النص المفهرس

صفحات 501-520

الأسفرايني، لأن ابن القَطَّان أقدم منه، وإنما قلنا ذلك: لأن الهندي في ((نهايته))
نقله عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني .
وفي المسألة طريقة أخرى، وهي التي أوردها ابن كُج في كتابه: إن كان على
جهة الفتيا، فهو إجماع، لأنهم لا يسكتون عن شيء فيه ترك الدين، وهل يقطع
على الله عز وجل أم لا؟ فيه وجهان وإن كان حكما وانقرض ذلك العصر، ولم
يظهر له مخالف فهو على وجهين: أحدهما أنه إجماع كالفتيا، والثاني لا .
السابع: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم، أو استباحة فرج، كان
إجماعا؛ وإلا فهو حجة، وفي كونه إجماعا وجهان .
الثامن: إن كان الساكتون أقل كان إجماعا، وإلا فلا، واختاره أبو بكر
الرازي، وحكاه شمس الأئمة السَّرَخْسي / عن الشافعي، وهو غريب لا يعرفه ٢٦١ / ب
أصحابه .
التاسع : إن كان في عصر الصحابة كان إجماعا، وإلا فلا. وقال الماوردي في
((الحاوي))، والرُّوياني في ((البحر)): إن كان في غير عصر الصحابة، فلا يكون
انتشار قول الواحد منهم مع إمساك غيره إجماعا ولا حجة ، وإن كان في عصر
الصحابة ، فإذا قال الواحد منهم قولا أو حكم به فأمسك الباقون ، فهذا
ضربان: أحدهما : أن يكون مما يفوت استدراكه كإراقة دم ، أو استباحة فرج ،
فيكون إجماعا ، لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على
ترك إنكار منكر ، وإن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة ، لأن الحق لا يخرج
عن غيرهم .
وفي كونه إجماعا يمنع الاجتهاد وجهان لأصحابنا : أحدهما : يكون إجماعا لا
يسوغ معه الاجتهاد. والثاني: لا يكون إجماعا، وسواء كان القول فتيا أو حكما على
الصحيح. انتهى .
على أن الماوردي ألحق التابعين بالصحابة في ذلك . ذكره في باب جزاء الصيد
من ((الحاوي))، وأن الحكم بالمماثلة من الصحابة والتابعين يمنع من الاجتهاد لمن
بعدهم .
٥٠١

وذكر صاحب ((الوافي)) هناك إلحاق تابعي التابعين، لأن النبي ◌ُّية أثنى عليهم
بقوله: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب.
وصرح الرافعي تبعا للقاضي الحسين والمتولي بأن غيرهم من أهل الأعصار
كذلك .
العاشر : أنه إن كان ذلك مما يدوم ویتکرر وقوعه والخوض فيه، فإنه يكون
السكوت إجماعا. وهذا ما اختاره إمام الحرمين في آخر المسألة، وإن محل الخلاف
إذا فرض السكوت في الزمن اليسير .
ونحوه قول الغزالي في ((المنخول)): المختار أنه لا يكون حجة إلا في صورتين:
إحداهما: سكوتهم، وقد قطع بين أيديهم قاطع، لا في مظنة القطع، والدواعي
تتوفر على الرد عليه. الثانية: ما يسكتون عليه على استمرار العصر، ويكون الواقع
بحیث لا یبدي أحد خلافا، فأما إذا حضروا مجلسا، فأفتی واحد وسكت آخرون،
فذلك اعتراض، لكون المسألة مظنونة، والأدب يقتضي: أن لا يعترض على
القضاة والمفتيين .
الحادي عشر: أنه إجماع قطعي أو حجة ظنية، فيحتج به على كلّ من
التقديرين، ونحن مترددون في أيهما أرجح، واختاره ابن الحاجب في الصغير .
ويخرج من كلام الأستاذ أبي إسحاق حكاية طريقين آخرين، فإنه حكى قولا
أنه إن كان حكما، فهو إجماع، أو فتوى فقولان. وحكى عكسه أيضا.
الثاني عشر: أنه إجماع بشرط إفادة القرائن العلم بالرضا، أي يوجد من قرائن
الأحوال ما يدل على رضى الساكتين بذلك القول. واختاره الغزالي في
((المستصفى)). وقال بعض المتأخرين: إنه أحق الأقوال، لأن إفادة القرائن العلم
بالرضا، كإفادة النطق له، فيصير كالإجماع القطعي من الجميع. وسيأتي أن هذا
ليس من موطن الخلاف .
قال في ((القواطع)): والمسألة في غاية الإشكال من الجانبين . قال : وقد ذكر
أبو الطيب في إثبات الإجماع في هذه المسألة ترتيبا في الاستدلال استحسنه ،
فأوردته ، ويدخل فيه الجواب عن كلامهم .
٥٠٢

