النص المفهرس
صفحات 41-60
وللشافعي ما يدل عليه في أوائلٍ ((الرسالة)) وأواخرها. وقيل: لا يصح، وتأول ما قاله الشافعي على أنه أراد به أن يرجح به قياس بكثرة الأشباه. ثم اختلف القائلون به في أنه هل يجب أن يكون حكماً وأن يكون صفة؟ على قولين قال: والأشبه عندي أن قياس الشبّه لا يصح. وقال ابن القطان: قياس الشبه اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشبه يعتبر في الصورة أخذا من قول الشافعي في الجنايات أن العبد إذا جُني / عليه اعتبرت قيمته بالحر لوقوعه بين أصلين: ٢٧٣/ب أحدهما : البهيمة، لأنه سلعة فيتصرف فيها. والثاني: الحر لأنه آدمي متعبّد. وقيل(١): هذا خطأ، لأن القياس لا يصح حتى تستخرج العلة من المنصوص عليه، فيؤخذ في الفرع أكثر الأوصاف، فيلحق حكمه بحكم ذاك الأصل، وهذا لا ينقض به حكم الحاكم إذا خالف. وإن كان هناك علة أخرى توجب التحليل بها خمسة أوصاف، وعلة توجب التحريم بها خمسة أوصاف فيوجد فيها من أوصاف العلة المبيحة أكثر من المحرمة فيلحق ذلك بحكم التعليل، لأنه أكثر شبهاً. فإنه لو قيل: فما تقولون لو تساوى الجَرَيان في الأصلين وتساوت الأوصاف؟ قلنا: عنه جوابان أحدهما: يتوقف فيه لأنهما يتساويان وليس لأحدهما مزية على الآخر، وهذا أشبه من الأول. والثالث: أن قياس الشبه أن تكون المسألة محتملة فتتحد بها فتقوم الدلالة على إلحاقها بأحد الأصول هو الأشباه. انتهى. وقد وقع في كلام الشافعي رحمه الله ذكر ((قياس علة الأشباه)) فقيل هو قسيم ((قياس العلة)) وقيل هو ((قياس العلة)) إلا أنه جعل كثرة الأشباه ترجيحاً للعلة وقال القاضي في ((التقريب)): ظاهر نص الشافعي يدل على الأول قال: وحكى أن أبا العباس بن سريج كان يقول: إن غلبة الأشباه هي العلة وأن الأشباه ثلاثة ما حكم فيه بالتحريم وله وصفان، وما حكم فيه بالتحليل وله وصف واحد وواسطة بينهما (١) هذا هو الوجه الثاني في قياس الشبه ٤١ لم يحكم فيه بشيء. قال فإذا تردّد بينهما كان رده إلى أشبههما أولى من رده إلى أبعدهما منه في الشبه. قال القاضي: وهذا محتمل لأن يكون ممن يرى الحكم بغلبة الأشباه من غير اعتقاد كونه علة، ويحتمل أن يريد أن رَدَّها إلى ما هو علة الحكم أولى من رده إلى ما بعد أن يكون علة. وقد قيل: إن هذا الذي کان یذهب إليه أبو العباس وأنكر القياس على شبه لم يعتبر كونه علة وقال الخفاف في ((الخصال)): علة غلبة الأشباه صحيحة، والحكم بها جائز إذا كانت علة ما وصفنا، غير أنه لا يجوز الحكم فيها مع وجود العلة المستخرجة. وأما الماوردي والروياني ففسرا قياس الشبه بما تقدم، وقسماه إلى نوعين: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه، وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه. وقياس التحقيق مقابل لقياس المعنى الخفي وإن ضعف عنه. (الأول) قياس التحقيق وهو ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتردد حكم فرع بين أصلين فينتقض برده إلى أحدهما ولا ينتقض برده إلى الآخر، فيرده إلى الأصل الذي لا ينتقض برده إليه، وإن كان أقل شبهاً دون الآخر، وإن كان أكثر شبهاً، كالعبد يملك يتردد بين البهيمة والحر فلما انتقض رده إلى الميراث حيث لم يملك به وجب رده إلى البهيمة لسلامته من النقض، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر. والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين، فيسلم من النقض رده إلى كل واحد منهما، وهو بأحد الأصلين أكثر شبهاً، مثل أن يشبه أحدَهما من وجه والآخر من وجهين، أو أحدَهما من وجهين والآخرَ من ثلاثة، فيرد إلى الأكثر. مثاله في الجناية على طرف العبد فُردّده بين رده إلى الحر وإلى البهيمة، وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك، ويورث عينُه، ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف يجب في قتله القود والكفّارة وجب رده إلى الحر في تقدير أرش طرفه دون البهيمة لكثرة شبهه بالحر. الثالث: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحد من الصفتين والأقل من الأخرى، فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته، مثاله ثبوت الربا في السقمونيا، لما تردد بين الخشب في الإباحة، ٤٢ لأنه ليس بغذاء، وبين الطعام في التحريم، لأنه مأكول، فكان رده إلى الغذاء في التحريم وإن لم يكن غذاءً أولى من رده إلى الخشب في الإباحة وإن لم يكن غذاءً لأن الأكل أغلب صفاته. الثاني: قياس التقريب وهو ثلاثة أضرب: أحدها: تردد الفرع بين أصلين مختلفين صفةً، وقد جمع الفرع معنى الأصل فيرجع في الفرع إلى أغلب الصفتين، مثاله في المعقول أن يكون أحد الأصلين معلولاً بالبياض والآخر معلولاً بالسواد، ويكون الفرع جامعاً بين السواد والبياض فيعتبر بحاله، فإن كان بياضه أكثر من سواده رد إلى الأصل المعلول بالبياض ولم يكن للسواد فيه تأثير، وإن كان سواده أكثر من بياضه رد إلى الأصل المعلول بالسواد ولم يكن للبياض فيه تأثير، ومثاله في الشرع الشهادات، أمر الله تعالى