النص المفهرس
صفحات 21-40
وقيل: بل ينفى بالشرع، والعقل يقتضي جوازه، لكن الشرع منع، ونقله القاضي وغيره عن داود. وقال الأستاذ أبو منصور: إنه مذهب أكثر الظاهرية كداود والقاشاني والمغربي وأبي سعيد النهرواني ثم إن القاشاني والنهرواني ناقضا، فقال القاشاني: ((كل حكم وقع ... )) ونقل إلى آخر ما تقدم عنه وعن صاحبه المذكور، ثم قال: وأما داود الأصفهاني والنظام فأسرفا، فقال داود: لو قيل لنا حرم السكر لأنه حلو لم يدل على تحريم كل حلو، وقال الغزالي: والفرق المبطلة ثلاثة: المحيلة لهُ عقلاً، والموجبة له عقلًاً، والحاظرة له شرعاً. قلت: والمانعون له سمعاً افترقوا فرقتين: فرقة قالت: نصوص الكتاب والسنة قد وفت وأثبتت فلا حاجة إلى القياس وهو رأي ابن حزم. وفرقة قالت: بل حرم القول بالقياس. ولو صَحّ ما قاله الظاهري من أن النصوص وافية بحكم الحوادث لما افتقر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال وأدلة العقل. وقال الدبوسي: نفاة القياس أربعة: منهم من لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه، ومنهم من لا يراه حجة إلا في موجبات العقول والقياس ليس منها، ومنهم من لا يراه حجة لأحكام الشرع، ومنهم من لا يراه حجة فيها إلا عند الضرورة ولا ضرورة لأنا نحكم فيما لا نص فيه باستصحاب البراءة الأصلية. والصحيح أنه حجة أصلية لا حجة ضرورية. وذهب ابن حزم إلى قول غريب لم يذهب إليه غيره فيما أظن وهو أن التعبد بالقياس كان جائزاً قبل نزول قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [سورة الحج / ٧٨] وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦] وأما بعدهما فلا يجوز البتة لأن وعد الله حق، فحاصله أنه منسوخ وهو بدع من القول .. وهذه المذاهب كلها مهجورة وهو خلافٌ حادثٌ بعد أن تقدم الإجماع بإثبات القياس من الصحابة والتابعين قولاً وعملاً، قال الغزالي: ومن ذهب إلى ردِّ القياس فهو مقطوعٌ بخطئه من جهة النظر، محكومٌ بكونه مأثوماً. قال القاضي: ٢١ ولست أعدُّ من ذهب إلى هذا المذهب من علماء الشرع ولا أبالي بخلافه. قال الغزالي: ((وهو كما قال)). وقال ابن المنير في ((شرحه)): ذكر القاضي بكر بن العلاء من أصحابنا أن القاضي إسماعيل أمر بداود منكر القياس فصُفِع في مجلسه بالنعال وحمله إلى الموفق بالبصرة ليضرب عنقه، لأنه رأى أنه جحد أمراً ضرورياً من الشريعة في رعاية مصالح الخلق والجلاد في هؤلاء أنفع من الجدال. انتهى. وأما الأدلة فلنا مسالك: الأول: دلالة القرآن: ومن أشهرها قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ [سورة الحشر / ٢] وقد سئل أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وهو من أئمة اللسان عن ((الاعتبار)) فقال: أن يَعقل الإنسان الشيء فيعقل مثله. فقيل: أخبِرْنا عمن ردًّ حكم حادثة إلى نظيرها أيكون معتبراً؟ قال: نعم هو مشهور في كلام العرب. حكاه البلعمى في كتاب ((الغرر في الأصول)) وقال بعضهم: رأيت القاشانى وابن سريج قد صنفا في القياس نحو ألف ورقة، هذا في نفيه، وهذا في إثباته. اعتمد القاشاني فيه على قوله: ﴿أو لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ [سورة العنكبوت / ٥١] واعتمد ابن سريج في إثباته على قوله: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ [سورة الحشر / ٢] ونقل القاضي أبو بكر في ((التقريب)) اتفاق أهل اللغة على أن الاعتبار اسم يتناول تمثيل الشيء بغيره، واعتباره به، وإجراء حكمه عليه، والتسوية بينهما في ذلك. وإنما سمى الاتّعاظ والفكر اعتباراً لأنه مقصود به التسويةُ بين الأمر ومثله، والحكمُ فيه بحكم نظيره، ولولا ذلك لم يحصل الاتعاظُ والازدجارُ عن الذنب بنزول العذاب والانتقام بأهل الخلاف والشقاق، ثم حكى ما سبق عن ثعلب. وزعم ابن حزم أن المراد بالاعتبار التعجب بدليل سياق الآية، وافقه ابن عبد السلام فقال في ((القواعد)): من العجيب استدلالهم بهذه الآية على جواز القياس مع أن الاعتبار في الآية يراد به الاتعاظ والازدجار، والمطلق إذا عُمل به في صورة خرج عن أن يكون حجةً في غيرها بالاتفاق قال: وهذا تحريف لكلام الله عز وجل عن مراده إلى غير مراده، ثم كيف ينتظم الكلام مع كونه واعظاً بما أصاب بني النضير من الجلاء أن يقرن ذلك الأمر بقياس الدُّخْن على البُرّ والحِمّص ٢٢ على الشعير، فإنه لو صرح بهذا لكان من ركيك الكلام وإدراجاً له في غير موضعه وقراناً بين المنافرات انتهى. والعجب من الشيخ، فإن