النص المفهرس
صفحات 361-380
والتاسع : التفصيل بين أن يورده على قصد الاحتجاج به والفتيا ، فيجوز له روايته بالمعنى ، إذا كان عارفا بمعناه ، وبين أن يقصد التبليغ ، فلا يحل له ، ويتعين اللفظ لظاهر حديث البراء ، (وآمنت برسولك الذي أرسلت) قاله ابن حزم في كتاب ((الإحكام)). والعاشر : التفصيل بين الأحاديث الطوال ، فيجوز فيها الرواية بالمعنى بشرطه ، دون القصار. حكاه بعضهم عن القاضي عبد الوهاب . ثم من المتأخرين من خصَّ هذا الخلاف في أحاديث النبي ◌َّر، وجوز الرواية بالمعنى في كلام الناس . ومنهم من عكس ، وهو ما حكاه القاضي عياض في ((الإشكال)) عن مالك تجويزه في حديث الناس، ومنعه في كلام النبوة . فرع : إذا قلنا بالمنع وروى بالمعنى لا تسقط روايته بذلك ، لأنه موضع اختلاف واجتهاد، فلا تسقط به الرواية، قاله سليم في ((التقريب)). الحالة الثالثة: أن ينقص من لفظه ويحذفه، فينظر إن تعلق به المحذوف تعلقا لفظيا أو معنويا لم يجز بالاتفاق، كما قاله الهندي والأبيارى وغيرهما، والتعلق اللفظي كالتقييد بالاستثناء والشرط والغاية والصفة . والمعنوي كما إذا كان المتعلق مذكورا بجملة مستقلة، لا يتعلق المعنى المذكور في الرواية بها ، كما في بيان التخصيص والنسخ ، وبيان المجمل بجملة مستقلة . وكلام ابن القُشَيري فينقص عن الخلاف الآتي، وإن لم يكن كذلك فعلى الخلاف في الرواية بالمعنى ، فالمانعون ثمَّ منع أكثرهم ههنا . وأما المجوِّزون ثَمَّ فاختلفوا ههنا على أقوال: [المذاهب في جواز حذف شيء من الحديث] أحدها : أنه إن كان نقل ذلك هو أو غيره مرة بتمامه، جاز أن ينقل البعض، وإن لم ينقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز، هكذا حكاه القاضي في ((التقريب))، والشيخ في ((اللمع))، وغيرهما. وقيّد الغزالي الجواز في الشق الأول بأن لا يتطرق إليه سوء الظن بالتهمة باضطراب النقل . ٣٦١ والثاني: الجواز مطلقا ، سواء تعلق بعضه ببعض أم لا، كذا حكاه الشيخ أبو إسحاق في ((اللمع))، وكذا القاضي في ((التقريب)) وابن القُشَيْري. وهو يعكّر على ما حكياه من الاتفاق أَوّلا، لكنه بعيد، فإنَّ أحداً لا يجوّز حذف الغاية والاستثناء، والاقتصار على أصل الكلام. وحكى سليم الرازي فيما إذا لم يتعلق بعضه ببعض طريقتين : إحداهما : إجراء خلاف الرواية بالمعنى . والثانية : القطع بالجواز، قال : وهي المذهب . قال : أما إذا روى بعض الخبر، ثم أراد أن ينقله بتمامه، فإن كان لا يفهم بأنه زاد في حديثه قبل ذلك ؛ وإن كان يفهم كان عذرا له في تركه الزيادة وكتمانها . وكذا قال القاضي في ((التقريب)): متى خاف راوي الحديث على التمام أنه إذا رواه مرة ناقصا أن يتهم وجب عليه روايته على التمام ، دفعا عن نفسه التهمة المسقطة للرواية . وشرط أيضا للجواز أن يكون السامع متذكراً لتمامه ، فإن خاف غفلته أو نسيانه لم يحل له إلا روايته تاما . قال : فإن شاركه في السماع غيره لم يحل له الاقتصار على البعض ، لئلا يفسد على السامع الآخر الذي لم يسمعه إلا تاما . والثالث : المنع مطلقا . والرابع : الحديث إن كان مشهورا بتمامه جاز نقل بعضه ، وإلا فلا . قاله بعض شراح ((اللمع)). والخامس : إن كان لا يعلم إلا من جهته ، فإن تعلق به حكم لم يجز أن يترك منه شيئا ، وإن لم يتعلق به حكم نظر ، فإن كان الناقل فقيها جاز له ذلك ، وإن كان غير فقيه امتنع. قاله ابن فُورَك، وأبو الحسين بن القَطّان، في كتابيهما . قالا : وإن کان تقدم قبل ذلك جاز له الاكتفاء بالبعض ، كما روي أنه عليه السلام رد عمر بن الخطاب إلى آية الكلالة . فقال: (يكفيك آية الصيف) ، فلو لم يكن فيها كفاية لما وكله إليها . وكذلك ترك الأمر بالقضاء في حديث الواطىء في رمضان اكتفاء بما ذكره في المريض والمسافر، وإن كان قد جاء من طريق آخر الأمر بالقضاء، ولحديث ابن مسعود: أتيت النبي ◌َّله بحجرين وروثة، فرمى الروثة ٣٦٢ وترك نقل الحجر الآخر اكتفاء. وقد روى أحمد بن حنبل مسندا أن النبي بلية وسلم قال: ائتني بحجر ثالث . وكذا قال إلْكِيا الطبري : الحق في هذه المسألة التفصيل بين أن يكون المحذوف حكما متميزا عما قبله والناقل فقيه عالم بوجه التمييز فيجوز ، كحديث ابن مسعود، فحيث لم ينقل الحجر الثالث كان مقصوده منع الاستنجاء بالروث ، وإن كان مقصوده مراعاة العدد لوجب عليه نقل جميعه . وإن كان الناقل ظاهر حاله الاعتناء بنقله واستيفاء روايته، فظاهر حاله أن لا ينقل سواه كقضية ماعز؛ فإن الراوي استوفاها ولم يذكر رجمه. قال: وهذه المسألة ومسألة نقل الخبر بالمعنى في المأخذ والمنشأ سواء ، وقد ينتهي الأمر فيهما إلى التفصيل بين الراوي الفقيه وغيره، وقد يسوى بينهما كما يسوى بين الراوي الفقيه وغيره . وقال القاضي : يجوز أن يرويه ناقصا لمن رواه له قبل ذلك تاما إذا غلب على ظنه أنه حافظ لتمامه ، فيذكر له ، فإن بان غفلته ونسيانه لم يحل له إلا روايته على الكمال . وقال الماوَرْدي والرُّؤْياني: إنما يجوز بشرط أن يكون الباقي مستقلا بمفهوم الحكم ، كقوله : (الطهور ماؤه الحل ميتته) ، فيجوز له رواية أحد الأمرين إلا أن يتعينا عليه للإبلاغ عند الحاجة، فيلزمه الجمع ، كالشهادة . فإن كان الباقي لا يفهم معناه، فلا يجوز، وعليه أن يستوفيه لتتم فائدة الخبر ، وإن كان مفهوما ولكن ذِكْر المتروك يوجب اختلاف الحكم في المذكور ، كقوله : (أَعِدْ أضحيتك)، فقال : ليس عندي إلا جذعة من المعز، فقال: (تجزئك، ولم تُجزِىء لأحد بعدك)، فلو روى أنه قال : يجزئك، لفهم أنه يجزىء عن جميع الناس ، فلا يجوز تركه . اهـ . والمختار جوار اختصاره بشرط الاستقلال ، وقد جاء الحديث الطويل في صفة الحج ، ساقه جابر سياقا واحدا عند خروج النبي ◌َّلّر من المدينة إلى أن دخلها . ذكره مسلم وأبو داود على هذا السياق ، وجزأه مالك والبخاري والترمذي على الأبواب . ٣٦٣ وقال أبو الوليد بن رشد : هو عندي جائز ، إذا كان مفيدا ومكتفيا بنفسه وغیر محتاج في فهمه إلى ما قبله، أو كان ليس يوجب صدق ما حذف منه، تردد المفهوم عنه بين معنيين أو أكثر، وسواء جَوَّزنا الرواية بالمعنى أولا . واستحسنه العَبْدَري . ٢٤٢ / ب أما / إذا کان ترك بعضه يتضمن ترك بیان ما أوله ، ویوهم منه شيئا یزول بذکر الزيادة لم يجز حذفها ، مثل ما ذكره الشافعي ، فقال : نقل بعض النقلة عن ابن مسعود أنه أتى النبي ◌ُّه بحجرين وروثة يستنجي ، فرمى الروثة، وقال : إنها ركس . وروي عنه أنه رمى الروثة ، ثم قال : ابغ لنا ثالثا ، والسكوت عن ذكر الثالث ليس يخل بذكر رمي الروثة ، وبيان أنها ركس ؛ لكن يوهم النقل كذلك جواز الاستنجاء بحجرين . وقال الشافعي : فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ، وتحمل رواية المقتصر على أنه لم تبلغه الزيادة . واختار إمام الحرمين في ذلك التفصيل بين أن يكون مقصد الراوي منع استعمال الروث ، فيجوز، وإلا فلا يجوز . والحق ما قاله الشافعي ، بأن الإيهام حاصل ، وإن قصد الراوي منع استعمال الروث . وقد نقل عن النبي ◌َّير: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم) وفي رواية لم ينقل إلا الرجم . قال الشافعي : لا أتلقى سقوط الجلد عن الثيب من اقتصار الراوي إذ يحتمل أن النبي ◌َّ كان قد ذكره في هذا الحديث ، فاستحضر الراوي الرجم فاقتصر عليه، ولكنه مأخوذ من قضية ماعز. وفعل رسول الله وَ له . أما إذا اقتصر على الزوائد من الحروف التي لا تغير المعنى وكان عالما بمصادر الكلام وموارده جاز إن قلنا تجوز الرواية بالمعنى، وإلا فلا . قاله القاضي في ((التقريب)). فرع: [الخبر الذي فيه لفظ يفيد التأكيد لا يجوز إسقاطه] أطلق صاحب ((المعتمد)) أنه إذا كان في الخبر لفظ لا يفيد إلا التأكيد لم يجز للراوي إسقاطه ، لأن النبي ◌َّليّ ما ذكره إلا لفائدة . وينبغي أن يجيء فيه الخلاف . ٣٦٤ تنبيه [الجزم بمنع حذف الصفة مشكل] ما جزموا به من منع حذف الصفة مشكل ، فقد وقع في القرآن نظيره ، كقوله تعالى: ﴿غير أولي الضرر﴾ [سورة النساء/٩٥] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا يلتفت منكم أحد وامضوا﴾ [سورة الحجر/ ٦٥] وليس فيه ذكر الاستثناء في الكلام المحكي. وكذلك ؛ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [سورة الإسراء/٦٥] في سبحان، وفي الحجر، ﴿إلا من اتبعك﴾ [سورة الحجر/٤٢] وأما قوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ [سورة مريم /١٠] فقد يقال: إن ظاهره يقتضي جواز حذف الاستثناء من الخبر أيضا ، والمراد بالاستثناء المحذوف في الآية هو المذكور في آل عمران ﴿إلا رمزا﴾ [سورة آل عمران/٤١] وجوابه أنه استثناء منقطع، لأن الرمز ليس بكلام، فينبغي تقييد إطلاق امتناع حذف الاستثناء بالمتصل. فائدة : [هل يجوز إسقاط حرف العطف من الآية عند الاستدلال بها] وقع البحث في أنه إذا استدل بآية ، هل يجوز تغيير لفظها بإسقاط حرف العطف ونحوه مما يستقيم المعنى بدونه ؟ ظاهر تصرف الفقهاء جوازه ، ففي ((الوسيط)) في أول الصلاة قال الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [سورة النساء / ٧٧]. وفي كتاب البيع ﴿أحل الله البيع وحرم الربا﴾ [سورة البقرة/ ٢٧٥] وفي صحيح البخارى (لم ينزل عليّ إلا هذه الآية الفاذة ﴿ من يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [سورة الزلزال/٧] وفي جامع الترمذي : (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه ، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) وفي حديث الاستفتاح : (وأنا من المسلمين) . الحالة الرابعة: أن يزيد في لفظه فإن كانت الزيادة شرطا [لبيان] الحال كنهيه عن تلقى الركبان ، وبيع حاضر لباد ، فيزيد ذكر السبب الذي دعاه إلى هذا القول . قال الماوَرْدي ، والرُّؤْياني : فهذا يجوز من الصحابي، لمشاهدة الحال ولا يجوز من التابعي ؛ وإن كان تفسيراً لمعنى الكلام ، كنهيه عن المحاقلة والمزابنة ، فيفسر معناها في روايته ، قالا : فيجوز ذلك للصحابي والتابعي ، لكن تفسير الصحابي ٣٦٥ يلزم فيه قبوله ، بخلاف تفسير التابعي . قالا : وإن خرجت الزيادة عن شرح السبب، وتفسير المعنى، فلا يجوز، وهي كذب صريح . اهـ . مسألة [ في الرجل يروي خبرًا فيجتهد فيه ] كقوله في المسح على الخفين: فلو استزدناه لزادنا ، قال أبو الحسين بن القَطَّان : فكان الشافعي يذهب في القديم إلى المسح بغير توقيت. قال ابن القَطَّان في كتابه : إلا أن الحسن بن محمد بن الصباح الزَّعْفَراني قال : رجع الشافعي ببغداد قبل أن يخرج إلى مصر عن المسح بغير توقيت . وقال : إنه يؤقت حينئذ ، فيجب المصير إلى الخبر المؤقت . وقول خزيمة لو استزدناه لزادنا ، ظن منه أن يزيده ، ويحتمل أن لا يزيد . الحالة الخامسة : أن يَسمَعَهُ ملحونا أو محرفا ففي المسألة أربعة مذاهب : أحدها : أن يرويه كما سمعه ، وبه قال محمد بن سيرين وغيره ، ممن منع الرواية بالمعنى . والثاني : أن يغيره ويصلحه للصواب . قال ابن الصلاح : إنه مذهب المحصلين والعلماء من المحدثين . والثالث : إن كان له وجه سائغ في لغة العرب، وإن كان في غير لغة قريش لم يغير وإلا غيره ، حكاه القاضي عياض في ((الإلماع)) عن النّسائي، وجزم به ابن حزم في الإحكام . والرابع : أنه لا يرويه أصلا ، لا على الصواب ، ولا على الخطأ ، لأنه لم يسمعه من الشيخ على الصواب ، ولعصمة المصطفى # من اللحن ، وهذا حكاه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد عن شيخه ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء. ٣٦٦ مسألة إذا عمل الصحابي بخلاف حديث رواه فله أحوال: أحدها: أن يكون الخبر عاما فيخصه بأحد أفراده وقد سبقت المسألة بفروعها في باب التخصيص . ثانيها: أن يكون مطلقا ، فيقيده ، وهو كتخصيص العام بلا فرق . ثالثها: أن يدعي نسخه ، وقد سبق في آخر باب النسخ . رابعها : أن يكون الخبر محتملا لأمرين متنافيين، فيحمله الراوي على أحدهما، فالذي ذكره جمهور أصحابنا منهم الأستاذ أبو إسحاق وابن فُورَك، والأستاذ أبو منصور، وإلْكِيا الطبري، وسليم الرازي في ((التقريب)) أنه ينظر، فإن أجمعوا على أن المراد أحدهما رجع إليه فيه، ولهذا رجع الشافعي إلى تفسير ابن عمر التفرق في خيار المجلس بالأبدان، وكتفسيره حَبل الحَبَلَةِ ببيعه إلى نتاج النتاج، وكفعل عمر في هاء وهاء، فقال: والله لا تفارقه وبينك وبينه شيء ، ثم احتج بقوله : (الذهب بالذهب ربا إلاهاء وهاء) على المجلس دون المقايضة على الفور، وتوقف الشيخ أبوإسحاق في ((اللمع)). هذا إن كان صحابيا، فإن كان تابعيا لم يلزم كما سبق. وقيل: لا فرق . وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه، وإن جوزوا أن يكون المراد غيرهما كتفسير ابن عمر قول النبي بَشير: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)، عادة الشهور من تسع وعشرين أو ثلاثين / ، فأوجب صيام ٢٤٣ / ١ الثلاثين من شعبان إذالم ير الهلال تلك الليلة، وكانت السماء مغيمة، وإنما لم يرجع الشافعي إلى تفسيره ذلك وأوجب استكمال الثلاثين سواء الليلة المغيمة أو المصحية، لأن الإجماع لم يقم على أن المراد أحدهما؛ بل جاءت الروايات كلها مصرحة بخلاف روايته ، كخبر أبي هريرة وابن عباس أن المراد استكمالهن ثلاثين لا العدة المعتادة . ٣٦٧ وأطلق أبو بكر الصَّيْرفي أن تأويل الراوي أولى لمشاهدة الحال إلا أن يقوم دليل على مخالفته، فالحكم للدليل، كما أوصى أبو سعيد أن يكفن في ثياب جدد ، لأنه سمع النبي حيث يقول: (يحشر المؤمن في ثوبه) يوجه تأويله إلى الثياب ، ثم إن الدليل قام على خلافه من قوله : (يحشر الناس عراة ، فأوّل من يلبس إبراهيم) فثبت أن المراد بالثوب في الحديث العمل من صالح أو طالح . قال : وإنما جعل تأويل الراوي أولى، لأنه قد شاهد من الأمارات مالا يقدر على حكايته، فيكون تأويله أولى، فإذا انكشف خلافه صرنا إليه، ومن هذا قال الشافعي : ربما سمع من النبي بِّة الحديث، ثم يسمع سببه، أو يسمع آخر كلامه، ولم يسمع أوله ، وعلى كل إنسان أن يحكي ما سمع حتى يسمع خلافه . ا هـ . قال الآمدي : إذا حمل الصحابي ما رواه على أحد محتمليه ، فإن قلنا : إن اللفظ المشترك ظاهر في جميع محامله كالعام ، فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي ؛ وإن قلنا بامتناع حمله على ذلك ، فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما حمله عليه الراوي ، لأن الظاهر من حال النبي وَلقر أنه لا ينطق باللفظ المجمل بقصد التشريع وتعريف الأحكام، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام ، والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره ، فوجب الحمل عليه ، ثم أورد على جهة الاحتمال أن تعيينه ليس أولى من تعيين غيره من المجتهدين ، حتى ينظر فيه ، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال ، وجب اتباعه ، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح ، فيجب اتباعه . اهـ . وهذا الاحتمال ضعيف ، لأن الظاهر أن تعيين الصحابي المشاهد للحال إنما يكون عن قرينة حالية أو مقالية شاهدها ، فلا يعدل عن الظاهر إلا عند قيام ما ترجح عليه لا بمجرد كونه محتملا . وقد نقل القاضي أبو بكر وإمام الحرمين نص الشافعي على أن الصحابي إذا نقل خبرا وأوَّله ، وذكر مجمله فتأويله مقبول . قال أبو نصر بن القشيري : وإنما أراد فيما أظن إذا أوَّل الصحابي أو خصص من غير ذكر دليل ، وإلا فالتأويل المعتضد بالدليل مقبول من كل إنسان ، لأنه اتباع للدليل ، لا اتباع ذلك المؤول . ٣٦٨ وقال عبد الوهاب في ((الإفادة)): ذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى تعيين تأويل الراوي وحكوه عن الشافعي . ومنهم من منع ذلك ، وبنى عليه منع التوقيت في المسح ، لقول خزيمة : لو مضي السائل في مسألته لجعلها خمسا ، فقالوا : هذا ظن ، والواجب المصير إلى الخبر . فقال : والصحيح إن كان ذلك مما لا يعلم إلا من قصده وَلير، فالواجب المصير إليه ، لأنه ليس يعلم ما لأجله صار إلى ذلك سواه ، وإن كان مما طريقه الاستدلال لم يلزم ، لأنه تخصيص العموم إلا أن يكون مما طريقه اللغة دون الأحكام ، فيلزم المصير إليه ، لكون الصحابي حجة في اللغة . ١ هـ . وهو تقييد حسن . خامسها : أن يكون الخبر ظاهراً في شيء، فيحمله الصحابي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه ، أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب أو عن التحريم إلى الكراهة . فالذي عليه الجمهور العمل بظاهر الحديث، ولا يخرج عنه بمجرد عمل الصحابي، وقوله . هكذا ذكره الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني، وابن فُورَك وإِلْكِيا الطبري ، وغيرهم . قال الآمدي : وفيه قال الشافعي : كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججتهم . وذهب أكثر الحنفية إلى اتباع قول الراوي في ذلك لما سيأتي . وقال بعض المالكية : إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرك إلا بشواهد الأحوال ، والقرائن المقتضية لذلك ، وليس للاجتهاد مساغ في ذلك اتبع قوله ، وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون لضرب من الاجتهاد تعين الرجوع إلى ظاهر الخبر، لاحتمال أن لا يكون اجتهاده مطابقا لما في نفس الأمر ، فلا يترك الظاهر بالمحتمل . حكاه عنهم القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). وقال القاضي عبد الجبار ، وأبو الحسين البصري من المعتزلة : إن علم أنه لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي ◌ّ ر لذلك التأويل، وجب المصیر إلیه ؛ وإن لم يعلم ذلك ، بل جوَّز أن یکون قد صار إلیه لدلیل ظهر له من نص أو قياس ، وجب النظر في ذلك الدليل ، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه وجب المصير إليه ، وإلا عمل بالخبر، ولم يكن لمخالفة الصحابي أثر . ٣٦٩ سادسها : أن تكون المخالفة بترك الحديث بالكلية ، كرواية أبي هريرة الولوغ سبعا، ورأيه بالثلاث وهذا ذكره الإمام فخر الدين مثالا لتخصيص الراوي عموم الخبر ، وليس منه ، لأن ألفاظ العدد نصوص لا تحتمل التخصيص . فمذهب الشافعي أن الاعتبار بروايته خلافا للحنفية ، وحكى القاضي عن عيسى بن أبان أنه إن كان من الأئمة دل على نسخ الخبر . والمختار عند إمام الحرمين وابن القُشَيْري أنا إن تحققنا نسيانه للخبر الذي رواه، أو فرضنا مخالفته لخبر لم يروه، وجوزنا أنه لم