النص المفهرس
صفحات 521-540
الفصل الخامس في المُجْمَعِ عَلَيْهِ وَهَوَ مَا يَكونُ الاجْمَاع فيَّه دَليْلاً وَحُمَّة وهو كل أمر ديني لا يتوقف ثبوت حجة الإجماع على ثبوته لا كإثبات العالم للصانع، وكونه قادرا عالما مريدا، كالنبوات فإنه لا يصلح إثبات شيء منها بالإجماع للزوم الدور ، لتوقف ثبوت المدلول على ثبوت الدليل . [جريان الإجماع في العقليات] وقال القاضي أبو بكر، والشيخ في ((اللمع)) وصاحب ((القواطع)) وغيرهم: الإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية ، وأما الأحكام العقلية فعلى ضربين: أحدهما : ما يجب تقديم العمل به على العلم بصحة السمع ، كحدوث العالم، وإثبات الصانع ، وإثبات صفاته ، فلا يكون الإجماع حجة فيها ، كما لا يثبت الكتاب بالسنة ، والكتاب يجب العمل به قبل السنة . والثاني : مالا يجب تقديم العمل به على السمع ، كجواز الرواية ، وغفران الذنوب . والتعبد بخبر الواحد ، والقياس ، فالإجماع فيه حجة . واعلم أنه يتلخص في هذه المسألة أعني جريان الإجماع في العقليات ثلاثة مذاهب . ٥٢١ أحدها : الجواز مطلقا ، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن القاضي فقال : وقال شيخنا أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري : يصح الاستدلال بالإجماع في جميع العلوم العقلية والشرعية ، ولذلك استدل على نفي قديم عاجز أو ميت بإجماع أهل العقول على نفيه . والثاني : المنع مطلقا ، وبه جزم إمام الحرمين ، ونقله الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا استغناء بدليل العقل عن الإجماع . قال الأصفهاني : وهو الحق نعم، يستعمل الإجماع في علم الكلام ، لا لإفادة العلم ؛ بل لإلزام الخصم وإفحامه. وبه جزم سليم في ((التقريب)) بناء على أن الإجماع يثبت حجة بالسمع ، لا بالعقل . وقال إلْكِيا: ينشأ من أن الإجماع حجة من جهة السمع أنه إنما يحتج به فيما طريق معرفته السمع ، ولا يصح أن يعرف بالإجماع ما يجب أن تتقدم معرفته قبل معرفة الإجماع، كإثبات الصانع والنبوات . والثالث: التفصيل بين كليات أصول الدين، كحدوث العالم، فلا يثبت به، وبين جزئياته كجواز الرؤية فيثبت به . ثم فيه مسائل: الأولى: يجوز أن يعلم بالإجماع كل ما يصح أن يعلم بالنصوص وغيرها من أدلة الشرع ويصح أن تعلم السمعيات كلها من ناحيته. ذكره القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). الثانية: قد استدل بعض أئمتنا على كونه تبارك وتعالى متكلما صادقا في كلامه بالإجماع وأَلْزَمَ الدور، قال القرطبي: والحق التفصيل، فإن قلنا: إن المعجزة تدل على صدق المتحدي من حيث إنها تنزلت منزلة التصديق بالقول، فالدور لازم. وإن قلنا: إنها تدل دلالة قرائن الأحوال، لم يلزم . الثالثة : قيل يمكن إثبات حدوث العالم بالإجماع ، لأنه يمكننا إثبات الصانع بحدوث الأعراض، ثم تعرف صحة النبوة بالمعجزة، ثم تعرف من جهة النبوة حُجّة الإجماع، ثم تعرف به حدوث العالم. قال: ويمكننا التمسك به في التوصل إليه، وفيه نظر . ٥٢٢ الرابعة: اختلف في الإجماع في الأمور الدنيوية، كالآراء، والحروب، والعادة، والزراعة . هل هي حجة؟ فأطلق الشيخ في ((اللمع))، والغزالي، وإلْكِيا، وغيرهم، أنه ليس بحجة. وقال ابن السُّمْعاني: إنه الأصح. قال الكيا: لا يبعد خطأ الأمة في ذلك ، وعمدتهم أن المصالح تختلف باختلاف الأزمان ، فلو قيل بحجيته ، فربما اختلفت تلك المصلحة في زمن ، وصارت في غيره ، فيلزم ترك المصلحة ، وإثبات مالا مصلحة فيه ، وهو محذور . ومنهم من ذهب إلى أنه حجة. قال القاضي عبد الوهاب: إنه الأشبه بمذهب أصحابهم ، لأن ذلك الأمر الذي أجمعت عليه ، وإن كان من جلب المنافع ، واجتناب المضار ، فقد صار أمرا دينيا ، وجبت مراعاته فيتناول ذلك الإجماع أدلة الإجماع . ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي، وبين ما يكون قبله، فقال بحجية الأول ، دون الثاني . ولعل هذا / تنقيح ضابط للقولين الأولين ، فلا يعد ٢٦٤ / ب قولا ثالثا . والحق أنه لا فرق في ثبوت الحكم الديني والدنيوي في الاستناد إلى ما لا يقع فيه الخطأ ، وهو الإجماع لقوله عليه السلام : (لا تجتمع أمتى على الخطأ) ، ولم يعين الديني. ولك أن تقول : إن الإجماع في أمور الدنيا متعذر، لمخالفة الزهاد لأهلها، فما ينعقد الإجماع مع مخالفتهم، ولهذا اختلف قول عبد الجبار في الدينية . الخامسة: إذا أجمعت الأمة على أمر لغوي، فإن كان له تعلق بالدین کان إجماعا معتدا به ، وإلا فلا ، خلافا لمن أطلق الأمر المجمع عليه . السادسة: هل يصح أن يجمعوا على أنه لا دليل على كذا إلا ما استدلوا به ؟ قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: ينظر، فإن كان الدليل الثاني مما يتغير دلالته صح إجماعهم على منع كونه دليلا . مثل أن يتعرض للخصوص أو ينقله إلى المجاز أو النسخ ، ونحوه . فإن لم یتغیر فلا يصح إجماعهم على ثاني دليل سوى ما استدلوا به ، كما لا يصح منهم الإجماع على أن الإجماع لا يصح أن يكون دليلا . ٥٢٣ الفضْل السَّادسْ في أحكام الإجماع [حكم منكر الإجماع] وفيه بحثان : الأول في تحريم مخالفته وفيه مسألة واحدة، وهي أن من أنكر الإجماع ، هل يكفر ؟ وهو قسمان : أحدهما : إنكار كون الإجماع حجة فينظر إن أنكر حجية الإجماع السكوتي ، أو الإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره ، ونحو ذلك من الإجماعات التي اعتبر العلماء المعتبرون في انتهاضها حجة ، فلا خلاف أنه لا يكفر ، ولا يبدَّع ، وإن أنكر أصل الإجماع ، وأنه لا يحتج به ، فالقول في تكفيره ، كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء . والثاني : أن ينكر حكم الإجماع ، فيقول مثلا : ليست الصلاة واجبة ، وليس لبنت الابن مع الأم السدس فله أحوال : أحدها : بأن يكون قد بلغه الإجماع في ذلك وأنكره ، ولج فيه ، فإن كانت معرفته ظاهرة كالصلاة كفر ، أو خفية كمسألة البنت ففيه تردد . ثانيها : أن ينكر وقوع الإجماع بعد أن يبلغه ، فيقول : لم يقع ، ولو وقع لقلت به ، فإن كان المخبر عن وقوعه الخاصة دون العامة ، كمسألة البنت ، فلا يكفر على الأظهر ، وإن كان المخبر الخاصة والعامة كالصلاة كفر . ٥٢٤ وثالثها: أن لا يبلغه فيعذر في الخفي دون الجلي، إن لم يكن قريب العهد بالإسلام . وذكر جماعة من أصحابنا منهم البغوى في أوائل ((التهذيب))، والكيا ، وابن برهان، وابن السَّمْعانى ، وغيرهم ، تقسيم الإجماع إلى ثلاثة أقسام : الأول: ما يشترك الخاصة والعامة فيه كأعداد الصلوات وركعاتها، والحج، والصيام، وزمانهما وتحريم الزنى والخمر والسرقة . فمن اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر ، لأنه صار بخلافه جاحدا لما قطع من دين الرسول وَل، وصار كالجاحد لصدقه. قال إلْكِيا ويكفر مخالفه من حيث أنه منقول عن الشرع قطعا ، فإنكاره كإنكار أصول الدين . والثاني : إجماع الخاصة فقط ، وهو ما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها ، وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف ، وتوريث الجدة السدس ، ومنع توريث القاتل ، ومنع الوصية للوارث . فإذا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما عليه الإجماع يحكم بضلاله وخطئه ، ومعصيته بإنكار ما خالف . قال البغوي: ومنه أنه يجمع علماء كل عصر على حكم حادثة إما قولا أو فعلا ، فهو حجة لكن لا يكفّر جاحده ؛ بل يخطّأ ويدعى إلى الحق ، ولا مساغ له فيه لاجتهاد. اهـ . وهو ظاهر ، لأن هذا إجماع ظني ، لا قطعي . لكن حكى الأستاذ أبو إسحاق خلافا فيمن جحد مجمعا عليه غير معلوم بالضرورة ، هل يكفر ؟ فقال : فيه وجهان مبنيان على أنَّ ما أجمع عليه الخاصة والعامة ، هل العامة مقصودة؟ وجهان ، فعلى الأول لا يكفر لأنه لم يخالف جميع المعصومين في الإجماع . وعلى الثاني يكفر وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ، وأطلق الرافعي القول بالكفر بجحود الحكم المجمع عليه . واستدرك عليه النووي ، وفصَّل بين أن يكون فيه نص ، وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام ، فكافر ، وإن اختص بمعرفته ٥٢٥ الخاصة فلا ؛ وبين أن يكون ظاهرا لا نص فيه ، ففي الحكم بتكفيره خلاف . وصحح في باب الردة فيه القول بالتكفير . وما جزم به النووي من التكفير فى القسم الأول فيه خلاف ، أشار إليه الرافعي في باب حد الشرب، فقال : من استحل شرب الخمر كفر ، للإجماع على تحريمه . ولم يستحسن (الإمام) إطلاق القول بتكفير المستحل فقال : كيف يكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع، وإنما نبدعه ونضلله. وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدّق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع، ثم حلله، فإنه يكون رادا للشرع. قال الرافعي : وهذا أوضح ، فليحرر مثله في سائر ما حصل بالإجماع على افتراضه، فنفاه ، أو تحريمه فأثبته . اهـ . والذي قاله الإمام في ((البرهان)) أن من اعترف بالإجماع، وأقر بصدق المجمعين في النقلٍ، ثم أنكر ما أجمعوا عليه، كان هذا التكذيب آيلا إلى تكذيب الشارع ومن كَذَّب الشارع كفر . والقول الضابط فيه أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر. ومن اعترف يكون الشيء من الشرع ثم جحده، كان منكرا للشرع . وإنكار بعضه كإنكار كله . وقال الشيخ أبو محمد الجويني في ديباجة كتابه ((المحيط)) في إنكار إجماع الخاصة: إن كان من العلماء فهو مرتد ، لأنه لا يخفى عليه ؛ وإن كان من العوام ففي الحكم بردته وجهان ، وعليهما نقتله . لكن على الثاني نقتله حدا ، وعلى الأول للردة . وقال الإمام أبو الفضل الفزاري فقيه الحرم: من جحد أصلا مجمعا عليه كفر. وقال إمام الحرمين: لا يكفر إلا بما اشترطنا في الإسلام إذا أنكره . وقال أبو الحسين السهيلي في ((أدب الجدل)): الأقرب أن ينظر في المخالف للإجماع، فإن كان لا يعتقد كونه حجة فإنه يخطَّأ، ويفسَّق، ولا يكفّر، وإن كان يعتقد أنه حجة، فإن ثبت الإجماع بالتواتر فهو كافر، لأنه مقر على نفسه بالمعاندة، وإن ثبت بالآحاد فإنه مخطىء أو فاسق . ٥٢٦ واعلم أن كلام الآمدي وابن الحاجب في هذه المسألة في غاية القلق، فإنهما حكيا مذاهب في منكر حكم الإجماع القطعي، ثالثها: المختار إن نحو العبادات الخمس يكفر. وهذا يقتضى أن له قولا بالتكفير في الأمر الخفي، وقولا بعدمه في نحو العبادات / الخمس وليس كذلك . ٢٦٥ / ١ وعبارة الهندي في ((النهاية)) هنا في غاية الحسن، فإنه قال: جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير خلافا لبعض الفقهاء وإنما قيدنا بقولنا: ((من حيث إنه مجمع عليه)) لأن من أنكر وجوب الصلوات الخمس ونحوها يكفر، وهو مجمع عليه، لكن لا لأنه مجمع عليه، بل لأنه معلوم بالضرورة من دين محمد وَسير، وإنما قيدنا بالإجماع القطعي، لأن جاحد حكم الإجماع الظني لا يكفر وفاقا. انتهى . وقال أبو العباس القرطبى رحمه الله الحق في هذه المسألة التفصيل، فإن قلنا: إن أدلة الإجماع ظنية، فلا شك في نفي التكفير، لأن المسائل الظنية اجتهادية، ولا نكفر فيها بالاتفاق. وإن قلنا قطعية، فهؤلاء هم المختلفون في تكفيره. والصواب أن لا يكفر، وإن قلنا: إن تلك الأدلة قطعية متواترة ؛ لأن هذا لا تعم معرفته كل أحد بخلاف من جحد سائر المتواترات ، والتوقف عن التكفير أولى من الهجوم عليه، فقد قال عليه السلام: (من قال لأخيه يا كافر ، فقد باء أحدهما، فإن كان كما قال وإلا جاءت عليه). اهـ . وقد قال ابن دقيق العيد : أما من قال : إن دليل الإجماع ظني، فلا سبيل إلى تكفير مخالفه كسائر الظنيات. وأما من قال : إن دليله قطعي ، فالحكم المخالف فيه إما أن يكون طريق إثباته قطعيا أو ظنيا . فإن كان ظنيا ؛ فلا سبيل إلى التكفير، وإن كان قطعيا، فقد اختلفوا فيه ولا يتوجه الخلاف فيما تواتر من ذلك عن صاحب الشرع بالنقل ، فإنه يكون تكذيبا موجبا للكفر بالضرورة ، وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الاجماع بطريق قطعي ، أعني أنه ثبت وجود الإجماع به إذا لم ينقل أهل الإجماع الحكم بالتواتر عن صاحب الشرع ، فتلخص أن الإجماع تارة يصحبه التواتر بالنقل عن صاحب الشرع وتارة لا . ٥٢٧ فالأول لا يختلف في تكفيره . والثاني قد يختلف فيه . فلا يشترط في النقل عن صاحب الشرع لفظ معين ؛ بل قد يكون ذلك معلوما بالقطع بأمور خارجة عن الحصر ، كوجوب الأركان الخمسة . فتنبه لهذا، فقد غلط فيه من يعتقد في نفسه، ويعتقد من المائلين إلى الفلسفة، حيث حكم(١) بكفر الفلاسفة لإنكارهم علم البارى عز وجل بالجزئيات، وحدوث العالم، وحشر الأجساد، فتوهم هذا الإنسان أن يخرج على الخلاف في مخالف الإجماع، وهو خطأ فاحش، لأن هذا من القسم الذى صحب التواتر فيه الإجماع تواترا قطعيا معلوما بأمور غير منحصرة. اهـ. وكأنه يريد ابن رشد، فإن له كتاب ((فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة والاتصال)) ورد على الغزالي في تكفير الفلاسفة في ذلك. المبحَثُ الثاني فيما يُعَدُ خَرْقًا للإجماع وما لا يعدُّ وفيه مسائل : المسألة الأولى هل يجوز أن يُجَمَع على شيء سبق خلافه؟ وفيه ثلاثة أحوال: إحداها: في انعقاد الإجماع بعد الإجماع على شيء سبق خلافه وفيه مسألتان : إحداهما: أن يكون من المجمعين كما لو أجمع أهل عصر على حكم ، ثم ظهر لهم ما يوجب الرجوع، وأجمعوا عليه ، ففي جواز الرجوع خلاف مبني على اشتراط انقراض العصر في الإجماع. فمن اعتبر جوز ذلك، ومن لم يعتبره - وهو الراجح - لم يجوزه وكان إجماعهم الأول حجة عليهم وعلى غيرهم . (١) السياق يقتضي: ((حيث لم يحكم)) ٥٢٨ الثانية : أن يكون من غيرهم ، فمنعه الأكثرون أيضا ، وإلا لتصادم الإجماعان، وجوزه أبو عبد الله البصري. قال الإمام الرازي: وهو الأولى، لأنه لا امتناع في إجماع الأمة على قول يشترط أن لا يطرأ عليه إجماع آخر؛ ولكن لما اتفق أهل الإجماع على أن كل ما أجمعوا عليه فإنه يجب العمل به في كل الأعصار أمناً من وقوع هذا الجائز ، فعدم الجواز عنده مستفاد من الإجماع الثاني لا من الإجماع الأول ، وعند الجماهير هو مستفاد من الإجماع الأول من غير حاجة إلى الإجماع الثاني . والحاصل: أن نفس كون الإجماع حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف بعده عند الجماهير، وعند البصري لا يقتضي ذلك ، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية إمكان حصول إجماع آخر. قال الهندي : وعند هذا ظهر أنَّ مأخذ أبي عبد الله البصري قوي. قيل اتفقوا على أنه لم يقع. وما ذكر من قول الشافعي: أجمعوا على رد شهادة العبد، وما روي عن أنس أجمعوا عى قبولها، فالذي نقل عن أنس لم يصح عنه، وكذا قولنا: أجمعوا على القول بالقياس، وقول ابن حزم ((أجمعوا على بطلان القیاس)) مردود . وحكى أبو الحسين السهيلي في كتاب ((أدب الجدل)) له في هذه المسألة خلافا غريبا فقال : إذا أجمعت الصحابة على قول، ثم أجمع التابعون على قول آخر، فعن الشافعي - رحمه الله - جوابان: أحدهما : - وهو الأصح - أنه لا يجوز وقوع مثله ، لأن النبي وَلّ أخبر أن أمته لا تجتمع على الضلالة . والثاني : لو صح وقوعه ، فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة ، لأنا لما وجدناهم مجمعين على قول واحد ، علمنا كونهم مجمعين فيه ، فلم يجز تركه بما يتحقق كونه حقا . وقيل: إن كل واحد منهما حق وصواب على قول من يقول إن كل مجتهد مصیب، ولیس بشىء . الحالة الثانية: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف بأن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة لم يقع الإجماع منهم على أحدهما. والتفريع على جواز صدروه ٥٢٩ عن الاجتهاد كما قاله إلْكِيا، فللخلاف حالتان : إحداهما: أن لا يستقر، بأن يكون المجتهدون في مهلة النظر، ولم يستقر لهم قول، كخلاف الصحابة لأبي بكر - رضى الله عنه - في قتال مانعي الزكاة، وإجماعهم بعد ذلك. قال الشيخ في ((اللمع)): صارت المسألة إجماعية بلا خلاف. وحكى الهندي تبعا للإمام أن الصَّيْرفي خالف في ذلك ، ولم أره في كتابه ؛ بل ظاهر كلامه يشعر بالوفاق في هذه المسألة . والثانية: أنه يستقر، ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة ، وفيه مسائل : إحداها : إذا اختلف أهل العصر على قولين، فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاق على أحد القولين ، والمنع من المصير إلى القول الآخر ؟ فيه خلاف ، وبتقدير وقوعه ، هل يصير إجماعا متبعا أم لا ؟ اختلفوا فيه ٢٦٠ / ب بناء / على مسألة انقراض العصر في الإجماع فإن اشترطناه جاز وقوعه قطعا، وكان حجة ، إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين على هذا الرأي ، ولأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من إجماعهم على قول واحد ، فإذا جاز الرجوع في الواحد المتفق عليه ، ففي المختلف فيه أولى . والشرط كما قاله ابن كج : أن يرجع الجميع من قبل أن ينقرض منهم واحد . وإن لم يشترط ، ففيه مذاهب . أحدها : المنع مطلقا كما لو اتفقوا على قول ، ثم رجعوا بأسرهم ، ولتناقض الإجماعين . وبه قال القاضى أبو بكر ، وإليه ميل الغزالى وغيره . ونقله ابن برهان في ((الوجيز)) عن الشافعي، وبه جزم الشيخ في ((اللمع)). والثاني : عكسه ، ونقله إمام الحرمين عن أكثر الأصوليين ، واختاره الآمدي والرازي . والثالث: الجواز فيما دليل خلافه الإمارة والاجتهاد، دون ما دليل خلافه القاطع عقليا كان أو نقليا. وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): إن كان الخلاف فيما طريقه التأثيم والتضليل، جاز الإجماع بعد ذلك. وإن كان في مسائل الاجتهاد في الفروع جاز ٥٣٠ أيضا ، لكن لا يجوز أن يجزموا معه بتحريم الذهاب إلى الآخر لأنه يؤدي إلى كون أحد الإجماعين خطأ . ومنهم من أحاله قطعا . والرابع: يخرج من كلام إمام الحرمين في مسألة الانقراض: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فهو إجماع ، وإن تمادى الخلاف في زمن طويل ، ثم اتفقوا فليس بإجماع، والمختار: أنه يجوز وقوعه، وأنه حجة. ونقل الأستاذ أبو منصور إجماع أصحابنا على أنه حجة مقطوع بصحته. ويخرج من كلام الماوَرْدي والرُّؤْيانى طريقه قاطعة به، فإنهما جزما بالجواز ، وقالا: يرتفع به الخلاف السابق ، ثم قالا : وفيه وجهان ؛ أحدهما أنه آكد من إجماع لم يتقدمه خلاف ، لأنه يدل على ظهور الحق بعد التباسه . والثاني : أنهما سواء ، لأن الحق مقترن بكل منهما . ومنهم من نقل ههنا عن الصَّيْرفي أنا إذا لم نشترط انقراض العصر لا يكون إجماعا، لتقدم الإجماع منهم على تسويغ الخلاف. وبه جزم القاضي عبد الوهاب فيما نقل عنه أيضا. وقد استشكلها الغزالي من حيث إن الإجماع الأول قد تم على تسويغ الخلاف، ثم الاتفاق الثاني قد منع الخلاف . فقد تناقض الإجماعان . وفرق بينهما وبين ما إذا كان الاتفاق من أهل العصر الثاني، فإن المخالفين في هذه المسألة المتفقون عليها بخلاف تلك ، وقد رأى أن المخلص في ذلك الحكم بإحالة وقوع هذه المسألة للتناقض المذكور . وقد أورد عليه أن ذلك ليس بمحال ، فقد وقع في قضية خلاف الصديق رضى الله عنه، فإنهم اختلفوا. فقال الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير. ثم أجمعوا عليها، فكان إجماعا صحيحا، ويجاب بأن ذلك لم يكن بعد استقرار الخلاف بل لم يتم النظر ، ثمَّ لما تمَّ وتبين أجمعوا ، وصورة المسألة إنما هي بعد استقرار الخلاف ، وعلى هذا فالظاهر بحثا ما قاله الغزالي. إذا عرف هذا، فلو اختلفوا ثم ماتت إحدى الطائفتين، أو ارتدت والعياذ بالله، وبقيت الطائفة الأخرى على قولها، فهل يعتبر قول الباقين إجماعا وحجة، فقولان، حكاهما الأستاذ أبو إسحاق . ٥٣١ واختار الرازي والهندي أنه يعتبر مجمعا عليه ، لا بالموت والكفر ، بل عندهما لكونه قول كل الأمة . وذكر ابن الحاجب في الكلام على اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول ، وحكى عن الآخرين أنه لا يكون إجماعا . وذكر الآمدي نحوه . قلت: وصححه القاضي في ((التقريب)) قال : لأن الميت في حكم الباقي الموجود، والباقون من مخالفيه هم بعض الأمة لا كلها. وقال في ((المستصفى)): إنه الراجح. وجزم الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب ((عيار الجدل)) ، وكذا الخوارزمي في ((الكافي)). قال : لأنه بالموت لا يخرج عن كونه من الأمة . ونقل أبو الحسين السهيلي في ((أدب الجدل)) الخلاف في هذه المسألة ثم قال: وقال بعضهم: وهو أقوى الطرق - أن هذه المسألة مبنية على أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين ، ثم أجمع التابعون على أحدهما ، فقيل يصير إجماعا ، وفيه قولان: فإن قلنا: يصير، فكذلك هاهنا. وإن قلنا بالمنع ثم، فكذلك هاهنا، لأن خلاف من مات لا ينقطع. وفي المسألة مذهب ثالث حكاه أبو بكر الرازي : إن لم يسوغوا فيه الاختلاف صارحجة ، لأن الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منها زمان ، وقد شهدت ببطلان قول المنقرضة ، فوجب أن يكون قولها حقا ، وإن سوغوا فيه الاجتهاد لم يصر إجماعا لإجماع الطائفتين على تسويغ الخلاف . قال : وهذا منه بناء على أن الإجماع بعد الخلاف لا يرفع الخلاف المتقدم إذا كان طريقه اجتهاد الرأي . الثانية : أن يموت بعضهم ويرجع من بقي إلى أحد القولين . قال ابن كج : فيه وجهان . أحدهما : أنه إجماع ، وبه قال أهل العراق ، لأنهم أهل العصر . والثاني : المنع لأن الصديق -رضى الله عنه - جلد في حد الخمر أربعين، ثم أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم على ثمانين في زمن عمر رضى الله عنه . فلم يجعلوا المسألة إجماعا ؛ لأن الخلاف كان قد تقدم . وقد مات من قال بذلك ، وإن كان فيهم من رجع إلى قول عمر رضى الله عنه . ٥٣٢ الثالثة: أن ينقرضوا على خلافهم ، فقد حصل الإجماع منهم على أن الحق لم يخرج عن القولين ، وعلى تسويغ الاجتهاد في طلب الحق بين القولين ، بل جواز تقليد كل واحد من الفريقين ، ثم قال بعض أصحابنا : هو إجماع مبين. وقال بعضهم : بشرط أن لا يظهر على أحد القولين دليل مقطوع به فهل لمن بعدهم الإجماع على أحد ذينك القولين ؟ فيه قولان للشافعي رحمه الله، كما قاله أبو الحسين السهيلى في ((أدب الجدل)). وأصحهما امتناعه ، وكأنه حاضر، وليس موته مسقطا لقوله ، فيبقى الاجتهاد، ولا يخرج الخلاف، وهو أصح الوجهين عند أصحابنا . ونصره الصيرفي في الدلائل . ونقله القاضي أبو الطيب ، وابن الصباغ عنه عن ابن أبي هريرة ، وأبي علي الطبري، وأبي حامد المروزي . ونقله الأستاذ أبو منصور عن الصيرفي وأكثر أصحاب الشافعي . وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه قول عامة أصحابنا ، وقول الشيخ أبي الحسن الأشعري . ونقله القاضي في ((التقريب)) عن جمهور المتكلمين والفقهاء/ قال: وبه نقول. ١/٢٦٦ وقال سليم الرازي: إنه قول أكثر أصحابنا ، وأكثر الأشعرية، وكذا قال ابن السَّمْعاني . وقال إمام الحرمين : إليه ميل الشافعي. قال: ومن عباراته الرشيقة: المذاهب لا تموت بموت أربابها، أي فكان الخلاف باقياً، وإن ذهب أهله . وقال ألْكِيا ، وابن برهان : ذهب الشافعي إلى أن حكم الخلاف لا يرتفع . قلت : وهو يباين ما سبق عن الشافعي من امتناعه في العصر الواحد، فهاهنا أولى . وقال الشيخ أبو علي السنجي في ((شرح التلخيص)): إنه أصح قولي الشافعي. وهو الذي نصره ابن القطان ، ونقل أنهم قالوا: إنه مذهب الشافعي رضى الله عنه، أنه قال: حد الخمر أربعون ، لأنه مذهب الصديق رضي الله عنه . وقد أجمعوا بعد هذا على أن حدة ثمانون ، لأنهم قالوا : نرى أنه إذا سكر هذى، وإذا ٥٣٣ هذى افترى، وقد أجمعوا على هذا ، ولم نعدَّه إجماعا ، لسبق خلاف الصديق رضي الله عنه . قلت : ولا يشكل على ذلك أنه نقض في الجديد قضاء من حكم ببيع أمهات الأولاد لأجل اتفاق التابعين بعد خلاف الصحابة ، فعدّ إجماعا ، فإنه إنما اعتبر في ذلك إجماع الصحابة ، لأنهم كانوا أجمعوا على المنع ، وكان على رضى الله عنه فيهم ، وانقراض العصر ليس بشرط ، واختاره الإمام والغزالي . والثاني(١): أنه جائز، وبه قال أكثر الحنفية . منهم محمد بن الحسن ، وأبو يوسف، والكَرْخي . قال محمد بن الحسن في قاض حكم ببيع أم الولد بعد موت مولاها : إنى أبطل قضاءه، لأن الصحابة رضى الله عنهم كانت اختلفت فيها، ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم على أنها لا تباع . قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول أصحاب الرأي، وأكثر المعتزلة، والحارث ابن أسد المحاسبي، وأبي علي بن خيران. وكذا حكاه عنهما القفال الشاشي في كتابه. وقال: إنه الأصوب ، واختاره الإصطخر، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والرازي، وأتباعه. ونقله إلْكِيا عن الجبائي وابنه ، وأبي عبد الله البصري . وفي المسألة قول ثالث حكاه أبو بكر الرازي، إن كان خلافا يؤثَم فيه بعضهم بعضا كان إجماعا ؛ وإلا فلا . التفريع : إن قلنا بالامتناع ، فقال الصيرفي : يكون منزلة المجمعين من التابعين منزلة من وافق الصدر الأول . وللناس أن ينظروا أي الفريقين أصوب ، ولا يسقط النظر أبدا مع وجود المخالف . وإن قلنا بالجواز ، فقال أكثرهم : هو حجة ، يرتفع به الخلاف السابق ، وتصير المسألة إجماعية ، وليس لمن بعدهم أن يخالفوهم . وقيل : لا يكون حجة . ونقل ابن القطان عن قوم أنه ليس بإجماع إلا أن يكون لهؤلاء مزية على أولئك. ثم قرره بأن هذا القائل هل يرى أن هذا القول أصحّ لانفراده في العصر ؟ وإذا (١) أى قول الشافعي الثاني في المسألة ٥٣٤ كان منفردا في العصر ، وجب أن يكون الاعتبار له . قال أبو الحسين بن القَطَّان : وليس هذا بشى إلا على طريقة له في القديم ، وهي أنه إذا اختلفت الصحابة على قولين أخذ بقول الأكثر، فأما المشهور من مذهبه، فإنه لا فرق بين العدد الكثير والقليل. ونحوه ما حكاه الصيرفي عن قوم أن إجماع التابعين دل على الصواب من أقاويل المختلفين. والحق أنه لا يبلغ مبلغ الإجماع القطعي، ولكنه إجماع مظنون ، فإن مراتب الإجماع متفاوتة، وإليه يشير كلام إمام الحرمين. وقد صرح الحنفية بأنه مراد في مراتب الإجماع. حكاه أبو زيد في ((التقويم)). وصورة المسألة عند الغزالي ما إذا لم يصرح المانعون بتحريم القول الآخر. فإن صرحوا بتحريمه ، فقد تردد، أعني الغزالي، هل يمنع ذلك أولا ؟ ولا يجب اتباعهم فيه. هذا في الجواز . وأما الوقوع، فظاهر ما سبق عن الشافعي في حدّ الخمر وقوعه. وقال ابن الحاجب: الحق في مثل هذا الإجماع أنه بعيد وقوعه، لأنه غالبا لا يكون إلا عن جلي، وتبعه غفلة المخاطب عنه ، لكن وقع قليلا ، والوقوع قليلا لا ينافي البعد، كما لا خلاف في بيع أم الولد فإنه وقع بين الصحابة، ثم زال . ونقل عبد الوهاب في ((الملخص)) عن الصيرفي أنه أحال ذلك . وقال : لا يجوز أن يتفق للتابعين الإجماع على أحد قولي الصحابة ، فلا يؤدي إلى تعارض الإجماعين ، وكون أحدهما خطأ ، لأن اختلافهم على قولين إجماع على تسويغ الذهاب ورأي(١) كل منهما . قلت : وكذا رأيته في كتابه . فقال بعد أن قرر أنه ليس بإجماع : على أني لا أعلم خلافا وقع في الصحابة منتشرا فيهم ، ثم وقع من التابعين الإجماع على أحد القولين ، إلا أن يكون ناقله من جهة الآحاد، فهذا لا يترك له ما قامت عليه الدلالة من قول من سلف. اهـ . وقال إِلْكِيا: ذهب قوم إلى أن هذا النوع لا يتصور، وإليه ميل إمام الحرمين، (١) لعل الصواب: إلى رأى. ٥٣٥ والذين أحالوا تصوره اختلفوا فيه على ثلاثة أنحاء، فقيل: لأن إجماع التابعين لا يحتج به. وقد تقدم أن الصحيح خلافه، وإن لم يكن إجماع