العبرة بعموم اللفظ، فإن منع قلنا: هذا يرجع إلى قياس العلة لأن إخراجهم من ديارهم وتعذيبهم قد رُتَب على المعصية، فالمعصية علةٌ لوقوع العذاب، فكأنه قال: لا تقعوا في المعصية فيقعَ بكم العذابُ قياساً على أولئك، فهو قياس نهي على نهي، بعلة العذاب المترتبة على المخالفة. قال الماوردي: وفي الاعتبار وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من العبور، وهو يجاوز المذكور إلى غير المذكور، وهذا هو القیاس. والثاني: من العبرة وهو اعتبار الشيء بمثله، ومنه عبر الخراج أي قياس خراج عامٍ بخراج غيره في المماثلة. وفي كلا الوجهين دليل القياس لأنه أمَر أن يُستدَلّ بالشيء على نظيره، وبالشاهد على الغائب. واحتج الشافعي رحمه الله تعالى في ((الرسالة)) بقوله تعالى ﴿فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النّعم﴾ [سورة المائدة / ٩٥] وقال: فهذا تمثيل الشيء بعَدْله وقال: ﴿يحكم به ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ [سورة المائدة / ٩٥] وأوجب المثل ولم يقل أيُّ مثل فَوَكَل ذلك إِلى اجتهادنا، وأمرنا بالتوجه / إلى القبلة بالاستدلال فقال: ﴿وحيثما كنتم فَوَلّوا ٢/٢٧١ وجوهكم شطره﴾ [سورة البقرة / ١٥٠] واحتج ابن سريج في الودائع بقوله تعالى: ﴿ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لَعَلِمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء / ٨٣] فأولو الأمر هم العلماء، والاستنباط هو القياس. فصارت هذه الآية كالنص في إثباته. وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها﴾ الآية [سورة البقرة / ٢٦]، لأن القياس تشبيه الشيء فإذا جاز مِن فعل مَنْ لا تخفى عليه خافية لِيُريّكم وجهَ ما تعلمون فهو ممن لا يخلو من الجهالة والنقص أجوز. واحتج غيرُه بقوله تعالى ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أولَ مرة﴾ [سورة يس / ٧٨] فهذا صريح في إثبات الإعادة قياساً. واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء / ٨٣] ٢٣ قال: والاستنباط مختص بإخراج المعاني من ألفاظ النصوص، مأخوذ من استنباط ءُ الماء: إذا استخرج من معدنه، فقد جعل الله للأحكام أعلاماً من الأسماء، والمعاني بالألفاظ ظاهرة، والمعاني علل باطنة، فيكون بالاسم مقصوراً عليه وبالمعنى متعدياً، فصار معنى الاسم أخصَّ بالحكم من الاسم، فعموم المعنى بالتعدى، وخصوص الاسم بالتوقيف وإن كانت تابعةً للأسماء لأنها مشروعة فيها، فالأسماء تابعة لمعانيها لتعديها إلى غيرها. واحتج ابن تيمية بقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [سورة النساء / ٩٠] وتقريره أن العدل: هو التسوية بين مثلين في الحكم فيتناوله عموم الآية . الثاني دلالة السنة : كحديث معاذ ((أجتهد برأيي ولا آلو))، وقال النبي في خبر المرأة: (أرأيتٍ لو كان على أبيك دَين)، وقال لرجل سأله أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليه؟ قال أرأيت لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ قال نعم، قال فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)، وقال لرجل من فزارة أنكر ولده لما جاءت به أسود (هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فمن أين؟ قال: لعله نزعه عِرقٌ قال: وهذا لعله نزعه عرق). قال الْمُزَنى: فأبان له بما يَعرف أن الحُمْر من الإبل تُنْتَج الأورقَ فكذلك المرأة البيضاء تلد الأسود، فقاس أحد نوعي الحيوان على الآخر، وهو قياس في الطبيعيات لأن الأصل ليس فيه نسب حتى نقول قياس في إثبات النسب، وقال لعمر، وقد قبّل امرأته وهو صائم فقال: (أرأيت لو تمضمضتَ ومججتَه؟ فقال لا بأس فقال: ففيم؟!). قال المزنى: فبين له بذلك أنه لا شيء عليه كما لا شيء في المضمضة، وأنه وَ لّ قال: (محرِّم الحلال كمحلِّل الحرام). وهو كثير، وصنف الناصح الحنبلي جزءاً في أقيسة النبي وَّد . وثبت ذلك عن الصحابة كقول عمر لأبي موسى: واعرف الأشباه والأمثال وقِس الأمور عندك. وقد تكلم الصحابة في زمن النبي ◌ّيه في العلل ففي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى لما نهى عن تحريم الخمر يوم خيبر قال فتحدثنا أنه إنما نهى ٢٤ عنها لأنها لم تُخَمَّس وقال بعضهم نهى عنها البّة لأنها كانت تأكل العَذِرة. الثالث: إجماع الصحابة: فإنهم اتفقوا على العمل بالقياس، ونُقل ذلك عنهم قولاً وفعلاً. قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواترّ المعنويَّ عن الصحابة باستعماله، وهو قطعي. وقال الهندي: دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين، وقال ابن دقيق العيد: عندي أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس في أقطار الأرض شرقاً وغرباً قرناً بعد قرن عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ متأخرين قال: وهذا من أقوى الأدلة. وقال ابن برهان: أوجز بعض العلماء العبادة فقال: انعقد الاجماعُ على أن التعبد بالدليل المقطوع بدليله جائز، فكذلك ينبغي أن يجوز التعبد بالقياس المظنون دليله. الرابع: طريق العقل. وهو أن النصوص لا تفي بالأحكام لأنها متناهية والحوادث غير متناهية، فلا بد من طريق آخر شرعي يضاف إليه، لكن لهم أن يمنعوا تناهي النصوص فإن المعنى إذا ظهر تناول ذلك الفرع على سبيل العموم في جميع الأذهان، فإن أفراد العموم لا تتناهى، فإذا تصور عدم التناهي في الألفاظ ففي المعاني أولى، قال القفال: ولأنه لا حادثة إلا ولله فيها حكم اشتمل القرآن على بيانه لقوله تعالى: ﴿ما فرَّطْنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام / ٣٨] ورأينا المنصوص لم يُحط بجميع أحكام الحوادث فدل على أنا مأمورون بالاعتبار والقياس ونحوُه قولُ المزني في كتاب ((إثبات القياس)): لو لم يكن للنظير حكمُ نظيره في الحلال والحرام لبطل القياس، ولما جاز لأحد أن يقول إلا بنصّ كتابٍ أو سُنّةٍ، وكان ما اختلف فيه مهملاً لا حکم له، وهذا غير جائز. قال المزنى في كتاب ((إثبات القياس)): تعلَّق المانعون بآثار وردت في ذم الرأي والقياس، وإنما هي عندنا رأي أهل البدع الذي ابتدعوا في الدين رأياً وسمّوا فروعه قياساً، وأغفلوا كشف القول في الرأي الموافق للكتاب والسنة والتمثيل عليهما، غير أنه كان لطيفاً دقيقاً يحتاج إلى حِدّة العقول ومعرفة معاني الأصول، ٢٥ كتقرير رسول الله ﴿ل معاذاً على الاجتهاد على أصل الكتاب والسنة، وقول الصديق رضي الله عنه في قضية الطاعون: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً. وعلى المذموم يُحمل قوله ◌َّله: (اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) والجمع بين الأدلة أولى من تعطيل بعضها. قال ابن القفال: وقد قيل: إن داود سأل المُزَنى عن القياس أهو أصل أم فرع فأجابه المزني: إن قلت القياس أصل أو فرع، أو أصل وفرع، أو لا أصل ولا فرع لم تقدر على شيء، وإنما عنى به أنه أصل لأن الله تعالى أمر به. قال ابن القطان: هو فرع بمعنى أن الله تعالى نبّه عليه بغيره، وهو أصل وفرع باعتبارين لما عرفت أنه فرع لغيره الذي عرف منه وهو الكتاب والسنة. ومعنى قوله ((لا أصل ولا فرع)) أنه فعل القائس. وقال أبو بكر الرازي: سأل داود القائسين سؤالاً دلّ على جهله بمعنى القياس فقال: خبروني عن القياس أصل هو أم فرع؟ ٢٧١/ ب فإن كان أصلاً فلا ينبغي أن يقع / فيه خلاف، وإن كان فرعاً ففرعٌ على أيّ أصلٍ . قال الرازي: والقياس إنما هو فعل القائس ولا يجوز أن يقال لفعل القائس إنه أصل أو فرع. وإنما وجه تصحيح السؤال أن يقول: خبروني عن وجوب القول بالقياس، أو الحكم بجواز القياس أهو أصل أم فرع؟ فيكون الجواب عنه: أن القياس أصل بما بني عليه، وفرع على ما بني عليه، فأصله الكتاب والسنة والاجماع، وفرعه سائر الحوادث القياسية التي لا توقيف فيها ولا إجماع. وقال ابن سريج: في كتاب ((إثبات القياس)) قال بعضهم: خبرونا عن القياس فرض هو أو ندب، فإن قلتم ندب فقد أوجبتم التشريع في الدين، وإن قلتم فرض فما وجدنا ذلك. قلنا: بل فرض، لأن الله تعالى أمر بالنفقة على الزوجة وبالإطعام والصيام على قاتل الصيد وبقبول الجزية ولم يبين ذلك فوجب النظر فيه قال: وحقيقة القياس فعلٌ أمَرَ اللهُ جل ذكره به في وقت كما أمر ببر الوالدين في وقت، فلا يسمى القياس أصلاً ولا فرعاً لذلك. ئنهات الأول : حرّر الهندي موضع الخلاف فقال: إذا علمنا أن الحكم في محل الوفاق معلَّل ٢٦ بكذا، أو علمنا حصول الوصف مع جميع ما يعتبر في إفضائه لذلك الحكم في صورة النزاع علمنا حصول مثل ذلك الحكم في صورة النزاع فهذا النوع من القياس مما لا نزاع فيه بين العقلاء بل الكل أطبقوا على حجيته، فأما إذا كانت هاتان المقدمتان ظنيتين، أو إحداهما ظنية، كان حصول ذلك الحكم في صورة النزاع ظنياً لا محالة. وهذا لا نزاع في أنه لا يفيد العلم والخبر بالنتيجة، بل إن كان في الأمور الدنيوية فقد اتفقوا على وجوب العمل به. وأما في الأمور الشرعية فقد نقل الإمام الرازي أن هذا