِ وهو مفقود في الصغيرة، فقال الغزالي وتلميذه محمد ابن يحيى: ثبت الحكم بالمظنة، فإن الحكم قد صار متعلقا بها، والذي عليه ١٣٣ الجَدَليّون أنه لا يثبت لانتفاء الحكمة فإنها أصل العلة، وقال ابن رحال: التعليل بالحكمة ممتنع عند من يمنع القياس في الأسباب، وجائز عند من جوزه . فرعان فيهما نظر : الأول: هل العلة حقيقة في الوصف المترجم عن الحكمة مجاز في الحكمة؟ أو العكس، لأن الحكمة هي المقصودة اعتباراً والملاحظ بالحقيقة إنما هو معناها وتوسط الوصف مقصود لأجلها. الثاني: إذا وجد محل قابل للتعليل بالوصف والحكمة، والحكمة نهضت بشرطها وسارت العلة في تأثير التعدية بإلحاق فروع تنشىء أحكاماً من الأصل، فالأولى في النظر أن ينظر الى الوصف أو الحكمة؟ فيه احتمالان: أحدهما: الوصف لاتفاقهم على التعليل به واختلافهم في الثاني. والثاني: الحكمة لأنها المقصودة بالذات والوصف وسيلة إلى العلم بوجودها . الثالث: أن تكون ظاهرة جلية : وإلا لم يمكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوية له في الخفاء، ذكره الآمدي في ((جدله)). وظاهره أن العلة يجب أن تكون فى الأصل أظهر منها في الفرع، وقول الأصوليين: ((القياس في معنى الأصل)» يقتضي استواء حالهما في المحلين، والحق أن كل وصف يمكن الوقوف عليه بدليل ينبغي أن يصح نصبه أمارة، لأن مقصود التعريف يحصل منه. كما يحصل من غيره، سواء كان خفيا أو لا وقد قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء/٢٩] وفي الحديث: (إنما البيع عن تراض)، وهذا يدل على أن الرضا هو المعتبر في العقود وإن كان خفيا عندهم، وكذلك العمدية علة في القصاص، وهو كثير في الكتاب والسنة . واعلم أنهم فسروا الخفاء بما لا يمكن الاطلاع عليه، ومثّلوه بالرضا في العقود والعمدية في القصاص، واستشكل لأنهم إن عنوا بكونه لا يطلع عليه أنه لا سبيل إلى الوقوف عليه لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره مما يدل عليه، فهذا لا يصح ١٣٤ نصبه أمارة بنفسه ولا مَظّنَةً، وإن عنوا به أنه لا يطلع عليه باعتبار نفسه ويمكن [أن] يوقف عليه باعتبار ما يدل عليه، فيلزمهم على هذا أن يكون الإشكال خفيا، لأنه لا يوقف عليه باعتبار نفسه وإنما يستدل عليه بآثاره. قالوا: وينبغي أن يكون التعليل بالقدر المشترك بين الأصل والفرع إذ يعسر تعيين قدر في الأصل هو ثابت في الفرع، وأيضا إذا فعل ذلك اندفعت النصوص إذ يُمنعُ أن يكون ما في محلها من الحكم غير قاصر عن ذلك القدر المشترك. قال / ابن النفيس في ((الإيضاح)): إن ٢٨٨/ب الأمر وإن كان كذلك ولكن يرد حينئذ منع يعسر دفعه، وهو أنه لم قلتم إن هذا القدر المشترك قدر يجوز التعليل به؟ فإن التعليل بالحكمة إنما يجوز إذا كان لذلك الحكم قدر يعتد به ولا يجوز التعليل بكل حكمة . الرابع: أن تكون سالمة بشرطها، أي بحيث لا يردها نص ولا إجماع. لأن القياس فرع لها لا يستعمل إلا عند عدمها فلم يجز أن يكون رافعاً لها، فإذا ردّه أحدهما بطل . الخامس: أن لا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها ، فإن الأقوى أحق بالحكم، كما أن النص أحق بالحكم من القياس، وما أدى إلى إبطال الأقوى فهو الباطل بالأقوى. ذكره - والذي يليه - الماوردي والروياني . السادس: أن تكون مطردة، أي كلما وجُدت وجد الحكم ليسلمَ من النقض والكسر، فإن عارضها نقض أو كسر فعُدِم الحُكم مع وجودها بطلت . واعلم أن العلة إما عقلية أو سمعية، فالعقلية يمتنع تخصيصها بإجماع أهل النظر كما نقله ابن فورك والقاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور وابن عبدان، في شرائط الاحكام، وغيرهم. وإنما اختلفوا في الشرعية. وهي إما أن تكون مستنبطة أو منصوصة، فإن كانت مستنبطة فجزم الماوردي والروياني بامتناع تخصيصها على معنى أن العلة لا تبقى حجة فيما وراء الحكم المخصوص لبطلان الوثوق بها، وقال ابن فورك: عند الشافعي لا يجوز تخصيصها، وقال ابن کج: إنه قول أصحاب الشافعي. قال الأستاذ أبو منصور أجمع عليه أصحاب الشافعي، وكذلك قال ١٣٥ صاحب ((البيان)) في باب الربا: إنه لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في المنصوصة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائني: اتفق عليه أهل الحجاز والبصرة والشام، وبه قال أكثر العراقيين، وزعم أهل الكوفة أنه لا يمتنع. وأطلق ابن الصباغ في ((العُدّة)) منع تخصيص العلة وإن كانت منصوصة . فمن جوز تخصيص المستنبطة جوز هذه أيضاً، ومن منع هناك اختلفوا على قولين، وهما وجهان لأصحابنا : أحدهما: المنع، كالمستنبطة. قال القفال الشاشي: والفرق بينها وبين اللفظ العام حيث جاز تخصيصه أن العام لا يجوز إطلاقه على بعض ما يتناوله، فإذا ورد لم ينافه، وأما العلة المستنبطة فإنما انتزعها القائس من الأصل، ومقتضاه الاطراد، وقال الأستاذ أبو إسحاق: هذا قول الجمهور وهو الصحيح. وقال القاضي في ((التقريب)) إنه قول الجمهور من الفقهاء، ثم اختاره القاضي آخراً وجزم به القاضي أبو علي بن أبي هريرة، ونصره في ((كتاب الجدل)) له، وكذا الخفاف في ((الخصال)) وقال الأستاذ أبو منصور: إنه الصحيح عندنا، وقال إلكيا: إنه المشهور عند أصحاب الشافعي. وقال في ((القواطع)): إنه مذهب الشافعي وجميع أصحابه إلا القليل منهم، وهو قول كثير من المتكلمين، وقالوا: تخصيصها نقض لها، ونقضها يتضمن إبطالها. قال: وبه قال عامة الخراسانيين من الحنفية. قال أبو منصور الماتريدي تخصيص العلة باطل، ومن قال بتخصيص العلة فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث، لأنه أي فائدة في وجود العلة ولا حكم إذ العلة شرعت للحكم، والكلام في العلل الشرعية، فإذا خلا الفعل عن العاقبة الحميدة يكون عبثاً. والدليل على فساد تخصيص العلة، أن دليل الخصوص يشبه الإبداء أو الناسخ وكلاهما لا يدخل العلل. وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) لا يجوز تخصيص العلة سواء المنصوصة والمستنبطة في قول أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي وبعض الحنفية . وقال الغزالي في ((المنخول)): المختار أن التخصيص لا يتطرق إلى جوهر علة الشارع، فإنه من أعم الصيغ، ولا نظن برسول الله وَالقر أن ينصب عَلما ثم ينتفي ١٣٦ الحكم مع وجوده من غير سبب، نعم يتطرق إلى محل كلامه بتخصيص بعض المحال، بدليل قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة / ٣٨] ﴿الزانية والزاني فاجلدوا .. ﴾ [النور/٢] فيذكر المحل دون العلة. والثاني: الجواز، ونقل عن ابن سريج، وقال أبو الحسين: إنه ظاهر مذهب الشافعي وهو الذي أورده ابن كج في كتابه. قال: والفرق بينها وبين المستنبطة حيث امتنع فيها أن المنصوصة في الحقيقة ليست بعلة، بل هي كالاسم يدل على الحكم بدلالة العموم، وأيضا فإنما جاز تخصيصها لأن واضعها قد علم أنه لم يُرد بها عند إطلاقها العموم فصار كالاستثناء، والمعلّل يقصد بالعلة جميع معلولاتها، فإذا وجدت ولا حكم كان نقضاً، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أهل العراق. قال: وحكاه الهمداني عن أصحابنا والأمر بخلاف ما قاله. انتهى. قال الكيا: وإليه ذهب قدماء الحنفية، ونقله ابن برهان في ((الوجيز)) عن