فيها بقبول العدل ورد الفاسق، وقد علم أن أحداً غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يُمحض الطاعة حتى لا يشوبها شيء ويخرمها، فوجب اعتبار الأغلب في حالتيه: فإن كانت الطاعات أغلب حكم بعدالته، أو المعاصي أغلب حكم بفسقه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا الضرب لا يسمى قياساً، لأن القياس ما استخرج علة فرعه من أصله، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه، ولأن القياس إنما يصح إذا كان معنى الأصل موجوداً بكماله من الفرع، فإذا وجد بعض أوصافه لا يصح إلحاقه به. وهذا غلط، لأن صفة العلة مستخرجة من الفرع وحكم العلة مستخرج من الأصل، فالجمع بينهما موضوع بحكم العلة دون صفتها. وهذا كما تقول في الماء المطلق: إذا خالطه مائع طاهر كماء الورد ولم يغيره نُظِر: إن كان الماء أكثرَ حكمنا له بالتطهير وإن كان فيه ما ليس بمطهر، وإن كان ماء الورد أكثرَ حكمنا أنه غير مطهر وإن كان فيه ماء طهور، وأن الحادثة أشبهت كل واحد من الأصلين في بعض الأوصاف فلابد من تعريف حكمها، ولا يجوز إلحاقها بغير هذين الأصلين، لأنه لا يجوز إلحاقها بما لا يشبهها وتركه ما يشبهها، ولا إلحاقه بهما لتضادهما فكان أكثرها شبهاً أولى. وقال القاضي أبو الطيب الطبري: هذا النوع في القياس ضعيف، لأنه يقاس ٤٣ على ما يلحق به من غير علة، وذلك لا يجوز ولا يخلو الوصف الذي أشبه الأصل ١/٢٧٤ فيه من أن يكون علة الأصل، أو ليس بعلة /، فإن كان علة فهو قياس العلة لا قياس الشبه، وإن لم يكن علة فلا يصح القياس بغير علة قال: ومعنى هذا عندك إذا تردد فرع بين أصلين وقاسه في كل واحد من الأصلين على أصله بعلة ظاهرها الصحة يحتاج إلى الترجيح لتغليب أحد الأوصاف لكثرة الشبه، فيكون ذلك على سبيل الترجيح . الثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، والصفتان معروفتان في الفرع، وصفة الفرع تقارب إحدى الصفتين وإن خالفتها. مثاله في المعقول أن يكون أحد أصلين معلولاً بالبياض، والآخر بالسواد، والفرع أخضر لا أبيض ولا أسود، فرد إلى أقرب الأصلين شبهاً بصفتيه والخضرة أقرب إلى السواد، ومثاله في الشرع قوله تعالى: ﴿فجزاءٌ مِثْلُ ما فَتَل من النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة / ٩٥] وليس المثل من النعم شبيهاً بالصيد في جميع أوصافه ولا منافياً له في جميعها، فاعتبر في الجزاء أقرب الشبه بالصيد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: مثل هذا لا يكون قياساً، لأن القياسَ: ما وُجدت أوصاف أصله في فروعه، وأوصاف الأصل في هذا غير مقصودة في الفرع، فصار قياساً بغير علة. وهذا غلط، لأن الحادثة لابد لها من حكم، والحكم لابُدَّ له من دليل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع دليل عليها لم يبق لها أصل غير القياس كما في أقربهما شبهاً بأصل هو علة القياس. وقد جعله بعض أصحابنا اجتهاداً محضاً ولم يجعله قياساً. والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفين، والفرع جامع لصفتي الأصلين وأحد الأصلين من جنس الفرع دون الآخر. مثاله أن يكون الفرع من الطهارة، وأحد الأصلين من الصلاة، والثاني من الطهارة. فيكون رده إلى أصل الطهارة لمجانسته أولى من رده إلى أصل الصلاة. ثم قالا: وها هنا قسم رابع: اختلف أصحابنا في وروده، وهو أن يتردد الفرع بين أصلين فيه شبه كل واحد من الأصلين، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فمنع كثير من أصحابنا من وجوده وأحال تكافؤ الأدلة، لأنه لا يجوز أن يتعبد الله ٤٤ العباد بما لم يوصلهم إلى علمه، ولكن رُبما خفي على المستدل لقصوره في الاجتهاد فإن أعوزه الترجيح بين الأصلين عدل إلى التماس حكمه من غير القياس. وذهب الأكثرون إلى جواز وجوده، لأنه لما جاز أن يكون من الأدلة غامضة لما علم فيها من المصلحة جاز أن يكون فيها متكافئة لما رآه من المصلحة أن يكون لها حكم مع التكافؤ. فعلى هذا اختلفوا في حکم ما تكافأت عليه الأدلة، وتردد بین أصلین حاظر ومبيح على وجهين: أحدهما: المجتهد بالخيار في رده إلى أيّ الأصلين شاء، لأن الله تعالى لو لم يرد كل واحد منهما لنصب على مراده منهما دليلاً. والثاني: يرده إلى أغلظ الأصلين حكماً وهو الحظر دون الإباحة احتياطاً، لأن أصل التكليف موضوع للتغليظ. قالا: فصار أقسام القياس على ما شرحنا اثني عشر قسماً، ستة منها مختصة بقياس المعنى، منها ثلاثة في الخفي. وستة مختصة بقياس الشبه، منها ثلاثة في قياس التحقيق، وثلاثة في قياس التقريب. وذكر امام الحرمين قياس التقريب بما حاصله يرجع إلى أنه استدلال من غير بناء فرع على أصل، ومن جملة كلامه قال: قد ثبت أصول معللة اتفق القائسون على عللها، فقال الشافعي: الحد في تلك الأصول معنوي، وجعل الاستدلالات قريبة منها وإن لم تكن بأعيانها حتى كأنها أصول معتمدة مثلاً، والاستدلال معتبر بها، واعتبار المعنى بالمعنى تقريباً أولى من اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع. ثم