النص المفهرس

صفحات 481-500

وقال القفَّال : فيه وجهان. أحدهما: هذا . والثاني: يعد خلافا لقصة ابن
عباس في الغول . اهـ .
والذى رأيته في كتاب القَفَّال الشاشي ما نصه : ومتى أجمعت الصحابة على شىء
ثم حدث في عصرهم من بلغ مبلغ الاستدلال، لم يكن له مخالفة إجماعهم، فان
حدثت حادثة في الوقت الذي قد جاء فيه التابعي مستدلا فأجمعت الصحابة
استنباطا، ورأى خلافه، فقد قيل: إنه خلاف، وفيه نظر. هذا كلامه .
وحكى في ((القواطع)) الوجهين، ثم قال: هذا إذا بلغ التابعي فأما إذا تقدم
الإجماع على قول التابعي فإنه يكون التابعي محجوجا بذلك قطعاً، وقد اعتبر ذلك
من شرط انقراض العصر، وقد قلنا: إن هذا الاعتبار يؤدي إلى أنه لا ينعقد
إجماع. اهـ .
وكلام الآمدي يقتضي طرد الخلاف مطلقا، فإنه قال : القائلون بأنه لا ينعقد
إجماعهم دونه اختلفوا، فمن لم يشترط انقراض العصر، قال : إن كان من أهل
الاجتهاد قَبْل إجماع الصحابة، لم ينعقد إجماعهم مع مخالفته . وإن بلغ الاجتهاد
بعد انعقاد إجماعهم لم يعتد بخلافه. قال : وهذا مذهب الشافعي ، وأكثر
المتكلمين ، وأصحاب أبي حنيفة ، وهي رواية عن أحمد ومن شرط انقراض
العصر ، قال : لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته ، سواء كان مجتهدا حال
إجماعهم أو صار مجتهدا بعد ذلك في عصرهم .
وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد
ابن حنبل في الرواية الأخرى .
قال : والمختار إن كان من أهل الاجتهاد حال إجماع الصحابة لم ينعقد إجماعهم
مع مخالفته. انتهى . وتحصَّل أن اللاحق إما أن يتأهل قبل الانقراض أو بعده ،
وعلى الأول فإما أن يوافق أو يخالف أو يسكت ، والقائل بعدم اعتباره لا يجعل
لذلك أثرا ، والقائل به اثنان : قائل إنه لا يعتبر وفاقه ، بل يعتبر عدم خلافه .
وقائل يعتبرهما .
٤٨١

تنبيهان
الأول : الكلام في هذه المسألة لا يتصور إلا مع القائلين بأن خلاف الأقل
يندفع به إجماع الأكثر، فلهذا ذكرت .
الثاني : لا يختص هذا بالتابعي مع الصحابة، بل إذا اجتمع أهل العصر على
حكم، فنشأ قوم مجتهدون قبل انقراضهم، فخالفوهم، وقلنا: انقراض العصر
شرط ، فهل يرتفع الإجماع ؟ على مذهبين ، وإن قلنا : لا يعتبر الانقراض فلا .
المسألة الثالثة
[إجماع الصّحابة]
إجماع الصحابة حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية الإجماع، وهم أحق
الناس بذلك، ونقل عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس بحجة .
وهكذا إجماع غيرهم من العلماء في سائر الأعصار خلافا لداود الظاهري حيث
قال : الإجماع اللازم يختص بعصر الصحابة؛ فأما إجماع من بعدهم فليس
بحجة، وهو ظاهر كلام ابن حِبّان البُسْتِي منا في صحيحه، وقيل : إن أحمد علق
القول به في رواية أبي داود، فقال: الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي وَلّر وعن
الصحابة وهو بعد في التابعين مخير ، لكنه في الرواية الأخرى سوَّى بين الكل .
فمن أصحابه من أجرى له قولين ، ومنهم من قطع بالثاني، وحمل الأول على آحاد
التابعين، لا إجماعهم .
وأما قول أبي حنيفة : إذا أجمعت الصحابة على شىء سلمناه ، وإذا أجمع
التابعون زاحمناهم ، فليس ذلك موافقا لداود ، لأنه رأى نفسه من التابعين. فقد
رأى أنسا رضي الله عنه . وقيل : أدرك أربعة منهم .
ولنا أن الإجماع إنما يكون عن أصل ، وهو شامل للكل ، وبالشهادة بالعصمة،
وهو عام، فتخصيصه تحكّم، وهو كالقائل لا حجة إلا في قياس الصحابة بدليل
٤٨٢

﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [سورة النساء/١١٥].
وخص أبو الحسن السهيلي في ((أدب الجدل)) النقل عن داود بما إذا أجمعوا عن
نص كتاب أو سنة . قال : فأمّا إذا أجمعوا على حكم من جهة القياس، فاختلفوا
فيه، وقد سبق .
وقال ابن القَطَّان : ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة
فقط، وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف ، والصحابة
هم الذين شهدوا التوقيف .
فإن قيل : فما يقولون في إجماع من بعدهم . أيجوز أن يجمعوا على خطأ ؟
قلنا : هذا لا يجوز لأمرين: أحدهما: أن النبي و لل أجاب عن ذلك بقوله:
(لا يزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق) .
والثاني : أن سعة أقطار المسلمين ، وكثرة العدد لا يمكن أحداً ضبط أقوالهم. ومن
ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه(١) .
المسألة الرابعة
[إجماع أهل المدينة]
إجماع أهل المدينة على الانفراد لا يكون حجة. وقال مالك :
إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم. قال الشافعي في كتاب ((اختلاف الحديث)) :
قال بعض أصحابنا : إنه حجة، وما سمعت أحداً ذكر قوله إلا عابه، وإن ذلك
عندی معیب. انتهى .
وقال الحارث المُحَاسِبي في كتاب ((فهم السنن)): قال مالك : إذا كان الأمر
بالمدينة ظاهراً معمولا به لم أر لأحد خلافه ، ولا يجوز لأحد مخالفته اهـ .
ونقل عنه الصَّيْرفي في (الأعلام)) والرُّوياني في ((البحر)) والغزالي في ((المستصفى))
أن الإجماع إنما هو إجماعهم دون غيرهم ، وهو بعيد .
(١) هذا يقضي بعدم إمكان إجماعهم لا بجوازه، فهو دليل على عدم الإمكان لا الإمكان.
٤٨٣