التابعين حجة لم يكن لهذا الخلاف معنى . وقيل : لأن الإجماع لا يصدر إلا عن اجتهاد ، والاختلاف على قولين يقتضي صدور الأقوال عن اجتهاد ، وقد تقدم ما فيه . وقال الإمام : واستحالة تصوره من حيث إنه إذا تمادى الخلاف في زمان متطاول ، بحيث يقتضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة، لظهر ذلك للباحثين ، فإذا انتهى الأمر إلى هذا انتهى ، ورسخ الخلاف، وتناهى الباحثون، ثم لم يتجدد(١) بلوغ خبر أو أثر يجب الحكم به، فلا يقع في العرف [دروس مذهب طال الذبُّ عنه](٢) فإن فرض فارض ذلك، فالإجماع محمول على بلوغ خبر يجب بمثله سوى ما كانوا خائضين فيه من مجال الظنون. قال إِلْكِيا: وما ذكره الإمام مُخِيلٍ، لكن جوابه سهل، فإنا نرى أهل كل عصر يظهرون مذهبا غير الذي عهده من تقدمهم في العصور الخالية مع أن النظم يحتمله وغيره. وإذا ثبت أنه متصور انبنى عليه أن الإجماع هل يزيل الحكم السابق أم لا؟ قال إلْكِيا: وهذه المسألة يلاحظ في مجاريها أصل تصويب المجتهدين . قلت : وطريقة رابعة لهم في الإحالة وهي عليهم . فقوله هنا : إذا وجد إجماع بعد اختلاف ، فلا بد أن يكون هناك خلاف ، وإن لم يبلغنا ، وإلا لأدى إلى تعارض الإجماعين . ذكره عبد الوهاب . ٢٦٦ / ب الحالة الثالثة: في حدوث الخلاف بعد تقدم الإجماع/. قال الروياني في ((البحر)): فإن كان في عصر واحد ، مثل أن يتقدم إجماع الصحابة ، ثم يحدث من أحدهم خلاف ، فهذا الخلاف الحادث يمنع انعقاد الإجماع ، يعنى إن شرطنا انعقاد العصر (٣)، وإلا فلا. (١) في الأصل: لم يتجدد إلا بلوغ والتصويب من ((البرهان)) للجويني ٧١٣/١ (٢) في الأصل: درس مذهب بحال الذى عنه. والتصويب من ((البرهان)) ٧١٣/١ (٣) صوابه: انقراض العصر. ٥٣٦ فإن كان في عصرين، كإجماع الصحابة وخلاف التابعين لهم، فهو ضربان: أحدهما: أن يخالفوهم مع اتفاق الأصول في المجمع عليها، فهذا الخلاف الحادث مطروح، والإجماع الأول منعقد. ثانيهما: أن يحدث في المجمع عليه صفة زائدة أو ناقصة ، فيحدث الخلاف فيها لحدوث تلك الصفة ، فيكون الإجماع في الصفات المختلفة منعقدا ، وحدوث الاختلاف في الصفات المختلفة سائغ عند الشافعي وجمهور العلماء . وقال داود وبعض أهل الظاهر: يستصحب حكم الإجماع ، واختلاف الصفة الحادثة لا ينتج الحكم فيها إلا بدليل قاطع ، وجعلوا استصحاب الحال حجة في الأحكام . مثاله: أن ينعقد الإجماع على إبطال التيمم برؤية الماء قبل الصلاة ، فإذا رأى الماء في الصلاة أبطلوا تيممه استصحابا لبطلانه قبل الصلاة من غير أن يجمعوا بينهما بقياس ، وهذا فاسد ، ولكل حادث حكم يتجدد، وإنما يكون الإجماع حجة في الحال التي وَرَدَ فيها لا في غيرها ، إلا أن يكون القياس موجبا الاستصحاب حكمه ، فإن الإجماع أصل تجويز القياس عليه ، فيكون القياس هو الذي أوجب استصحاب حكم الإجماع لا الإجماع. اهـ . وذكر القفال في كتابه قريبا من هذا التفصيل . وقال في ((القواطع)): إذا حدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد ، فهو على ضربين : أحدهما : أن يكون المخالف لم يوافق قبل على خلافه ، فيصح خلافه ، ولا ينعقد مع خلافه الإجماع ، كما خالف ابن عباس في العول مع إجماع غيره . والثاني: أن يـ ون وافقهم ثم خالفهم ، كخلاف علي في بيع أمهات الأولاد بعد اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن . فمن جعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع أبطل الإجماع بخلافه، لحدوثه قبل استقراره، ومن لم يجعله شرطا أبطل خلافه بعد إجماعهم . ثم قال: الاختلاف بعد الإجماع إن كان في عصر انبنى على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا ؟ فإن قلنا: شرط، جاز الاختلاف؛ لأن الإجماع لم ينعقد. وإن قلنا : ليس بشرط ، فلا يجوز، فأما في العصرين ، وذلك ٥٣٧ بأن يجمع الصحابة على شىء ، ثم يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ، ويكون خلافه معاندة ومكابرة . المسألة الثانية إذا أجمعوا على شىء وخالفهم من كفرناهم بالتأويل فلم يعتد بخلافهم لذلك ؛ ثم إنهم رجعوا إلى الحق ، وأقاموا على الخلاف الذي كان بينهم وبين المؤمنين أيام كفرهم. قال القاضي في ((التقريب)): ينبنى على مسألة انقراض العصر ، فإن اعتبرناه لم يكن إجماعا ، لأن عصر المؤمنين لم ينقرض على القول ، حتى يرجع الكافرون إلى الحق كما للمؤمنين إن رجعوا . وإن قلنا: لا يعتبر وهو الأصح ، قال القاضي : فالواجب كونه إجماعا ، لأنه قول جميع المؤمنين قبل إيمان هؤلاء المتأولين ، وعلى هذا فلا يعتد بخلاف من أسلم من سائر