قال : والدليل على ثبوت الإجماع مبني على أصلين : أحدهما : أن أهل العصر
لا يجوز إجماعهم على الخطأ . والثاني : أن الحق واحد ، وما عداه باطل .
فإذا ثبت هذان الأصلان ، فلا يخلو القول الذي ظهر من أن يكون حقا أو
باطلا، فإن كان حقا وجب اتباعه والعمل به ، وإن كان باطلا ، فلا يخلو عند
سائر العلماء من أربعة أحوال : إما أن لا يكونوا اجتهدوا ، أو اجتهدوا ولم يؤد
اجتهادهم إلى شيء يجب اعتقاده ، أو أدى إلى صحة الذي ظهر خلافه ؛ ولا يجوز
أن لا يكون اجتهدوا ، لأن العادة مخالفة لهذا ، ولأن النازلة إذا نزلت فالعادة أن
كل أهل النظر يرجعون إلى النظر والاجتهاد ، ولأن هذا يؤدي إلى خروج أهل
العصر بعضهم بترك الاجتهاد ، وبعضهم بالعدول عن طريق الصواب ، وهذا لا
يجوز ، لأنهم لا يجمعون على الخطأ ، ولا يجوز أن يقال : إنهم اجتهدوا فلم يؤد
اجتهادهم إلى شيء يجب اعتقاده ، لأنه يؤدي إلى خفاء الحق على جميع الأمة ، وهو
محال ، ولا يجوز أن يقال: إنهم اجتهدوا ، فأدى اجتهادهم إلى خلافه، إلا أنهم
كتموا لأن إظهار الحق واجب، لا سيما مع ظهور قول هو باطل ؛ وإذا بطلت هذه
الوجوه ، دل على أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول فصار كالنطق .
تنبيهان
الأول: [قيود لا بدَّ منها في الإجماع السكوتي]
لهذه المسألة قيود: الأول : أن يكون في مسائل التكليف، فقول القائل: عمار
أفضل من حذيفة، لا يدل السكوت فيه على شىء إذ لا تكليف على الناس فيه .
قاله ابن الصباغ في ((العدة))، وابن السَّمْعاني في ((القواطع)) وأبو الحسين في
((المعتمد))، وغيرهم.
القيد الثاني: أن يعلم أنه بلغ جميع أهل العصر، ولم ينكروا، وإلا فلا يكون
إجماعا سكوتيا. قاله الصَّيْرفي وغيره. ووراءه حالتان: إحداهما: أن يغلب على
الظن بلوغهم. فقال: الأستاذ أبو إسحاق: هو إجماع على مذهب الشافعي،
٥٠٣

واختاره وجعله درجة دون الأول.
والثاني : أن يحتمل بلوغه وعدمه، فالأكثرون على أنه ليس بحجة. قال
الطبري: ولهذا لم يستقم للحنفية الاحتجاج في وطء الثيب، هل يمنع الرد
بالعيب؟ وقيل: حجة مطلقا، وهو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب. وحكاه عن
مالك، وفصل الرازي والبيضاوي والهندي بين أن يكون هذا القول مما يعم به
البلوى، كنقض الوضوء من مسِّ الذكر، كان كالسكوتي، وإلا لم يكن حجة.
وإذا قلنا: هو حجة، فليس بالإجماع في قول الجمهور. وقيل: إجماع لئلا يخلو
العصر عن قائم بالحق.
وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)): إذا قال الصحابي قولا، ولم ينتشر فيها
بینهم، فإن كان معه قياس خفي، قدم على القياس الجلي قولا واحدا. وكذلك إذا
كان معه خبر مرسل، فإن كان متجرا عن القياس، فهل يقدم القياس الجلي عليه؟
فيه قولان: الجديد يقدم القياس. وقال الرُّوياني في ((البحر)): هذا إذا بلغ كل
الصحابة، فإن لم ينتشر في كلهم، ولم ير فيه خلافا لمن بعدهم فليس بإجماع. وهل
يكون حجة يعتبر بما يوافقه من قياس أو يخالف؟ ففيه أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون القياس موافقا، ثم يكون قوله حجة بالقياس. وثانيها: أن
یکون مخالفا القیاس الجلي. فالقیاس أولى. وثالثها: أن یکون معه قياس جلي،
ويخالفه قياس خفي، فقوله مع القياس أولى. ورابعها: أن يكون مع قوله قياس
١/٢٦٢ خفي ، ويخالفه قياس جلي / قال في القديم : قوله مع القياس الخفي أولى وألزم
من القياس الجلي . وقال في الجديد : القياس الجلي أولى بالعمل من قوله مع
القياس الخفي .
وقال الرافعي: هذا إذا نقل السكوت، فإن لم ينقل قول ولا سكوت، فيجوز
أن لا يلحق بهذا، ويجوز أن يستدل به على السكوت، لأنه لو قال شيئا لنقل كما
نقل اختلافهم في مسائل الاختلاف وقال في باب الفرائض: إنه يترك للقول المنتشر
والحالة هذه القياس الجلي، ويعتضد به الخفي. وقال النووي: المختار أن عدم
النقل، كنقل السكوت، لأنه الأصل والظاهر.
٥٠٤

القيد الثالث: كون المسألة مجردة عن الرضى والكراهة. فإن ظهر عليهم
الرضا بما ذهبوا إليه فهو إجماع بلا خلاف. قاله القاضيان الرُّوياني في ((البحر)) وعبد
الوهاب من المالكية، والخوارزمي في ((الكافي))، وجرى عليه الرافعي، وقضيته أنه
إن ظهر أمارات السخط لم يكن إجماعا قطعا، وكلامهم صريح في جريان الخلاف
فيه. أما إذا استصحب فعلا يوافق الفتوى فالأمة حينئذ منقسمة إلى قائل وعامل
وذلك إجماع فلا نزاع. ذكره القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)).
القيد الرابع: مضي زمن يسع قدر مهلة النظر عادة في تلك المسألة، فلو
احتمل أن الساكتين كانوا في مهلة النظر لم يكن إجماعا سكوتيا، ذكره الدبوسي
وغيره .
القيد الخامس: أن لا يتكرر ذلك مع طول الزمان، فإن تكررت الفتيا،
وطالت المدة مع عدم المخالفة، فإن ظن مخالفتهم يترجح، بل يقطع بها، ذكره
إمام الحرمین وإلکیا. قال: وقول الشافعي : لا ینسب إلى ساکت قول، أراد به ما
إذا كان السكوت في المجلس، ولا يتصور السكوت إلا كذلك ، وفي غيره لا
سكوت على الحقيقة .
وصرح بذلك أيضا ابن التِلِمْساني في ((شرح المعالم))، وأنه ليس من محل
الخلاف، بل هو إجماع وحجة عند الشافعي رحمه الله. قال: ولهذا استدل على
إثبات القياس وخبر الآحاد بذلك لكونه في وقائع. وتوهم الإمام في ((المعالم)) أن
ذلك تناقض من الشافعي. وليس كذلك. ولذلك جعل إمام الحرمين صورة
المسألة ما إذا لم يطل الزمان مع تكرر الوقائع، فإن تكررت مع الطول فقضية كلام
القاضي جريان الخلاف فيه .
القيد السادس: أن يكون قبل استقرار المذاهب. فأما بعد استقرارها فلا أثر
للسكوت قطعا، كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه،
كشافعي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر، فلا يدل سكوت الحنفي عنه على
موافقته للعلم باستقرار المذاهب، ذكره إلكِيا الطبري وغيره.
٥٠٥

