النص المفهرس
صفحات 441-460
وحكى الجاحظ في كتاب ((الفتيا)) عن النَّظام أنه قال: الحكم يُعْلَمُ بالعقل أو الكتاب أو إجماع النقل . اهـ. لكن قيل : إنه عنى به التواتر، ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي عبد الرحمن الشافعي وابن عيسى الورّاق أنه إذا أجمع أهل عصر على حكم جاز أن يخالفهم فيه من لم يدخل معهم في الإجماع ، ولا يجوز ذلك لمن وافقهم ، وذهب جمهور الصحابة والتابعين وأكثر المسلمين إلى أن الإجماع حجة الله - عز وجل - في شريعته مع اختلافهم في شروطه . [المبحَثُ الخَامِس] [ما ثبت به حجِّيَّةُ الإجماع] الخامس: في أنه إذا ثبتت حجته، وقد اختلف فيه فقيل: دل عليه العقل، والجمهور على أنه السمع، وصححه القاضي وابن السَّمْعاني وغيرهما. وقال صاحب (المصادر)): إنه قول الأكثرين، ومنعوا ثبوته من جهة العقل ، لأن العدد الكثير وإن بعد في العقل اجتماعهم على الكذب ، فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ ، كاجتماع الكفار على جحد النبوة وغير ذلك . ولا يصح الاستدلال عليه بالإجماع، فإن الشيء لا يثبت بنفسه، ولا الاستدلال عليه بالقياس، فإنه مظنون، ولا يحتج بالمظنون على القطعي . وكلام الشافعي في ((الرسالة)) البغدادية يقتضى ثبوته بالإجماع . فإنه قال عقب ما ذكره من أدلة / السنة : ولا نعلم أحدا من أهل بلدنا يرضاه ، وحمل عنه إلا ٢٥٣ / ب صار إلى قولهم مما لا سنة فيه . اهـ. ويمكن تأويله . وقال القاضي أبو بكر : لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد قياسا على السنة ، لأنا لم نتعبد بالقياس في أصول الشريعة ، فلم يبق إلا دليل النقل من الكتاب والسنة ، وقد أكثر منه الأئمة . ٤٤١ وزاد الغزالي ثالثا، وهو طريق المعنى، فإن الصحابة إذا قضوا بقضية وقطعوا بها، فلا يكون إلا عن مستند قاطع ، فإن العادة تحيل تثبيتهم قاعدة الدين بغير قطعي، وإلا لزم القدح فيهم، وهو منتف . وحكى سليم وابن السُّمْعاني وجها ثالثا؛ أن العقل والسمع دلاً عليه . وفرع عليه الجُوَيْنى في المحيط، وابن السَّمْعاني إجماع الأمم السابقة ، هل هو كإجماع هذه الأمة ؟ والصحيح المنع ، فإن إجماع هذه الأمة معصوم من الخطأ . ونقل بعضهم عن الجمهور أن دليل الإجماع سمعي والعقلي مؤكد له ، وهو إحالة العادة خطأ الجمّ الغفير في حكم لا يثبته أحد ، لموقع الخطأ فيه ، وأن النصوص شهدت بعصمتهم ، فلا يقولون إلا حقا ، سواء استندوا في قولهم إلى قاطع أو مظنون . وطريقة إمام الحرمين تقتضي أنه ليس دليلا لنفسه ، ولکنه دلیل الدليل ، لكن دلالته على الدليل دلالة قطعية عادية عندهم ، وهو قريب مما سبق عن الغزالي . تنبيه: [وجه وضع الإجماع في أصول الفقه] قيل : إن هذه المسألة ليست من صناعة الأصولي ، كما لا يلزم تثبيت الکتاب والسنة ، فلذلك ينبغى أن لا يلزمه تثبيت الإجماع . وأجيب بأن الإجماع لما كان أمرا راجعا إلى السنة موجودا فيها بالاسترواح لا بالنص ، وبالقوة لا بالفعل ، احتاج إلى تثبته وإخراجه من تلك القوة إلى الفعل حتى يصير أصلا ثالثا من الأصول الأول ، ينزل منزلة الكتاب والسنة في التبيان والظهور . ٤٤٢ [المبحَُ السَّادس] في أنه حجة قَطعيَّة قال الرُّؤْياني في البحر : إذا انعقد الإجماع على أحد أدلته، فهل يقطع على صحته ؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم ، ليصح قيام الحجة . الثاني : المنع اعتبارا بأهله في انتفاء العصمة عن آحادهم ، فكذا عن جميعهم . وأطلق جماعة من الأصوليين بأنه حجة قطعية . منهم الصَّيْرفي، وابن برهان، وجزم به من الحنفية الدَّبوسي، وشمس الأئمة . وقالا : كرامة لهذه الأمة . وقال الأصفهاني : إنه المشهور، وإنه يقدّم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا، ونسبه إلى الأكثرين . قال : بحيث يكفر أو يضلل ويبدع مخالفه . وخالفه الإمام الرازي والآمدي ، فقالا : إنه لا يفيد إلا الظن . والحق التفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فحجة قطعية، وبين ما اختلفوا فيه كالسكوتي، وما ندرى مخالفه، فحجة ظنية . وقال البزدوي وجماعة من الحنفية : الإجماع مراتب : فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر ، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث . والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السالف بمنزلة خبر الواحد ، واختار بعضهم في الكل أنه يوجب العمل لا العلم ، فصارت المذاهب أربعة : يوجب العلم والعمل . لا يوجبهما . يوجب العلم حيث اتفقوا عليه قطعا . يوجب العلم في إجماع الصحابة . وقد أورد صاحب ((التقويم)) أن الإجماع قد يقع عن أمارة، فكيف يوجب العلم إجماع تفرع عن الظن ؟ وأجاب بأن الموجب لذلك اتصالها بالإجماع . وقد ثبت ٤٤٣ عصمتهم من الخطأ، فكان بمنزلة الاتصال برسول الله وَله، وتقريره على ذلك. وأما أن الإجماع من الأصول الكلية التي يحكم بها على القواطع التي هي نصوص الكتاب والسنة المتواترة، فلا بدَّ أن يكون قاطعا، لاستحالة رفع القاطع بما ليس بقاطع . وحكى الأستاذ أبو إسحاق في تعليقه، والبندنيجي في ((الذخيرة» قولين في أن لفظ الإجماع هل يطلق على القطعي والظني، أو لا يطلق إلا على القطعي ؟ وصرحا بأنه خلاف في العبارة . مسألة [ثبوت الإجماع بنقل الآحاد وبالظنَّيَّات والعُمُومِيَّات] فعلى هذا لا يقبل فيه أخبار الآحاد ولا الظواهر، ونقل عن الجمهور. وقال القاضي في ((التقريب)): إنه الصحيح . وذهب جماعة من الفقهاء إلى ثبوته بهما في حق العمل خاصة ، ولا ينسخ به قاطع كالحال في أخبار الآحاد فإنها تقبل في العمليات، لا العلميات. وأباه الجمهور مفرقين بينهما ، بأن الأخبار قد تدل على قبولها الأدلة ، ولم يثبت لنا مثلها في الإجماع ، فإن ألحقناه بها كان إلحاقا بطريق القياس ، ولا يجرى ذلك في الأصول إذا لم ينعقد بالقياس في قواعد الشريعة . وهذا القول صححه عبد الجبار والغزالي . قال : ولسنا قاطعين ببطلان مذهب من تمسك به في حق العمل ، والصحيح قول الفقهاء ، لكن الدليل الدال على قبول أخبار الآحاد والظواهر في العمليات لم يفرق بين ما يثبت بواسطة أو بغيرها ، ولأن ما قصد فيه العمل يكتفى فيه بالظن . ٤٤٤ قال الماوردي : وليس آكد من سنن الرسول ، وهي تثبت بقول الواحد . قال : وسواء كان الناقل له من أهل الاجتهاد أم لا ، وهو الصحيح عند إمام الحرمين والآمدي . وشنع إمام الحرمين على الفقهاء إثباتهم الإجماع بالعمومات، والظنيات، واعتقادهم أن مخالفها بتأويل لا يكفر، ولا يفسق، مع قولهم إن مخالف حكم الإجماع يكفر أو يفسق، وهو ترجيح للفرع على الأصل ، وسيأتى جوابه . قال الآمدي تبعا للغزالي : والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به ، وعلى عدم اشتراطه ، فمن شرط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع ، ومن لم يشترط لم يمنع ، وكلام الإمام يشعر بأن الخلاف ليس مبنيا على هذا الأصل ؛ بل هو جار مع القول بأن أصل الإجماع ظني . وإذا قلنا بالاكتفاء بالآحاد في نقله كالسنة ، فهل ينزل الظن المتلقى من أمارات وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول، قال الأبياري : فيه خلاف، وذهب الإمام إلى أنه لا يصح أن يكون مستندا لعمل . وإن غلب على الظن منها ما يغلب على الظن من قول الشارع فيما يظهر من لفظه مما يشعر به ظاهره . [المبحَثُ السَابِع] في استحالة الخطأ على الإجماع وفيه مسائل : الأولى : أجمعوا على أنه لا يجوز أن يجتمع الأمة على الخطأ في مسألة واحدة، وإنما اختلفوا في طريقه . فنقل القاضي عن الجمهور أنه السمع دون العقل، وأنه لا يمتنع الخطأ عليهم عقلا، ولكنه امتنع بالسمع. وقيل : بل امتنع عقلا وسمعا . قال ابن فُورَك : قال أصحابنا : إن الله - جل ذكره - لما ختم أمر الرسالة بنبينا ٤٤٥ محمد رسول الله وير، / عصم جملة أمته من الإجماع على الخطأ في كل عصر ، ٢٥٤ /١ حتى يكونوا معصومين في التبليغ والأداء ويكونون كنبيّ جدَّدَ شريعة . قلت : وقُبِلَ قولهم كقول المعصوم . فإن قيل : سيأتي جواز رجوعهم عما أجمعوا عليه إذا شرطنا انقراض العصر . قلنا : قائله يجوز الخطأ عليهم، لكن لا يُقَرُّون عليه ، وهم معصومون عن دوام الخطأ ، وهذا يحتمل إن قصر الزمان ، فإن تطاول بحیث یتبعهم الناس على وجه لا يمكن استدراكه فمستحیل ، کما يمتنع في الرسالة . الثانية : أن يخطىء كل فريق في مسألة أجنبية عن الأخرى ، فيجوز القطع بأن كل فريق يجوز أن يخطىء . الثالثة : أن يجمعوا على الخطأ في مسألتين . مثل أن يكون بعضهم قائلا بمذهب الخوارج ، والباقي بالاعتزال والرفض . وفي الفروع مثل أن يقول النصف بأن العبد يرث ، والباقي بأن القاتل عمدا يرث لرجوعهما إلى مأخذ واحد ، وهو مانع الميراث ، فوقع الخطأ فيه كله . اختلفوا فيه . فمن نظر إلى اتحاد الأصل منع ، ومن نظر إلى تعدد الفروع اختار ، والأكثرون كما قال الهندي على امتناعه ، لأنه إجماع على خطأ، فلم يقع منهم ، كما لم يقع في المسألة الواحدة . وقيل : يصح ، وليس بإجماع على خطأ . حكاه القاضي عبد الوهاب، لأن الخطأ في كل واحد منهما ليس بقول كل الأمة، بل الفريق الذاهب إليها فقط . مسألة لا يجوز أن يجمعوا على جهل ما يلزمهم علمه، فإنه لو وقع لكان إجماعا منهم على الخطأ ، وكذلك سائر أضداد العلم، والشك، والظن . أما ذهابهم عن العلم بما لم يكلفوه فجائز، سواء نصب عليه دليل أم لا . قاله عبد الوهاب . ٤٤٦ [المبحَثُ الثّامِن] وجوب اتباعه واحتجنا إليه ، لأنه لا يلزم من كون الشيء حقا وجوب اتباعه ، بدليل أنا إذا قلنا : كل مجتهد مصيب للحق يجب على مجتهد آخر اتباعه . ووجه الوجوب أن الشرع إذا قال : ما أجمعت الأمة عليه حق وجب أن يعمل به كما إذا قال : هذا باطل، وجب اجتنابه . ٠ [المبحثُ النَّاسِع] استصحاب الإجماع واجب أبدًا لأنه لا ينسخ، كما ينسخ النص، ولا يختص كما يختص المفهوم . نعم، إن أجمعوا على شيء ثم حدث معنى في ذلك الشىء، لم يُحْتَجَّ بالإجماع المقدم خلافا للظاهرية . وسيأتي في باب الاستصحاب. وقد احتج ابن داود على بيع أمهات الأولاد فقال: اتفقوا على أنها إذا كانت أمة تباع، فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها فعليه الدليل . فقلبه عليه ابن سُرَيْج، وقال : اتفقنا على أنها إذا كانت حاملا لاتباع، فمن ادعى أنها لا تباع إذا ولدت فعليه الدليل، فبهت . ٤٤٧ ٠ [المبحَثُ العَاشِر] في أنه من خصائص هذه الأمة أوْكَان جمَة في الأمم السابقة أيضاً وفيه قولان أحدهما : وبه قال الأستاذ أبو إسحاق ، أنه كان حجة، والأصح كما قاله الصَّيْرفي وابن القَطّان، ونقله الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق في (اللمع)) عن أكثر الأصحاب أنه ليس بحجة، وجزم القفال في تفسيره . وحجة كون الإجماع من خصائص هذه الأمة، أن الدليل إنما قام على عصمة هذه الأمة دون غيرها. وتوقف القاضي في المسألة . قال الأبْياري : وهو المختار . لا بالنظر إلى طريقه، بل لأنه لم يثبت عندنا استحالة الغلط في مستند فهم الحكم عند أهل الشرائع المتقدمة . وقال الدَّبُوسي : يحتمل أن إجماعهم كان حجة ما داموا متمسكين بالكتاب . وإنما لم يجعله اليوم حجة ، لأنهم كفروا به ، وإنما ينسبون إلى الكتاب بدعواهم . وقال إمام الحرمين : إن قَطَع أهل الإجماع بقولهم في كل أمة فهو حجة لاستناده إلى حجة قاطعة ، فإن العادة لا تختلف في الأمم ، وإن كان المستند مظنونا ، فالوجه الوقف . وقال ابن برهان في ((الأوسط)): إن ثبت بالتواتر أن إجماعهم كان حجة قلنا به ، وإن لم يثبت ذلك لم يصر إليه، لأنه يتعلق به حكم. وقال في ((الوجيز)): الحق أن هذا معلوم من جهة العقل ، فإن ثبت ذلك بطريق قطعي صرنا إليه . ونحوه قول إلْكِيا: لا معنى للخلاف في هذه المسألة ، لأن العقل يجوّز كلا الوجهين، وإذا تقابل الجائزان يوقف الأمر على السمع، ولا قاطع من جهته، فتوقفنا؛ ولم يثبت عندنا أن سلف كل أمة كانوا ينكرون على من يخالف أصحاب ٤٤٨ المرسلين في أحكام الوقائع بناء على أدلة تلك الشرائع . وقال الأبْيارى : ينبغى أن ينظر في هذه المسألة هل لها فائدة في الأحكام ؟ وإلا فهي جارية مجرى التاريخ ، كالكلام فيما كان عليه السلام عليه قبل البعثة . والصحيح عندي بناؤها على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا ؟ فإن ثبت أنه شرع لنا افتقر إلى النظر في إجماعهم ، هل كان حجة عندهم أم لا ؟ وقد حكى الرُّؤْياني في ((البحر)) الخلاف قريبا من ذلك . فقال: واختلفوا في أمة كل نبي ، هل كان إجماهم حجة ؟ فقال بعض المتكلمين : إجماع غير هذه الأمة لا يكون حجة . وبه قال ابن أبي هريرة ، لأن اليهود والنصارى أجمعوا على قتل عيسى ، وأخبر الله سبحانه بكذبهم . وقال آخرون : يكون حجة على من بعدهم من أمتهم ، لوجوب العمل بشرائع الأنبياء في عصر بعد عصر ، ما لم يرد نسخها . فائدة [دليل يَدل على أن الإجماع من خصائص هَذه الأمَْة] احتج بعضهم على أنه من خصائص هذه الأمة بحديث : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا) ثم (هذا يومهم الذي فرض عليهم ، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا تبع فيه، اليهود غدا، والنصارى بعد غد) . ووجه الاستنباط أن كلّ واحدة من الاثنتين أجمعت على تفضيل يوم وأخطأت . [السر في اختصاص هذه الأمة بالصواب في الإجماع] والسر في اختصاص هذه الأمة في بالصواب في الإجماع أنهم الجماعة بالحقيقة ، لأن النبي وَله بعث إلى الكافة، والأنبياء قبله إنما بعث النبي لقومه ، وهم بعض من كل . فيصدق على كل أمة أن المؤمنين غير منحصرين فيهم في عصر واحد . وأما هذه الأمة فالمؤمنون منحصرون فيهم ، ويد الله مع الجماعة، فلهذا - والله أعلم - خصها بالصواب . ٤٤٩ الفصل الثانيّ فيَمَا ينعَقد عنه الإجماع ولا بد له من مستند، لأن أهل الإجماع ليست لهم رتبة الاستقلال بإثبات الأحكام، وإنما يثبتونها نظرا إلى أدلتها ومأخذها ، فوجب أن يكون عن مستند ، لأنه لو انعقد من غير مستند لاقتضى إثبات الشرع بعد النبي بمَّ وهو باطل. ٢٥٤ / ب وحكى إمام الحرمين في باب القِراض من / ((النهاية)) عن الشافعي أنه قال : الإجماع وإن كان حجة قاطعة سمعية ، فلا يحكم أهل الإجماع بإجماعهم ، وإنما يصدر الإجماع عن أصل . ا هـ . وحكى عبد الجبار عن قوم أنه يجوز أن يحصل بالبخت والمصادفة ، بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من غير مستند ، وهو بالخاء المعجمة من البخت ، وهو التوفيق . وغلط صاحب التحصيل فظنه بمعنى الشبهة ، وهو فاسد ، فإن معناه : يجوز أن يحصل عن توفيق من الله جل ذكره ، بغير دليل شرعي دلهم على ذلك بأن يوفق الله للصواب بالإلهام لقوله : (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) وهو ضعيف ، لا يجوز القول في دين الله تعالى بغير دليل . وقد يترجم المسألة بأنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن توقيف ومستند . وذكر الآمدي أن الخلاف في الجواز لا في الوقوع، وليس كما قال، فإن الخصوم ذكروا صوراً، وادعوا وقوع الإجماع فيها من غير مستند . ٤٥٠ ثم ذلك المستند إما من جهة الكتاب كإجماعهم على أن ابن الابن كالابن في الميراث، وإما من جهة السنة كإجماعهم على توريث كل واحد من الجدين السدس، وعلى توريث المرأة من دية زوجها بالخبر في امرأة أَشْيم الضبابي، أو الاستفاضة، كالإجماع على أعداد الركعات، ونُصُب الزكوات ، أو عن المناظرة والجدال ، كإجماعهم على قتل مانعي الزكاة ، أو عن توقيف كإجماعهم على أن الجمعة تسقط بفرض الظهر ، أو عن استدلال وقياس ، كإجماعهم على أن الجواميس في الزكاة كالبقر . قال القفال الشاشي : وكإجماعهم على خلافة الصديق (رضى الله عنه) بتقديم رسول الله ◌َير إياه في مرضه للصلاة بالناس . قال الصَّيْرفي : ويستحيل أن يقع منهم الإجماع بالتواطؤ، ولهذا كانت الصحابة لا يرضى بعضهم من بعض بذلك ، بل يتباحثون ، حتى أخرج بعضهم القول في الخلاف إلى المباهلة ، ولا يمكن اختلافهم فيما وقفوا عليه ، لأنه مذموم شرعا . فثبت أن الإجماع لا يقع منهم إلا عن توقيف ، أو دليل عَقَّلَه جميعُهم، لا لأن غيره قال به، فقال معه . وجعل الماوَرْدي والرُّؤْياني أصل الخلاف أن الإلهام هل هو دليل أم لا ؟ وحيث قلنا : لا بدَّ من مستند، فلا يجب البحث عن مستندهم، إذ قد ثبتت لهم العصمة، ولا يحكمون إلا عن مستند صحيح، لكنه لا يمتنع الاطلاع عليه، وأکثر الإجماعات قد عرف مستندها . وحكى الإمام في باب القياس عن الشافعي ما يقتضي البحث عن المستند حيث قال : لم يعهد القِرَاض في عهد رسول الله وَّر، وأول ما جرى في زمن عمر، فقال الشافعي : لا ينعقد الإجماع بغير مستند، ولو كان في القراض خبر لاعتنى بنقله . ٤٥١ مسألة اتفق القائلون بالمستند عليه إذا كان دلالة، واختلفوا فيما إذا كان إمارة على مذاهب : أحدها : الجواز مطلقا سواء كان(١) جلية أو خفية، كالدلالة . ونص عليه الشافعي في ((الرسالة))، وجوز الإجماع عن قياس، وهو قول الجمهور. قال الرُّوْياني : وبه قال عامة أصحابنا ، وهو المذهب . وقال ابن القَطَّان : لا خلاف بين أصحابنا في جواز وقوع الإجماع عنه في قياس المعنى على المعنى والشرط . وأما قياس الشبه فاختلفوا فيه على وجهين ، وإذا وقع عن الأمارة ، وهي المفيدة للظن وجب أن يكون الظن صوابا للدليل الدال على العصمة، ومن هنا قيل : ظن من هو معصوم عن الخطأ مقطوع بصحته . ومن فروع المسألة : اتفاق الصحابة على أحد القولين بعد الخلاف . والثاني : المنع مطلقا، وبه قال الظاهرية، ومحمد بن جرير الطبري . فالظاهرية منعوه لأجل إنكارهم القياس، وأما ابن جرير، فقال : القياس حجة، ولكن الإجماع إذا صدر عنه لم يكن مقطوعا بصحته، هكذا حكاه الأستاذ أبو منصور . قال : وبه قال بعض القدرية، وهو جعفر بن مبشر . ثم اختلفت الظاهرية، فمنهم من أحاله، ومنهم من سلم الإمكان، ومنع الوقوع ، وادعوا أن العادة تحيله في الجمع العظيم . وحكى القاضي في ((التقريب)) عن ابن جرير أنه منع منه عقلا . وقال : لو وقع لكان حجة، غير أنه منع وقوعه، لاختلاف الدواعي والأغراض وتفاوتهم في الذكاء والفطنة . واحتج ابن القَطّان على ابن جرير بأنه وافق على وقوعه في خبر الواحد ، وهم مختلفون فيه، فكذلك القياس، ولا يقال خبر الواحد أجمعت عليه الصحابة بخلاف القياس؛ لأنا نقول : كلاهما سواء في إجماعهم على القول به . (١) الصواب أن يقال: كانت ٤٥٢ ومن السنة أن إمامة الصديق - رضي الله عنه - ثبتت بالقياس ، لقول عمر رضي الله عنه: رضيناه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ! !(١) ثم اعترض بإجراء مثل ذلك في عبد الرحمن بن عوف، فإن النبي وَلّر صلى خلفه ، وأجاب بالفرق ، وهو أن الصديق أمَّره النبي عليه السلام ، وعبد الرحمن وجده يصلي ، فصلى خلفه . وكذلك صدقة البقر ثبت [الحكم] فيها بالنص، ثم ثبت الحكم في الجواميس بالإجماع بالقياس على البقر، وكذلك أجمعوا على ميقات ذات عرق، ولم يقع النص. قال: وفيه نظر، لأن فيه أخبارا عن النبي ﴿ أنه وَقْتَةٌ لأهل المشرق . قال : وقد أدخل في هذا أصحابنا ما ليس منه، كصدقة الذهب. وفيها أحاديث. وكذلك قوله: (من أعتق شركا له في عبد)، والَأَمَةُ في معناه، مع قولهم : إن العبد اسم لكل رقيق ، ذكرا كان أو أنثى . قال : ومن أجوده أن الله ذكر ميراث الإخوة والأخوات ، ولم يذكر شيئا أنه من بعد الوصية والدين ، والحكم فيه من طريق القياس كذلك . اهـ. والمذهب الثالث : التفصيل في الأمارة بين الجلية ، فيجوز انعقاد الإجماع عنها، دون