مثّل الإمام ذلك بتحريم وطء الرجعية بأنه معلل عند الشافعي بأنها متربصة في تبرئة الرحم وتسليط الزوج على رحمها في الزمان الذي تؤمر فيه بالتربص للتبرئة تناقض، وهذا معنى معقول. وأن المرأة لو ثربصت قبل الطلاق واعتزلها الزوج لم يعتد بذلك عنده، ولو طلب الشافعي لهذا أصلاً لم يجده، ولكنه قريب من القواعد. ومن قاس الرجعية على البائن لم يتم له ذلك، لأن المخالف يقول: البينونة هي المستقلة بتحريم الوطء والرجعية ليست مثلها. ٤٥ النوع الثَالث قيَاسْ العَكس وهو إثبات نقيض الحكم في غيره لافتراقهما في علة الحكم، كذا عرفه صاحب ((المعتمد)) و((الأحكام)) وغيرهما. وقال الأصفهاني: إنه غير جامع، لأنه من جملة أنواع العكس الملازمة الثابتة بين الشيئين: الملزوم نقيض المطلوب، واللازم منتف. والدليل على الملازمة القياس، كقولنا: لو لم تجب أولاً على الصبي لما وجبت على البالغ، قياساً على الوجوب على الصبي، واللازم منتفٍ إجماعاً فينتفى الملزوم. انتهى وقد وقع في الكتاب والسنة استعمال هذا النوع، قال الله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهةً إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء / ٢٢] وقال وَّ (وفي بُضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام) يعني: أكان يعاقب؟ قالوا: نعم، قال ((فمَهْ)) يعني: أنه إذا وضعها في حرام يأثم، كذلك إذا وضعها في حلال) فقد جعل النبي ◌َّ نقيض حكم الوطء المباح وهو الإثم في غيرِه وهو الوطء الحرام، لافتراقهما في علة الحكم وهو كون هذا مباحاً وهذا حراماً. وقد اختلف في تسميته قياساً فقيل: إنه قياس حقيقة، وقال صاحب ((المعتمد)) هو قياس مجازاً، وقيل: لا يسمى قياساً، وبه صرح ابن الصباغ في ((العُدّة))، لأن غايته تمسكٌ بنظم التلازم وإثباتٌ لإحدى مقدمتيه بالقياس. وذكر الشيخ أبو اسحاق في ((الملخص)) أن الشافعي رحمه الله تعالى احتج به على أبي حنيفة في إبطال علته في الربا في الأثمان فقال: لو كان الفضة والحديد يجمعهما علة واحدة في الربا لم يجز استلامُ أحدهما في الآخر، وكذلك الحنطة والشعير لو جمعهما علة واحدة لم يجز استلامُ أحدِهما في الآخر، فلما جاز بالإجماع استلام الفضة في الحديد دل على أنه لم يجمعهما علة واحدة. قال: واختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين: أحدهما: أنه لا يصح. ٢٧٤/ب و ((أصحهما)) وهو / المذهب أنه يصح. وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع، والدليل عليه أن الاستدلال بالعكس استدلال بقياسٍ مدلولٍ على صحته بالعكس، وإذا صح القياس في الطرد وهو غير مدلول على صحته فلأنْ يصح الاستدلال بالعكس وهو قياس مدلول على صحته أولى، ويدل عليه أن الله تعالى ٤٦ دل على التوحيد بالعكس فقال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدَتا﴾ [سورة الأنبياء / ٢٢] ودل على أن القرآن من عنده بالعكس، قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [سورة النساء / ٨٢]. قلت: وقد احتج به الشافعي في ((المختصر)) فقال في زكاة الخلطة: ولما لم أعلم مخالفاً إذا كان ثلاثة خلطاء لو كان لهم مائة وعشرون أخذت منهم واحدة فَصُدِّقوا صدقة صدقة الواحد فنقصوا المساكين شاتين من مال الخلطاء الثلاثة الذين لو تفرق مالهم كان فيهم ثلاث شياه لم يجز إلا أن يقولوا لو كانت أربعون بين ثلاثة كانت عليهم شاة لأنهم صدّقوا الخلطاء صدقة الواحد. انتهى فقاس وجوب واحدة من أربعين لثلاثة خلطاء على سقوط اثنتين في مائة وعشرين لثلاثة خلطاء. وحكى الشيخ أبو حامد في ((تعليقه)) مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن، فقال الشافعي لمحمد بن الحسن: لا قود على من شارك الصبي، فقال: لأنه شارك من لا يجري عليه القلم، فقال له الشافعي: فأوجِب القودَ على من شارك الأب لأنه شارك من جَرى عليه القلم، وإذا لم توجب على شريك الأب فهو ترك الأصلك. قال أصحاب أبي حنيفة: هذا السؤال لا يلزم محمداً، لأن محمداً علّل بأنه شارك من لا يجري عليه القلم، فنقيضه أنه يوجد من شارك من لا يجري عليه القلم ومع هذا يجب عليه القود، فأما من شارك الأب فهو عكس علته، لأنه شارك من يجري عليه القلم. أجاب أصحابنا عن هذا، فقال الشيخ أبو علي بن أبي هريرة: هذا يلزم محمد ابن الحسن، وذلك أن العلة على ضربين: علة للأعيان، وعلة للجنس، فإذا كانت العلة للأعيان انقضت من وجه واحد وهو أن توجد العلة ولا حكم كقولك: لأنه مرتد فوجب أن يقتل، فالنقض أن يوجد مرتد مع أنه لا يقتل. والثانية علة الجنس فهذه تنقض من وجهين: أن توجد العلة ولا حكم، وأن يوجد الحكم ولا علة، كقولك: علة القتل القتل، فكأنه قال: لا قتل إلا بقتل، فهذه تنقض بما قلناه: إن قتل بغير قتل انتقضت العلة، وإن لم يقتل مع وجود القتل ٤٧ انتقضت العلة. وإذا ثبت هذا فعلة محمد بن الحسن للجنس، لأنه علل سقوط القود عن الشريك دون شريك من لا يجرى عليه القلم، فهذه للجنس فينتقض من وجهين: أن يوجد العلة ولا حكم