التنبيه الثاني: أن لهم في تصوير المسألة طريقين :
إحداهما: جعل ذلك عاما في حق كل عصر من المجتهدين وهو الذي صرح به
الحنفية في كتبهم، وإمام الحرمين في ((البرهان))، والشيخ في ((شرح اللمع))،
والرازي في كتبه وسائر أصحابه، والآمدي، وابن الحاجب، والقَرَافي من المالكية
وغيرهم .
وقال النووي في ((شرح الوسيط)): إذا انتشر قول التابعي، ولم يخالف،
فالصحيح أنه كالصحابي. وقيل: ليس بحجة قطعا. قال صاحب ((الشامل)):
الصحيح أنه إجماع. هذا هو الذي صححه، وهو الأظهر، لأن المعنى المعتبر في
الصحابة موجود فيهم، فإن لم ينتشر قول التابعي، فليس بحجة بلا خلاف.
انتهى .
الثانية: قول من خص هذه المسألة ببعض(١) الصحابة دون من بعدهم، وهي
طريقة القدماء من أصحابنا وغيرهم، منهم الشيخ أبو حامد الأسفرايني في
(تعليقه))، والماوَرْدي في ((الحاوي))، والصَّيْرفي وابن القَطَّان في كتابيهما في أصول
الفقه، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ في ((العدة)) وإلْكِيا، والغزالي
في ((المستصفى)) و((المنخول))، وابن برهان، والخوارزمي في ((الكافي))، وأبو الحسين
في ((المعتمد))، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، واختاره القرطبي من متأخريهم،
والموفق الحنبلي في ((الروضة))، وابن السَّمْعاني، ثم قال في أثناء المسألة: وخصصها
بعض أصحابنا بعصر الصحابة. وأما التابعون ومن بعدهم، فلا. قال: ولا
يعرف فرق بين الموضعين، والأولى التسوية بين الجميع.
وأما صاحب المحصول، فأطلق المسألة، ثم لما انتهى إلى فروع انتشار القول
واحتمال بلوغه للباقين خصه بالصحابة. وتوهم البيضاوي والهندي أن هذا القيد
لا يحتاج إليه، وإن الفرع غير مختص بالصحابة، ويدل عليه نقل ابن السَّمْعاني،
والمعنى فيه أن السكوت دليل الرضا، فانتهض في الإجماع .
والثانية: وهي هذا الفرع يختص بهم، لأن قول البعض ليس بحجة على قول
(١) كذا في الأصل وصوابه ((بعصر الصحابة)).
٥٠٦

البعض، فلا وجه لهذا القول إلا إذا كان القائل صحابياً، فيقع الخلاف ناشئاً عن
أقوال الصحابة، هل هي حجة ؟ ولذلك أشار القاضي، والشيخ أبو إسحاق،
وغيرهما، إلى أن هذا الفرع هو نفس الكلام في أن قول الصحابي هل هو حجة أم
لا؟ وأجروا الكلام فيه إلى موضعه. والحاصل أنه إن عرف بلوغه الجميع فمسألة
السكوتي، وإن ظُنَّ ففيها خلاف مفرع على مسألة السكوتي، كما قاله الأستاذ،
وإن كان محتملا فهي هذه المسألة، ولا وجه للقول بالحجية فيها إلا إن كان من
صحابي، بناء على أن قوله حجة، ومن عمم القول فيها لم يصب، وإن لم يكن
محتملا أصلا فلا وجه .
وقيل : بل تخصيص المسألة بعصر الصحابة كما فعله الأقدمون أظهر من
الطريقة الأولى ، وذلك لأن من قال : يكون حجة لا إجماعا إنما يتوجه فرضه في
حق الصحابة ؛ لأن منصبهم لا يقتضي السكوت عن مثل ذلك مع مخالفتهم فيه ،
وهذا لا يجيء في حق غيرهم . كيف والتعلق هنا إنما هو بقول المفتي والحاكم
فقط! لأنه مبني على أن الساكت لا ينسب إليه قول، كما نقله الإمام عن
الشافعي ، ولا حجة في قول أحد من المجتهدين بعد الصحابة بالاتفاق . فإذا لم
يكن إجماعا فكيف يكون حجة ؟ بخلاف ما إذا كان ذلك قول صحابي، فإن ذلك
إذا لم يكن سكوتهم عن مثله إجماعا فيصلح للاحتجاج .
مسألة
[ظهور الإجماع بالفعل وسكوت الآخرين عليه]
وأما ظهوره بالفعل وحده بأن يتفق أهل الحل والعقد على عمل ، ولم يصدر
منهم قول ، فاختلفوا على مذاهب :
أحدها : أنه كفعل الرسول وسل﴿، لأن العصمة تابعة لإجماعهم كثبوتها
للشارع، فكانت أفعالهم كأفعاله ، وقطع به الشيخ أبو إسحاق وغيره . وقال في
((المنخول)): إنه المختار. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): يجوز اتفاقهم على القول
٥٠٧