ونقل الأستاذ أبو منصور في كتاب ((الرد على الجرجاني)) أنه أراد الفقهاء السبعة
وحدهم وقال : إنهم إذا أجمعوا على مسألة انعقد بهم الإجماع ، ولم يجز لغيرهم
مخالفتهم . والمشهور عنه الأول .
لكن يشكل على ذلك أنه في ((الموطأ)) في باب العيب في الرقيق نقل إجماع أهل
المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ، ولا يبرأ من العيب أصلا ، علمه أو
جهله . ثم خالفهم ، فلو كان يرى أن إجماعهم حجة لم تسع مخالفته .
وعلى المشهور فاختلف أصحابه فقال الباجي : إنما أراد فيما طريقه النقل
المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإمامة . وعدم الزكوات في الخضروات مما
تقضي العادة بأن يكون في زمن النبي { ر، فإنه لو تغير عما كان عليه لعلِم ؛ فأما
مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء، وحكاه القاضي في ((التقريب)) عن شيخه
الأبهري .
وقيل : يرجح نقلهم على نقل غيرهم ، وقد أشار الشافعى رضى الله عنه -
إلى هذا في القديم ، ورجح رواية أهل المدينة على غيرهم . وقيل : أراد بذلك
الصحابة. وقيل : أراد به في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين . حكاه
القاضي في ((التقريب)) وابن السَّمْعاني، وعليه ابن الحاجب.
وادعى ابن تيمية أنه مذهب الشافعي وأحمد بناء على قولهما / إن اجتهادهم في
ذلك الزمن مرجح على اجتهاد غيرهم ، فيرجح أحد الدليلين لموافقة أهل المدينة .
وقال مرة : إنه محمول على إجماع المتقدمين من أهل المدينة .
٢٥٩ / ١
وحكى عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي - رضي الله عنه - :
إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شىء، فلا يدخل قلبك شك أنه الحق ، وكلما
جاءك شىء غير ذلك، فلا تلتفت إليه، ولا تعبأ به، فقد وقعت في البحار،
ووقعت في اللجج . وفي لفظ له : إذا رأيت أوائل أهل المدينة على شيء فلا تشكن
أنه الحق ، والله إني لك ناصح ، والقرآن لك ناصح . وإذا رأيت قول سعيد بن
المسيب في حكم أو سنة ، فلا تعدل عنه إلى غيره .
وقال مالك : قدم علينا ابن شهاب قدمة . فقلت له : طلبت العلم حتى إذا
٤٨٤

كنت وعاء من أوعيته تركت المدينة فقال : كنت أسكن المدينة ، والناس ناس ،
فلما تغيرت الناس تركتهم . رواه عنه عبد الرزاق . ا هـ .
وقيل محمول على المنقولات المستمرة كما سبق ، وإليه ذهب القَرَافي في ((شرح
المنتخب)) وصحح في مكان آخر التعميم في مسائل الاجتهاد ، وفيما طريقه النقل ،
والصحيح الأول . ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء ،
إذا لم يقم دليل على عصمة بعض الأمة . نعم ، ما طريقه النقل إذا علم اتصاله،
وعدم تغيره، واقتضته العادة من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه فالاستدلال به
قوي يرجع إلى أمر عادي. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله .
وقال القاضي عبد الوهاب : إجماع أهل المدينة على ضربين : نقلي،
واستدلالي . فالأول على ثلاثة أضرب: منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي ◌َّر.
إما من قول أو فعل أو إقرار . فالأول : كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة
والأوقات والأحباس ونحوه . والثاني : نقلهم المتصل كعهدة الرقيق ، وغير ذلك.
والثالث : كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة ، وكان
النبي ﴿ والخلفاء بعده لا يأخذونها منها .
قال : وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه ، وترك الأخبار
والمقاييس له ، لا اختلاف بين أصحابنا فيه .
قال : والثاني : وهو إجماعهم من طريق الاستدلال ، فاختلف أصحابنا فيه
على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ليس بإجماع ، ولا مرجح . وهو قول أبي بكر ،
وأبي يعقوب الرازي ، والقاضي أبي بكر ، وابن السَّمْعاني ، والطيالسي ، وأبي
الفرج ، والَأَبْهَرِي ، وأنكروا كونه مذهبا لمالك . ثانيها : أنه مرجح ، وبه قال
بعض أصحاب الشافعى. ثالثها : أنه حجة ، وإن لم يحرم خلافه ، وإليه ذهب
قاضي القضاة أبو الحسين بن عمر . انتهى .
وقال أبو العباس القرطبي : أما الضرب الأول فينبغي أن لا يختلف فيه ، لأنه
من باب النقل المتواتر ، ولا فرق بين القول والفعل والاقرار إذ كل ذلك نقل
محصل للعمل القطعي ، وأنهم عدد كثير، وجم غفير، تحيل العادة عليهم
٤٨٥

