النص المفهرس
صفحات 401-420
شئت ، وهذا نوع لم يذكروه ، ولكنه وقع في عصرنا ، والظاهر أنه يصح ، كما لو قال : وَكَّل عني . تاسعها : الإجازة لمن ليس أهلا لها حين الإجازة ، وهو يشمل صورا : . منها الصبي . وقد قال الخطيب : سألت القاضي أبا الطيب : هل يعتبر في صحة الإجازة للطفل الصغير سِنّه أو تمييزه ، كما يعتبر ذلك في صحة سماعه ؟ فقال : لا يعتبر ذلك . فقلت له : إن بعض أصحابنا قال : لا تصح الإجازة لمن لا يصح سماعه . فقال : قد يصح أن يجيز للغائب عنه ، ولا يصح السماع له ، واحتج الخطيب بأن الإجازة إنما هي إباحة المجيز للمجاز له أن يروي عنه ، والإباحة تصح للمكلف وغيره . ومنها المجنون ، وهي صحيحة له ، ذكره الخطيب . ومنها الكافر ، وقد صححوا تحمله إذا أداه بعد الإسلام ، وقياس إجازته كذلك ، وقد وقعت هذه المسألة في زمن الحافظ أبي الحجاج المزِّي ، وكان طبيب يسمى عبد السيد بن الزيات ، وسمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبدالله محمد بن عبد المؤمن الصوري ، وكتب اسمه في طبقة السماع مع / السامعين، ٢٤٨ / أ وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع، وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور المزِّي ، وبعض السماع بقراءته، ثم هدى الله ابن عبد السيد المذكور للإسلام، وحدّث وتحمل الطالبون عنه . ومنها : الإجازة للفاسق والمبتدع ، ولا شك في جوازها ، وأولى من الكافر . ومنها : الإجازة للحمل، ولم أر فيه نقلا غير أن الخطيب قال : لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال، ولم يتعرضوا لكونه إذا وقع : هل تصح ؟ ولا شك أنه أولى بالصحة من المعدوم، ويقوى إذا أجيز له تبعا لأبويه . ويحمل بناؤه على أن الحمل هل يعلم أم لا ؟ فإن قلنا : لا يعلم كانت كالإجازة للمجهول ، فيجري فيه الخلاف . وإن قلنا : يعلم ، وهو الأصح ، صحت . ومنها : الإجازة للمعدوم أيضا ، كقوله : أجزت لمن يولد لفلان ، جوزه ابن الفراء، وابن عَمْرُوس، والخطيب . قال ابن الصباغ : ومأخذهم اعتقاد أن ٤٠١ الإجازة إذْن في الرواية لا محادثة . والصحيح الذي اتفق عليه رأي القاضي أبي الطيب أنها لا تصح، أما إجازته عطفا على الحي كقوله : أجزت لك، ولولدك، فهى إذَنْ إلى الجواز أولى، ولهذا أجازه أصحابنا في الوقف . مسألة [شرط صحة الإجازة] وإذا جوزنا الإجازة فالشرط تحقق رواية الشيخ لما أجازه ، فلو لم يعلم ولكنه ظن ، فهل يعمل بمقتضاها ؟ قال الشافعي وأبو يوسف ، ومحمد : نعم ، وقال أبو حنيفة : لا. كذا نقله القرطبي . قال : فلو شك في الرواية لم يجز قطعا ، وكذا لو التبس عليه المروي بغيره لم تحل له رواية شيء من المختلط؛ والذي رأيته في كتب الحنفية أن أبا حنيفة ومحمداً شرطا في الإجازة والمناولة علم المجيز بما أجاز ، فإن لم يعلم ما فيه لا يجوز، خلافا لأبي يوسف كما في كتاب القاضي إلى القاضي ، وهذا لخطر أمْر السنة. وتصحيح الإجازة من غير علم قبيح . وقال شمس الأئمة السَّرخسي في كتابه : شرط الإجازة أن يكون ما في الكتاب معلوما للمجاز ، والمجيز من أهل الضبط والإتقان ، فإن كان المستجيز غير عالم بما في الكتاب ، فقد قال بعض مشايخنا : إن قول أبي حنيفة ومحمد لا يصح ، وعلى قول أبي يوسف يصح . قال : والأصح عندي أن هذه الإجازة لا تصح في قولهم جميعا . ٤٠٢ فصْل [ في المرسلُ مِنَ الحَديثْ] شرط صحة الإسناد الاتصال فالمنقطع ليس بحجة قطعا: وأما المرسل، وهو ترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين رسول الله اليه ، كقول سعيد بن المسيب : قال رسول الله . فلو سقط واحد قبل التابعي ، كقول الراوي عن ابن المسيب: قال رسول الله صل18، فهو منقطع، وإن سقط أكثر سمي معضلا ، هذه طريقة جمهور المحدثين . وعند الأصوليين: المرسل قول من لم يلق النبي وَل : قال رسول الله ، سواء التابعي أم تابع التابعي فمن بعده ، فتعبير الأصوليين أعم . قال المازري : وهو رواية التلميذ عن شيخ شيخه، كقول مالك : قال ابن عمر ، لأنه لم يبلغه ، وإنما أخذ عن الآخذين عنه ، وهذا قد يقع من الراوي ، بأن يحذف ذكر من روى عنه تصريحا وتلويحا ، وقد يتعرض لذكره ذكرا لا يفيد ، فيسمى ذلك إرسالا أيضا ، كقولك : حدثني رجل عن فلان ، وكذا لو أضاف إليه العدالة ، كقولك : حدثني عدل ، وهذا يلتحق بالمرسلات على ما ذكره إمام الحرمين . وذكر إمام الحرمين عن الأستاذ أبي بكر بن فُورَك أنه سمى حذف الراوي شيخه منقطعا، كقول التابعي: قال رسول الله بَلّ . وقول تابع التابعي : قال الصحابي ، وسمى ذكره على الإجمال مرسلا ، مثل قول التابعي : سمعت رجلا يقول: قال رسول الله وَالله. قال: وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا ، وليس فيه فرق معنوى ، وإنما هو اصطلاح . ونازعه المازري فيما نقله عن ابن فُورَك