٢٦٠ / ب والفعل / والرضى، ويخبروا عن الرضى في أنفسهم ، فيدل على حسن ما رضوا به،
وقد يجمعون على ترك الفعل، وترك الفعل يدل على أنه واجب ويجوز أن ما تركوه
مندوب إليه ؛ لأن تركه غير محظور ، وتابعه في ((المحصول)).
والمذهب الثاني : المنع ، ونقله إمام الحرمين عن القاضي، قال بل ربما أنكر
تصوره ، إذ لا يتصور تواطؤ قوم لا يحصون عددا على فعل واحد من غير أرب،
فالتواطؤ عليه غير ممكن . نعم ، آحادهم يرتكبون ذلك في أوقات متغايرة ، وذلك
لا يعد توافقا أصلا ، فإن تكلف متكلّفُ تصوره في مجلس واحد ، فلا احتفال به
الإمكان أن يختص به ، وليس في نفس الفعل دلالة على انتسابه إلى الشرع ،
والقول مصرح بانتسابه إلى الشرع ، فإذن ليس في الفعل دلالة على كونه صوابا ا.هـ
واعلم أن الذي رأيته في ((التقريب)) للقاضي التصريح بالجواز، فقال : كلما
أجمعت الأمة عليه يقع بوجهين : إما قول ، وإما فعل ، وكلاهما حجة . انتهى .
والمذهب الثالث : قول إمام الحرمين بأنه يحمل على الإباحة ما لم تقم قرينة دالة
على الندب أو الوجوب، فإنا نعلم أن الواحد من التابعين لو باشر فعلا ، فروجع
فيه ، فقال : كيف لا أفعله ، وقد فعله المهاجرون والأنصار قبل المشورة
عليه، والعادة أيضا تدل على مثل ذلك، فإن الأمة إذا اتفقت على فعل، وتكرر
الفعل فيما بينهم ، فإن كان معصية اشتهر كونه معصية، ولا يخفى، قال إلْكِيا:
والحق ما قاله ، فليلتحق بمسائل الإجماع . وقال القَرَافي: إنه تفصيل حسن .
والمذهب الرابع: قول ابن السَّمْعاني: أن كل فعل خرج مخرج الحكم والبيان
لا ينعقد به الإجماع، كما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول مخرج الشرع لا يثبت فيه
الشرع ، وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد به
الإجماع ، لأن الشرع يؤخذ من فعل الرسول عليه السلام ، كما يؤخذ من قوله ،
ولا بد من مجيء التفصيل بين أن ينقرض العصر أولا . ومَنْ اشترطه في القولي فها
هنا أولى .
(١) كذا في الأصول والصواب (ما خرج)) كما يدل عليه السياق.
٥٠٨

مسألة
وقد يتركب من القول والفعل بأن يقول بعضهم هذا مباح ، ويقدم الباقي على
إباحته بالفعل ، فيعلم أنه إجماع منهم ، وإن كان بعضهم قائلا ، وبعضهم فاعلا
قاله القاضي عبد الوهاب .
تنبيه :
إذا فعل أهل الإجماع فعلا، ولم يعلم أنهم فعلوه على وجه الوجوب أو الندب،
فعلام يحمل ؟ توقف بعضهم فيها من جهة النقل ؛ والذي يقتضيه قياس
المذهب أن حكمه حكم الفعل من الرسول وَله، لأنا قد أمرنا باتباعهم ، كما
أمرنا باتباع الرسول وَله .
الشرط الرابع : عدم النص في حكم الحادثة، لأنه مع وجود النص لا اعتبار
بالإجماع. هكذا قاله أبو الفضل بن عبدان في كتاب شرائط الأحكام . فإن أراد
حمله إذا كان النص على خلافه . فقد يقال: إن العمل بالإجماع ، وبه تبينا نسخ
النص ، وإن أراد ما إذا كان على وفقه ، فالنص بين لنا مستند قبول الإجماع .
الشرط الخامس : أن لا يسبقه خلاف فلو اختلف أهل عصر على قولين ،
فليس لمن بعدهم الإجماع على أحدهما على المذهب، وسيأتي.
٥٠٩

فصْل
في أمور اشترطت في انعقاد الإجماع والصحيح خلافها.
[لا يشترط انقراض عصر المجمعين]
الأمر الأول: لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين وموت
الجميع على الصحيح عند المحققين؛ بل يكون اتفاقهم حجة في الحال، وإن لم
ينقرضوا؛ فإن رجع أحدهم لا يقبل رجوعه؛ بل يكون قوله الأول مع قول
الآخرين حجة عليه كما هو حجة على غيره ، وكذا لو نشأ في العصر مخالف قبل
انقراض أهله كما قاله الإمام في ((النهاية)) في مسألة ابن عباس رضي الله عنهما،
وحَجْبه الأم بثلاثة إخوة، لأن المقتضي قد وجد، وهو صورة الإجماع ولا مانع فيلزم
الحكم .
قال القاضي في ((التقريب)): وهو قول الجمهور. وقال الباجي: هو قول أكثر
الفقهاء والمتكلمين. وقال عبد الوهاب: إنه الصحيح. وقال الأستاذ أبو منصور:
وهو قول القلانسي من أصحابنا مع المعتزلة وأصحاب الرأي. وقال ابن برهان:
هو القول المنصور عندنا .
وقال ابن السَّمْعاني : إنه أصح المذاهب لأصحاب الشافعي . وقال الرافعي في
الأقضية: إنه أصح الوجهين. وقال الإمام في ((النهاية)). في باب نواقض
الوضوء: إنه المختار، وجرى عليه الدَّبُوسي في ((التقويم)) . وقال أبو سفيان: إنه
٥١٠