التواطؤ على خلاف الصدق ، ولا شك أن ما كان هذا سبيله أولى من أخبار الآحاد
والأقيسة والظواهر .
وأما الثاني : فالأول منه أنه حجة إذا انفرد ، ومرجِّحُ لأحد المتعارضين، ودليلنا
على ذلك أن المدينة مأرز الإيمان ، ومنزل الأحكام، والصحابة هم المشافهون
لأسبابها، الفاهمون لمقاصدها، ثم التابعون نقلوها وضبطوها، وعلى هذا فإجماع
أهل المدينة ليس بحجة من حيث إجماعهم؛ بل إمّا هو من جهة نقلهم المتواتر ،
وإمّا من جهة شهادتهم لقرائن الأحوال الدالة على مقاصد الشرع، قال : وهذا
النوع الاستدلالي إن عارضه خبر، فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا ، لأنه مظنون
من جهة واحدة ، وهو الطريق ، وعملهم الاجتهادي مظنون من جهة مستند
اجتهادهم ، ومن جهة الخبر، وكان الخبر أولى . وقد صار كثير من أصحابنا إلى
أنه أولى من الخبر بناء منهم على أنه إجماع ، وليس بصحيح ، لأن المشهود له
بالعصمة كل الأمة لا بعضها . اهـ . وقد تحرر بهذا موضع النزاع ، والصحيح
من مذهبه. وهؤلاء أعرف بذلك .
[اتفاق أهل المدينة مراتب عدة]
وقال بعض المتأخرين : التحقيق في هذه المسألة أن منها ما هو كالمتفق عليه .
ومنها ما يقول به جمهورهم. ومنها ما يقول به بعضهم . فالمراتب أربعة :
إحداها: ما يجرى مجرى النقل عن النبي وَّر، كنقلهم لمقدار الصاع والمد ،
فهذا حجة بالاتفاق . ولهذا رجع أبو يوسف إلى مالك فيه، وقال : لو رأى
صاحبي كما رأيت لرجع كما رجعت ، ورجع إليه في الخضروات . فقال : هذه
بقائل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد النبي بَّر ، ولا أبي بكر ولا عمر ،
وسأل عن الأحباس. فقال : هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فذكر أعيان
الصحابة. فقال له: أبو يوسف: وكل هذا قد رجعت إليك .
الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان، فهذا كله هو حجة عند مالك
حجة عندنا أيضا. ونص عليه الشافعى . فقال في رواية يوسف بن عبد الأعلى:
إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شىء فلا يبق في قلبك ريب أنه الحق، وكذا هو
٤٨٦

ظاهر مذهب أحمد، فإن عنده أن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب اتباعها.
وقال أحمد : كل بيعة كانت بالمدينة فهى خلافة نبوة، ومعلوم أن بيعة الصديق
وعمر وعثمان وعلي كانت بالمدينة، وبعد ذلك لم يعقد بها بيعة، ويحكى عن أبي
حنيفة أن قول الخلفاء عنده حجة .
الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين، فهل يرجح أحدهما
بعمل أهل المدينة ؟ وهذا موضع الخلاف . فذهب مالك والشافعى إلى أنه
مرجح، وذهب أبو حنيفة إلى المنع. وعند الحنابلة قولان: أحدهما المنع، وبه قال
القاضى أبو يعلى وابن عقيل. والثاني: مرجح، وبه قال أبو الخطاب، ونقل عن
نص أحمد، ومن كلامه: إذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو الغاية .
الرابعة: النقل المتأخر بالمدينة. والجمهور على أنه ليس بحجة شرعية، وبه قال
الأئمة الثلاثة، وهو قول المحققين من أصحاب مالك كما ذكره القاضي
عبد الوهاب في ((الملخص)). فقال: إن هذا ليس إجماعا ولا حجة عند المحققين؛
وإنما يجعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس هؤلاء من أئمة النظر
والدليل؛ وإنما هم أهل تقليد .
وجعل أبو الحسن الأبياري المراتب خمسة :
أحدها: الأعمال / المنقولة عن أهل المدينة بالاستفاضة ، فلا خلاف في ٢٥٩/ ب
اعتمادها .
ثانيها : أن يرووا أخباراً ويخالفوها ، وقد تقدم الكلام عليه . قال : واختار
إمام الحرمين أن الراوي الواحد إذا فعل ذلك سقط التمسك بروايته ، ويرجع إلى
عمله فما الظن بعلماء أهل المدينة جملة .
ثالثها : أن لا ينقلوا الخبر، ولكن يصادف خبر على نقيض حكمهم، فهذه
أضعف من الأولى ، ولكن غلبة الظن حاصلة بأن الخبر لا يخفى عن جميعهم،
لهبوط الوحي في بلدهم ، ومعرفتهم بالسنة ، ولهذا كانوا يرجعون إليهم ،
ويبعثون يسألون منهم ، فينزل منزلة ما لو رأوا وخالفوا .
رابعها : أن لا ينقل خبر على خلاف قضائهم ، ولكن القياس على غير ذلك ،
٤٨٧

فهذا فيه نظر ، فقد يقال : إنهم لم يخالفوا القياس مع كونه حجة شرعية إلا
بتوقيف . وقد يقال : لا يوافقون ، ولهذا اختلف مالك في هذه الصورة ،
كالقصاص بين الحر والعبد، والمسلم والكافر في الأطراف .
خامسها: أن يصادف قضاؤُهم على خلاف خبر منقول عنهم أو عن غيرهم ،
لا عن خلاف قياس ، حتى يستدل به على خبر لأجل مخالف القياس ؛ فالصواب
عندي في هذه الصورة عدم الالتفات إلى المنقول ، ويتبع الدليل(١) اهـ.
[على القول بأن إجماع أهل المدينة حجة لا ينزل منزلة إجماع الأمة]
وما قدساه من كلام القرطبي هو المعتمد إن شاء الله تعالى ، لكن نبه الأبياري
على مسألة حسنة ، وهي أنا إذا قلنا : إن إجماعهم حجة ، فلا ينزل منزلة إجماع
جميع الأمة ، حتى يفسّق المخالف ، وينقض قضاؤه ؛ ولكن يقول : هو حجة ،
على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة ، كالمستند إلى
القياس وخبر الواحد .
[ردود العلماء على دعوى: إجماع أهل المدينة]
ولم تزل هذه المسألة موصوفة بالإشکال. وقد دارت بين أبي بكر الصَّيْرفي وأبي
عمر [بن عبد البر] من المالكية. وصنّف الصَّيْرفي فيها وطول في كتابه ((الأعلام))
الحجاج فيها مع الخصم. وقال : قد تصفحنا قول من قال : العمل على كذا،
فوجدنا أهل بَلَدِه في عصره يخالفونه، كذلك الفقهاء السبعة من قبله، فإنه
مخالفهم، ولو كان العمل على ما وصفه لما جاز له خلافهم، لأن حكمه بالعمل
كعلمهم لو كان مستفيضا.
قال : وهذا عندي من قول مالك على أنه عمل الأكثر عنده ، وقد قال ربيعة في
قول ادعى مالك العمل عليه ، فقال ربيعة : وقال قوم : - وهم الأقل - ما ادعى
مالك أنه عمل أهل البلد . وقال مالك : التسبيح في الركوع والسجود لا أعرفه ،
حكاه عنه ابن وهب ، ثم إنا رأينا ما ادعاه من العمل إنما علمنا عنه بخبر واحد ،
كرواية القَعْنَبِي ، وابن بكير ، وابن مصعب ، وابن أبي إدريس وابن وهب ،
(١) في هذه المرتبة خفاء ولعل في الكلام سقطا.
٤٨٨