بأن الذي في كتابه أن المرسل قول التابعي أن النبي وسلّ قال كذا وكذا ، انتهى . فذكر أنّ حقيقته ما حذف فيه اسم الراوي ، ولم يذكره لا معيناً ولا مجملا ، لكن الإمام ثقة فيما ينقل ، فلعل المازَري سقط من نسخته ذلك ، وقد وافقه ابن القُشَيْري على هذا النقل ولم ينكره . وقال أبو الحسين بن القَطّان: المرسل رواية التابعي عن النبي ◌ََّ، أو يروي ٤٠٣ رجل عمن لم يره ، ولم يكن في زمانه. وقال الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)): هو رواية التابعي عن النبي ◌ُّلؤل أو تابع التابعي عن الصحابي، فأما إذا قال تابع التابعي أو واحد منا: قال رسول الله وَّير فلا يفيد شيئا، ولا يقع به ترجيح فضلا عن الاحتجاج ، وهو ظاهر كلام ابن برهان . اهـ . وقيل: المرسل: ما رفعه التابعي الكبير، ومراسيل صغارهم تسمى منقطعة . حكاه ابن عبد البر عن قوم . وقيل : ما سقط راو من إسناده فأكثر من أي موضع كان . فعلى هذا المرسل والمنقطع واحد . وقال ابن القَطَّان: روايته عمن لم يسمع منه ، فعلى هذا من روى عمن سمع منه ما لم يسمع منه، بل بينه وبينه واسطة لیس بإرسال ؛ بل تدلیس . إذا علمت هذا فلا خلاف في جواز إرسال الحديث ، كقول مالك : بلغني عن النبي ◌ََّ. وقول الواحد: قال مالك، قال الشافعي. وإنما الخلاف؛ إذا وقع هل يلزم قبوله والعمل به ؟ [حكم العمل بالمرسل] ذهب الجمهور إلى ضعفه ، وسقوط الاحتجاج به . ونقله مسلم في صدر صحيحه عن قول أهل العلم بالأخبار لاحتمال سماعه من بعض التابعين ، أو ممن لا يوثق بصحبته . وقال بقبوله مالك وأبو حنيفة ، وكذا أحمد في أشهر الروايتين عنه ، وجمهور المعتزلة ، منهم أبو هاشم . واختاره الآمدي ، ثم غلا بعض القائلين بكونه حجة فزعم أنه أقوى من المسند ، لثقة التابعي بصحته في إرساله . وحكاه صاحب ((الواضح)) عن أبي يوسف . وغلا بعض القائلين بأنه ليس بحجة ، فأنكر مرسل الصحابة إذا احتمل سماعه من تابعي . قال الآمدي : وفصل عيسى بن أبان ، فقبل مراسيل الصحابة ، والتابعين ، وتابعى التابعين ، ومن هو من أئمة النقل مطلقا دون من سواهم . وكذا نقله عنه أبو الحسين في ((المعتمد))، والسَّرخسى في ((عيون المسائل)). وقال: إنما يعنى به إذا حمل الناس عنه العلم ، وجب قبول مرسله . وقال بعضهم : أراد ابن أبان بحمل ٤٠٤ أهل العلم قبولهم منه ، لا على السماع . قال : ومن حمل الناس عنه الحديث المسند ، ولم يحملوا عنه المرسل ، فمرسله موقوف . ا هـ . وهذا هو اختيار ابن الحاجب / حيث قال : إن كان من أئمة النقل قبل وإلا ٢٤٨ / ب فلا ، لنا أنه لو قبل الحديث بلا إسناد لفسد الدين ، ولذلك قال ابن المبارك لولا الأسانيد لقال من شاء ما شاء ؛ ولأن الراوي قد يرسل عمن هو مقبول عنده ومجروح عند غيره . فلا بد من القسم . ألا ترى أن التعديل للحاكم لا إلى غيره . فكل العدالة إنما هي على ما عند المروي له ، لا على ما عند الراوي ؛ لأن مذاهب الناس مختلفة في الجرح والتعديل . هذا أبو حنيفة يقول : ما رأيت أحداً أكذب من جابر الجعفي ، ما التبست عليه مسألة إلا قال : حدثني، وما رأيت أحداً أصدق من عطاء الخراساني، والحارث الأعور، وكانا عند غيره من الضعفاء، وبهذا الطريق لم يقبل شهادة شهود الفرع من المجاهيل إلا أن يعينوا أساميهم، فيبحث عن أحوالهم . فإن قيل : الشهادة مخصوصة بالاحتياط ؟ قلنا : فيما يرجع إلى العدالة سواء . وأما كلام المحدثين ، فقال ابن عبد البر: لا خلاف في أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير محترز، يرسل عن غير الثقات . قال: وهذا الاسم واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي وَلّر ، مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار ، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف ، أو عبدالله بن عامر بن ربيعة، ومن كان مثلهم عن النبي (وَلّر، وكذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب ، وسالم بن عبدالله ، وأبي سلمة بن عبدالرحمن ، والقاسم بن محمد ، ومن كان مثلهم . وكذلك علقمة ومسروق بن الأجدع ، والحسن ، وابن سيرين ، والشعبي ، وسعيد بن جبير، ومن كان مثلهم الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم ، ونحوه مرسل من هو دونهم ، كحديث الزهري، وقتادة، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد، عن النبي وَّة فيسمى مرسلا ، كمرسل كبار التابعين . وقال آخرون: حديث هؤلاء عن النبي وَليو يسمى منقطعا، لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين . انتهى . ٤٠٥ وهذا التمثيل في بعضه مناقشة ، فإن ابن شهاب الزهري دكر أنه من صغار التابعين ، ومع ذلك قد سمع من الصحابة أنس بن مالك ، وأشهب بن سعد ، والسائب بن يزيد ، وسُنّيْناً أبا جميلة ، وعبد الرحمن بن أزهر ، وربيعة بن عِباد بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة ، ومحمود بن الربيع ، وعبدالله بن ثعلبة بن صُعَير بضم الصاد وفتح العين المهملتين ، وأبا الطفيل ، وعبدالله بن عامر بن ربيعة ، وأبا أمامة : أسعد بن سهل بن حُنيف بضم الحاء ، ورجلا من بَلي ، بفتح الباء الموحدة وكسر اللام . وكلهم صحابة ، واختلفوا في سماعه من ابن عمر ، فأثبته علي بن المدينى . ونفاه الجمهور . وأما قتادة فسمع أنساً ، وعبدالله بن سرجس ، وأبا الطفيل ، وهم صحابة . وأما يحيى بن سعيد ، فسمع أنساً ، والسائب بن يزيد ، وعبدالله بن عامر ، وربيعة ، وأبا أمامة : أسعد بن سهل بن حنيف . فلا تصح دعواه : أنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين . وتمثيل أبي عمرو أولا بأبي أمامة بن سهل، وبعبد الله بن عامر، وأنهما من كبار التابعين لا يتجه لما صرحوا به من كونهما من الصحابة، كما نقلناه، إلا أن عبد الله بن عامر مات رسول الله و لر وله أربع سنين، أو خمس . ولهذا ما أخرجا حديثه في الصحيحين، إنما رويا له عن أبيه عامر، وعن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعائشة؛ وروى له أبو داود عن النبي وَلَّه . وأبو أمامة ولد في حياة النبي آل، وهو سماه، وروى له النسائي، وابن ماجه عن النبي وَّرَ، والبخاري ومسلم وغيرهما عن الصحابة، وهو صحابي صغير. وكذا عبدالله بن عامر، ومحمود بن الربيع، وأبو الطفيل والسائب بن يزيد، فجعل ابن عبد البر أبا أمامة وعبدالله بن عامر تابعيين، والصحيح أنهما من الصحابة . قال أبو عمر: وأصل مذهب مالك وجماعة من أصحابه أن مرسل الثقة تجب به الحجة ، ويلزم به العمل ، كما تجب بالمسند سواء . قال : ما لم يعترضه العمل الظاهر بالمدينة . ٤٠٦ والثاني : قال : - وبه قال طائفة من أصحابنا - مراسيل الثقات أولى، واعتلوا بأن من أسند لك ، فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه وثقته فقد قطع لك بصحته . قال : والمشهور أنهما سواء في الحجة، لأن السلف فعلوا الأمرين . قال : وممن ذهب إليه أبو الفرج عمر بن محمد المالكي، وأبو بكر الَأَبْهَرِي، وهو قول أبي جعفر الطبري . وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ، فإنه لم يأت عنهم إنكاره ، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين ، كأنه يعنى أن الشافعي أول من أبي قبول المرسل . وليس كما زعم ، فلا إجماع سابق ، ففي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين ، وكان من الثقات المحتج بهم في الصحيحين . وفيه أيضا عن ابن سيرين أنه قال : كانوا لا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سموا لنا رجالكم ، فننظر إلى أهل السنة ، فنأخذ عنهم ، وإلى أهل البدع فلا نأخذ عنهم . ونقل الحافظ أبو عبد الله الحاكم أن المرسل ليس بحجة عن إمام التابعين سعيد ابن المسيب ، ومالك بن أنس ، وجماعة من أهل الحديث . ونقله غيره عن الزهري والأوزاعي ، وصح ذلك عن عبد الله بن المبارك ، وغيره . والثالث : أنه حجة يعمل به، ولكن دون المسند، كالشهود يتفاوتون في الفضل والمعرفة وإن اشتركا في العدالة. قال : وهو قول أبي عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خُوَيْزِ مَنْدَاد المالكي البصرى . والرابع : أنه لا يحتج به، بل هو مردود، ونقله عن سائر أهل الفقه، وجماعة من أصحاب الحديث في كل الأمصار للإجماع على الحاجة إلى عدالة المخبر، وأنه لا بد من علم ذلك . ٤٠٧ قال ابن عبد البر : ثم إنى تأملت كتب المناظرين من أصحابنا وغيرهم ، فلم أر أحدا منهم من (١) خصمه إذا احتج عليه بمرسل ، ولا يقبل منه في ذلك خبرا مقطوعا ، وكلهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار . قال : وسبب ذلك أن التنازع إنما يكون بين من لا يقبل المرسل ، وبين من يقبله . فإن احتج به من يقبله على من لا يقبله يقول له : فأتِ بحجة غيره . وإن احتج به من لا يقبله على من يقبله ، قال له كيف تحتج عليّ بما ليس حجة عندك ؟ ونحو هذا . ولم نشاهد نحن مناظرة بين مالكي يقبله ، وبين حنفي يذهب في ذلك مذهبه . ويلزم على أصل مذهبهما في ذلك قبول كل واحد خبر صاحبه المرسل إذا أرسله ثقة عدل ما لم يعترضه من الأصول ما يدفعه . قال : وأما الإرسال ممن عرف بالأخذ من الضعفاء والمسامحة في ذلك ، فلا يحتج به ، تابعيا كان أو من دونه . وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ٢٤٩ / ١ ومرسله / مقبول . اهـ . قلت : وعلى هذا لو لم نعلم هل يأخذ عن ثقة أولا؟ توقفنا فيه، ولا نقبله للجهل بحال شيخه . فمراسيل سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي ، عندهم صحاح . وقالوا : مراسيل عطاء ، والحسن ، لا يحتج بها ، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد . وكذا مراسيل أبي قلابة ، وأبي العالية . هذا حاصل كلام ابن عبد البر . وقال أبو بكر الخطيب : لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بتدليس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره، أو لم يلقه ، كراوية ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومحمد بن المنكدر ، والحسن البصرى ، وقتادة ، وغيرهم من التابعين، عن رسول الله مرثية. وبمثابته في غير التابعين ، كمالك ، والقاسم بن محمد ، وكذا حكم من أرسل حديثا عن شيخ لقيه ، ولم يسمع ذلك الحديث منه ، وسمع ما عداه . ثم قيل: هو مقبول، إذا كان المَرْسِل ثقة عدلا، وهو قول مالك، وأهل المدينة ، وأبي حنيفة ، وأهل العراق ، وغيرهم . وقال الشافعي : لا يجب العمل به ، وعليه أكثر الأئمة من نقاد الأثر . (١) قوله ((من خصمه)) كذا في الأصول ويحرر. ٤٠٨ [ مُرْسَلُ الصحابي] واختلف مسقطو العمل بالمرسل في قبول رواية الصحابي خبرا عن النبي وَّ لم يسمعه منه، كقول أنس: ذكر لي أن النبي وُ ل﴾ قال لمعاذٍ: (من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة) الحديث . قال بعضهم : لا تقبل مراسيل الصحابي لا للشك في عدالته ، ولكن لأنه قد يروي الراوي عن تابعي ، وعن أعرابي لا يعرف صحبته . ولو قال : لا أروي لكم إلا من سماعي أو من صحابي ، وجب علينا قبول مرسله . وقال آخرون : مراسيل الصحابة كلهم مقبولة لكون جميعهم عدولا ، ولأن الظاهر فيما أرسلوه أنهم سمعوه من النبي مَّر، أو من صحابي سمع من النبي وَيل . وأما مارووه عن التابعين ، فقد بينوه ، وهو أيضا قليل نادر ، لا اعتبار به. قال : وهذا هو الأشبه بالصواب . قال : ومن قبل المرسل اختلفوا فيه ، فمنهم من قدم ما أرسله الأئمة من الصحابة ، وإنما يرد من بعدهم لأنهم ليسوا في درجتهم ، ومنهم من يعمل بمراسيل كبار التابعين دون من قصر عنهم ، ومنهم من يقبل مراسيل جميع التابعين إذا استووا في العدالة ، ومنهم من يقبل مراسيل من عرف فيه النظر في أحوال شيوخه والتحري في الرواية عنهم ، دون من لم يعرف عنه ذلك . قال الخطيب : والذي نختاره سقوط فرض الله بالمرسل ، لجهالة راويه . ولا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته ، ولو قال الْمُرْسِلُ : حدثني العدل الثقة عندي بكذا ، لم يقبل حتى يذكروا اسمه . اهـ . [المذاهب في قبول رواية المرسل] ويخرج من كلامه وكلام ابن عبد البر وغيرهما مما وقفت عليه في المرسل ثمانية عشر مذهبا : ٠ أحدها : عدم قبول رواية مرسل التابعين ومن بعدهم مطلقا، وقبول مرسل الصحابة . قال أبو الحسين في ((المعتمد)): وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وحكى القاضي عبد الجبار عنه أنه قال : إذا قال الصحابي : قال النبي كذا قبل، ٤٠٩ إلا إن علم أنه أرسله . والثاني : قبوله من العدل مطلقا ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة . والثالث : تقبل مراسيل الصحابي فقط ، حكاه عبد الجبار في ((شرح العدة)). وقال : إنه الصحيح من مذهب الشافعي . قال : وأما مراسل التابعين ، فلا تقبل إلا بالشروط المعروفة عنده . والرابع : لا تقبل مراسيل الصحابة أيضا، وحكي عن الأستاذ أبي إسحاق، وحكاه القاضي أبو بكر وابن القُشَيْري، وأغرب ابن برهان فقال في ((كتاب الأوسط)): إنه الأصح. وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): إنه الظاهر من مذهب الشافعي، ونقله ابن بطال في ((شرح البخاري)) تصريحا عن الشافعي، واختيار القاضي أبي بكر . والخامس : تقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن هو من أئمة النقل دون غيرهم . والسادس : لا تقبل إلا إن اعتضد بأمر خارج بأن يرسمه سحابي آخر ، أو يسنده عمن يرسله ، أو يرسله راوٍ آخر يروي عن غير شُيُوخِ الأَوَّل، أو عضده قول صحابي أو فعله ، أو قول أكثر أهل العلم أو القياس، أو عُرِفَ من حال المرسل أنه لا يروي عن غير عدل، فهو حجة ؛ وهذا قول الشافعي، وأكثر أصحابه، ووافقه القاضي أبو بكر، ولا فرق بين سعيد بن المسيب وغيره . السابع : تقبل مراسيل كبار التابعين دون من صغر عنهم . والثامن : أن الصحابي والتابعي إذا عُرِفَ بصريح خبره، أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله ، وإن لم يعرف بذلك فلا يقبل ، واختاره بعضهم على قبول رد المرسل . والتاسع: تقبل مراسيل من عرف منه النظر في أحوال شيوخه والتحري في الرواية عنهم دون من لم يعرف بذلك . والعاشر : يقبل مرسل سعيد بن المسيب دون غيره . ٤١٠ والحادي عشر : من القائلين بقبوله يقدم ما أرسله الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على من ليس في درجتهم . حكاه القاضي أبو بكر . والثاني عشر : منهم من أطلق القول بأن مراسيل الثقات أولى من المسندات ، ولم يقيده بشىء ، ومنهم من قال : مرسل الإمام أولى من مسنده . والثالث عشر : منهم من يقول : ليس المرسل أولى من المسند ؛ بل هما سواء في وجوب الحجة والاستعمال . والرابع عشر : منهم من يقول : للمسند مزية فضل ، لوضع الاتفاق ، وإن كان المرسل يجب العمل به . الخامس عشر : منهم من يفرق، فيقبل مراسيل بعض التابعين دون بعض . قال أحمد بن حنبل : أصح المراسيل مراسيل سعيد . وقال الشافعي : إرسال سعيد عندنا حسن . السادس عشر : من المنكرين للمرسل من يقبل مراسيل الصحابة والتابعين ، لأنهم يروون عن الصحابة . السابع عشر : كان أحمد بن حنبل يختار الأحاديث الموقوفة على الصحابة على المرسلات عن النبي ونَ﴾. الثامن عشر: لا يقبل المرسل إلا في حالة واحدة، وهي أن يعضده إجماع فيستغنى بذلك عن المسند. قاله ابن حزم في كتابه ((الإحكام)) . هذا حاصل ما قيل، وفي بعضها تداخل . ولا خلاف أن المُرْسِلَ إذا كان غير ثقة لا يقبل إرساله ، فإن كان ثقة ، وعرف أنه يأخذ عن الضعفاء، فلا يحتج بما أرسله سواء التابعي وغيره، وكذا من عرف بالتدليس المجمع عليه، حتى يصرح بالتحديث؛ وإن كان لا يروي إلا عن ثقة فمرسله وتدليسه، هل يقبل ؟ فيه الخلاف، وقد تقدم من كلام ابن عبد البر - وهو من المالكية - تخصيص محل الخلاف بغير ذلك ، وكذلك قال أبو الوليد الباجي منهم : المرسل عندنا إنما يحتج به إذا كان من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة . ٤١١ وكذا قال أبو بكر الرازي من الحنفية مَنْ عَلِمْنَا من حاله أنه يرسل الحديث عمن لا ٢٤٩ /ب يوثق بروايته ، لا يجوز حمل الحديث / عنه، فهو غير مقبول عندنا وإنما كلامنا فيمن لا يرسل إلا عن الثقات . وقال القرطبي : ليعلم أن محل الخلاف إنما هو فيما إذا كان المرسل ثقة متحرزا بحيث لا يأخذ عن غير العدول قال : ويلزم الشافعي والقاضي أبا بكر القول بالمرسل حينئذ لأنهما قبلا التعديل بالمطلق . والمرسل إذا علم من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل قبل منه ، كما لو صرح باسمه . اهـ . وعلى هذا فيرتفع النزاع في المسألة، وبه صرح إلكِيا الطبري فقال : إذا تبين من حال المرسل أنه لا يروي إلا عن صحابي عن رسول الله وَلّر، أو عن رجل تتفق المذاهب على تعديله صار حجة ، وادعى أن ذلك مذهب الشافعي . ثم قال : وهذه المسألة لا ينبغي أن يقع فيها خلاف ، فإن أحدا لا يوجب التقليد ، ولا ينكر اختلاف المذاهب في التعديل ، والشافعي يقول : أخبرني الثقة ، فإنه لا يلزم غير أهل مذهبه قبوله . وإنما قال الأصحاب : مذهبه وقوله حجة عليهم، ومذهبه في التعديل مذهبهم . ا هـ . وقال شمس الأئمة السَّرخسى من الحنفية: لا خلاف أن مراسيل الصحابة حجة، فأما مراسيل أهل القرن الثاني والثالث فحجة في قول علمائنا . وقال الشافعي : لا تكون حجة إلا بشروط . ثم قال : فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة؛ فكان الكَرْخى لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار ؛ وكان عيسى بن أبان يقول : من اشتهر في الناس بحمل العلم تقبل روايته مرسلا ومسندا، وإنما يعني به محمد بن الحسن وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم عنه مطلقا، وإنما اشتهر بالرواية عنه، فإن مسنده يكون حجة، ومرسله يكون موقوفا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه . ثم قال : وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي : أن مرسل من كان من القرون الثلاثة [ليس] حجة، إلا من اشتهر . ٤١٢ وقال عبد الوهاب في ((الملخص)): ظاهر مذهب مالك قبول المراسيل مطلقا إذا كان المُرْسِلُ عدلا يقظا . وكذا حكاه عنه أبو الفرج ، فأما البغداديون من أصحابنا كالقاضي إسماعيل ، والشيخ أبي بكر، فإنهم وإن لم يصرحوا بالمنع ، فإن كتبهم تقتضي منع القول به ، لكن مذهب صاحب المذهب أولى بالصحة . فصْل [تحريرُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ فى العَمَلُ بَالمرسَلْ] وأما تحرير مذهب الشافعي، فإن النقل قد اضطرب عنه، فنقل القاضي أبو بكر عنه أنه لا يرى العمل بالمراسيل إلا عند شريطة أن يسنده عمن أرسله، أو يعمل به صاحبه، أو العامة، أو أنَّ الْمُرْسِلَ لا يرسل إلا عن ثقة ؛ ولهذا استحسن مراسيل سعيد . وذكر إمام الحرمين عن الشافعي أنه لا يَرُدُّ الْمُرْسَلَ مطلقا، ولكن يتطلب فيه مزيد تأكيد، ليحصل غلبة الظن في الثقة، واستنبط هذا من مذهبه في قبول مراسيل سعيد بن المسيب، واستحسانه مراسيل الحسن؛ وهذا ما اختاره إمام الحرمين ورأى أن الراوي الموثوق به، العالم بالجرح والتعديل إذا قال : حدثني من أثق به وأرضاه، يوجب الثقة بحديثه، وإن قال : حدثني رجل ، توقف عنه . وكذلك إذا قال الإمام الراوي: قال النبي ◌ِّ، فهذا بالغ في ثقة من روى له . قال : وقد عثرت في كلام الشافعي على أنه إذا لم يجد إلا المرسل مع الإقرار بالتعديل