قول أصحاب أبي حنيفة . وقال أبو بكر الرازي : إنه الصحيح. وحكاه عن
الگرْخي .
والمذهب الثاني : يشترط، وهو مذهب أحمد، ونصره محققو أصحابه، واختاره
ابن فورك وسليم، ونقله ابن برهان من أصحابنا عن المعتزلة . ونقله صاحب
((المعتمد)) عن الجُبَّائي ونقله الأستاذ أبو منصور عن الشيخ أبي الحسن الأشعري.
واختلفوا في علته على وجهين : أحدهما: أن فائدة اشتراطه إمكان رجوع
المجمعين أو بعضهم. والثاني: جواز وجود مجتهد آخر، وينبني على العلتين، ما لو
وجد مجتهد قبل انقراضهم، يعتبر وفاته .
قال القاضي في ((التقريب)): والمشترطون افترقوا فرقتين، فمنهم من اشترط
انقراض جميع أهله. ومنهم من اشترط انقراض أكثرهم، فإن بقي واحد أو اثنان
ونحوه مما لا يقع العلم بصدق خبره لم يُعْتَدَّ ببقائه. ومنهم من اعتبر موت العلماء
فقط. حكاه عبد الوهاب، وكأنه بناه على دخول العامة في الإجماع .
وقال الغزالي في ((المنخول)): اختلف المشترطون، فقيل : يكتفى بموتهم تحت
هدم دفعةً ، إذ الغرض انتهاء عمرهم عليه. وقال المحققون: لا بد من انقضاء
مدة تفید فائدة، فإنهم قد يجمعون على رأي ، وهو معرَّض للتغيير. وقد روي عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أبدى الخلاف في مسائل بعد اتفاق الصحابة .
وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): القائلون بالاشتراط اختلفوا، فقيل هو شرط
في انعقاد الإجماع، وقيل: شرط في كونه حجة .
وإذا قلنا: إن الانقراض شرط، فعلام يعتبر ؟ فيه وجهان. ذكره أبو علي
الطبري :
أحدهما: أنه يعتبر فيها بني أمره على المسامحة، فيتساهل الأمر فيه. فأما ما يتعلق
بالإتلاف: من قتل، أو قطع، أو ما أشبهه ، لم يعتبر فيه انقراض العصر .
والثاني : أنه يعتبر في جميع الأشياء حكاه بعض شرح ((اللمع)).
/ ثم قال إلكِيا: مقتضى اشتراط انقراض العصر أن لا يستقر الإجماع ما بقي من ٢٦٣/ ٢
٥١١

الصحابة واحد ، ولو لحقهم زمرة من المجتهدين قبل أن انقرضوا فلا شك أنهم
صاروا معتبرين فيما بينهم وصار خلافهم معتبرا ؛ ومع هذا أجمعوا على أنه لا
يشترط انقراض عصر اللاحقين، فإنا لو اعتبرنا ذلك لم يستقر الإجماع ، ومعلوم
أن اللاحق صار كالسابق في اعتبار قوله ، وإذا كان اعتبار قوله يمنع من استقرار
الإجماع فّينبغي عدم اشتراطه ، لأن المخالف لو خالف قبل انقراض عصر الأولين
اعتبر خلافهم ، فإذا مات الأولون بعد تحقق انقراض العصر ، فينبغي أن تصير
المسألة إجماعية .
والمذهب الثالث: إن كان سكوتيا اشترط، لضعفه بخلاف القولي؛ وهو رأي
الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني ، وأبى منصور البغدادي ، فقال أبو منصور في
((كتاب التحصيل)) : إنه قول الحذاق من أصحاب الشافعي وقال القاضي أبو
الطيب : إنه قول أكثر الأصحاب واختاره البندنيجي أيضا . وقال القاضي الحسين
في باب الكفارة من ((تعليقه)): إنه ظاهر المذهب وجعل سليم محل الخلاف في
القولي قال: وأما السكوتي فانقراض العصر معتبر فيه بلا خلاف. وحاصله اختيار
هذا المذهب، وممن اختاره من المتأخرين الآمدي .
واعلم أن ما نقلته عن الأستاذ أبي إسحاق تابعت فيه إمام الحرمين، لكن الذي
في تعليقة الأستاذ عدم الاشتراط فيهما جميعا .
والمذهب الرابع: التفصيل بين أن يستند إلى قاطع فلا يشترط فيه تمادي زمان،
وينتهض حجة على الفور، وبين أن يستند إلى ظني، فليس بحجة، حتى يطول
الزمان، وتتكرر الواقعة، ولو طال الزمان ، ولم يتكرر، فلا أثر له. وهذا قول إمام
الحرمين في ((البرهان))، ومستنده أن المسألة لما استندت إلى ظني، وطالت المدة،
وتكررت الواقعة، ولم يعرض لأحد خلاف، التحق بالمقطوع. وصرح بأنهم لو
هلكوا عقب الإجماع فليس بإجماع .
وظهر بهذا أن الانقراض عنده غير شرط ولا معتبر في حالة من الأحوال.
وبذلك يعرف وهم ابن الحاجب في نقله عنه التفصيل بين الصادر عن قياس،
فيشترط فيه الانقراض، وإلا فلا، وليس كما قال؛ بل كلامه مصرح بعدم اعتبار
٥١٢