وأن يوجد الحكم ولا علة فقد أوجد الحكم ولا علة فبطل قوله. قال الشيخ أبو حامد: وكنت أجبت بجواب آخر، وهو أن الشافعي ألزمهم العكس بناءً على أصلهم، لأن علة العكس عندهم دليل تناقضهم في العكس. وجواب آخر جديد وهو أن محمد بن الحسن فرّق بين مسألتين فطالبه الشافعي بالفرق بين شريك الصبي حيث قلت لا قود عليه، وقد قلت إذا عفا الولي عن أحد القاتلين كان على شريكه القود، فقال محمد: لأن شريك الصبي قد شارك من رفع عنه القلم وليس كذلك ما إذا عفا الولي عن أحدهما لأنه شارك مَنِ القلمُ جارٍ عليه، فقال الشافعي: هذا باطل بما إذا شارك الأب في قتل ولده، لأنه شارك منٍ القلمُ جارٍ عليه ومع هذا لا قود عليه عندك. فأما المزني فإنه تكلم على مسائل الشافعي فإنه قال: قد شرك الشافعي محمد بن الحسن فيما أنكر عليه فإنه أسقط القود عن شريك الخاطىء وأوجبه على شريك الصبي ومعناهما واحد. قلنا له: هذا على القولين إن قلنا في حكم الخطأ فلا قود على شريكه كمن شارك الخاطىء لأن معناهما واحد، فإن قلنا عمده عمد، فعلى شريكه القود، لأن معناهما مختلف. ثم يقال للمزني: قد كسر الشافعي فرق محمد بن الحسن، فأنت أوردت كلاماً ينقض الكسر وإنما تُنَاقَضُ العِللُ، فأما الكسر فلا يناقض، فسقط، هذا. وقال الشيخ أبو حامد في ((تعليقه)) في باب مسح الخف، في تعليل جواز الاختصار(١) على الأسفل: لما كان أسفل الخف كظاهره في أنه لا يجوز المسح عليه إذا كان متمزقاً وجب أن يكون أسفله كأعلاه في الاقتصار عليه بالمسح إذا كان صحيحاً. ثم إن الشيخ أبا حامد رد هذا التعلیل بأنه قیاس عکس فكأنه رد قیاس العکس. (١) كذا في الأصول .. والصواب : (الاقتصار) ٤٨ النوع الرابع قيَاسْ الدلالَة وهو أن يكون الجامع وصفاً لازماً من لوازم العلة، أو أثراً من آثارها، أو حكماً من أحكامها، سُمِّ بذلك لكون المذكور في الجميع دليل العلة لا نفسَ العلة. فالأول. كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الملازمة. والثاني: كقولنا في القتل بالمثقل قتل أثم به صاحبه من حيث كونه قتلاً، فوجب فيه القصاص كالجارح، فكونه إثماً ليس هو بعلة بل أثر من آثارها. والثالث: كقولنا في مسألة قطع الأيدي باليد الواحدة إنه قطع موجبُ لوجوبٍ الدية عليهم فيكون موجباً لوجوب القصاص عليهم، كما لو قتل جماعةٌ واحداً فوجوب الدية على الجماعة ليس نفسَ العلة الموجبة للقصاص بل حكم من أحكام العلة الموجبة للقصاص، بدليل اطرادها وانعكاسها، كما في القتل العمد العدوان والخطأ وشبه العمد. واختلف فيه هل هو قسم برأسه، أو هو دائر بين المعنى والشبه؟ وقال الإمام: قياس الدلالة هو ما اشتمل على ما لايناسب بنفسه ولكنه يدل على معنى جامع، ثم قال: ولا معنى لعَدِّه قسماً على حياله، فإنه يقع تارة منبئاً عن معنى، وتارة عن شبه، وهو في طَوْرَيْه لا يخرج عن قياس المعنى أو الشبه. وقال الغزالي في ((معياره)): الحَدُّ الأوسط إذا كان علةً للأكبر سماه الفقهاء ((قياس العلة)) وسماه المنطقيون ((برهان اللِمَ)) أي: ذكر ما يُجاب به عن لِمَ. وإن لم يكن علة سماه الفقهاء ((قياس الدلالة)) وسماه المنطقيون ((قياس البرهان)) أي هو دليل على أن الحَدَّ الأكبر موجود في الأصغر من غير بيان علة. فالأول: كقولك: هذا الإنسان شبعان لأنه / أكل الآن، وقياس الدلالة عكسه، وهو أن يستدل بالنتيجة على ١/٢٧٥ المنتج فيقول شبعان فإذا هو قريب العهد بالأكل وقياس العلة: هذه عين نجسة فلا تصح الصلاة معها، وفي قياس الدلالة: هذه عين ليست تصح الصلاة معها فإذا هي نجسة. ٤٩ النَّوَع الخَامسْ يَى الفَارق وقد اختلف في تسميته قياساً أو استدلالاً، والأول قول إمام الحرمين، والثاني قول الغزالي، لأن القياس يقصد به التسوية، وإنما قصد نفي الفارق بين المحلّيْنْ، وقد جاء في ضمن ذلك الاستواء في العلة، والقياس هو الذي يبنى على العلة ابتداء وهذا لم يبنَ على العلة، وإنما جاءت فيه ضمناً. وزعم إمام الحرمين أن الخلاف لفظي. ونازعه ابن المنير؛ فإن القائل بأنه قياس يقول: اللفظ منقطع الدلالة لغةً عن الفرع ساكتُ عنه، والحكم فيه إنما يتلقى من القياس المأذون فيه بالإجماع. والقائل بأنه استدلال يقول: لفظ الأصل يتناول الفرع من جهةٍ ما، لكنهما اتفقا على أنه لا يتناول الفرع بالمطابقة على حد تناول الأصل، وفصّل الإمام في موضع آخر فقال: الوجه عندنا إن كان في اللفظ إشعار به فلا نسميه قياساً، كقوله بَّه: (من أعتق شِركاً له في عبد قُوِّم عليه) فهذا وإن كان في ذَكَرٍ فالعبوديةُ مستعملة في الأمة وقد قيل للأمة عبدة. وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعراً به فهو قياس قطعي، كإلحاق الشافعي رحمه الله عَرَق الكلب بلعابه في العَدَد والتعفير. وفي دعوى القطع في الثاني نظر. النوع السَادسّ مَا هَوَ أولى مِن المنصوصٌ كالضرب على التأفيف وسبق أول الباب. تنبيه : أعلى هذه الأقسام ما كان في معنى المنصوص حتى اختلف أنه لفظي أو قياس وهو القطعي، ثم يليه قياس المعنى، ثم قياس