يبلغه، فالعمل بالخبر . فإن روى خبرا مقتضاه رفع الحجر والحرج فيما سبق منه تحريم وحظر، ثم رأيناه يتحرج ، فالاستمساك بالخبر أيضا، وعمله محمول على الورع . وإن ناقض عمله روايته، ولم نجد محملا في الجمع، امتنع التعلق بروايته ، فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يتعمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبت يوجب المخالفة . قال ابن القشيري : وعلى هذا فلا يقطع بأن الحديث منسوخ ، كما صار إليه ابن أبان ، ولعله علم شيئا اقتضى ترك العمل بذلك الخبر، ويتجه ههنا أن يقال : لو كان ثَمَّ سبب يوجب رد الخبر ، لوجب على هذا الراوي أن يبينه ، إذ لا يجوز ترك ذكر ما عليه مدار الأمر، والمحل محل الالتباس ، ثم قال إمام الحرمين : وهذا غير مختص بالصحابي ؛ بل لو روى بعض الأئمة خبرا عمل بخلافه، فالأمر على ما ذكرناه من التفصيل . ولكن قد اعترض الأئمةَ أمورٌ أسقطت آثارَ أفعالهم المخالفة لروايتهم . وهذا كرواية أبي حنيفة خيار المجلس مع مصيره إلى مخالفته، فهذه المخالفة غير قادحة في الرواية، لأنه ثبت من أصله تقديم الرأي على الخبر ، فمخالفته محمولة على قياسه ٢٤٣ / ب على هذا الأصل الفاسد . ولهذا قال: أرأيت / لو كانا في سفينة . وكرواية مالك لهذا الحديث مع مصيره إلى نفى خيار المجلس ، وهذه المخالفة لا تقدح أيضا في الرواية ، لأن الذي حمله على هذا فيما أظن تقديمه عمل أهل المدينة على الأحاديث الصحيحة . 4 قال ابن القُشَيْري : لا ينبغي تخصيص المسألة بالراوي يَرْوي ثم يخالف ؛ بل تجري فيمن يبلغه خبر عن النبي وَّر ثم يخالفه ، وإن لم يكن هو الراوي لذلك ٣٧٠ الخبر ، حتى إذا وجدنا محملا وقلنا : إنما خالف ، لأنه اتهم الراوي فلا يقدح هذا في الخبر، وإن لم يتجه وجه لمخالفته إلا ولها الحديث(١) أو المصير إلى استخفافه بالخبر، فحينئذ يتعين أن يقال : هذا قدح في الخبر ، وعلم بضعفه . قال الإمام : وإذا روى الراوي خبرا ، وكان الأظهر أنه لم يحط بمعناه ، فمخالفته للخبر لا تقدح في الخبر ، وإن لم يدر أنه ناس للخبر ، أو ذاكر لما يحمل بخلافه ، فيتعلق بالخبر ، لأنه من أصول الشريعة ، ونحن على تردد فيما يدفع التعلق به ، فلا يدفع الأصل بهذا التردد ، بل إن غلب على الظن أنه خالف الحديث قصدا ولم يتحققه ، فهذا يعضد التأويل ، ويؤيده ويحط مرتبة الظاهر ، ويخف الأمر في الدليل الذي عضده التأويل . قال : ولو روى خبراً ، ثم فسق ، وفي زمان الفسق خالف ما رواه ، فلا يقدح هذا في الخبر ؛ لأنه محمول على مجونه ، لا على أنه يعرف ضعف الحديث . قال ابن القُشَيْري : يتجه أن يقال : إن الصحابي إذا روى وخالف ما روى قصدا، دل على ضعف الحديث لأنهم شاهدوا الوحى، وعرفوا من قرائن الأحوال ما لم نعرفه . فأما الإمام الآن إذا خالف خبرا رواه، وقد عمل به من قبله، فهذا الخلاف لا يقدح فيه . قال إمام الحرمين : وإذا كنا نقول : إذا ورد خبر، ثم خالفه بعض الأئمة مع ذكره له ، ولم نجد محملا يقوي ضعف الحديث أو كونه منسوخا ، فلا عمل بذلك الخبر، فلو خالف أقضيةُ الصحابة أو أئمة أي عصر - فرضنا - الخبرَ ولم نجد محملا مما ذكرنا ، فلا شك في أن هذا يقدح في الخبر إذ لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة ، وترك المبالاة به ، والعلم بكونه منسوخا ، وليس بين التقديرين ثالث . وقد أجمع المسلمون على وجوب اعتقاد تنزيههم عن الاستهانة بالخبر . فتعين حمل الأمر على علمهم بورود النسخ، وليس هذا تقديما لأقضيتهم على الخبر، بل هو استمساك بالإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه يمكن في الصواب، فكان تعلقاً بالإجماع في معارضة الحديث . (١) هكذا في الأصول، والمعنى غير ظاهر. ٣٧١ ومن بديع الأمر أن مذهب الصحابي إذا نقل مفردا لا يحتج به على الصحيح ، فإذا نقل في معارضة خبر نص على المخالفة التي لا تقبل التأويل ، تعين التعلق بقول الصحابي ، ولكن ليس هذا تعلقا بمذهب الصحابي ؛ بل هو تعلق بما عنه صدر مذهبه ، ولهذا طردنا هذا الكلام في أمر كل عصر كما قلنا في الاجماع : إن أهل العصر لا يجمعون في مظنون عن مسلك إلا عن ثبت . وحمل إمام الحرمين قول الشافعي إذ قال : التعويل على الخبر لا على خلاف الراوي على ما لو غلب على الظن أن الراوي كان ناسيا للخبر ، أو لم يقطع بأنه قصد الخلاف عن تعمد ، فإن الخبر مقدم عندنا أيضا في هذه الصورة ، وأما إذا غلب على الظن أن الخبر بلغهم ، ولكن عملوا بخلافه ، فقد بينا أن التعلق بالخبر لأنه أصل من الأصول ، فلا يتركه لشىء تردد فيه . وذكر الإمام في كتاب الترجيح هذا ، وقال : إن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر، وقول الراوي ، وهو من الأئمة ، وهما على التناقض فيتمسك بالخبر ، وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر ، فالتمسك بذلك الدليل أولى . قال : ولو صح الخبر، وعمل به قوم ، ولم يعمل به قوم ، والفريقان ذاكران للخبر، والمسألة مفروضة حيث لا احتمال إلا النسخ، فالذى أراه تقديم عمل المخالفين، لأنهم لا يخالفون إلا عن ثبت ، ويحمل عمل العاملين على التمسك بظاهر الحديث ، ثم العرف يقضي بأن يتبع المخالفون ما عندهم من العلم بوفاء الحديث، وكل هذا ينبني على مسألة ، وهي أن الإجماع لو انعقد على مخالفة خبر متواتر إن تصور ذلك، فالتعلق بالإجماع، لأنه حجة قطعية ، ويتطرق إلى الخبر النسخ ، فحمل الأمر على ذلك قطعا ، ويستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته مع الإجماع على أنه غير منسوخ ، فهذا لا يتصور وقوعه . قال : والذي أراه من ضرورة الإجماع على مناقضة الخبر المتواتر أن يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا . قال ابن القُشَيْري : وقد بنى الإمام جملة كلامه على أن قول الصحابي فيما لا يقاس وفي المقدرات حجة ، لأنه لا يتكلم بما يخالفه القياس الجلي إلا عن ثبت . والقاضي يأبى هذا أشد الإباء ، ويقول : ربما ظن أنه محل الاجتهاد ، وربما زلَّ إذ ليس بمعصوم . ٣٧٢ فصْل في ألفَاظِ الرّوَاةِ وَكَيْفِيَّةِ الأَدَاء وينقسم النظر فيه إلى نقل الصحابى وغيره . أما الأول فلألفاظ الصحابي مراتب : الأولى، وهي أقواها: سمعت رسول الله ﴿ يقول كذا ، أو حدثنى ، أو أخبرني ، أو شافهني ، لعدم احتمال الواسطة ، وهو حجة اتفاقا . وجعل ابن القَطّان قول المحدث : سمعت آكد ، لأنه يجوز أن يكون معنى حدثنا : حدَّث قومنا ، كقول الحسن خطبنا ابن عباس . الثانية: قال رسول الله لل كذا. وإنما كان دون الأول لاحتمال الواسطة في قوله: قال، لأنه أعم من أن يكون بواسطة أو لا. والدليل على احتمال الواسطة وقوعه، وذلك كسماع أبي هريرة من الفضل بن العباس عن النبي ◌َّ: (من أصبح جنبا فلا صوم له) ، ثم رواه أبو هريرة بلفظ : قال . وكسماع ابن عباس أسامة بن زيد عن النبي وَير: (إنما الربا في النسيئة)، ثم رواه عن النبي وَل كذلك . ولما سئل أبو هريرة وابن عباس عن حديثهما بينا ممن سمعاه . وهو حجة أيضا . ونقل الآمدي وابن الحاجب عن القاضي أبي بكر أنه لا يدل على سماعه ؛ بل هو محتمل . وهو وهَم ، والذي رأيته في كتاب ((التقريب)) التصريح ، والجزم بأنه على السماع . وأغرب من ذلك أن سليمًا الرازي في ((التقريب)) حكاه عن الأشعري، وأن الشيخ أبا إسحاق حكاه في ((التبصرة)) عن الأشعري، واختاره أبو الخطاب من. الحنابلة ، ونسبه للأشعرية أيضا ، ونحوه ما ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق من أنه ٣٧٣ لا يقبل مراسيل الصحابة ، والجمهور على خلاف ذلك وأن الصحابي إذا أطلق ذلك فإنما يريد به السماع ، وليس المستند هذا اللفظ ، بل استقراء عادتهم في النقل . الثالثة: أمر النبي ◌َّير بكذا، أو نهى عن كذا، أو قضى بكذا، فهذا يتطرق إليه ٢٤٤ / ١ احتمال الواسطة مع احتمال / ظنه ما ليس بأمر أمرا . لكن الظاهر من حال الصحابي خلافه ، فلذلك ذهب الجمهور إلى أنه حجة . وخالف داود الظاهري ، فقال : لا يحتج به حتى ينقل لفظ الرسول . قال القاضي أبو الطيب : هكذا سمعت القاضي أبا الحسن الحريري يقوله ويحكيه من مذهب داود ، وسمعت ابن بيان القصار وكان داودياً ينكر ذلك ، ويقول يجوز الاحتجاج به . وقال قوم من المتكلمين .: لا يجوز الاحتجاج به . هكذا قال القاضي أبو الطيب وترجم المسألة بقوله : أمرنا، واحتج في أثنائها بأنه إذا قال : نهى رسول الله وَّيه ، حمل على التحريم . ولذلك يحمل : أمرنا على الوجوب ، وهذا يدل على مساعدتهم في النهي . ومما يساعد ما نقله عن الحريري ما رأيته في كتاب ((الإعذار الراد على كتاب الإنذار)) لأبي العباس ابن السِّراج عن الظاهرية أو من ذهب منهم إلى أنه لا يقبل الحديث إلا إذا قال راويه : سمعت وأخبرنا، حتى ينتهي إلى رسول الله ◌َّير. وقال ابن حزم قول الصحابي من السنة كذا أو أمرنا بكذا ليس بمسند . وتكلم القاضي أبوبكر في ((التقريب)) في هذه المسألة في مقامات : أحدها : أن الصحابي علم كون ذلك أمرا بذلك من وجه غير محتمل عنده ، وأنه يجب العمل به ، وحكى في هذه خلاف بعض أهل الظاهر . قال : واختلف في طريق علم الراوي بكون الفعل أمرا، فقيل بقوله : افعلوا، وأمرتكم . وقيل : لا بد أن يعلم كونه مريدا الامتثال