محل الخلاف، وكلام الغزالي يقتضي التفصيل بين ما إذا كانتا ظنيتين فكذلك، أو إحداهما ظنية والأخرى قطعية، فليس من محل الخلاف أيضاً على معنى ما إذا كانت الأولى قطعية، أعني كون الحكم معللاً بكذا، والثانية، أعني تحققها في صورة النزاع ظنية، فهذا محل وفاق. أما إذا كانت هي ظنية سواء كانت المقدمة الثانية قطعية أو ظنية فإنه من محل الخلاف، وكلام الإمام يقتضي أن الكل من محل الخلاف. الثاني : أفرط في القياس فرقتان: المنكر له، والمسترسل فيه، كغلاة أهل الرأي. قال ابن المنير: وما شبهت تصرف المجتهدين بالعقول في الأحكام الشرعية إلا بتصرفهم في الأفعال الوجودية: أمرٌ بين أمرين، لا جبر ولا تفويض، فمن زعم أن الأحكام كلها تعبدية لا مجال للقياس فيها ألحقه بجحود الجبرية، ومن زعم أنها قياسية محضة وأطلق لسانه في التصرف ألحقه بتهوّر المعتزلة، والحق في التوسط ﴿وكان بين ذلك قواماً﴾ [سورة الفرقان / ٦٧] قلت: ومن البلية اقتصار كثير من الفقهاء على الاستدلال على القياس وعدم بحثهم عن النص فيها وهو موجود لو تطلبوه . مسألة القيَاسْ مِن أصُول الفِقه أي أدلته، خلافاً لإمام الحرمين والغزالي والكيا، واختلفت مآخذهم: فقال ٢٧ الغزالي: لأن الأدلة هي المثمرة، والأحكام والقياس من طرق الاستثمار، فإنه لا دلالة من حيث معقول اللفظ وأن العموم والخصوص دلالة من حيث صيغته. وقال الإمام: لأن الدلالة إنما تطلق على المقطوع به، والقياس لا يفيد إلا الظن. ثم اعتذر عن إدخاله في الأصول بقيام القاطع على العمل به وهذا فرع لأن القياس لا يكون قطعياً - كما سيأتي - لكن لا نسلم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة فقط، سلمنا لكن لا نسلم أن الدليل لا يقع إلا على المقطوع به. مسألة والقياسْ ظَنِي نص عليه في ((الرسالة)) فقال: انه حق في الظاهر عند قائسه لا عند العامة من العلماء. قال الصيرفي: أراد أنه ليس حقّاً في الظاهر حتى يلزم بظاهر الأدلة، ويجوز الخلاف فيه، ولو كان قطعياً لم يقع فيه خلاف انتهى وهذا لا ينافي قوله في الفحوى: أنه قياس جلي، مع أنه قطعي. على أنه قد كثر القول فيه - كما قاله القفال - وأن دلالته لفظية على قول، فعلى هذا لا تظفر بقياس قطعي إلا أن تكون العلة منصوصاً عليها. على أن بعضهم لم يجعله قياساً. قلت: دلالة اللفظ به، ولهذا قال به منكرو القياس. وممن أطلق ظنية القياس الإمامان الجويني والرازي وغيرهما وحينئذ فينتهض بالأدلة الظنية. قال في ((البرهان)) لا يفيد العلم وجوب العمل بأعيانها، وإنما يقع العلم عندها، والعلمُ بوجوبه مستندً إلى أدلة قاطعة. وأما قول من قال: الظاهر الدال علی کون القیاس حجة، فإن کان بمجرده لا یفید إلا الظن ولکن اقترنت بها أمور مجموعها يفيد القطع، قلنا: هذا مجرد دعوى القطع في مواضع الظنون، ومطالبته بالدليل على وجود تلك الأمور المقرونة بالظاهر، ولا نجد إلى بيانها سبيلاً أصلاً، ولو أفاد ما ذكره القطع لما عجز أحد عن دعوى القطع في مواضع الظنون. وحكى سليم في ((التقريب)) عن بعض أصحابنا أن القياس قطعي بمنزلة الحكم بشهادة الشاهدين إذا غلب على ظن الحاكم صدقهما. ٢٨ مسألة لا يُحكم بفسق المُخَالفْ وإن قلنا دليله قطعي، لأنه متأول. وقال بعض المتكلمين: إنه يحكم بفسقه، حكاه الحلواني. مسألة [القياسْ يُعُمَل بهِ قطعَاً] القياس يعمل به قطعاً عندنا في نص الشارع: أما بالنسبة إلى نص المجتهد، كما لو نص على حكم، فهل تستنبط العلة ويعدى الحكم؟ قال الامام الرافعي في ((كتاب القضاء)): حكى والدي عن الإمام محمد بن يحيى المنع في ذلك، وإنما جاز في نصوص الشارع لأنا تُعُبِّدْنا وأمرنا بالقياس، والأشبه بصنيع الأصحاب خلافه، ألا تراهم ينقلون الحكم ثم يختلفون في أن العلة كذا وكذا، وكل منهما مطرد الحكم في فروع علّته، وهذا كما قال، وهو المعبّر عنه بالتخريج. مسألة [القيَاسْ يُعِمَل بِهِ ابتداءً] والقياس إنما يُعمل به ابتداء، فأما النسخ به فلا يجوز، وإن جوزناه فلا يقع وقد سبقت في النسخ. قلت: ولا يجوز العمل بالقياس في أسماء الله تعالى وإن أثبتناها بالظنی کخبر الواحد، قاله ابن القشيرى في ((المرشد)). مسألة يجوز أن يَتَعَبَّد الله نبيّه وَلّر بالقياس الشرعي عند الجمهور وقيل: لا يجوز. ٢٩ مسألة هل يجوز أن يتعبد الله بالقياس من عاصر النبي وَلا؟ / مذهب المعظم ١/٢٧٢ جوازه، وقيل: لا يجوز، وقيل: يفضَّل بين الحاضر والغائب، هكذا حكى الخلاف هنا ابن برهان، وتابع فيه الغزالي فإنه سوَّى بين التعبد بالاجتهاد في زمانه وَلجر وبالقياس في جريان الخلاف، وسيأتي إن شاء الله. مسألة [التَّعَبدُ بالقيَاسْ في الأحْكَامِ الشِرَعَيَة] لا يجوز التعبد بالقياس في جميع الأحكام الشرعية، ونقل عمن لا يعتد به خلافُه . قال الغزالي وابن برهان وغيرهما. وقال ابن السمعاني: يجوز التعبُّد في جميع الشرعيات بالنصوص قال: ومن الممكن أن ينص الله على صفات المسائل في الجملة فيدخل تفصيلها فيها، فأما التعبد في جميعها بالقياس فلا يصح، لأن القياس حمل فرع على أصل، فإذا لم يكن أصل فكيف يتصور القياس؟ وإذا علم أنه لا يجوز إثبات جميعها بالقياس فنقول: ليس للقياس تخصيص بشيء دون شيء من الأحكام بعد أن لا يكون جميعها ثابتاً بالقياس قال: فعلى هذا قال الأصحاب ثبتت جميع الأحكام الشرعية بالقياس على معنى أنه لا يتخصص بشيء دون شيء؛ بل يجوز استعماله في كل حكم شرعي. ويتفرع على هذه المسألة خلافٌ مع الحنفية في استعمال القياس في الحدود والكفارات. مسألة [نصّ الشَّارِع عَلى الحُكْْمَ وَالعَلة] إذا نص صاحب الشرع على حكم ونص على علته، كما لو قال: حرمت الخمر ٣٠ لكونها مسكراً، أو أعتقت غانماً لسواده، هل هو إذنٌ منه في القياس أينما وُجدت العلة أم لا بد من دليل على القياس؟. فذهب جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين والمعتزلة والنظام وبعض الظاهرية من منكري القياس إلى أنه إذنّ في إلحاق غيره به، وإلا لم يكن للعلة فائدة، وسَوَاء ورد ذلك قبل ثبوت التعبد بالقياس أو بعد ثبوته. قال أبو سفيان من الحنفية: وإليه كان يشير شيخنا ((يعني أبا بكر الرازي)) في احتجاجه بقوله وَّر: (إنما ذلك دم عِرق فتوضّئي لكل صلاة) في إيجاب الوضوء من الرعاف ونحوه، وصار بمثابة قوله: الوضوء من كل دم عرق. قال أبو الحسين: وأوجب أبو هاشم القياس بها وإنما لم يرد التعبد بالقياس، وصار بعض الظاهرية إلى أنه ليس بإذن، بل لابد معه من دليل، ونقله الآمدى عن الأستاذ أبي إسحاق وأكثر الشافعية، واختاره تبعاً للإمام والغزالي. وقال سليم الرازي: إنه قول أكثر أصحابنا، وعليه الفقهاء والمتكلمون، لجواز أن يكون ذكر العلة لتعريف الباعث على الحكم ليكون أقربَ الى الاعتبار لا لأجل الإلحاق. ويقوى القول بهذا إذا قلنا: إن الدليل الدال على وجوب التعبد بالقياس يجب أن يكون قطعياً، فإن غاية هذا الظن. فإن قيل: النص على العلة في نحو حرمت الخمر لشدتها لو لم يعتبر التعميم لم یکن له فائدة. قلنا: له فوائد: منها : معرفة الباعث كما سبق. ومنها: زوال الحكم عند زوال العلة كزوال التحريم عند زوال الشدة. ومنها: ما سيأتي في فائدة العلة القاصرة من انقياد المكلف إلى الامتثال لظهور المناسب. ومرادهم بالدليل تقدم الإذن بالقياس، ولهذا فصل الجعفران ابن حرب وابن مبشرٍ شيخا المعتزلة بين أن يرد قبل ورود التعبد بالقياس ولا يجوز تعدّيه وإلّا جاز، واختاره أبو سفيان من الحنفية، وفصّل أبو عبد الله البصري بين إن كان الحكم المنصوص عليه من قبيل المحرمات فهو إذن، وإن كان من قبيل المباح أو ٣١ الواجب فلا. قال الهندي: والمختار أن ذلك لا يفيد ثبوت الحكم في غير الصورة التي نص عليها، لا بطريق اللفظ ولا بطريق أنه يفيد الأمر بالقياس. وهنا تنبيهان : الأول: أن القائلين بالاكتفاء مطلقاً هم أكثر نفاة القياس، ولا يستنكر ذلك منهم لأنهم يرون أن التنصيص على علة الحكم تنزل منزلة اللفظ العام في وجوب تعميم الحكم ولا فرق عندهم بين أن يقول: حُرِّمت الخمرُ لإسكارها أو حرمت علی کل مسكر، كما صرح به الصيرفى في كتابه. هذا تحريرٍ مذهب النظام وغيره ومنكري القياس فكأنه أنكر تسمية هذا قياساً وإن كان قائلاً به في المعنى. وكذا نقله القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)» وسلیم في ((التقريب)) وغيرهما، وقد سبق في باب العموم المعنوي أن تعميم مثل هذا هل هو بالقياس أو الصيغة؟ قولانٍ للشافعي، والصحيح أنه عمم بالقياس. وقال الهندي: نقل الأكثرون عن النظام أن التعميم فيه بالقياس، ونقل الغزالي عنه أنه يجري تعميم الحكم في جميع موارد العلة بطريق اللفظ والعموم، ولاشك أنه مخالف لنقل الأكثر ومنافٍ له، فإن التعميم بطريق القياس لا يجامع التعميم بالقياس، فحينئذ لا يكون ذلك أمراً بالقياس عنده، وإن كان الحكم ثابتاً عنده في غير الصورة التي نص عليها. قلت: وما حكاه الغزالي أظهر، لما سبق عن النظام من إنكار القول بالقياس، ولهذا قال الغزالي: ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذا قاس حيث لا يقيس، لكنه أنكر اسم القياس. انتهى. وهو لم يَدَّعِ أنه بالقياس بل باللفظ، فكان من حقه أن يبطل هذه الجهة من القياس. وقد يجمع بين إنكاره القياس وما نقله عنه الأكثرون بأنه إذا وقع التنصيص على العلة فمدلول اللفظ الأمر بالقياس لغةً، ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره وهناك أحال وروده من الشارع لكن يلزم على هذا أن يقول إن الشارع لا يقع منه التنصيص على العلة من حيث هو فمدلوله ما ذكرناه. ٣٢ الثاني : سبق عن الأستاذ أبي اسحاق نقل التعميم، فإنه قال في كتابه: إذا نص الشارع على العلة على وجه لا يقبل تأويلها فلابد أن يعم الحكم إذ لو اختص الحكم لوجب أن تختص العلة، ووضع التعليل يناقضه الاختصاص، وهذا وإن كان فيه موافقة للنظام لكن مأخذه خلاف مأخذه وهو القول بامتناع تخصيص العلة، ولیس يرى أن النص على التعليل نص على التعميم، ولكن هذا عنده من ضرورة فهم التعليل وهو يمنع النص على التعليل مع النص على التخصيص. وينبغي تنزيل إطلاق غيره من أصحابنا الموافقين للنظام على ذلك. مسألة إنما يستعمل القياس إذا عدم النصْ وقد قال الشافعي في آخر ((الرسالة)): القياس موضع ضرورة، لأنه لا يحل / ٢٧٢ /ب القياس والخبرُ موجود، كما يكون التيمم طهارة عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء انتهى. وأطلق الأستاذ أبو اسحاق أن المسألة إذا لم يكن فيها نص ولا إجماع وجب القياس فيها وإلا جاز. وهل يعمل به قبل البحث عن المنصوص وجميع دلالتها؟ للمسألة أحوال: أحدها: أن يريد العمل به قبل طلب الحكم من النصوص المعروفة، فيمتنع قطعاً. الثانية: قبل طلب نصوص لا يعرفها مع رجاء الوجود أو طلبها فطريقه يقتضي جوازه، ومذهب الشافعي ومذهب أحمد وفقهاء الحديث: لا يجوز، ولهذا جعلوا القياس ضرورات بمنزلة التيمم، لا يعدل إليه إلا إذا غلب على ظنه عدم الماء وهو معنى قول أحمد: وما تصنع بالقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه؟ ! ولها شبه بجواز الاجتهاد بحضرة النبي ◌ّ ر، فإن وجود النبي ◌َّله بمنزلة النص يحتمل الجواز إذا خاف الفوت على حكم الحادثة. ٣٣ الثالثة: أنه ييأس من النص ويغلب على ظنه عدمه، فها هنا يجوز قطعاً، وقد سبق قبل هذه المسألة في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص والناسخ، وأنه إذا اجتهد ولم يجد المعارض عمل به، ويزيد هنا أنه هل له أن يقيس عليه؟ قال القاضي عبد الجبار: لا، لأنه لا يقطع بثبوته، وخالف أبو الحسين في ((المعتمد)) وهو الأظهر، كما يجب أن يقضي بظاهره وهو فرع غريب. مسألة [المرسَل وَالضَعيف أولى مِن القياسُ] حكى ابن حزم عن أبي حنيفة أن الخبر المرسل والضعيف أولى من القياس، ولا يحل القياس مع وجوده، قال: والرواية عن الصاحب الذي لا يعرف له مخالف منهم أولى من القياس، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يجوز القياس مع نص القرآن أو خبرٍ مسند صحيحٍ ، وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم. وقال أبو الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري، المالكيان: القياس أولى من خبر الواحد المسند والمرسل. قال ابن حزم: وما نعلم هذا القول عن مسلم يرى قبولَ خبرِ الواحد قبلهما. وحكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتاب ((الجهر بالبسملة)) عن القاضي ابن العربي أنه سمع أبا الوفاء بن عقيل في رحلته إلى العراق يقول: مذهب أحمد أن ضعيف الأثر خيرٌ من قويّ النظر. قال ابن العربي: وهذه وهلة من أحمد لا تليق بمنصبه، فإن ضعيف الأثر لا يحتج به مطلقاً. قال بعض أئمة الحنابلة المتأخرين: هذا ما حكاه عن أحمدَ ابنُه عبد الله، ذكره في مسائله. ومراده بالضعيف غيرُ ما اصطلح عليه المتأخرون من قَسْمِ الصحيح والحسن، بل عنده الحديث قسمان: صحيح وضعيف، والضعيف ما انحط على درجة الصحيح، وإن كان حسناً. واعلم أن القياس قد يُعمل به مع وجود النص في صور: منها: أن يكون النص عاماً والقياس خاصاً، وقلنا بقول الجمهور أنه يجوز تخصيص العموم بالقياس، فالقياس مقدم. ٣٤ ومنها: أن يكون أصل القياس ثبت بنص أقوى من ذلك النص المعارض وقُطع بوجود العلة في الفرع، فإنه يقدم على النص. ومنها: أن يكون النص مخالفاً للقياس من كل وجه على رأي الحنفية، فإنهم يقدمون القياس على خبر الواحد، وحكاه ابن برهان عن مالك أيضاً. ٣٥ البَابُ الرَابع في أنواعِه قال ابن السمعاني: وقد قسمه ابن سريج إلى