الدلالة، ثم قياس الشبّه وهي المظنونات. والإلحاقُ بنفي الفارق تارةً يكون قطعياً، وتارة يكون ظنياً، لأن الإلحاق يجيء هكذا تارة وتارة. ويأتي في الترجيحات. ٥ البَابَ الخَامس فيمَا يَجْرِي فِيه القيَاسْ مسألة وفيه مسائل. قال ابن عبدان في شرائط الأحكام: شرط القياسِ الصحيحِ حدوثُ حادثة تؤدي الضرورة إلى معرفة حكمها، لأن النص أقوى من القياس. قال ابن الصلاح: والأول يأباه وضع الأئمة الكتب الطافحة بالمسائل القياسية من غير تقييد بالحادثة، والثاني غريب وإنما يعرف ذلك بين المناظرين في مقام الجدل قلت: وكأنه جرى على ظاهر حديث معاذ فإنه يُفِهم عدمَ مشروعية القياس عند وجدان النص، وهو ظاهر قول الشافعي: الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما. لكن هذا في العمل به لا في صحته في نفسه، وقد قال أبو زيد في ((التقويم)): قال الشافعي : يجوز أن يكون الفرع حادثة فيها نص فيزداد بالقياس ما كان النص ساكتاً عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفاً للنص، لأن الكلام وإن ظهر معناه يحتمل البيان الزائدَ ولا يحتمل الخلاف، فيبطل القياس إذا جاء مخالفاً. وقال الكيا: لا يمتنع القياس مع وجود النص، وفائدته تشحيذ الخاطر. وستأتي المسألة في شروط الفرع. مسألة يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدَّرات التي لا نص فيها ولا إجماع بالقياس عندنا خلافاً للحنفية، قاله القاضي أبو الطيب وسليم وابن السمعاني والأستاذ أبو منصور. قال: فأما الاستدلال على المنصوص عليها بالقياس فجائز وفاقاً وحكى الباجي عن أصحابهم كقولنا، وحكاه القاضي في ((التقريب)) عن الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وقال: إنه الصحيح المختار. وقد قال الشافعي ٥١ رحمه الله في ((الأم)): ((ولا يُقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ منهم ربعَ دینارٍ فصاعداً، قياساً على السنة في السارق ويتجه أن يخرج له في هذه قولان من اختلاف قوله في تحمل العاقلة الأطراف وأُروش الجراحات والحكومات، فإنه قال في القديم: لا يُضرب على العاقلة لأن الضرب على خلاف القياس، لكن ورد الشرع به في النفس فيقتصر عليها، ولهذا لا قسامة ولا كفارة في الأطراف. والمشهور أنها تضرب عليهم كدية النفس قياساً بل أولى لأنه أقل. وقال الماوردي والرويانى: الذي يثبت به القياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص، فأما الأسماء والحدود في المقادير ففي جواز استخراجها بالقياس وجهان: أحدهما: يجوز إذا تعلق بأسماء الأحكام كتسمية النبيذ خمراً لوجود معنى الخمر فيه، ويجوز أن يثبت المقادير قياساً كما قدرنا أقل الحيض وأكثره، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، لأن جميعها أحكام والثاني: لا يجوز لأن الأسماء مأخوذة من اللغة دون الشرع، ومعاني الحدود غير معقولة والمقادير مشروعة انتهى. وفي بعض النسخ أن الأول هو الصحيح لكن نقل في كتاب الصيام عن علي بن أبي هريرة أنه أوجب بالأكل والشرب كفارةً فوق كفارة المرضع والحامل ودون کفارة المجامع. قال: وهذا مذهب لا يستند إلى خبر ولا إلى أثر ولا قیاس، حكاه عنه الرافعي. وقال صاحب ((الذخائر)) وقد حكى أنه لا وقص في النقدين فيجب فيما زاد على النصاب بحسابه خلافاً لأبي حنيفة وأنه اعتبره بالماشية. قال: وهو فاسد لأنه قياس في غير محله سيما على رأيهم فإن القياس في المقدرات ممنوع. انتھی . وقال الأصحاب فيما إذا قلنا يمسح على الجبيرة بالماء، هل يتقدر مدة المسح بيوم وليلة للمقيم وثلاثة للمسافر؟ وجهان، أصحهما: لا، لأن التقدير إنما يعرف بنقل وتوقيف ولم يرد، ونقل القاضي في ((التقريب)) والشيخ في ((اللمع)) عن الجُبَّائي مثلَ قول الحنفية. قالا: وقيل: يجوز إثبات ذلك بالاستدلال دون القياس. وقال آخرون: لا يجوز مطلقاً. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى: منع بعض أهل ٢٧٥ /ب الكوفة جريان القياس في الزكاة والحدود / والمقادير، وربما ألحق بها الكفارات قال: وما من باب إلا ولهم فيه ضرب من القياس ولا تعلق لهم بغيره، والظاهر ٥٢ أنهم استعملوه في الوصف إذا ثبت بغير الأصل، ومنعوه في الإيجاب، وجوزوه في الدرك. انتهى وذكر أبو عبد الله الصيمرى من الحنفية في كتابه في الأصول أنه روى عن أبي يوسف إثبات الحدود بخبر الواحد، قال: فيجوز على قوله إثباته بالقياس ويجوز أن يقال خبر الواحد مقدم على القياس واحتج الشيخ في ((اللمع)) بأن هذه الأحكام يجوز إثباتها بخبر الواحد فجاز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام وهذه العلة تبطل بالنسخ وقد صار المزني إلى أن أقل النفاس أربعة أيام لأن أكثر النفاس مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله مع أقله كذلك، وخالفه الأصحاب وقالوا أقله ساعة فقد خالفوا الأصل. وقال ابن السمعاني: منع أصحاب أبي حنيفة جريان القياس فيما ذكرناه وقال أبو الحسن الكرخى لا يجوز تعليل الحدود والكفارات والعبادات، ولهذا منع من