على الإجمال، فإنه يعمل به، فكان إضرابه عن المرسل في حكم تقديم المسانيد عليها . اهـ . وهذا الذي حكاه الإمام عن الشافعي غريب وهو شيء ضعيف، ذكره الماوردي أيضا. وقد تناهى ابن السَّمْعاني في الردّ عليه . وقال : هذا عندي خلاف مذهب الشافعي ، وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة من العراقيين والخراسانيين أن على أصله لا يكون المرسل حجة معه بحال . قال : وأنا لا أعجب من أبي بكر ٤١٣ الباقلاني إن كان ينصر القول بالمرسل، فإنه كان مالكي المذهب، ومن مذهب مالك قبول المراسيل . اهـ . وكذا قال ابن الصباغ في ((العدة)) : المرسل لا يكون حجة عند الشافعي، وأما احتجاجه بخبر سعيد بن المسيب في بيع اللحم بالحيوان، فقيل : لأنه عرف أنه لا يرسل إلا عن الصحابة . وقيل : إن المسند وغيره سواء، وإنما ذكره الشافعي لقوته عما أسنده غيره . قال : وبهذا قال أكثر أصحابنا . ونحوه قول ابن أبي حاتم الرازي في قول الشافعي : ليس المنقطع بشىء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب. قال أبو محمد : يعنى ما عدا منقطع ابن المسيب، فإنه يعتبر به . اهـ . فلم يحمل قول الشافعي على أنه يحتج بمرسل سعيد، بل على أنه يعتبر به خاصة . وأما الغزالي فأطلق في ((المستصفى)) أن المرسل مردود عند الشافعي والقاضي. قال: وهو المختار. وقال في ((المنخول)) المراسيل مردودة عند الشافعي إلا مراسيل سعيد بن المسيب، والمرسل الذي عمل به المسلمون . ثم قال : وقال القاضي أبو بكر ثبت أن مذهب الشافعي قبول المراسيل ، فإنه قال في ((المختصر)) أخبرني الثقة، وهو المرسل بعينه ، وقد أورده بنقل عنه ، ويعتقده ، فيعتمد مذهبه ، وعن هذا قبل مراسيل سعيد . قال القاضي: والمختار عندي أن الإمام العدل إذا قال: قال رسول الله مَثّه ، أو أخبرني الثقة قبل ؛ فأما الفقهاء والمتوسعون في كلامهم ، فقد يقولونه لا عن ثبت ، فلا يقبل منهم . ومن قَبِلَ هذا قال : هذا مقبول من الحسن البصري ، والشافعي ، فلا يقبل في زماننا هذا ، وقد كثرت الرواية ، وطال البحث ، واتسعت الطرق ، فلا بد من ذكر اسم الرجل . قال الغزالي : والأمر على ما ذكره القاضي ، إلا في هذا الأخير ، فإنا لو صادفنا في زماننا متقنا في نقل الأحاديث مثل مالك قبلنا قوله: قال رسول الله المح﴾، لا يختلف ذلك بالأعصار . اهـ . ٤١٤ وما حكاه عن القاضي غريب، والذي رأيته في ((كتاب التقريب)) له التصريح بأنه لا يقبل المرسل مطلقا، حتى مراسيل الصحابة، لا لأجل الشك في عدالتهم، ولكن لأجل أنهم قد يروون عن تابعي، إلا أن يخبر عن نفسه بأنه لا يروي إلا عن النبي ◌َل﴿، أو عن صحابي، فحينئذ يجب العمل بمرسله، ونقل مثل ذلك عن الشافعي أنه رد المراسيل ، وقال بها بشروط أخر . وقال في آخر الشروط ، فاستحب قبولها إذا كانت كذلك ، قال : ولا يستطيع أن يزعم أن الحجة ثبتت بها ثبوتها بالمتصل ، فنص بذلك على أن قبولها عند تلك الشروط مستحب غير واجب . هذا لفظه . وقال إلْكِيا الطبري : قبل الشافعي مرسل سعيد دون غيره ، ثم قال : إذا تبين من حال المرسل أنه لا يروى إلا / عن صحابي عن رسول الله وَلقر، أو عن رجل ٢٥٠ / أ تتفق المذاهب على تعديله ، صار حجة . قال : وهذا معنى قول الشافعي : أقبل من المراسيل ما أرسله كل معتبر من الأئمة ، وهذا تصريح بما قلناه . انتهى . وقال ابن برهان في ((الوجيز)): مذهب الشافعي أن المراسيل لا يجوز الاحتجاج بها إلا مراسيل سعيد بن المسيب، ومراسيل الصحابة، وما انعقد الإجماع على العمل به، خلافا لأبي حنيفة . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): مذهب الشافعي أن المرسل بنفسه لا يكون حجة ، وقد ينضم إليه ما يكون حجة على ما سنبين ، ثم قال : واعلم أن الشافعي إنما رد المرسل ، لدخول التهمة فيه . فإن اقترن به ما يزيل التهمة فإنه يقبل ، وذلك بأن يوافق مرسله مسند غيره ، أو تتلقاه الأمة بالقبول أو انتشر، ولم یظهر له نكير . قال بعضهم : وكذلك إذا اشترط في إرساله عدلان فأكثر ، فيقوى به حال المرسل ، أو يكون موافقا للقياس . قال : وعندي أن المرجح إنما هو في مسند آخر ، أو تلقي الأمة له بالقبول ، أو اشتهاره من غير نكير ، وما عدا ذلك ، فلا يدل على قبول المرسل . انتهى . ٤١٥ وقال صاحب ((المعتمد)) : حكي عن الشافعي أنه خص مراسيل الصحابة بالقبول، وحكي عنه أيضا أنه قال : إذا قال الصحابي: قال رسول الله (# كذا، قبلت، إلا إذا علم أنه أرسله . اهـ . ولنذكر كلام الشافعي في ((الرسالة)) فإنه يعرف منه مذهبه، قال البيهقي في ((المدخل)): أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا الربيع بن سليمان، قال الشافعي: يعنى في كتاب ((الرسالة)): المنقطع يختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله وَلجر، فروى حديثا منقطعا عن رسول الله وَليه اعتبر عليه بأمور : منها : أن ينظر إلى ما أرسله من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله رَّ﴿ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة واضحة على صحة من قبل عنه، وحفظه . وإن انفرد به مرسلا لم يشركه فيه من يسند قبل ما ينفرد به من ذلك ، ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل آخر ؟ فإن وجد ذلك قوي ، وهي أضعف من الأولى . وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يُرْوَى عن بعض الصحابة قولا له ، فإن وَجَدْنَا ما يوافق بما روى عن رسول الله ور كانت شاهدة دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى ، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى لم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا واهيا ، فيستدل بذلك على صحته ، ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه ، ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه . ومتى خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه ، حتى لا يسع أحداً قبول مرسله . قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب، يحتمل أن يكون حَمَل عمن يرغب في الرواية عنه إذا سمى ، وأن بعض ٤١٦ المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله، فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدا من حيث لو سمى لم يقبل ، وأن قول بعض الصحابة إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها ، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض الصحابة بموافقه . قال : فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحداً يقبل مرسله ، لأمور : أحدها : أنهم أشد تجوزا ممن يروون عنه ، والآخر أنهم لم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا لضعف مخرجه ، والآخر كثرة الإحالة في الأخبار ، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم ، وضعف من يقبل عنه . انتهى كلام الشافعي . وقد تضمن كلامه رضي الله عنه أموراً : أحدها : أن المرسل إذا أسند من وجه آخر دل على صحة ذلك المرسل ، وعلم من كلام الشافعي اشتراط صحة ذلك المسند . الثاني : أنه إذا لم يسند من وجه آخر نظر ، هل يوافقه مرسل آخر، فإن وافقه مرسل آخر قوي ، لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر . فإن قيل على هذين الأمرين : إن كان الوجه الآخر إسنادا ، فالعمل حينئذ على المسند ، وإن كان إرسالا فضم غير مقبول إلى غير مقبول ، كانضمام الماء النجس إلى مثله ، وشهادة الفاسق مع مثله ، لا يفيد الطهارة والقبول ، وهذا اعترضه القاضي أبو بكر على الشافعي وتبعوه ، وهو مردود ؛ لأنا لا نسلم أن العمل بالمسند فقط ، لأن بالمسند يتبين صحة إسناد الإرسال ، حتى نحكم له مع إرساله بأنه صحيح الإسناد . وأيضا لو عارض المسند الذي دون المرسل مسند آخر یترجح صاحب المرسل ، إذا تعذر الجمع ، وأيضا فالاحتجاج بالمسند إنما ینتهض إذا كان بنفسه حجة ، ولعل الشافعي أراد هنا بالمسند مالا ينتهض بنفسه ، كما أشار إليه الإمام في المحصول ، وإذا ضم إلى المرسل قام به المرسل ، وصار حجة . وهذا ليس عملا بالمسند ، بل بالمرسل لزوال التهمة عنه ، ولا نسلم عدم قبوله إذا كان القوي مرسلا ، لجواز تأكيد أحد الظنين بالآخر . ٤١٧ الثالث : أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر . لم يسند من وجه آخر ، ولكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي و ﴿ دلَّ على أن له أصلا ، ولا يطرح ، ولا يَردُ اعتراض القاضي بأنّ قول الصحابي عنده ليس بحجة ، لأن مراده التقوية به ، لا الاستقلال . الرابع : أنه إذا وجد جمع من أهل العلم يقولون بما يوافق هذا المرسل ، دل على أنّ له أصلا ، واعترض القاضي أبو بكر بأنه إن أراد بالأكثر الأمة فهو إجماع ، والحجة حينئذ فيه لا في المرسل ، وإن أراد بعض الأمة فقولها ليس بحجة ، والجواب عنه أنه أراد الثاني ، ولا شك أن الظن يقوى عنده ، وكذا قول الصحابي ، وإذا قوي الظن وجب العمل بالمرسل ، فمجرده ضعيف ، وكذا قول أكثر أهل العلم ، وحالة الاجتماع قد يقوم منها ظن غالب ، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا . الخامس : أنه ينظر في حال المُرْسِل، فإن كان إذا سمى شيخه سمى ثقة (١) لم يحتج بمرسله ، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة ، ولم يسم مجهولا ولا واهيا ، كان دليلا على صحة المرسل ، وقد تقدم أن هذا محل وفاق ، لكنه دون ما قبله . ٢٥٠/ب السادس: أن ينظر إلى هذا المُرْسل له ، فإن كان إذا أشرك غيره / من الحُفّاظ في حديث وافقه فيه ، ولم يخالفه ، دلَّ على حفظه ، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص إما في الإسناد أو المتن ، كان