الكفار، وبلغ رتبة الاجتهاد إذا خالف من قبله، لأنه إجماع على إجماع سبق خلافه. وكذلك قال الصيرفي في الدلائل: إذا أجمعت الأمة، ثم أسلم كافر، وبلغ صبي، لم يكن له منازعة معهم، وإنما عليه الاتباع، وهو واضح إن لم يشترط انقراض العصر، والحق أن تبنى المسألة على انقراض العصر فإن قلنا باشتراطه اعتد بقوله ، وإلا فلا . المسألة الثالثة قد مر أن الإجماع إذا انعقد على شيء لم يجز مخالفته. وأما إذا استدلوا بدليل على حكم أو تأويل لفظ ولم يمنعوا من غيره جاز لمن بعدهم إحداث دليل آخر من غير إلغاء الأول ، ولا إبطاله، ولا يكون ذلك خرقا لإجماعهم، لأنه قد يكون على الشيء أدلة، فيجوز أن يستدلوا بدليل، ثم آخر يدل على الحكم أيضا. قاله الصيرفي، وسليم، وابن السَّمْعاني، وغيرهم. وحكاه ابن القطان عن أكثر أصحابنا، وإنما الإجماع والاختلاف في الفتوى؛ فأما في الدلالة فلا يقال له إجماع ، لأن الأدلة لا يضر اختلافها . ٥٣٨ قال : وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس لنا أن نخرج عن دلالتهم، ويكون إجماعا على الدليل ، لا على الحكم. والأصح هو الأول، لأن المطلوب من الأدلة أحكامها لا أعيانها ومنعه يسدّ على المجتهد باب استخراج الأدلة . ويستلزم منع كل قول لم يتعرض له الأولون . نعم ، إن أجمعوا على إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفته الإجماع . وحكى صاحب ((الكبريت الأحمر)) مذهبا ثالثا بالوقف، وذهب ابن حزم وغيره إلى التفصيل بين النص، فيجوز الاستدلال به، وبين غيره فلا يجوز، وذهب ابن برهان إلى خامس، وهو التفصيل بين الدليل الظاهر فلا يجوز إحداثه وبين الخفي فيجوز، لجواز اشتباهه على الأولين . ومثّل الظاهر بقول ابن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا في مسألة المطاوعة سبق فطرها جماعها، فلا يجب عليها الكفارة، قياسا على ما إذا شرب أو أكل . قال : لأن أول الحشفة دخل إلى جوفها قبل دخول تمام الحشفة ، والجماع لا يتحقق إلا إذا تغيب الحشفة . قلنا : ومثل هذا لا يجوز أن يكون مستندا قبل وصول تمام الحشفة ، لأن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فإحداث مثل هذا الدليل لا يجوز ، لأن مثله لا يجوز أن يشتبه على الأولين . هذا كله إذا لم يتعرضوا لذلك الدليل، فإن نصوا على صحته فلا شك فيه، أو على فساده لم تجز مخالفتهم ، وإنما الخلاف حيث لم ينصوا على ذلك . والصحيح الجواز . قال أبو الحسين البصري: إلا أن يكون في صحتها إبطال حكم ما أجمعوا. وقال سليم: إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ذكرناه فيمتنع . قلت: وهذا منهم بناء على صحة ذلك منهم. وقد سبق في الفصل السادس فيه تفصيل عن القاضي عبد الوهاب. أما إذا اعتلوا بعلة، وقلنا يجوز تعليل الحكم بعلتين، فهل يجرى مجرى الدليل في الجواز والمنع؟ ٥٣٩ قال الأستاذ أبو منصور وسليم في ((التقريب)): نعم، هي كالدليل في جواز إحداثها إلا إذا قالوا : لا علة لهذه ، أو لكون العلة الثانية تخالف العلة الأولى في بعض الفروع . فتكون الثانية حينئذ فاسدة . وقال القاضي عبد الوهاب: ينظر، فإن كان بحكم عقلي علمنا أن ما عداه ليس بعلة لذلك الحكم ، لأن الحكم العقلي لا يجب بعلتين ، فمن جوزه جعلها ٢٦٧ / ١ كالدليل ، لا يمنع التعدد ؛ إلا أن ذلك / مشروط بأن لا تنافى العلة الثانية علتهم، وأن لا يؤدي إلى خلافهم فرع من فروع علتهم، لأنهما إذا تباينا امتنع لذلك، لا لتعليل بهما، ومن منع التعليل بعلتين ، فيجب على أصله منع التعليل بعلة غير علتهم، لأن علتهم مقطوع بصحتها ، وفي ذلك دليل على فساد غيرها . قال: وأما تأويلهم الآتي، وتخرجهم الأخبار فهو كالمذهب لا كالدليل، لأن الآية إذا احتملت معاني واختلفوا في تأويلها، أو أجمعوا على تأويل واحد، صارت كالحادثة، فلا يعدل عما أفتوا به. وقال الشريف المرتضى: أجمع الأصوليون على التحاق ذلك بالمذاهب، لا بالأدلة. وعندي أنه بالأدلة أشبه ، حتى يجوز قطعا. ثم مثله بمثال يصح على طريق المعتزلة . المسألة الرابعة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين: فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ فيه مذاهب: الأول : المنع مطلقا. وهو كاتفاقهم على أن لا قول سوى هذين القولين . قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول الجمهور. وقال إلّكِيا: إنه الصحيح، وبه الفتوى. وقال ابن برهان: إنه مذهبنا. وجزم به القفال الشاشي في كتابه ، والقاضي أبو الطيب ، وكذا الرُّوياني، والصَّيرفي، ولم يحكيا مقابله إلا عن بعض المتكلمين . ٥٤٠