قطع النباش بالقياس، ومنع من إيجاب الحد على اللواط بالقياس، ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس، ومنع من إيجاب الكفارة في قتل العمد بالقياس قال: ولا فرق في الكفارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لا يجرى مجرى العقوبات، ومنع أيضاً من إثبات النُصُب بالقياس. قال: ولهذا الأصل لا تجب الزكاة في الفُصْلان وصغار الغنم. والأصح على مذهبنا جواز القياس في المقادير. ومنع الكرخى أيضاً أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحمام، وقطع السارق، والاستصناع على أصولهم فيما جرت العادة فيه مثل الخفاف والأواني وغير ذلك. وقد تتبع الشافعي مذهبهم وأبان أنهم لم يَقُوا بشيء مما ذكروه فقال الشافعي : أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها تعديتموها إلى الاستحسان وهو في مسألة شهود الزنى فإنهم أوجبوا الحد في تلك المسألة ونصّوا أنه استحسان. وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقاسوا قتل الصيد ناسياً على قتله عامداً مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [سورة المائدة / ٩٥] وأما المقدرات فقاسوا فيها ومما أفحشوا في ذلك تقدير عدد الدلاء عند وقوع الفأرة ثم أدخلوا تقديراً على تقدير فقدروا للحمام غير تقدير العصفور . ٥٣ والفأرة، وقدَّروا الدجاجة على تقدير الحمامة وقدروا الخرص بالقلتين في العَشر. وأما الرخص فقد قاسوا فيها وتناهوا في القصد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستجمار من أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو، وانتهوا في ذلك إلى نحو نفي إيجاب استكمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا النبي ◌َ ر فهموا هذا التخفيف منه في هذا الموضع لشدة البلوى. ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى: ومن شنيع ما قالوا في الرخص، إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع فيها فإنها شرعت تخفيفاً وإعانة على ما يعانيه المرء في سفره من كثرة أشغال قاسوها في سفر المعصية. فهذا الذي ذكروه يزيد على القياس إذ القياس تقدير المنصوص عليه قراره(١) وإلحاق غيره به، وهذا قلب الموضوع المنصوص في الرخص الكلية قال ابن السمعاني: وليس كل من هذه المذكورات يجوز القياس فيها بل الضابط أن كل حكم جاز أن يستنبط منه معنى نخيل من كتاب أو سنة فإنه معلِّل، ومالا يصح منه مثل هذا لا يعلل سواء كان من الحدود أو الكفارات. ثم قد تنقسم العلل أقساماً، فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو کل ما يمكن إبداء معنی من أصله وفرعه، وقسم يعلل جملته لا تفصيله لعدم اطراد التعليل في التفاصيل، وقسم آخر لا تعلل جملته، لكن بعد ثبوت جملته تعلل تفاصيله، كالكتابة والإجارة وفروع تحمل العاقلة. وقد يوجد قسم لا يجري التعليل في جملته وتفاصيله، كالصلاة وما تشتمل عليه من القيام والسجود وغيره وربما يدخل فيه الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص انتهى. وقال الكيا: نقل عن زعماء الحنفية امتناع القياس في التقديرات والحدود والكفارات والرخص، ولذلك منعوا إثبات حد السارق في المختلس. وحكي عن أبي حنيفة ما يدل على ذلك، فإنه لم يثبت لهذا المحصر بدلاً عن الصوم وقال إنه يقتضي إثبات عبادة مبتدأة وكان يقول إن النصُب لا يصح أن تبتدأ بقياس ولا بخبر الواحد ولذلك اعتد في إسقاط الزكاة في الفصيل، وكان يجوّز أن يعمل القياس في نصب ما قد يثبت الزكاة فيها، كما يجوز أن يعمل القياس في صفة العبادة من (١) كذا في جميع الأصول، ولعله محرف عن ((تقرير المنصوص عليه قراره)) ٥٤ وجوب وغيره، ولذلك قبلوا خبر الواحد في إثبات النصاب فيما زاد على المائتين، وفي وجوب الوتر. فقيل لهم: تكلم الناس في الحدود والأيمان بالقياس، فأجابوا أنه ليس لأجل إثبات حدٍّ به، وإنما تكلموا لبيان الشُّبَه المسقطة له مع تحقق إثباتها، وسقوط الحد ليس بحٍّ فيصح القياس. وأوجبوا الكفارة على القتل قياساً على المجامع، وعلى المرأة كالرجل، وعلى المجامع ناسياً في الإحرام، كما لو قتل الصيد خطأ وليس في ذلك شيء من نص ولا عموم ولا إجماع. فأجابوا بأن هذا لم نعلمه قياساً بل استدلالاً بالأصول على الأحكام مغاير للقياس لنحو السر، وهذا كله مردود، لأنه لا شيء فيها غير القياس. ثم بينَّ ذلك وأطال، وقال: الذي يستقيم مذهباً للمحصل على ما يراه أن أبا حنيفة إنما قال ذلك في إجراء القياس في أصول الكفارات وأصول الحدود كإلحاق الردة، والقذف بالقتل في الكفارة وكإلحاق من يكاتب الكفار ويطلعهم على عوراتنا بالسارق من حيث إن ذلك يقتضي التصرف في علائق غُيَّب لا يُهتدى إليه فانعدم طريق القیاس. فامتنع القياس من حيث إن الذي یکاتب الكفار وإن زاد ضرر فعله على ضرر السارق الواحد فهو بالإضافة إليّ سارق / واحد، أما بالإضافة إلى ١/٢٧٦ الجنس فلا من حيث إن السرقة مما يتشوف إليها الرعاع بخلاف مكاتبة المسلم فإنها لا تكاد توجد، أو لا