وهؤلاء كلهم يجوز عليهم العلم . ووجدنا في كتاب الموطأ هذه الحكاية ، ولم
نشاهد العمل الذي حكاه ، ووجدنا الناس من أهل المدينة وغيرهم على خلافه .
وقال أبو حيان التوحيدي في ((البصائر)): سمعت القاضي أبا حامد المرورُوذى
يقول : ليس الاعتماد في الإجماع على أهل المدينة على ما رآه مالك ، لأن مكة لم
تكن دون المدينة ، وقد أقام النبي عليه الصلاة والسلام بها كما أقام بالمدينة ، ومن
عدل عن مكة وأهلها مع قيام النبي عليه السلام بين أظهرهم وسكانها الغاية في
حمل الشريعة بغير حجة جاز أن يعدل خصمه عن المدينة وأهلها بحجة ، وذلك أن
الشريعة كملت بين جميع أهل العصر الذين تحققوا النبي عليه الصلاة والسلام ،
وحفظوا عنه ، وابتلوا بالحوادث ، فاستفتوه ، واختلفوا في الأحكام فاستقضوه
وتخوفوا العواقب فاستظهروا به ، ثم إنهم بعد أن صار إلى الله كانوا بين مقيم
بالمدينة، ومقيم بمكة ، ونازل بينهما ، وظاهر عنهما إلى الأمصار البعيدة ، واستقرت
الشريعة على الكتاب والسنة الشائعة والقياس المنتزع والرأي الحسن والإجماع
المنعقد ، فلم يكن بلد أولى من بلد ، ولا مكان أولى من مكان ، ولا ناس أولى
وأحفظ لدين الله من ناس ، وهم في الإصابة شركاء ، وفي الحكم بما ألقي إليهم
متفقون . قال : وكان يطيل الكلام في تهجير المدلين بهذا القول. اهـ .
وقال ابن حزم في الأحكام : هذا القول لصق به بعض المالكية محتجين بما روى
في فضل المدينة ، وليس ذلك لفضل أهلها ، وقد صح أن مكة أفضل منها ، وقد
كان الصحابة في غيرها ، وقد تركوا من عمل أهل المدينة سجودهم مع عمر في
﴿إذا السماء انشقت ﴾ [سورة الانشقاق/ ١] وسجودهم معه، إذا قرأ السجدة ، ونزل
عن المنبر فسجد ، وفعل عمر إذ أعلم عثمان وهو يخطب يوم الجمعة بحضرة
المهاجرين والأنصار ، فقالوا ليس على ذلك العمل .
وأيضا فإن مالكا لم يدَّع إجماع أهل المدينة إلا في ثمان وأربعين مسألة في موطئه
فقط ، وقد تتبعنا ذلك فوجدنا منها ما هو إجماع ، ومنها ما الخلاف فيه موجود في
المدينة ، كوجوده في غيرِها ، وكان ابن عمر وهو عميد أهل المدينة يرى إفراد
الأذان ، والقول فيه : حي على خير العمل ، وبلال يكرر قد قامت الصلاة ،
ومالك لا يرى ذلك ، والزهري يرى الزكاة في الخضروات ، ومالك لا يراها ، ثم
٤٨٩

ذكر لهم مناقضات كثيرة .
[إجماع أهل الحرمين والمصرين]
المسألة الخامسة: إجماع أهل الحرمين : مكة والمدينة ، والمصرين : البصرة
والكوفة ، ليس بحجة ، خلافا لمن زعم ذلك من الأصوليين . قال القاضي :
وإنما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة ، وكانت هذه البلاد
موطن الصحابة ، ما خرج منها إلا الشذوذ. اهـ . وهذا صريح بأن القائلين
بذلك لم يعمموا في كل عصر ؛ بل في عصر الصحابة فقط .
وقال الشيخ أبو إسحاق : قيل : إن المخالف أراد في زمن الصحابة والتابعين ،
فإن كان هذا مراده فمسلم ، لو اجتمع العلماء في هذه البقاع، وغير مسلم أنهم
اجتمعوا فيها .
السادسة : [إجماع أهل البيت]:
إجماع أهل البيت ليس بحجة، المراد بهم على وفاطمة والحسن والحسين رضوان
الله عليهم، خلافا للشيعة. وبالغوا، فقالوا : قول علي حجة وحْدَه. حكاه
الشيخ أبو إسحاق في ((اللمع)). وعن ((المعتمد)) للقاضى أبي يعلى أن العّرة لا
تجتمع على خطأ كما في حديث الترمذي .
السابعة : [إجماع الخلفاء الأربعة]:
قال القاضي أبو خازم بالخاء والزاي المعجمتين من الحنفية : إجماع الخلفاء
١/٢٦٠ الأربعة حجة ، وحكم بذلك في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام ولم / يعتد
بخلاف زيد ، وقبل منه المعتضد ذلك، وردها إليهم، وكتب بذلك إلى الافاق .
وقال أبو بكر الرازي : وبلغني أن أبا سعيد البردعي كان أنكر ذلك علبه .
قال : وهذا فيه خلاف بين الصحابة . فقال أبو خازم : لا أَعدُّ هذا خلافا على
الخلفاء الأربعة، وقد حكمت برد هذا المال إلى ذوي الأرحام، ولا يجوز لأحد أن
يتبعه بالنسخ. اهـ .
وهي رواية عن أحمد، قال الموفق في ((الروضة)»: نقل عن أحمد ما يدل على أنه
لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم .
٤٩٠