ثمانية أقسام، ومن أصحابنا من زاد على ذلك. انتهى . النوع الأولـ قيَاسِ العِلَةْ وهو أن يحمل الفرع على الأصل بالعلة التي علق الحكم عليها في الشرع، ويسمى ((قياس المعنى)). وينقسم إلى جلي وخفي . فأما ((الجلي)) فما علم من غير معاناة وفكر. و((الخفيُّ))، مالا يتبين إلا بإعمالِ فکرٍ . والجلي قسمان: أحدهما: ما تناهى في الجلاء حتى لا يجوز ورود الشريعة في الفرع على خلافه كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الاسراء / ٢٣] ونحوه. وثانيهما: دونه، كقوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) هذا كلام ابن السمعاني . وقسم الشيخ أبو إسحاق قياس العلة إلى: جليّ وواضحٍ وخفيٍّ قال: ((فالجليُّ) ما عرفت علته قطعاً إما بنص أو إجماع. و((الواضح)) ما ثبتت علته بضرب من الظاهر و((الخفي)) ما عرفت علته بالاستنباط. وقال الماوردي والروياني: الجلي ما يكون معناه في الفرع زائداً على معنى الأصل، والخفي: ما يكون في الفرع مساوياً المعنى الأصل. ٣٦ [أقسَام القياس الجليَّ] ثم قسَا الجليَّ- تبعاً للقفال الشاشى وغيره - إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما عُرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال قالا: ولا يجوز أن يرد التعبد فيهِ بخلافٍ أصلِه، كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء / ٢٣] فإنه يدل على تحريم التأفيف بالبديهة، وعلى تحريم الضرب والشتم قياساً، ولا يجوز أن يُحرم التأفيف ويبيح الضرب. وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يعملْ مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره﴾ [سورة الزلزلة / ٧ -٨] فلا يجوز أن يجازى على قليل الطاعة ولا يجازى على كبيرها، ويعاقب على قليل المعصية ولا يعاقب على كبيرها. قال القفال الشاشي: حكم ذرة ونصف بمنزلة ذرة. وإنما قال هذا حتى لا يقول مبهوت إن الكثير ذرات(١) فالاسمُ متناول لها. يُشير إلى ما حكاه إمام الحرمين في مناظرة جرت لابن سريج مع محمد بن داود إذ قال له ابن سريج: أنت تلزم الظاهر وقد قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟ فقال مجيباً: الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج: لو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وظهر انقطاعه. وقال بعض مشايخنا: لا يسمى هذا قياساً. قلت: لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما زاد عليه فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ، وسماه بعضهم ((مفهوم الخطاب)) وقيل ((فحوى الخطاب)). قالوا: والقياس ما خفى حكم المنطوق عنه حتى عُرف بالاستدلال من المنصوص عليه، وما خرج عن الخفاء ولم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس. وقال نفاة القياس: ليس بقياس بل نص. وقيل: تنبيهُ وضُعِّف، لأن النص ما عرف ((حكم مراتبه))(٢) والقياس ما عرف حكمه من اسم غيره، وهو موجود لأن اسم التأفيف لا ينطلق على الضرب كما لا ينطلق اسم الضرب على التأفيف، فتحريم (١) أى فلا يكون مشمولاً بالمجازاة عليه (٢) هكذا في جميع الأصول ولعل الصواب ((حكمه من اسمه)). ٣٧ الضرب مأخوذ من معنی التأفیف لا من اسمه، فإن امتنعوا من تسمیته فیاسا فقد ١/٢٧٣ خالفوا في الاسم، فاختلاف الأسماء في / الوضوح والغموض لا يمنع أن يكون كلُّها نصوصاً، فكذلك اختلاف المعاني في الخفاء والجلاء لا يمنع كونه قياساً. واعلم أن هذا الوجه من القياس أقرب وجوهه إلى النصوص لدخول فرعها في النص. الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال، كالنهي عن التضحية بالعوراء والعمياء والعرجاء، فالعمياء أولى قياساً على العوراء، والقطعاء على العرجاء، لأن نقصها أكثر، فهذا لا يجوز أن يرد التعبد بخلاف أصله، وإن جاز التعبد بإباحة العمياء والقطعاء مع تحريم العرجاء والعوراء. وهذا مما اختلف فيه نفاة القياس، فاقتصر بعضهم على تحريم النص وأباح ما عداه، فأباح التضحية بالعمياء والقطعاء، وأثبت بعضهم تحريم الجمع بالتنبيه دون النص. والثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر، كقياس الأمة على العبد في السراية، وقياس العبد عليها في تنصيف حد القذف، وقياس النكاح على البيع في تحريمه عند صلاة الجمعة، فهذا لا يجوز النسخ به. وفي جواز التخصيص به وجهان أصحهما الجواز، وهذه الضروب الثلاثة يجوز أن ينعقد بها الإجماع ويُنقض بها حكم من خالفها من الحكام انتهى. وقال القفال الشاشي بعد ذكره نحو ما سبق: قد علق الشافعي القول في تسمية هذه الوجوه قياساً، وحكى في ((الرسالة الجديدة)) أن من أهل العلم من يمنع أن يسمى هذا قياساً لأن القياس ما احتمل فيه شبه بين معنيين، فنقيسه على أحدهما دون الآخر، ويقول غيره من أهل العلم: ماعدا النصَّ من الكتاب والسنة وكان معناه فهو قياس وليس في شيء مما حكاه فيها أن ما فهم من المعنى فهو نص ولا أنه مفهوم معنى الاسم انتهى . فإن قيل: فما فائدة الخلاف في هذا القسم مع الاتفاق على الحكم؟ قلنا: سبق في بحث المفهوم له فوائد: منها أنا لو قدرنا في فرع من الفروع وجودَ نص يُشعر بنقيض الحكم فهل يتعارضان أو يرجح أحدهما على الآخر؟ فمن قال إنه مأخوذ من اللفظ قال: فيتعارضان. ٣٨ [أقسَام القيَاسْ الخَفِىّ] وأما القياس الخفي فقسمه الماوردي والروياني أيضاً إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما خفى معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال ويكون معناه لائحاً، وتارة يكون الاستدلال متفقاً عليه، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عليكم أمهاتكم﴾ الآية [سورة المائدة / ٢٣] فكانت عمات الآباء والأمهات في التحريم قياساً على الأمهات، لاشتراكهن في الرحم، وكقوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [سورة الطلاق / ٦] فكانت نفقة الوالدين عند عجزهما في كبرهما قياساً على نفقة الولد لصغره. والمعنى في هذا الضرب لائح لتردده بين الجلي والخفي، وهو من ضروب الخفي بمنزلة الأول من ضروب الجلي، ويجوز أن ينعقد الإجماع بمثله، وهل ينقض حكم الحاكم إذا خالف في جواز تخصيص العموم؟ وجهان . الثاني: أن يكون معناه غامضاً للاستدلال المختلف فيه، كتعليل الربا في البُرّ المنصوص عليه بالقوت ليقاس عليه كل مأكول، فهذا لا ينتقض فيه الحكم ولا يخص به العموم. الثالث: ما یکون شبهاً وهو ما احتاج في نصه ومعناه الى استدلال کالذي قضى به رسول الله ﴿ أن الخراج بالضمان، يعرف بالاستدلال أن الخراج هو النفقة، وأن الضمان هو ضمان النفقة ثم عرف معنى النفقة بالاستدلال فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها، فمن معلّل لها بأنها آثار فلم يجعل المشترى إذا رد بالعيب مالكاً للأعيان من الثمار والنتاج، ومن معلل بأنها ما خالفت أجناس أصولها فجعل مالكاً للثمار دون النتاج، وعللها الشافعي بأنها ما يجعل مالكاً لكل ثمار من ثمار ونتاج، فمثل هذا ينعقد الإجماع في حكم أصله ولا ينعقد في معناه، ولا يقضي بقياس حكمه، ولا يخص به عموم وهو أضعف مما قبله. ٣٩ مسألة لا يشترط في المشابهة بالاستدلال في القياس تمام المشابهة، ولا يكتفى بأدناها، بل يعتبر ما يشير إلى المأخذ. النوع الثَّانِي قيَاسَ الشَبه قالا(١): وهو ما أخذ حكم فرعه من شبه أصله، وقالا في موضع آخر: هو ما تجاذبه الأصول فأخذ من كل أصل شبهاً، وسماه الشيخ أبو إسحاق وغيره ((قياس الدلالة)) وفسره بأن يحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبّه على العلة التي علق الحكم عليها في الشرع قال: وهذا الضرب لا تعرف صحته إلا باستدلال الأصول وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يستدل بثبوت حكم من أحكام الفروع على ثبوت الفرع، ثم رد إلى أصل، كاستدلالنا على سجود التلاوة ليس بواجب بأن سجودها يجوز فعله على الراحلة من غير عذر على أنه ليس بواجب. والثاني: أن يستدل بحكم يشاكل حكم الفرع ويجرى مجراه على حكم الفرع، ثم يقاس على أصل، كقولنا في ظهار الذمي: صحيح لأنه يصح طلاقه، فيصح ظهاره، فصحة قياس الطلاق على صحة الظهار لأنهما يجريان مجرى واحد، ألا تَرى أنهما يتعلقان بالقول ويختصان بالزوجة، فإذا صح ذلك دل دليل على صحة الآخر. والثالث: أن يحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبّه، كقياس من قال: إن العبد يملك لأنه آدمي مخاطَب مثاب معاقَب، فملك كالحر. قال: فهذا وأمثاله يسمى ((قياس الشبه)) وفي صحته وجهان: أحدهما: يصح، لأن عمر أمر أباموسى باعتباره، والثاني: المنع، لأنه لو جاز رَدُّ الفرع إلى الأصل بالشبّه لَوَجَب أن يصح كل قياس، لأنه ما من فرع إلا ويمكن رده إلى أصل بضرب من الشبه. انتهى. وقال الشيخ في ((اللمع)): اختلف أصحابنا في قياس الشبه، وهو تردّد الفرع بين أصلين لشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف والآخر من وصفين فقيل: صحيح، (١) أى الماوردي والروياني، كما يعرف من أول الكلام المنقول عنهما. ٤٠