الانقراض البتة، ومع ذلك فما قاله في الظني حكم عليه بتقدير وقوعه، ويرى أنه
غير متصور الوقوع(١) [و](٢) اشتراطه طول الزمان في الظني، إنما هو ليصل إلى
القطع، لا أنه متصور في نفسه .
ثم أشار إلى ضابط قدر الزمان بما لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على
رأي إلا عن حامل قاطع، أو نازل منزلة القاطع، على الإصرار، واختاره في
((المنخول))، وقال: الرجوع في مقداره إلى العرف، ورده في ((القواطع)) بأنه لا
يعرف إلى أي شيء استناد المجمعين، ولو عرف استنادهم إلى المقطوع كان هو
الحجة دون الإجماع .
وقال إلْكِيا: قال الإمام: إن قطع أهل الإجماع في مظنة الظن، فلا يعتبروا
انقراضه، فإن ذلك لا يصدر إلا عن توقيف وتقدير يقتضيه خرق العادة، والعادة
لا تخرق لا في لحظة ولا في أمد طويل .
قال: وهذا الذي ذكر الإمام لا يختص بالإجماع، فإن المجتهد لو قطع في مظنة
الظن كان كذلك، ولا فائدة له كبيرة هنا. قال: وإن كان الإجماع في الحكم مع
الاعتراف باستناده إلى اجتهاده فما داموا في مهلة البحث فلا مذهب لهم ، فضلا
عن أن يكون إجماعا . وإن جزموا الحكم بناء على أحد النظرين ، فهذا مما يبعد
الإمام، ويرى أن الرأي الذي أجمع عليه أهل التواتر مستند للقاطع، وقد بينا من
قبل تصوره، وحينئذ فالمعتبر ظهور إصرارهم والإصرار قد يتبين بالقرائن، إما في
المجلس أو بعده .
والمذهب الخامس: ينعقد قبل الانقراض فيما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه
من قتل نفس أو استباحة فرج. حكاه ابن السَّمْعاني عن بعض أصحابنا، وهو
نظير ما سبق في السكوتي .
والمذهب السادس: أنه إذا لم يبق من المجمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد
التواتر، فلا عبرة ببقائهم: وعلم انعقاد الإجماع. حكاه القاضي في ((مختصر
التقريب))، وأشار إليه ابن برهان في ((الوجيز)).
(١) بل يرى الجويني أنه: ((عسر التصور)) انظر البرهان (٦٩٥/١)
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وراجع (البرهان)) ٦٩٥/١
٠
٥١٣

والمذهب السابع: إن شرطوا في إجماعهم أنه غير مستقر، وجَوَّزوا الخلاف،
اعتبر انقراض العصر. وإن لم يشترطوا ذلك، لم يعتبر. حكاه القاضي في ((مختصر
التقريب))، وسليم الرازي، ثم قيده بالمسائل الاجتهادية، دون مسائل الأصول
التي يقطع فيها بخطأ المخالف.
والمذهب الثامن: إن كان المجمع عليه من الأحكام التي لا يتعلق بها إتلاف
واستهلاك، اشترط قطعا. وإن تعلق بها ذلك مما لا يمكن استدراكه كإراقة
الدماء، واستباحة الفروج، فوجهان. وهو طريقة الماوردي في ((الحاوي)).
قال سليم : وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن من اعتبر انقراض العصر جَوَّز
أن يجمعوا على حكم ، ثم يرجعوا عنه ، أو بعضهم . ومن لم يعتبر لم يجوز ذلك .
تنبيهات
الأول : [المراد بانقراض العصر]
قال ابن برهان: ليس المراد بالانقراض مدة معلومة؛ بل موت(١) المجمعين
المجتهدين. فالعصر في لسانهم المراد به علماء العصر، والانقراض عبارة عن موتهم
وهلاكهم، حتى لو قدر موتهم في لحظة واحدة في سفينة؛ فإنه يقال: انقراض
العصر .
الثاني: صور الطبري المسألة بإجماع الصحابة، وظاهره أن إجماع التابعين لا
خلاف في عدم اشتراط انقراضهم، وبه صرح بعد، وكلام غيره ظاهر في التعميم.
ومن المشترطين من أحال عدم بلوغ الأمة في عصر حد التواتر، حكاه القاضي عبد
الوهاب. وحينئذ فيخرج في المسألة مذهب ثامن.
الثالث: أن المشترطين قالوا: يحتج به، وإن كان انقراض العصر شرطا، كما
يجب علينا طاعة الرسول وَ# فيما يأمر به، وإن جاز تبديله بنسخ، وذلك لأن
الأصل عدم رجوعهم، ثم إذا رجعوا فغايته أنهم اتفقوا على خطأ لم يقروا عليه .
(١) في الأصل: ثبوت. وهو تصحيف، كما هو ظاهر من السياق.
٥١٤