والصحيح أن ذلك ليس بإجماع ، وكلام أحمد في إحدى الروايتين يدل على أن
قولهم حجة ، ولا يلزم من ذلك أن يكون إجماعا . قلت: ويجرى ذلك في كلام
القاضى أبي خازم أيضا، وأنه أراد أنه يقدَّم على قول غيرهم ، وعلى هذا فلا معنى
لتخصيص أصحابنا حكايته عن أبي خازم ، فإنه قول للشافعي .
قال ابن كج في كتابه هنا: إذا اختلفت الصحابة على قولين : وكانت الخلفاء
الأربعة مع أحد الفريقين ، فقال الشافعي في موضع : يصار إلى قول الخلفاء
الأربعة . وقال في موضع : إنهما سواء ، ويطلب دلالة سواهما . انتهى .
ويحتمل أن يكون أبو خازم بناه على أن خلاف الواحد والاثنين لا يقدح في
الإجماع، وهو ظاهر سياق أبي بكر الرازي عنه. وقيل: إجماع الشيخين وحدهما
حجة .
لنا أن ابن عباس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل في الفرائض انفرد
بها، وابن مسعود بأربع مسائل، ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الأربعة .
واحتج أبو خازم بحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وعورض
بحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).
قال القرطبي : والصحيح أنه لا تعارض بينهما ، فإن الأول: يقتضي أن يقتدى
بالخلفاء فيما اتفقوا عليه . والثاني : الأمر للمقلد بالتخيير ، واعتبار المجتهدين
والصحابة، فلا يعارضه. سلمنا المعارضة؛ لكن الأول صحيح، والثاني ضعيف.
وذكر القاضي في ((التقريب)) أن القائلين بهذا المذهب أرادوا الترجيح لقولهم على
قول غيرهم، لفضل سبقهم وتعددهم، وطول صحبتهم، وعندنا أن الترجيح إنما
يطلب به غلبة الظن لا العلم .
فائدة : [عقود الخلفاء الأربعة وحماهم]:
إذا عقد الخلف الأربعة عقدا ، أو حموا حمى لزم ، ولا ينتقض على أصح قولي
الشافعي. حكاه أبو حامد في ((الرونق))، وممن حكى القول فيه صاحب
((التلخيص)) في باب الاحياء، واسْتَقْرَبَه السنجي في ((شرحه)). وقال: يشبه أن
٤٩١

يكون قاله على قياس التقديم في تقليد الصحابي. وأما أصحابنا على قوله الجديد
فسووا بينهم وبين مَنْ بعدهم. اهـ. والأحسن ما قاله صاحب ((الرونق)).
الثامنة : [العبرة بإجماع أهل كل عصر] :
وِفَاقُ من سيوجد لا يعتبر اتفاقا، حكاه ابن الحاجب وغيره، إذ لو اعتبر لما
استمر إجماع .
ولا يعتد بخلاف ابن عيسى الوراق، وأبي عبد الرحمن الشافعي ، فیما حكاه
عنهما الأستاذ أبو منصور ، ولا يطلب في هذه وفاق الظاهرية في قولهم: لا يعتبر إلا
إجماع الصحابة، فإنهم منكرون اعتبار أهل العصر الحاضرين ، فضلا عمن
سيوجد ، وإنما الوفاق المذكور هو من القائلين بإجماع أهل كل عصر .
وهذه المسألة هي المترجمة : أنه هل يعتبر اتفاق كل المسلمين في سائر الأعصار ؟
وإنما الاعتبار بإجماع أهل كل عصر .
أما وفاق من سيوجد ، فلا يعتبر أيضا . فإذا حدثت حادثة لم يتقدم فيها قول
لمن سلف انعقد الإجماع بقول أهل ذلك العصر ، لأن ذلك لو اعتبر لما انعقد أبدا
إجماع ، حكاه عبد الوهاب ، ولم يذكر فيه خلافا .
وأما قوله وَله: (لا تجتمع أمتي على خطأ) فلا يخالف هاتين المسألتين من جهة
أن لفظ الحديث يتناول جميع من صَدَّق به وقت مبعثه وإلى الأبد، لأنا علمنا
بقصده من هذا أنه على وجه التكليف، والالتزام يمنع من هذا القول .
التاسعة : [انعقاد الإجماع في زمن الرسول وَ ل*]:
لا ينعقد الإجماع في زمانه م # كما ذكره القاضى أبو بكر والإمام فخر الدين ،
وغيرهما ، لأن قولهم دونه لا يصح ، وإن كان معهم فالحجة في قوله . وفيه نظر
ذكرناه في باب النسخ ، إذ جوزنا لهم الاجتهاد في زمانه ، كما هو الصحيح ،
فلعلهم اجتهدوا في مسألة ، وأجمعوا عليها من غير علمه بهم .
وقد نقل القَرافي عن أبي إسحاق وابن برهان جواز انعقاد الإجماع في زمانه.
قال: وشهود النبي ◌َّله بالعصمة متناول لما في زمانه ، وما بعده ؛ لكن المشهور
الأول ، والذى وجدته في ((الأوسط)) لابن برهان في الكلام على حجية الإجماع أنه
٤٩٢

إنما يكون حجة بعد موت النبي ونَ﴾ .
العاشرة: [الإجماع في العصور المتأخرة] :
هل ينعقد الإجماع في زماننا ؟ لا نص فيه ، وينبغي أن يأتي فيه خلاف مبنى على
أن عصرنا هل يخلو عن المجتهد أم لا ؟ فإن قلنا : لا يخلو ، فلا شك في انعقاده ؛
وإن قلنا : خلاف، فيحتمل أن يقال : لا ينعقد ، وإن كان هناك مجتهدون في
المذاهب وناظرون في الشريعة ، ولم يترقوا إلى رتبة الاجتهاد . والظاهر أنه ينعقد ،
وليست هذه مسألة اعتبار العوام في الإجماع ، والدليل على ذلك أن حجة
الإجماع ، إما من السمع وهو عدم اجتماع الأمة على خلافه، أو من العقل ، وهو
أن الجم الغفير لا يقدرون على قاطع ، وهؤلاء جمع كثير، وهذا الموجود فيهم .
[ظهور الإجماع وانتشاره في العصر الذي وقع فيه]
الشرط الثالث : أن يظهر في العصر، حتى يعلم أهل العصر الثاني، وقد يقترن
ظهوره بالعمل، وقد يكون بالقول والفعل جميعا .
فأما ظهوره بالقول إذا وجد صح انعقاد الإجماع به، وحكى الرُّؤْياني وابن
السَّمْعاني عن بعضهم أنه لا ينعقد بالقول حتى يقترن به الفعل ، ليكمل في
نفسه . قال : وهذا ليس بصحيح ، لأن حجج الأقوال آكد من حجج الأفعال .
٤٩٣

[حجيَّة الإجماع السُّكوني ]
ثم قد يكون القول من الجميع، ولاشك؛ وقد يكون من بعضهم وسكوت
الباقين بعد انتشاره من غير أن يظهر معهم اعتراف أو رضى به ، وهذا هو الإجماع
السكوتى، وفيه ثلاثة عشر مذهبا .
أحدها : أنه ليس بإجماع ولا حجة، وحكي عن داود وابنه، وإليه ذهب
الشريف المُرْتَضى، وصححه صاحب ((المصادر))، وعزاه جماعة إلى الشافعي، منهم
القاضى، واختاره. وقال: إنه آخر أقواله، ولهذا قال الغزالي في ((المنخول)) والإمام
الرازي والآمدى: إن الشافعي نص عليه في الجديد. وقال إمام الحرمين إنه ظاهر
مذهبه، ولهذا قال: ولا ينسب إلى ساكت قول. قال: وهي من عباراته الرشيقة .
قلت: ومعناه لا ينسب إلى ساكت تعيين قول، لأن السكوت يحتمل
التصويب، أو لتسويغ الاجتهاد أو الشك، فلا ينسب إليه تعيين، وإلا فهو قائل
٢٦٠ / ب بأحد هذه الجهات قطعا؛ ثم هذا باعتبار الأصل ، أعنى أن لا ينسب / إلى ساكت
قول إلا بدليل على أن سكوته كالقول أو حقيقة، لأنَّ السكوت عدم محض،
والأحكام لا تستفاد من العدم، ولهذا لو أتلف إنسان مال غيره وهو ساكت،
يضمن المتْلَف .
أما إذا قام الدليل على نسبة القول إلى الساكت عمل به، لقوله وَ يقر في البكر:
(إذنها صماتها) وقولنا: إن إقرار النبي ◌َّلير على قول أو فعل مع علمه به وقدرته
٤٩٤

على إنكاره حجة، وسكوت أحد المتناظرين عن الجواب لا يعد انقطاعا في
التحقيق إلا بإقراره أو قرينة حالية ظاهرة، وإلا فمجرد السكوت لا يدل على
الانقطاع، لتردده بين استحضار الدليل، وترفعه عن الخصم، لظهور بلادته، أو
تعظيمه، أو إجلاله عن انقطاعه معه .
والثاني: أنه إجماع وحجة. قال الباجي: وهو قول أكثر أصحابنا المالكيين،
والقاضي أبي الطيب، وشيخنا أبي إسحاق، وأكثر أصحاب الشافعي. انتهى .
وقال ابن برهان: وإليه ذهب كافة العلماء. منهم الكرْخى. ونص ابن
السَّمعاني والدَّبوسي في ((التقويم)). وقال عبد الوهاب: هو الذي يقتضيه مذهب
أصحابنا .
وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني عن الشافعي، فإنه لما حكى القولين
المتعاكسين في التفصيل بين الفتوى والحكم، قال : وعلة كل واحد منهما يوجب أن
لا يكون كل واحد منهما إجماعا، وهذا مُفَسَّر بقول الشافعي: إن قول الواحد إذا
انتشر فإجماع، ولا يجوز مخالفته، هذا كلامه .
وقال النووي في ((شرح الوسيط)): لا تغْتَرَّنَّ بإطلاق المتساهل القائل بأن
الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي ؛ بل الصواب من مذهب الشافعي أنه
حجة، وإجماع . وهو موجود في كتب أصحابنا العراقيين في الأصول، ومقدمات
كتبهم المبسوطة في الفروع، ((كتعليقة)) الشيخ أبي حامد، و(الحاوي))، و((مجموع
المحاملي))، و((الشامل)) وغيرهم. انتهى.
ويشهد له أن الشافعي - رحمه الله تعالى - احتج في كتاب ((الرسالة)) لإثبات
العمل بخبر الواحد وبالقياس أن بعض الصحابة عمل به، ولم يظهر من الباقين
إنكار لذلك، فكان ذلك إجماعا، إذ لا يمكن أن ينقل ذلك نصا عن جميعهم،
بحيث لا يشذ منهم أحد، وإنما نقل عن جمع مع الاشتهار بسكوت الباقين .
لكنه صرح في موضع آخر من ((الأم)) بخلافه، فقال: وقد ذكر أن أبا بكر قسم
فسوى بين الحر والعبد، ولم يفضل بين أحد بسابقة، ولا نسب، ثم قسم عمر،
فألغى العبد، وفضل بالنسب والسابقة، ثم قسم عليّ فألغى العبيد، وسوى بين
٤٩٥