الأستاذ أبي إسحاق. - وفيه نظر لما سبق عنه - ونقله ابن السمعاني عن عامة العراقيين من الحنفية. قال: ومنهم أبو زيد وادعى أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال: واختلف أصحاب مالك في ذلك على قولين. وقال ابن برهان في ((الأوسط)): وأما أصحاب أبي حنيفة فالمتقدمون منهم وافقوا الشافعي على المنع، والمتأخرون کأبي زيد جوزوا ورجع بعضهم عن ذلك وهم أهل ما وراء النهر. انتهى. وقال القاضي في ((التقريب)): جوز قوم من أسلاف أصحاب أبي حنيفة تخصيصها مستنبطة ومنصوصة، وزعموا أنه قول أبي حنيفة، وحكى بعضهم ذلك عن مالك وهو غير ثابت عنه، ومن أصحابه من يجيزه، وأنكر كثير من أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيص العلة وأن يكون ذلك قولاً لأبي حنيفة وقالوا: إنما يترك بعض أسلافنا الحكم لأجل علة أخرى وهي أولى منها فأما على وجه تخصيصها فلا. وهذا اعتذار منهم وتحامٍ للقول بتخصيصها. وتحصل في المسألة مذاهب: ثالثها: المنع في المستنبطة، والجواز في المنصوصة . وفيها مذهب رابع: وهو تجويز تخصيصها في أصل المذهب، وأما في علة النظر. فلا يجوز، حكاه السهيلي في ((أدب الجدل)) عن بعض الحنفية. قال: وهو ١٣٧ فاسد لأن التعليل في المناظرة إنما يثبت المذهب، فوجب القول بجواز ما فيه وهو قريب من اختيار ابن برهان في ((الوجيز)» شرطَ الاطراد في المناظرة حتى أنه ليس له الاحتراز عن النقض الذي أورده الخصم.والجواز في المجتهد نفسه حتى أن له الرجوع إلى ذلك . وفيها مذهب: خامس: حكاه / القاضي في ((التقريب)) عن بعض القدرية وهو ١/٢٨٩ التفصيل بين علة الإقدام فيجوز تخصيصها، وبين علة ترك الفعل فلا يجوز، بل يكون علة لتركه واجتنابه أين وجدت. قال: وهذا القول خروج عن إجماع الأمة وربما عُزي لقدماء الحنفية. قال ابن فورك: ولأبي علي بن أبي هريرة طريقة في تخصيص العلة والعموم فيقول: إن تخصيصها مواء، وهو أنه إنما يمتنع تخصيص العلة المطلقة كما يمتنع تخصيص العام المطلق، وأما إذا اقترنت بهما قرينة فيعلم أن ذلك كان فيها في الابتداء وليس ذلك نقضاً، والنقض أن يقال: كانت مطلقة فقيدت الآن ، فعلى هذا يسقط ما قاله الخصم تخصيصاً من علل السمع، بل تبينَّ بالقرينة، أنها وقعت في الابتداء مقيدة . ثم الكلام في تحرير أمور: أحدها: أن الغزالي ذكر في ((شفاء العليل)) أنه لم يصح عن الشافعي وأبي حنيفة التصريح بتخصيص العلة أو منعه، ونقل الدبوسي تعليلات عنهما منقوضة. قال: وهذا يدل على قبولها التخصيص. انتهى. ويوافقه ما ذكره الصيرفي في كتاب ((الاعلام)) أن المجوزين قاسوا بقول الشافعي: القياس كذا لولا الأثر، والنظر كذا لولا الخبر، وكذا أبو حنيفة يقول: القياس كذا إلا أني أستحسن، ولولا الأثر لكان القياس كذا. فلو كانوا يبطلون الأصل الذي جرى القياس فيه لما وجدوا الأثر في العين التي جاء الأثر فيها، انتھی . وقال القاضي في ((التقريب)): نقل جماعة عن أبي حنيفة جواز التخصيص مطلقا، وحكي عن مالك أيضاً. وهو غير ثابت عنه. وأنكر كثير من الحنفية القول بتخصيص العلة وأن يكون ذلك قولاً لأبي حنيفة وقال: إنما يترك بعض أسلافنا ١٣٨ الحكم بعلة لأجل علة أخرى هي أولى منها، فأما على وجه تخصيصها فلا، وإنما هذا اعتذار وتحام عن القول بتخصيصها. ونقل ابن فورك وابن السمعاني وغيرهما عن الشافعي المنع . وقال ابن برهان في ((الأوسط)): إن الشافعي نص على أن القول بتخصيص العلة باطل، وأن القاضي قال: لو صح عندي أن الشافعي قال بتخصيص العلة ما كنت أعُدُّه من جملة الأصوليين. وذكر صاحب ((المعتمد» أن في كلام الشافعي