الخفية. حكاه ابن الصباغ، وكذا صاحب (الكبريت الأحمر)) عن بعض أصحابنا . قال : وهو ظاهر مذهب أبي بكر الفارسي من الشافعية . قال : ولذلك اشترط في الخبر الذي انعقد عنه الإجماع كونه مشهورا . والمذهب الرابع : أنه لا يجوز في القياس إلا عن أمارة ، ولا يجوز عن دلالة للاستغناء بها عنه، حكاه السَّمَرْقَنْدي في ((الميزان)) عن بعض مشايخهم . وهو غريب قادح في إطلاق نقل جماعة الإجماع على جوازه عن دلالة (١) المشهور أنهم قالوا ((رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا)) وعلى هذا اللفظ يستقيم الاستدلال، لا على ما ذكر في المتن. ٤٥٣ مسألة وإذا جوزنا انعقاد الإجماع عن الاجتهاد، فهل وقع؟ فيه خلاف، حكاه ابن فُورَك. وإذا قلنا بوقوعه، فهل يكون حجة تحرم مخالفته أم لا ؟ المشهور ، وعليه الجمهور : ٢٥٥ /١ نعم ، وحكى ابن فُورَك ، وعبد الوهاب ، وسليم ، عن قوم أنه / لا يكون حجة . ولعله قول ابن جرير السابق . وحكاه عبد الجبار عن الحاكم صاحب المختصر . قاله أبو الحسين في ((المعتمد)). تنبيه : قال ابن السَّمْعاني : وهذا الخلاف فيما إذا كان الاجتهاد عن أصل؛ فأما . الاجتهاد عن غير أصل كالاجتهاد في جزاء الصيد ، وجهات القبلة ، وأروش الجنايات وقيم المتلفات . فمن يمنع انعقاد الإجماع بالقياس كان من هذا أمنع ، ومن جَوَّز ثَمَّ اختلفوا ، فذهب بعضهم إلى امتناع انعقاد الإجماع عن مثل هذا الاجتهاد ، والصحيح جوازه . فروع [لا يجب معرفة دليل الإجماع] الأول : قال الأستاذ أبو إسحاق : لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به ، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة. وقال أبو الحسن السهيلي : إذا أجمعوا على حكم، ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره فإنه يجب المصير إليه، لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة ، ولا يجب معرفتها . ٤٥٤ [يجوز للمجتمعين ترك دليل الإجماع بعد إشتهار الإجماع] الثاني: قال أيضا: يجوز للمجمعين ترك الدليل بعد اشتهار المسألة ، وانعقاد الإجماع ، وربما كان أصله ظاهرا محتملا أو قياس شبه عَرَفَ العصرُ الأول حكمه المشاهدة على نفي الشبه فتركوا الدليل لما فيه من تكرّه التأويل ، ويقتصرون على إظهار الحكم ، ليكون أمنع من الخلاف ، وأقطع للنزاع . [إذا احتمل اجماعهم أن يكون عن قياس أو توقيف فعلي أيهما يحمل؟] الثالث: إذا احتمل [أن يكون] إجماعهم عن قياس لأمكانه في الحادثة، أو عن دليل، فهل الأولى حمله على أن يكون صادرا عن القياس أو عن التوقيف ؟ لا أعلم فيه كلاما للأصوليين . ويخرج من كلام أصحابنا في الفروع فيه وجهان ، فإنهم قالوا فيمن قتل الحمام بمكة: إن فيها شاة ، لإجماع الصحابة ، واختلفوا في بناء ذلك على وجهين : أحدهما : أن إيجابها لما بينهما من الشبه ، فإن كل واحد منهما يألف البيوت . ويأنس بالناس ، وأصحهما أن مستنده توقيف بلغهم فيه . قلت : لكن لا يجوز أن يضاف إليهم أنهم أخذوه توقيفا مع قيام الاحتمال بكونه استنباطا ، وعلى هذا نص الشافعي في ((الرسالة)) فقال: أما ما أجمعوا عليه ، فذكروا أنه حكاية عن رسول الله وَّر. قالوا: وأما ما لم يحكوه ، فاحتمل أن يكونوا قالوه حكاية عن رسول الله صلهر، واحتمل غيره ، فلا يجوز أن يكون حكاية ، لأنه لا يجوز أن يحكى إلا مسموعا . مسألة إذا انعقد الإجماع بأحد هذه الدلائل، فهل يكون منعقدا على الحكم الثابت بالدليل، أو منعقدا على الدلائل الموجبة للحكم؟ فيه خلاف، حكاه صاحب القواطع. قال: فذهب بعض المتكلمين والأشعرية إلى أنه ينعقد على الدلائل الموجبة للحكم، وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه ينعقد على المستخرج من الدلائل الصحيحة، لأن الحكم هو المطلوب من الدليل، ولأجله انعقد الإجماع . ٤٥٥ [الإجماع الواقع على وفق خبر، هل يدل على صحة ذلك الخبر] قال : وينبني على هذا مسألة ، وهي أن الإجماع الواقع على وفق خبر من الأخبار ، هل يكون دليلا على صحته ؟ منهم من قال : يدل على ذلك إذا علم أنهم أجمعوا لأجله . ومنهم من قال : إن إجماعهم يدل على صحة الحكم ، ولا يدل على صحة الخبر . قال: وهو أولى القولين، لأنه لا يجوز أن يكون اتفقوا على العمل به، لأن التعبد ثابت بخبر الواحد، وهذا التعبد ثبت في حق الكافة، فلأجل التعبد الثابت أجمعوا على موجب الخبر، وصار الحكم مقطوعا به، لأجل إجماعهم . فإن كان الإجماع ، ولا دلیل غيره ، کان انعقاده دليلا على أنه انعقد عن دلیل موجب له، لأنهم استغنوا بالإجماع عن نقل الدليل ، واكتفوا به عنه . وقال ابن برهان في ((الوجيز)): إذا انعقد الإجماع، وكان دليله مجهولا عند أهل العصر الثاني، ووجدنا خبر واحد فهل يجب أن يكون الخبر مستنده أم لا ؟ نقل الشافعي أنه قال : لا بد أن يكون ذلك الخبر مستندا للإجماع ، وخالف في ذلك الأصوليون . اهـ . وإنما قيد المسألة بخبر الواحد ، لأنه إذا كان الخبر متواترا فهو مستندهم بلا خلاف ، كما قال القاضي عبد الوهاب ، كما يجب عليهم العمل بموجب النص . قال : وإنما الخلاف في خبر الآحاد، وهو ثلاثة أقسام : أن يعلم ظهوره بينهم والعمل بموجبه لأجله، أو يعلم ظهوره بينهم والعمل بموجبه ولا يعلم أنهم عملوا لأجله، أو لا يكون ظاهراً ؛ بل عملوا بما تضمنه . ففي القسم الثاني ثلاثة مذاهب، ثالثها : إن كان على خلاف القياس فهو مستندهم . وأما الثالث فلا يدل على أنهم عملوا من أجله . وهل يدل إجماعهم على موجبه على صحته ؟ فيه خلاف . انتهى . وقال إلْكِيا : إذا ظهر أن مستند الإجماع نص، كان هو مستند الحكم . ونحن إنما نتلقى الحكم من الإجماع إذا لم نر مستندا مقطوعا به ؛ فأما إذا أجمعت الأمة ٤٥٦ على موجب الخبر المروي من خبر الواحد ، فهل يدل القطعي على أن إجماعهم كان لأجله أم لا ؟ قال: فيه تفصيل، وهو إن عملوا بما عملوا ، وحكموا مستندين إلى الخبر مصرحين بالمستند ، فلا شك . وإن لم يظهر ذلك، فالشافعي (رحمه الله) يقول في مواضع من كتبه : إن إجماعهم يصرف إلى الخبر، وبه قال أبو هاشم . وزاد عليه فقال : أجمعت الصحابة على القِرَاض، ولا خبر فيه، فالظاهر أنهم أجمعوا عليه بخبر المساقاة، ولكن اشتهر الإجماع في القِرَاض لعموم البلوى به ، دون المساقاة . وذهب غيرهما إلى أنه يجوز أن يكون إجماعهم لأجل الاجتهاد ، أو لأجل خبر آخر لم ينقل ، ويبعد كل ذلك ليس خرقا للعادة(١)، وهذا لا دافع له إلا أن يقال : لا يجوز أن يجمعوا لأجل خبر، ثم لا ينقل ما أجمعوا عليه . وهذا لا يمشي إذ يمكن أن يقال: إجماعهم أعني نقل ما له أجمعوا . اهـ. وما نقلاه عن الشافعي، نقله في ((المحصول)) عن أبي عبدالله البصري ، وخالفه ، والظاهر أن المراد أن ذلك على سبيل الظن الغالب ، لا أنه عنه حقيقة . وقال ابن برهان في ((الأوسط)): الخلاف لفظي لا فائدة له ، لأن الإجماع ينعقد عن الدليل القطعي والظني . قلت : ولها نظائر . منها أن عمل العالم أو فتیاه على وفق حدیث لا يكون حكما منه بصحة ذلك الحديث ، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطا أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر، وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحا منه في صحته . وقد سبق الخلاف فيها . ومنها الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه، وقد سبقت في باب الأخبار . ومنها أن المجتهد إذا علل حكم الأصل بعلة مناسبة / ، وألحق به الفرع، ٢٥٥ / ب فمنع الخصم كون العلة في الأصل هذه ، وقال : العلة غيرها ، لم يسمع منه ، لأن الأحكام لا بد لها من علة ، وقد وجدت علة مناسبة ، فليضف الحكم إليها، إذ الأصل عدم ما سواها . وهذا بخلاف المسألتين السابقتين . (١) كذا في الأصول ولم يظهر وجهه . ٤٥٧ وقد يفرق بينهما بأن المسألة التى قام فيها الإجماع قد قامت الحجة على العمل بها ، والإضافة إلى الحديث من باب تكثير الدلائل لم يوجب أن يكون الإجماع عن ذلك الحديث ، إذ لا ضرورة تدعو إليه ، ولاحتمال أن يكون غيره ، بخلاف مسألة القياس ، فإنه لا ينتهض الإلحاق مالم تثبت العلة ، فلهذا قلنا إن الأصل كون الحكم مضافا إلى هذه العلة . مسألة [في وجُوُد خَبرِ أوْ دَليل لاتعارضٌ فِيه] [تشترك الأمة في عَدَم العلم بهِ] هل يمكن وجود خبر أو دليل بلا معارض ، اشتركت الأمة في عدم العلم به ؟ فيه خلاف . واختار الآمدي وابن الحاجب والهندي الجواز، إن كان عمل الأمة موافقا لمقتضاه ، وعدمه إن خالف . وأما الرازي فترجمها في (المحصول)) بأنه هل يجوز اشتراك الأمة في الجهل بما لم يكلفوا به؟ وكذلك ترجمها القاضى عبد الوهاب في ((الملخص)). وفي ظني أن الأصفهانى ظنهما مسألة واحدة ، وليس كذلك ؛ بل هما مسألتان : إحداهما : هل يجوز أن تشترك الأمة في عدم العلم بمالم يكلفوا به ؟ قولان . الثانية : هل يمكن وجود خبر أو دليل لا تعارض فيه ، وتشترك الأمة في عدم العلم به ؟ والخلاف في هذه مرتب على التي قبلها، فمن منعه هناك لم يجوز هذا بطريق الأولى، ومن جوز هناك، اختلفوا على ثلاثة مذاهب : المنع مطلقا، والجواز مطلقا، والتفصيل بين أن يكون عملهم موافقا لمقتضاه فيجوز ، وإلا فلا ، لأنه لا يجوز ذهولهم عما كلفوا به ، وإلا لزم اجتماعهم على الخطأ ، وهو ممتنع . ٤٥٨ مسألة [إذا أجمعُوا عَلَى خلاف الخَبرِ] إذا ذكر واحد من المجمعين خبراً عن الرسول عليه السلام ، يشهد بضد الحكم الذي انعقد عليه الإجماع ، قال ابن برهان في ((الوجيز)): يجب عليه ترك العمل بالحديث ، والإصرار على الإجماع . وقال قوم من الأصوليين : بل يجب عليه الرجوع إلى موجب الحديث . وقال قوم : إن ذلك يستحيل ، وهو الأصح من المذاهب . فإن الله تعالى عصم الأمة عن نسيان حديث في الحادثة ، ولولا ذلك خرج الإجماع عن أن يكون قطعيا . وبناه في ((الأوسط)) على الخلاف في انقراض العصر ، فمن قال : ليس بشرط منع الرجوع ، ومن اشترط جوَّزه . والجمهور على الأول ، لأنه يتطرق إلى الحديث احتمالات من النسخ والتخصيص ما لا يتطرق إلى الإجماع ؛ بل لو قطعنا بالإجماع في صورة ؛ ثم وجدنا على خلافه نصا قاطعا من كتاب أو سنة متواترة ، لكان الإجماع أولى . لأنه لا يقبل النسخ بخلاف النص ، فإنه يقبله . وفي مثل هذه الصورة يستدل بالإجماع على ناسخ بلغهم أو موجب لتركه ، ولهذا قدم الشافعي الإجماع على النص لَّا رتب الأدلة . قلت : وقال في موضع آخر الإجماع أكثر من الخبر المنفرد ، وعلى هذا ، فيجب على الراوي للخبر أن يترك العمل بمقتضى خبره ، ويتمسك بالإجماع . وكذا قال الإمام في باب التراجيح من ((البرهان)): إذا أجمعوا على خلاف الخبر تطرق الوهن إلى رواية الخبر ؛ لأنه إن كان آحادا فذاك ، وإن كان متواترا فالتعلق بالإجماع ، لأنه معصوم ، وأما الخبر فيتطرق إليه إمكان النسخ ، فيحمل الإجماع على القطع ، لأنه لا ينعقد إلا على قطع ، ويحمل الخبر على مقتضى النسخ إستناداً وتبيانا، لا على طريق البناء، ثم نبه ٤٥٩ على أن الكلام في الجواز، وقطع بأنه غير واقع، ثم قال: من ضرورة الإجماع على مناقضة النص المتواتر أن يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا. قلت: ويحتمل تقييد المسألة بانقراض العصر، وإلا فيمكن أن يتطرق عدم الحجية إليه برجوعهم عنه ، ويحتمل خلافه ؛ لأن الأصل عدم رجوعهم . مسألة [إذا أجمعُوا عَلى خلاف الخَر ثمَ رجعُوا إلى الخَبَر] فلو رجع أهل الإجماع للخبر ، فعملوا بمقتضاه ، قال الغزالي : كان ما أجمعوا عليه حقا في ذلك الزمان ، إذ لم يكلفوا بما لم يبلغوا ، كما يكون الحكم المنسوخ حقا قبل بلوغ الناسخ ، ونوزع في ذلك بلزوم إجماعين متعارضين ، ينسخ أحدهما الآخر وهو محال ، والظاهر الحكم بإحالة هذه الصورة ؛ لأنه يلزم تخطئة أحد الإجماعين ، وهو محال . ٤٦٠