الناس، ولم يمنع أحد من أخذ ما أعطوه .
قال: وفيه دلالة على أنهم مُسَلَّمون لحاكمهم، وإن كان رأيهم على خلاف
رأيه. قال : فلا يقال لشيء من هذا إجماع، ولكن ينسب إلى أبي بكر فعله، وإلى
عمر فعله، وإلى علي فعله، ولا يقال لغيرهم ممن أخذ منهم موافقة ولا اختلاف،
ولا ينسب إلى ساكت قول ولا عمل، وإنما ينسب إلى كل قوله وعمله .
وفي هذا ما يدل على أن ادعاء الإجماع في كثير من خاص الأحكام ليس كما
يقول من يدعيه . اهـ .
وحينئذ فيحتمل أن يكون له في المسألة قولان، كما حكاه ابن الحاجب وغيره.
ويحتمل أن ينزل القولان على حالين، فقول النفي على ما إذا صدر من حاكم،
وقول الإثبات على ما إذا صدر من غيره، والنص الذي سقناه من ((الرسالة)) شاهد
لذلك، وهو يؤيد تفصيل أبي إسحاق المروزي الآتي .
وذكر بعض المتأخرين في تنزيل القولين طريقين:
أحدهما: حيث أثبت القول بأنه إجماع أراد بذلك عصر الصحابة، كما استدل
به لخبر الواحد والقياس، وحيث قال: لا ينسب لساكت قول أراد بذلك من
بعدهم. وهذا أولى من أن يجعل له في المسألة قولان متناقضان، كما ظن الإمام
فخر الدين في ((المعالم))، ويشهد لهذا ما سيأتي من كلام جماعة تخصيص المسألة
بعصر الصحابة .
والثاني: أن يحمل نفيه على ما لم يكن من القضايا التي تعم بها البلوى، ويحمل
القول الآخر على ما إذا كانت كذلك، كما اختاره الإمام الرازي، لأن العمل بخبر
الواحد وبالقياس مما يتكرر، وتعم به البلوى. وكل من هذين الطريقين محتمل.
وقد ذكر ابن التِلِمْسَاني الثاني منهما .
قلت: النص الذي سقناه من الأم يدفع كلا من الطريقين، فإنه نفاه في عصر
الصحابة، وفيما تعم به البلوى، ويحتمل ثالثة: وهي التعميم .
وقال ابن القَطَّان: هو في معنى الإجماع، وإن كنا نسميه إجماعا، فهو من طريق
٤٩٦

الاستدلال، ولا يعارض هذا قول الشافعي من نسب إلى ساكت قولا فقد أخطأ؛
فإنا لم نقل: إنهم قالوا، وإنما نستدل به على رضاهم، لأن الله وصف أمتنا بأنهم
آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر؛ ولو كان هذا القول خطأ ، ولم ينكره ، لزم
وقوع خلاف الخبر .
وقال الرافعي في ((الشرح)): المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتى
حجة. وهل هو إجماع ؟ فيه وجهان ولم يرجح شيئا. والراجح إنه إجماع . فقد قال
الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)): إنه المذهب. وقال الرُّوياني في أوائل
((البحر)): إنه حجة مقطوع بها. وهل يكون إجماعا؟ فيه قولان. وقيل: وجهان .
أحدهما : - وبه قال الأكثرون - أنه يكون إجماعا، لأنهم لا يسكتون على المنكر.
والثاني: المنع، لأن الشافعي - رحمه الله - قال: لا ينسب إلى ساكت قول. قال:
وهذا الخلاف راجع إلى الاسم، لأنه لا خلاف أنه حجة يجب اتباعه، ويحرم
مخالفته قطعا .
وقال الخوارزمي في ((الكافي)): إذا لم ينقل عنهم رضاً ولا إنكار، وانقرض
العصر، فذهب بعض إلى أن قوله ليس بإجماع ولا حجة. وقال عامة أصحابنا:
حجة، لأن سكوتهم حتى انقرضوا مع إضمارهم الإنكار بعيد. وهل يكون
إجماعا؟ فيه وجهان. ونحوه قول الأستاذ أبي إسحاق: اختلف أصحابنا في تسميته
إجماعا، مع اتفاقهم على وجوب العمل به ، والقطع به على الله تعالى .
وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني في أول ((تعليقه في الفقه)): هو حجة مقطوع
بها. وفي تسميته إجماعا وجهان: أحدهما المنع، وإنما هو حجة كالخبر. والثاني:
يسمى إجماعا وهو قول لنا. اهـ .
قال ابن الرِّفعة في ((المطلب)): الذي صرح به الفرعيون من أصحابنا في أوائل
كتبهم أنه حجة. وقال الرافعي : المشهور أنه حجة . وهل هو إجماع أم لا ؟ فيه
وجهان .
الثالث: أنه حجة، وليس بإجماع. وحكاه أبو الحسين في ((المعتمد)) عن أبي
هاشم. وهو أحد الوجهين عندنا كما سبق من كلام الرافعي وغيره. ونقله الشيخ
٤٩٧

١/٢٦ في ((اللمع))، وابن برهان عن الصَّيرفي، وكذا رأيته / في كتابه فقال: هو حجة لا
يجوز الخروج عنه، ولا يجوز أن يقال: إنه إجماع مطلقا، لأن الإجماع ما علمنا فيه
موافقة الجماعة قرنا بعد قرن. وإنما قيل بهذا القول، لأن الخلاف معدوم، والقول
في أهل الحجة(١) شائع. انتهى .
وكذا قال في ((شرح الرسالة)): عمل الصحابى منتشرا في الصحابة لا ينكره
منكر حتى انقرض العصر، فهو حجة لا يجوز خلافه، لا من جهة الاتفاق، ولكن
لعدم الخلاف من أهل الحجة. واختاره الآمدي، ووافقه ابن الحاجب في
((الكبير)). وردد في ((الصغير)) اختياره بين أن يكون إجماعا أو حجة. وقيد الآمدى
هذا في موضع آخر بما قبل انقراض أهل العصر، فأما بعده، فإنه يكون إجماعا .
وذكر الشيخ أبو حامد الأسفرايني، والقاضى أبو الطيب: أن معتمد القائلين
بهذا من أصحابنا قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول، وليعلم أن المراد
بالخلاف هنا وأنه ليس بإجماع، أي قطعي، وبذلك صرح ابن برهان عن
الصَّيرفي، وكذا ابن الحاجب؛ وإلا فمعلوم أن الإجماع حجة، فكيف ينقسم
الشيء إلى نفسه ! ! وقد سبق في أول الباب حكاية خلاف في أن لفظ الإجماع هل
يطلق على القطعي والظني، أو يختص بالقطعي ؟ والقائلون بأن السكوتي حجة
مثيرة للظن اختلفوا في أنه قطعي أم ظني ؟ فقال الأستاذ أبو إسحاق، وأبو منصور
البغدادي، والبندنيجى: إنه مقطوع به، أي أن حكم الله تعالى ما ظنناه، لا
القطع بحصول الإجماع. وقال آخرون: بل ظني .
تنبيه : [لم يقل أحد إنه إجماع لا حجة]
قال الهندي: لم يصر أحد إلى عكس هذا، أعني إلى أنه إجماع، لا حجة.
ويمكن القول به، كالإجماع المروي بالآحاد عند من لم يقل بحجيته .
الرابع: أنه إجماع بشرط انقراض العصر لأنه لا يبعد مع ذلك أن يكون
السكوت لا عن رضا. وبه قال أبو علي الجبائي، وأحمد في رواية، ونقله ابن فُورَك
(١) لعل الصواب: والقول في أنه حجة.
٤٩٨