[لا يشترط في المجتمعين بلوغهم حدّ التواتر]
الأمر الثاني: لا يشترط في المجمعين بلوغهم حد التواتر، خلافا للقاضي؛ بل
يجوز انحطاطهم عنه عقلا، ونقل ابن برهان عن معظم العلماء وعن طوائف من
المتكلمين، أنه لا يجوز عقلا .
وإذا جوزنا، فهل ينعقد الإجماع به ؟ فذهب معظم العلماء إلى أنه يكون حجة،
كما قاله ابن برهان، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق. وقال إمام الحرمين: يجوز،
ولكن لا يكون إجماعهم حجة، فإن مأخذ الخلاف مستند /إلى طرد العادة، ومن لم ٢٦٣ / ب
يحسن استناد الإجماع إليه، لم يستقر له قدم فيه، ومأخذ الخلاف راجع إلى أن
الإجماع من دلالة العادة أو السمع، فمن أخذه من دلالة العقل، واستحالة الخطأ
بحكم العادة، شرط التواتر. ومن أخذه من الأدلة السمعية اختلفوا، فمنهم من
شرطه، ومنهم من نفاه. وهو الصحيح، لأن صورة الإجماع المشهود بعصمته عن
الخطأ قد وجبت، فيترتب عليها حكمها .
وقال الهندي: المشترطون اختلفوا، فقيل: إنه لا يتصور أن ينقص عدد
المسلمين عن عدد التواتر ما دام التكليف بالشريعة باقيا .
ومنهم من زعم أن ذلك وإن كان يتصور ، لكن يقطع بأن من ذهب إليه دون
عدد التواتر سبيل المؤمنين ، لأن إخبارهم عن إيمانهم لا يفيد القطع ، فلا يحرم
مخالفته .
ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن ، لا يشترط فيه ذلك ،
بل يكفي فيه الظهور . لكن الإجماع إنما يكون حجة لكونه كاشفا عن دليل
قاطع ، وهو يوجب كونه متواترا، وإلا لم يكن قاطعا ، فما يقوم مقامه نقله
متواترا، وهو الحكم بمقتضاه، يجب أن يكون صادرا عن عدد التواتر ، وإلا لم
يقطع بوجوده .
٥١٥

فرع
[إذا لم يبق إلاّ مجتهدٌ واحدٌ، فهل قوله حجة كالإجماع؟]
وطرد الأستاذ قباسه ، فقال : يجوز ألا يبقى في الدهر إلا مجتهد واحد ، ولو
اتفق ذلك ، فقوله حجة ، كالإجماع . ويجوز أن يقال للواحد : أمَّة ، كما قال
تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [سورة النحل/ ١٢٠] ونقله الهندي عن الأكثرين.
قلت : وبه جزم ابن سُرَيج في كتاب ((الودائع))، فقال : وحقيقة الإجماع هو
القول بالحق ، فإذا حصل القول بالحق من واحد ، فهو إجماع . وكذا إن حصل
من اثنين أو ثلاثة .
والحجة على أن الواحد إجماع ما اتفق عليه الناس في أبي بكر لما منعت بنو حنيفة
الزكاة ، فكانت بمطالبة أبي بكر لها بالزكاة حقا عند الكل ، وما انفرد بمطالبتها
غيره . هذا كلامه ، وخلاف كلام إمام الحرمين فيه أولى ، وهو الظاهر ، لأن
الإجماع لا يكون إلا من اثنين فصاعدا . ونقل ابن القَطّان عن أبي على بن أبي
هريرة أنه حجة .
وقال إِلْكِيا: المسألة مبنية على تصور اشتمال العصر على المجتهد الواحد ،
والصحيح تصوّره. وإذا قلنا به ، ففي انعقاد الإجماع بمجرد قوله خلاف، وبه
قال الأستاذ أبو إسحاق . قال : والذي حمله على ذلك أنه لم ير في اختصاص
الإجماع بمحلّ معنى يدل عليه ، فسوى بين العدد والفرد . وأما المحققون سواه
فإنهم يعتبرون العدد، ثم يقولون المعتبر عدد التواتر، فإذن مستند الإجماع مستند
إلى طرد العادة بتوبيخ من يخالف العصر الأول ، وهو يستدعي وفور عدد من
الأولين، وهذا لا يتحقق فيما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد؛ فإنه لا يظهر
فيه استيعاب مدارك الاجتهاد .
قال: وينشأ من هذا خلاف في مسألتين:
إحداهما: أن الصحابة إذا أجمعوا على قول وانفرد واحد منهم بخلاف،
٥١٦

والمجمعون عدد التواتر، فهل ينعقد الإجماع دونه ؟ فقيل: لا يعتد بخلاف الواحد.
وهو مذهب ابن جرير . والصحيح أنه يعتد بخلافه إن كان استناد الإجماع إلى
قياس ، إذ لا يبعد أن يقال: الجماعة إذا ابتدروا أجلى القياس، وظهر الواحد
منهم بقياس غامض يخالف فيه. نعم، إن قطعوا في مظنة الظن، فأهل التواتر لا
يقطعون في مظنة الظن إلا بقاطع ، ثم ذلك القاطع لا بد وأن يظهر للمخالف .
الثانية: أن إجماع أهل سائر الأعصار، هل يكون حجة ؟ وفيه خلاف
والأكثرون على التسوية بين إجماع الصحاب ومن عداهم، خلافا لداود.
[لا يشترط التواتر في نقل الإجماع]
الأمر الثالث : لا يشترط التواتر في نقله ؛ بل يحتج بالإجماع المروي بطريق
الآحاد على المختار، وبه قال الماوردي، وإمام الحرمين، والآمدي، ونقل عن
الجمهور اشتراطه، وقد سبقت المسألة في أوائل الباب عند كونه قطعيا أو ظنيا .
مسألة
[ قول القائل: لا أعلم فيه خلافًا، هل هو إجماع؟]
قول القائل لا أعلم خلافا بين أهل العلم في كذا، قال الصيرفي: لا يكون
إجماعا، لجواز الاختلاف ، وكذا قال ابن حزم في الإحكام. وقال في كتاب
((الإعراب)): إن الشافعي نص عليه في ((الرسالة)) وكذلك أحمد بن حنبل قال
الصَّيْرفي : وإنما يسوغ هذا القول لمن بحث البحث الشديد، وعلم أصول العلم،
وحمله، فإذا علم على هذا الوجه، لم يجز الخروج منه، لأن الخلاف لم يظهر، ولهذا
لا نقول للإنسان عدل قبل الخبرة، فإذا علمناه بما يُعْلَم به مسلم حكمنا بعدالته،
وإن جاز خلاف ما علمناه .
وقال ابن القطان: قول القائل: لا أعلم خلافا يظهر، إن كان من أهل العلم
فهو حجة، وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة .
٥١٧