جوازه، قال: وذكر أقضى القضاة - يعني عبد الجبار - في ((الشرح)) أن الشافعي لا يجيز ذلك وإنما يعدل عن حكم علة إلى علة أخرى. والمعلوم من مذهبه أنه شَرَط في العلة التأثير حتى لا تنتقض. قلت: وفي كلام الشافعي في ((الأم)) ما يقتضي الجواز، فإنه قال: ويَسُنّ سّةً في نص معين فيحفظها حافظ وليس يخالفه في معنى، ويجامعه سنة غيرها لاختلاف الحالين فيحفظ غيره تلك السنة. فإذا أدَّى كلّ ما حَفِظ رأى بعض السامعين اختلافاً، وليس فيه شيء مختلف، انتهى. وترجم عليه ابن اللبان في ((ترتيب الأم)) جواز تخصيص العلة وأن المناسبة لا تبطل بالمعارضة . الثاني: مثَّل ابن السمعاني المسألة بقول الحنفية في علة الربا في الذهب والفضة: هو الوزن، وجعلوا لذلك فروعاً من الموزونات، ثم جوَّزوا إسلام الدراهم في الزعفران والحديد والنحاس مع اجتماعها في الوزن، فحكموا بتخصيص العلة فانتقضت علة الوزن عندنا وعندهم لم تنتقض. قيل: قد ناقض الشافعي أصله، فإنه قال بتخصيص العلة في مسائل كثيرة، كقوله: الواجب في إتلاف المثل المثل، ثم خص هذا الأصل في المصرَّاة فأوجب عليه في اللبن المستهلك صاعاً من تمر. وقال بتحريم الخمر للشِدَّة، وقاس عليها النبيذ، وللخمر ثلاثة أحكام: التحريم، والتفسيق، والحَدّ، فطرد علته في الشرع في الحد، ولم يطردها في التفسيق، فإنه لم تُرَدَّ شهادة شارب النبيذ ولم يُحكم بفسقه. وأيضا فإنه خص علة الربا في مسألة العرايا، وجوَّز العقد من غير وجود المماثلة كيلاً، وكذلك ١٣٩ خَصَّ ضمان الجنين بالغُرَّة مع مخالفة سائر أجناسه، وكذلك الدية على العاقلة في سائر المواضع. وأجاب بأنا لا ننكر وجود مواضع في الشرع وتخصيصها بأحكام تخالف سائر أجناسها بدليل شرعي يقوم في ذلك الموضع على الخصوص كالأمثلة المذكورة، إنما الممنوع تخصيص العلة المعنوية. وأجاب القفال عن العرايا بأن العلة في تحريم المزابنة الجهل الكثير، وما أجيزت فيه قليل، فتكون هذه علة مقيّدة لعلة الربا مقيدة للجنس . الثالث: أن المجوزين لتخصيص العلة تمسكوا بآيات، منها قوله تعالى: ﴿قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه﴾ [يوسف/٧٨] فإن هذه العلة التي قصدوا بها إطلاقه من يد العزيز هي موجودة في كل واحد منهم. وأجيب بأنه لم يكن في ذهنهم أن العزيز يعرف أخُوَّتهم الذي(١) اخذوا الاحتراز من محل النقض إنما هو لدفع المعترض بحيث لا يعترض إلا بحسب الاحتراز عنه لفظا، وتكفي إرادته. فالعلة أن له أباً شيخاً كبيراً وأنه صغير يصدر عليه من الحزن ما لا يصدر على أحد، فحذف هذا القيد مع إضماره، وإن في حذفه لفائدة جليلة، إذ لم يكن لهم قصد في التعريف بأخوتهم له، ولو صرحوا له بذكر هذا القيد لفهم أخوتهم له. فتأمل هذا ما أحسنه. ومنه قوله تعالى ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبينٍ لهم أنهم أصحاب الجحيم) الآية. [التوبة / ١١٣] دل النص على أن العلة هي تبين أنهم من أصحاب الجحيم، ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم بالوعد، فدل على جواز تخصيص العلة. واحتج بعضهم على الامتناع بقوله تعالى: ﴿الذِّكرِيَنْ حَرَّم أم الأنثيين﴾ [الأنعام/ ١٤٣] فإنه طالب الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة لأوجه لا تدفع لهم، لأنهم إذا أثبتوا أحد هذه المعاني ان الحرمة لأجله انتقض بإقرارهم بالجواز في الموضع الآخرِ مع وجود ذلك المعنى فيه، ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية جائزاً لما كانوا محجوجين فإنه لا يعز أن يقال امتنع ثبوته هناك لمانع . (١) كذا في الأصول. ١٤٠