في كتابه عن أكثر أصحابنا، مثل أبي بكر، وأبي إسحاق، وغيرهم. وقال : إنه
الصحيح .
ونقله الأستاذ أبو طاهر البغدادي عن الحذاق من أصحابنا. واختاره ابن
القَطَّان. قال : لأنه يجوز أن يكون له فيه رأي. فيجب أن يعلم أن العصر إذا
انقرض، ولم يخالفوا، أن ذلك حق ، واختاره البندنيجى أيضا، وكذا الرُّوياني في
أول ((البحر))، بشرط في هذا الذي ذكرناه انقراض العصر عليه، حتى يحكم بكونه
حجة قطعا وإجماعا، فإن رجع أحدهم صح رجوعه، وعد خلافه خلافا. وقال
الرافعي: إنه أصح الأوجه عند الأصحاب .
وقال الشيخ في ((اللمع)): إنه المذهب . قال: فأما ما قبل الانقراض، ففيه
طريقان: أحدهما: أنه ليس بحجة قطعا. والثانية: على وجهين. وكلام القاضي
في ((التقريب)) صريح في أن القائلين بهذا هم المشترطون انقراض العصر في
الإجماع .
الخامس: أنه إجماع إن كان فتيا لا حكما، وبه قال ابن أبي هريرة. كذا حكاه
عنه الشيخ أبو إسحاق، والماوَرْدي، والرافعي، وابن السَّمْعاني، والآمدي، وابن
الحاجب .
والذي في ((البحر)) للرُّوياني و((الأوسط)) لابن برهان، و ((المحصول)) للإمام
الرازي عنه: ((لا إن كان من حاكم)). وبينهما فرق، إذ لا يلزم من صدوره عن
الحاكم أن يكون قاله على وجه الحكم. والأول ظاهر نقل أبي الحسين بن القَطَّان
عنه، فإنه صَوَّر المسألة بما إذ أجرى سكوتهم على حكم حكمت به الأئمة .
وعبارة الرُّويانى عنه: ((لا إن كان من إمام أو حاكم)). قال: والأكثرون من
أصحابنا قالوا: لا فرق بين الإمام وغيره. وقد خالف الصحابة في الجدّ، وعمر في
المُشَرَّكة، وغير ذلك. على أنا إن اعتبرنا في هذا انقراض العصر ومحاباة الإمام أو
الحاكم اختص مجلس حكمه دون غيره . قال : وهذا أصح عندي ، فعلى هذا
القول يصير بمنزلة قوله وحده هل يترك به القياس ؟ قولان .
وقال الخوارزمي في ((الكافي)): لو ظهر هذا من الإمام أو الحاكم إما بطريق
٤٩٩

الفتوى أو القضاء، فقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يكون حجة، لأن الإمام لا
يعترض عليه، فلا يكون سكوتهم دليل الرضا. قال: وغيره ممن ذهب إلى هذا
القول لا يفرق بين الإمام وغيره، ومحاباة الحاكم والإمام مختص بمجلس
الحكم. اهـ.
ونقل ابن السَّمحاني عن ابن أبي هريرة أنه احتج بهذا، بأنا نحضر مجلس بعض
الحكام، ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا، ولا ننكر ذلك عليهم ، فلا يكون
سكوتنا رضا منا بذلك .
قال ابن السَّمعاني : وهو تقرير حسن ، لا بأس به، وهو نافع جدا في صورتي
الإيراد في مسألة ميراث المبتوتة، ومسألة استيفاء القصاص مع وجود الصغار من
الورثة، فإنه قد انتشر قضاء عثمان في ميراث المبتوتة. وكذلك قَتَلَ الحسين بن علي
ابنَ ملجم قصاصا، مع وجود الورثة الصغار ، وانتشر كلا الأمرين بين الصحابة،
ولم يكن مخالف، ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس .
على أنه قد نقل عن الزبير وابن عوف مخالفة عثمان، وأما قتل الحسين لابن
ملجم، ففيه كلام كثير، وأيضا فإن الصحابة في ذلك الوقت كانوا متفرقين، لكثرة
الفتن إذ ذاك. قال: ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر من الأئمة لا يماثل
الفتوى الصادرة من المفتى، وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة .
السادس: عكسه. قاله أبو إسحاق المروزي معتلا بأن الأغلب أن الصادر من
الحاكم يكون على مشاورة .
وهذا القول حكاه ابن القَطَّان عن أبي إسحاق المروزي، والصَّيْرفي، إلا أنه
خصه بشيء، وعبارته: إذا سكتوا عن حكم الأئمة حتى انقرض العصر، فإن
أصحابنا اختلفوا فيه إذا جرى على حكمه، فمنهم من يقول: إنه إجماع. انتهى .
ثم اختار آخِراً قول ابن أبي هريرة.
وفي هذا النقل فائدتان: إحداهما؛ اشتراط انقراض العصر على هذا القول.
والثانية: أن القائل بالأول هو أبو إسحاق المروزي، لا الأستاذ أبو إسحاق
٥٠٠