هذا دليلا على صحة مخرج حديثه ؛ وأن له أصلا ، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه ، بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادته ، فإن هذا يوجب التوقف والاعتبار ، وهذا دليل من الشافعي (رضي الله عنه) على أن زيادة الثقة عنده ليست مقبولة مطلقا كما يظن جماعة ، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه ، ولم يعتبر المخالف بالزيادة ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلا على صحة مخرج حديثه ، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه ، ولو كانت الزيادة عنده مقبولة مطلقا ، لم تكن مخالفته بالزيادة مضرا بحديثه . (١) لعل الصواب: سمى غير ثقة. ٤١٨ السابع : هذا الحكم لا يختص عنده بمرسل سعيد بن المسيب ، وزعم بعض الأصحاب اختصاصه بسعيد معتمدا على قوله في ((الأم)) في كتاب الرهن الصغير وقد قيل له : كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ، ولم تقبلوه عن غيره ؟ قلنا : لا نحفظ لسعيد منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ، ولا يأثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف . انتهى . وهذا القائل كأنه لم ينظر قوله بعده : فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعه . وقد قال البيهقي : إن الشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها ، وممن وافق الشافعي على مرسل سعيد يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل . فقالا : أصح المراسيل مرسل سعيد ، واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي : إرسال سعيد عندنا حسن . فقيل : إن مراسيل التابعين كلهم حجة ، وإن كان الشافعي نصّ على مرسل واحد منهم ، ليستدل به على غيره . وقيل : لا یکون حجة ، ثم اختلف هؤلاء في معنى قوله : مرسل سعید حسن ، فقیل حسن في الترجيح به ، لا في الاستدلال . وفيه ضعف ، لأنه لا يختص بمراسيل ابن المسيب . وقيل : إنما قبلها لأنها وجدت مسانيد ، فإن الشافعي لما روى حديثه المرسل في النهي عن بيع اللحم بالحيوان . قال : وإرسال سعيد عندنا حسن ، وجعل الخبر أصلا ، لأن مراسيله متبعة ، فوجدت كلها عن الصحابة من جهة غيره . ورد الخطيب هذا بأن منها ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح . وقيل : إنه في الجديد لا يفرق بين مرسل ابن المسيب وغيره في الرد ، وإنما فرق في القديم . قاله الماوردي . وكذا نقل التسوية عن الجديد الخطيب في ((الكفاية)) وفيه نظر، لقول الرُّوياني: إن الشافعي في كتاب الرهن الصغير من ((الأم)) زعم أن مرسل سعيد حجة فقط، ويشهد له عبارة (المختصر)) أنه حسن ، لكن أشار ابن الرِّفْعَةِ إلى أن الرهن الصغير من القديم، وإن كان من كتب ((الأم))، قال : ولذلك نسب الماوردي قبول رواية ابن المسيب إلى القديم ، فإن ثبت هذا ، فلا خلاف بين كلام الماوَرْدي والرُّؤْياني ؛ ولكه لم يثبت . ٤١٩ وقال ابن أبي هريرة في كتاب الربا في تعليقه : اختلف قول الشافعي في مرسل ابن المسيب ، وكان في القديم يقول به ، وفي الجديد يحسنه ويقوي به ما دل عليه الأصول ، وإنما قال به في القديم، لأن عامة مراسيله إذا تتبع وجد متصلا . انتهى . وقال ابن فُورَك في كتابه : لا يقبل المرسل ، وقد قال الشافعي في القديم : إن إرسال ابن المسيب حسن ، لأنه كشف عن حديثه ، فوجده متصلا ، فاكتفى عن طلب كل حديث بعد فراغه من الجملة ، ويتقوى به أحد الخبرين لا محالة ، ثم قال : واعتمد الشافعي في ذلك على أن المسكوت عنه يجوز أن يكون عدلا ، وأن لا يكون إلى آخره ، فاقتضى كلامه أنه لا خلاف عنده في الجديد في رده مطلقا، وأنه في القديم استثنى سعيداً . وفيه ما سبق . وقال ابن السَّمْعاني : وأما مرسل سعيد ، فإن الشافعي قال به في كتبه القديمة ، ولم يرد به تخصيص ابن المسيب دون غيره مَنْ مذهبه مذهب ابن المسيب في ذلك ، لکن ظهر للشافعي مذهب ابن المسیب أنه لم یرسل حدیثا لیس له أصل في المتصل ، ولم يظهر له مثل هذا في غيره ، فإن عرف هذا في مرسل غيره كمرسل عطاء ، والحسن ، والنخعي ، ومكحول ، كان الكلام فيهم كذلك . وقال الخَفَّف في كتاب ((الخصال)): لا يجوز قبول المرسل عندنا إلا في صورتين : إحداهما : أن يروي الصحابي عن صحابي ، ولا يسميه ، فذلك والمسند سواء . والثاني : التابعي إذا أرسل وسمَّى ، فإن كان معروفا أن لا يروي إلا عن صحابي مثل سعيد بن المسيب ، فإرساله وإسناده في ذلك سواء . انتهى . وهذا معنى آخر في قبول مرسل سعيد ونحوه . وقال الشيخ أبو علي السنجي في ((شرح التلخيص)): من أصحابنا من جعل المسألة علی قولین ، ولیس یغني ، والصحيح أنه لا فرق بين مرسل سعيد وغيره في أنه لا يحتج به أبدا ، وفي الموضع الذي جعله ، أراد به في ترجيح أحد الدليلين على الآخر . انتهى . ٤٢٠