يظهر استواء السبب، فكل ما كان من هذا الجنس فلا يجري فيه القياس لفقد الشرط. (١) كذا في جميع الأصول ٥٥ تنبيهات الأول: أشار الغزالي رحمه الله إلى أن الجاري في الحدود والكفارات ليس قياساً بل هو تنقيح المناط وكذلك في الأسباب، ونازعه العبدري في الأسباب، وقال: هي تخريج، لا تنقيح. الثاني: قال بعضهم: المراد بجريانه في الحدود زيادةُ عقوبةٍ في الحد، لوجود علة تقتضي الزيادة، کزيادة التعزير في حق الشرب وتبليغه إلى ثمانین، قياساً على حد القذف. أما إنشاء حَدٍّ بالقياس على حد فلا يجوز بالاتفاق. الثالث: ذكر في ((المحصول)) تبعاً للشيخ في ((اللمع)) أن العادات لا يجوز القياس فيها ومثّله بأقل الحيض وأكثره، وهذا مخالف لتمثيل الماوردي رحمه الله السابق، لأنه مثل به للمقادير وقد خطّأ من قاس في العبادات بأن هذا أمر وجودي، فإما أن يكون القياس لإثبات ذلك الموجود في محل آخر ففاسد، لأن الأمور الوجودية لا تطرد على نظام واحد، لأنه ليس حكماً شرعياً حينئذ، وإما أن يكون لإثبات الحكم: فإن كانت العادة موجودة في هذا الفرع أثبتنا الحكم فيها فلا حاجة إلى الأصل لأنه مساوٍ للفرع حينئد في سبب الحكم، وإن لم یبین وجوده فالحکم مثبت لانتفاء علته. الرابع: أن سبب وضع هذه المسألة فيما ذكره ابن المنير أن أبا حنيفة قد اشتهر عنه القول بالقياس والإقبال على الرأي والتقليل من التوقيف والأحاديث، فتبرأ أصحابه من ذلك فأظهروا أنهم امتنعوا من الرأي والقياس في كثير من القواعد التي قاس فيها أصحاب الحديث. قلت: وكذلك منعهم من التعليل بالعلة القاصرة فهم يدّعون أنّا أقْوَلُ بالقياس منهم. الخامس: سبق أن أبا حنيفة منع القياس في الكفارات ثم أوجب الكفارة على . المفطر بغير الجماع، والشافعي مع أنه ◌ُكي عنه جواز القياس فيها فإنه لا يوجب . ٥٦ الكفارة في غير الوقاع. ولهذا قال بعض الفقهاء: ما أجْدرَ كُلّ من الإمامين أن ينتحل في هذه المسألة مذهب صاحبه، يعني: أن قياسَ القول بالقياس في الكفارات عدمُ تخصيصها بالوقاع دون سائر المفطرات، وقياس عدم القياس عدم إيجاب الكفارة في غير الوقاع. وهذا القول جهلٌ بمدارك الأئمة، فإنهم وإن أثبتوا بالحديث المأمور به بالكفارة بمطلق الإفطار فهذا المطلق هو المقيّد بالجماع، وقد يمكن أن يبنى الخلاف في القياس في الكفارات على أنه هل يجب على المجتهد البحث عن كل مسألةٍ مسألةٍ هل يجرى القياس فيها أم لا؟ وهل قام الدليل على أن أدلة القياس عامة بالنسبة إلى آحاد المسائل؟ وأن العلة الجامعة بين الأصل والفرع في صورة الخلاف الخاصة صحيحة معتبرة في نظر الشرع وخَلِيّة عن الاعتبار؟ وقد أشار ابن السمعاني إلى هذا البناء المذكور. مسألة قال في ((المحصول: مذهب الشافعي جواز القياس في الرخص، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني فيما سبق. وليس كذلك، فقد نص الشافعي في ((البويطي)) على امتناع القياس، فقال في أوائله: لا يُتعدُّى بالرخصة مواضعُها وقال في (الأم)): لا يقاس عليه. وکذلك إن حرم جملة وأحل بعضها. وکذلك إن فرض شيئاً رخص رسول الله وَ ﴿ التخفيف في بعضه. ثم قال: وما كان لله فيه حكم منصوص ثم كانت للرسول سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عُمِل بالرخصة فيما رخص فيه دون ما سواها ولم نقس ما سواها عليها. وهكذا ما كان لرسول الله ◌َّر من حكم عام لشيء ثم سن فيه سُنّةً تفارق حكم العام، كمسح الخفين والعرايا)) هذا لفظه، وذكر في (الرسالة)) مثله، وقال في موضع آخر من ((الأم)): ولا يقاس إلا ما عقلنا معناه، ولهذا قلنا في المسح على الخفين لا يقاس عليهما عمامةٌ ولا بُرقع ولا قُقّازان وكذلك القسامة. وفي موضع آخر: إن المحرم لا يتحلل بالمرض، والتحلل رخصة فلا يتعدى بها مواضعها. كما أن المسح على الخف رخصة فلم يقس عليه مسح العمامة. انتهى. وجرى على ذلك جماعة من أصحابنا منهم الأستاذ أبو منصور البغدادي فقال: لا يجوز القياس عندنا على الرخص وعللوه بأنها تكون معدولاً بها عن الأصل وما عدا محل الرخصة يبقى على الأصل، وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)): لا يجوز القياس في الرخص، ولهذا لما كان الأصل غسل الرجلين ثم رُخِّص في محل الخُفِّ المسحُ للضرورة فلا يقاس عليه مسح القلنسوة والعمامة. والأصل أن من تلبس بالإحرام لا ينقضي عنه إلا بالإتمام، ورخص للمحصّر بالعدوِّ في التحلل، ثم لا يقاس عليه المصدود بالمرض. والأصل أن لا يضمن الميت. فأوجب الغرة في الجنين لا على القياس ثم لا يقاس عليه سائر الرخص. والأصل أن الجناية توجب على الجاني فاستثنى منه جناية الخطأ ثم لا يقاس عليها غيرها. وقال إلكيا: إنما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنيّة على حاجات خاصة لا توجد في غير محل الرخصة فيمتنع القياس لعدم الجامع كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر إذ يتضمن إبطال تخصيص الشرع. وقد يمتنع أيضاً مع شمول الحاجة إذا لم يَبِن عندنا استواء السببين في الحاجة