وقال الماوَرْدي: إذا قال: لا أعرف بينهم خلافا، فإن لم يكن من أهل
الاجتهاد، وممن أحاط علما بالإجماع والاختلاف، لم يثبت الإجماع بقوله. وإن كان
من أهل الاجتهاد، فاختلف أصحابنا، فأثبت الإجماع به قوم، ونفاه آخرون .
قال ابن حزم: وزعم قوم أن العالم إذا قال : لا أعلم خلافا ، فهو إجماع ،
وهو قول فاسد ، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي، إنا لا نعلم أحدا أجمع منه
لأقاويل أهل العلم ، ولكن فوق كل ذي علم عليم .
وقد قال الشافعي - رحمه الله تعالى - في زکاة البقر : لا أعلم خلافا في أنه ليس
في أقل من ثلاثين منها تبيع . والخلاف في ذلك مشهور ، فإن قوما يرون الزكاة
على الخمس كزكاة الإبل .
وقال مالك - رحمه الله - في ((موطئه)): وقد ذكر الحكم برد اليمين، وهذا مما لا
خلاف فيه بين أحد من الناس ، ولا بلد من البلدان . والخلاف فيه شهير . وكان
عثمان رضي الله عنه لا یری رد اليمين، ويقضي بالنكول ، وكذلك ابن عباس،
ومن التابعين الحَكَم وغيره. ، وابن أبي ليلى: وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا
القضاة في ذلك الوقت . فإذا كان مثل من ذكرنا يخفى عليه الخلاف ، فما ظنك
بغيره .
مسألة
[تعريف الشذوذ ]
اختلف في الشذوذ، وما هو ؟ فقيل: هو قول الواحد، وترك قول الأكثر. وقال
أبو الحسين بن القَطّان : هو أن يرجع الواحد عن قوله ، فمتى رجع عنه سمى
شاذاً، كما يقال : شذ البعير عن الإبل بعد أن كان فيها ، يسمى شاذا؛ فأما قول
الأقل فلا معنى لتسميته شاذا، لأنه لو كان شاذا لكان قول الأكثر شاذا .
٥١٨

الفصل الرابع
فِيمَا يَسْتَقِرُبَّه الاجماع
قال/ الروياني: ويستقر بأربعة شروط:
أحدها: العلم باتفاقهم عليه، سواء اقترن بقولهم عمل أم لا. وقيل لا بد أن ٢٦٤ / أ
يقترن به عمل لأن العمل محقق للقول. قال: وهذا لا وجه له، لأن حجج
الأقوال آكد من الأفعال. نعم. إن أجمعوا على القول، واختلفوا في العمل - يبطل
الإجماع.
ثانيها : أن يستديموا ما كانوا عليه من الإجماع، ولا يحدث من أحدهم
خلاف، فإن خالفهم الواحد بعد إجماعهم بطل الإجماع ، وساغ الخلاف ، لأنه
كما جاز حدوث إجماع بعد خلاف ، جاز حدوث خلاف بعد إجماع ، كما وقع لعليّ
رضى الله عنه في بيع أمهات الأولاد .
قلت: هذا رأي مرجوح، والأصح أن رجوع الواحد بعد انعقاد الإجماع لا
يقدح في الإجماع ؛ بل يكون إجماعهم حجة عليه ، بناء على أنه لا يشترط انقراض
العصر. وقد وافق هو في أول كتاب ((البحر))، والله أعلم .
ثالثها : أن ينقرض عصرهم حتى يؤمن الخلاف منهم، فإن بقي العصر ربما
أحدث بعضهم خلافا ، كابن عباس في العول بعد موت عمر، فقيل له :
هلا قلته في أيامه ؟ قال : كان رجلا مهيبا ، فهبته .
٥١٩

[المعتبر في انقراض العصر]
قال: ولا يعتبر في انقراض العصر موت جميع أهله ، لأنه لا ينحصر . وقد
تتداخل الأعصار. وإنما المعتبر في انقراضه أمران: أحدهما : أن يستولي على
العصر الثاني غير أهل العصر الأول . والثاني : أن ينقضي فيهم من بقي من أهل
العصر الأول، لأن أنس بن مالك وعبدالله بن أبي أوفى عاشا إلى عصر التابعين ،
وتطاولا إلى أن جمعا بين عصرين ، فلم يدل ذلك على بقاء عصر الصحابة منهم .
قال : ثم إذا كان انقراض العصر شرطا في استقرار الإجماع ، فهو معتبر في
الأحكام التي لا يتعلق بها إتلاف واستهلاك لا يمكن استدراكه . قال : واختلف
أصحابنا في انقراض العصر ، هل هو شرط في الإجماع انعقادا ؟ على وجهين .
قلت: وحاصله أن الانقراض شرط في استقرار الإجماع قطعا . وهل هو شرط في
انعقاده ؟ فيه الخلاف السابق .
رابعها: أن لا يلحق بالعصر الأول من ينازعهم من أهل العصر الثاني، فإن
لحق بعصر الصحابة بعض التابعين ، فخالف في إجماعهم، ففيه وجهان . وفصّل
في مواضع أخر بين أن يكون من أهل الاجتهاد حالة حدوث الواقعة فيعتبر، وإلا
فلا. وقال: إنه المذهب .
٥٢٠