الداعية إلى شرع القصر مع أن المريض خفف عنه في بعض الجهات ذلك في الرخصة سادّاً لحاجته، كالقعود في الصلاة، وذلك تخفيف في الأركان مقابل للتحفيف في عدد الركعات. انتهى. وألحق القاضي عبد الوهاب القياس على الرخص بالقياس على المخصوص وسيأتي فيه التفصيل الآتي قال: ويحتمل أن يكون المنع عنه لأن علته قاصرة عليه، لا من حيث كونه رخصة. وقال القرطبي: يحتمل التفصيل بين أن لا يظهر ٢٧٦ / ب للرخصة معنى / فلا يقاس عليها وبين أن يظهر فيقاس، وينزل الخلاف على هاتين الحالتين. ورأيت في كلام بعض المالكية التفصيل بين أن يكون الأصل المقيس عليه منصوصاً فيجوز، وبين أن يكون اجتهاداً فلا. فحصل مذاهب. [أمثَلة للقياس -ي الرّخْصْ] وقد استعمل أصحابنا القياس في الرخص وفيما سبق فلنشير إلى ذلك أدنى إشارة، فإنه يعز استحضاره: ومنها: ان السلم رخصة ورد مقيّداً بالأجل وجوزه أصحابنا حالاً، لأنه إذا جاز مؤجَّلًا مع الغرر فلَأَنْ يجوز حالاً أولى، لقلة الغرر وقد ينازَع في كون هذا قياساً، ٥٨ وإنما هو من باب دلالة الفحوى، أي مفهوم الموافقة، وفي كونها قياساً خلاف. على أن الغزالي في المستصفى أبدى في كون السلم رخصة احتمالين له. ومنها: ثبت في صحيح مسلم النهي عن ((المزابنة)) وهي بيع الرطب على النخل بالتمر. ثم ورد الترخيص في ((العرايا)) وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض كذلك مفسراً من طريق زيد بن ثابت وغيره، وألحق أصحابنا به العنب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه ويدخر بالسنة، فكان كالرطب وإن لم يشمله الاسم. قال ابن الرفعة: وكلامُ الشافعي في ((الأم)) يدل على أن الأصل الرطب، والعنبُ مقيسٌ عليه، ولكن الماوردي في ((الحاوي)) حكى خلافاً فقال: اختلف أصحابنا، هل جازت الرخصة في الكرم نصّاً أو قياساً؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين أنها نص فرووا عن زيد بن ثابت أن النبي صل أرخص في العرايا، والعرايا: بيع الرطبٍ بالتمر والعنبٍ بالزبيب. والثاني: وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة وطائفة من البغداديين أنها جازت قياساً على النخل لبروز ثمرتها وإمكان الخرص فيهما وتعلق الزكاة بهما. قلت: والظاهر ترجيح الثاني وهو الذي يدل عليه كلام الشافعي. وما ذكره الأولون عن زيد بن ثابت غير ثابت بل المعروف عنه خلافه. وقد روى البخاري عنه في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره، ومن توابع ذلك أنه هل يلتحق بهما ما سواهما من الأشجار؟ قولان، مَدركهما جواز القياس في الرخص، والأصح أنه لا يلحق. ومنها: أن الصلاة تحرم عند الاستواء، واستثنى يوم الجمعة لحديث أبي هريرة فيه، وهل يستثنى باقي الأوقات في يوم الجمعة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كوقت الاستواء تخصيصاً ليوم الجمعة وتفضيلاً له، (وأصحهما) المنع، لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء خاصة، فلا يلحق به غيره لقوة عموم النهي. ومنها: الرخصة في مسح الخف وردت وهي مقصورة على الضرورة فلا يلحق بها الجرموق - على الجديد - لأن الحاجة لا تدعو إليه فلا تتعلق الرخصة به. واستشكل هذا بتجويز المسح على الخف الزجاج والخشب والحديد. ٥٩ ومنها: لو مسح أعلى الخف وأسفله كفى وهو الأكمل، لوروده في معجم الطبراني من حديث جابر، وفي الاقتصار على الأسفل قولان، أصحهما: المنع، لأنه رخصة فيقتصر على الوارد. ومنها: التيمم للفرض رخصة للضرورة، وفي جوازه للنافلة خلاف. ومنها: النيابة في حج الفرض عن المعضوب رخصة، كما صرح به القاضي الحسين وغيره. ولو استناب في حج التطوع جاز في الأصح. ومنها: أن الرخصة وردت فيمن أقام ببلدٍ لحاجةٍ يتوقعها كلَّ وقت فله أن يقصُرَ ثمانية عشر يوماً، ولا يجوز له الترخص بغير ذلك. لكن هل يتعدى هذا الحكم الباقي الرخص من الجمع والفطر والمسح وغيرها؟ لم يتعرض له الجمهور، ويحتمل إلحاقه بناء على جواز القياس في الرخصة. وقد نص عليه الشافعي رحمه الله بالنسبة إلى عدم وجوب الجمعة. ويحتمل منعه من جهة أنّا منعنا الزيادة على هذه المدة بالنسبة إلى القصر مع ورود أصله فلأنْ يمتنع رخص مالم يَرِد أصله أولى. ومنها: أن الرخصة وردت بالجمع بين الصلاتين بالمطر وألحقوا به الثلج والبرد إن كانا يذوبان، وقيل: لا يرخصان اتباعاً للفظ المطر. ومنها: قال الرويانى: لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر بعذر المطر تأخيراً، وكذا تقديماً في أصح الوجهين، لأن الجمعة رخصة في وقت مخصوص فلا يقاس عليه. والمشهور الجواز. ومنها: أن صلاة شدة الخوف لا تختص بالقتال، بل لو ركب الإنسان سيلاً يخاف الغرق وغيره من أسباب الهلاك فإنه يصلي ولا يُعيد قياساً على الصلاة في القتال. وأجاب إمام الحرمين في ((النهاية)) إذ قال: من أصلكم أن الرخص لا تتعدى مواضعها ولذلك لم يثبتوا رخصاً في حق المريض بوجهين: أحدهما: أن هذا بالنص وهو عموم قوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ ٦٠