المأمور به . قال : والمختار أن يعلم بقوله : أمرتكم بكذا ، ونهيتكم عن كذا ، وبقوله : افعلوا . ويقترن به من الأحوال ما يعلم به قصد الرسول إلى الأمر ، وهذا بناه على أنه لا صيغة للأمر . ٣٧٤ وحكى القاضي أبو بكر في ((التقريب))، وإمام الحرمين في ((التلخيص)) في هذا المقام قولا بالتفصيل بين أن يكون الناقل له من أهل المعرفة باللغة ، فيجعل قوله أمر رسول الله كنقله لفظة الأمر . وإن لم يكن عارفا باللغة فلا يجعل كذلك . قال : فقال القاضي : والصحيح عندنا أنه إن كان المعنى المنقول بحيث تعتور عليه العبارات المختلفة فلا يجعل نقله في ذلك كقوله روسيا18، وإن كانت بحيث لا يختلف عليه العبارة، ولا تحول فيه، فهو كقوله . ثانيها : أنه هل يحمل على التعميم على كافة أهل الأعصار؟ فذهب بعضهم إلى ذلك . واختار القاضي الوقف ، ولا يحمل على خصوص ولا عموم إلا أن يقترن به من حال الراوي ما يدل على ذلك . قال ابن القشيري : وإنما بنى القاضي على معتقده في الوقف . ثالثها : أن ذلك محمول على السماع، إذ يجوز أن يكون سمعه، ويجوز أن يكون رُوِي له عنه، خلاف، والأظهر الأول . وقيل : بالوقف ومال إليه الإمام الرازي. وحكاه إمام الحرمين في ((التلخيص)) عن داود . المرتبة الرابعة : أن يبني الصيغة للمفعول فيقول: أُمِرْنَا بكذا، أو نهينا عن كذا ، فهذا يتطرق إليه من الاحتمالات ما يتطرق لقال ، وأمَر ، ويزيد أن يكون الآمر والناهي بعض الخلفاء أو الأمراء ، والذي عليه الشافعي وأكثر الأئمة أنه حجة، وصَرْف الفعل إلى من له الأمر وهو النبي وَّ. وبه قال عبد الجبار وأبو عبدالله البصرى؛ وخالف أبو بكر الصَّيْرفي، والإسماعيلي، وإمام الحرمين منا، والكَرْخي والرازي من الحنفية ، وأكثر مالكية بغداد، ومنعوا إضافة ذلك إلى النبي وَّر لعدم تسميته الفاعل، لأنه يحتمل غيره قطعا، فلا يضاف إليه بالاحتمال . وحكى أبو الحسين بن القَطَّان أن الشافعي نص في الجديد على أنه ليس في حكم المرفوع . وفي القديم على أنه مرفوع ، وسيأتي بيانه . وحكى ابن السَّمْعاني قولا ثالثا بالوقف ، وحكى ابن الأثير الجزري في مقدمة ((جامع الأصول)) قولا رابعا بالتفصيل بين أن يكون القائل ذلك الصدِّيق فمرفوع ؛ لأنه لم يتأمر عليه غيره . ٣٧٥ ويخرج من كلام ابن دقيق العيد خامس، فإنه قال في ((شرح الإلمام)): إن كان قائله من أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة فيغلب على الظن غلبة قوية أن الآمر هو الرسول ، وفي معناهم علماء الصحابة كابن مسعود وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وفي معناهم من كثر إلمامه بالنبي وّلّ وملازمته كأنس وأبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس. وإن كان ممن هو بعيد عن مثل ذلك من آحاد الصحابة الذين [تأخر] التحاقهم برسول الله وعليه، أو يفدون إليه، ثم يعودون إلى بلادهم ، فإن الاحتمال فيهم قوي . انتهى . وحاصله تفاوت الرتب في ذلك ، ولا شك فيما قال . والأظهر قبوله مطلقا ، وإضافته إلى النبي ◌َّره، لأن مراد الصحابي إنما هو الاحتجاج بقوله: أُمِرْنا، فيجب حمل الأمر على صدوره ممن يحتج بقوله ، وهو النبي ◌َّ إذ غيره لا حجة في أمره . قال القاضي في ((التقريب)): ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في زمن النبي وَل، وبين قوله بعد وفاته، وفي الزمن الذي ثبتت فيه حجية الإجماع، لأنا لا نعرف أحدا فضَّل ذلك في الصحابي ، وأما إذا قاله من بعده ، فلا يمتنع أن يريد به أمر الأئمة ، وتردد الغزالي في أن قول التابعي ذلك موقوف ، أو مرفوع مرسل ، وجزم ابن عقيل من الحنابلة بأنه مرسل . المرتبة الخامسة : أن يقول رخص لنا . المرتبة السادسة : أن يقول من السنة كذا ، فالذى عليه الأكثرون أنه يفهم منه سنة الرسول وَل#، فيكون حجة . قال القاضي أبو الطيب: وهو ظاهر مذهب الشافعي، لأنه احتج على قراءة الفاتحة بصلاة ابن عباس على عبادة وقرأ بها وجهر . وقال : إنما فعلت لتعلموا أنها سنة . وقال ابن السَّمْعاني : إنه مذهب الشافعي . وقال ابن فُورَك: قال الشافعي في القديم: إنه سنة رسول الله وسلّ في الظاهر، وإن جاز خلافه . وقال في الجديد : يجوز أن يقال ذلك على معنى سنة البلد، وسنة الأئمة فلا نجعله أصلا حتى يعلم، ولما عدل الصحابي عن الحكاية ٣٧٦ عن النبي ◌ّيؤ لفظا إلى كلام آخر، علم أنه إنما أراد أن يدلنا على أنه فهم ذلك المعنى من صريح قول النبي ◌َّ. اهـ. وقال سليم الرازي في ((التقريب)): إن الشافعي نص عليه في القديم ، وتوقف فيه في الجديد ، فقال : هو محتمل ، وبه قال أبو بكر الصيرفي ، والمذهب الأول . وهكذا حكاه المازري / عن الشافعي في ((شرح البرهان))، فقال: اختلف قول ٢٤٤/ الشافعي فقال في القديم : هو مرفوع في الظاهر . وقال في الجديد : هو محتمل ، ولم يره مسندا . وهكذا قال أبو الحسين بن القَطّان : اختلف قول الشافعي في قول الراوي : من السنة كذا ، فكان يقول في القديم : إنه يريد سنة النبي وَّ. قال : وعلى معنى قوله : أمِرْنا ونهينا، لأن الظاهر أن هذا لا يكون إلا من النبي وَّر، وإن كان يجوز خلافه قال ذلك في دية المرأة إلى ثلث دية الرجل . واحتج بأن قال : ورجع عن هذا في الجديد، فقال : قد يجوز أن يقال سنة البلد، وسنة الأمير، وأمرنا الأمير، وأمرنا الأئمة ، فلا يجعل أصلا ، حتى يعلم جملته . وقال عمر للصُبيّ بن معبد: هديت لسنة نبيك، وإنما أراد بذلك الحق من سنة النبي وَلّه. انتهى . وهكذا قال الصَّيْدَلانى في ((شرح مختصر المزني)) في باب أسنان إبل الخطأ : إنه حجة على القول القديم، والجديد أنه ليس بحجة، فعلى هذا المسألة عندهم مما يفتى فيها على القديم، وهو نوع غريب فى المسائل الأصولية ، وإن كثر ذلك في الفروع . قلت : لكن نص الشافعي في ((الأم)) وهو من الكتب الجديدة على أنه حجة ، فقال في باب عدد الكفن بعد ذكر ابن عباس والضحاك ما نصه : قال الشافعي : وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي وَليو ، لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله وَل. اهـ. وحينئذ فيصير في الجديد قولان، والراجح أنه حجة ، لأنه منصوص عليه في القديم والجديد معا . وقد سبق كلام القاضي أبي الطيب أيضا ، وقد جزم به الإمام الرافعي في كتاب التيمم في شرحه . وقال ٣٧٧ النووي في مقدمة ((شرح المهذب)): إنه المذهب الصحيح المشهود ، وجرى عليه الآمدي والإمام والمتأخرون . وشرط الحاكم وأبو نعيم في علومهما كون الصحابي معروفا بالصحبة، وفيه إشعار أن من قصرت صحبته لا يكون كذلك؛ وذهب الكَرْخِي والرازي والصَّيْرفي إلى أنه ليس بحجة ، لأن المتلقى من القياس قد يقال إنه سنة لإسناده إلى الشرع، وذكر إمام الحرمين في ((البرهان)) أن عليه المحققين، وجرى عليه ابن القُشَيْري . وفي المسألة قول ثالث أنه في حكم الموقوف، ونقله ابن الصلاح والنووي عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي. أما لو قال التابعي : من السنة كذا ، فظاهر نص الشافعي السابق أنه ليس في حكم المرفوع . ونقل الرافعي عنه في باب الإعسار بالنفقة أنه جعل قول سعيد بن المسيب في العاجز عن النفقة يفرق بينه وبين امرأته ، فحمل قول سعيد : سنة ، على سنة النبي 18َّ. وكذلك أخذ في القديم في المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية بقول سعيد : من السنة . فقد تضافر قوله في القديم والجديد على ذلك ؛ لكن قال الصَّيْدلاني في الجنايات : إن الشافعي كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي والتابعي ، ثم رجع عنه ، لأنهم قد يطلقونه ، ويريدون سنة البلد . انتهى . فتلخص فيها ثلاثة أقوال . وأطلق ابن السَّمْعاني أن قول الراوي : من السنة كذا ، حجة في مذهب الشافعي . قال : ثم إن کان الراوي صحابيا وجب العمل به ، وإن کان تابعیا كانت روايته مرسلة ، فحكمها حكم المراسيل . وكذا قال القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)): قول التابعي من السنة كذا في حكم المراسيل، إن كان قائله سعيد بن المسيب فهو حجة، وإلا فلا . وعنه في باب صلاة الجمعة والعيدين من تعليقه حكاية وجهين أصحهما وأشهرهما أنه موقوف على بعض الصحابة . وثانيهما : أنه مرفوع مرسل . ٣٧٨ وقال بعض شراح ((اللمع)) : إن كان قائله صحابيا فهو حجة ، وإن كان غيره من التابعين ؛ فإن كان غير سعيد بن المسيب فليس بحجة قطعا ، وإن كان سعيد ابن المسيب فهو حجة على المذهب . وكذا حكى ابن الصباغ في ((العدة)) الوجهين في قول سعيد خاصة الخلاف في قبول مرسله . وقال ابن عبد البر في ((التقصي)): إذا أطلق الصحابي السنة ، فالمراد به سنة النبي ◌َّه، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تُضَفْ إلى صاحبها ، كقولهم : سنة العمرين ونحو ذلك . المرتبة السابعة : أن يقول عن النبي وَّر، فقيل بظهوره في أنه سمعه من النبي وَل ، فيكون حجة ، وبه قال عبد الجبار ، وعليه البيضاوى والهندي . وقيل : بل ظاهر في الواسطة ، ولم يرجح الإمام فخر الدين شيئا . المرتبة الثامنة: أن يقول: كنا نفعل في عهده ◌َ﴿، أو كانوا يفعلون كذا. فأطلق الآمدي وابن الحاجب والهندي أن الأكثرين على أنه حجة ، وإن لم يضفه لعهد النبي ◌َِّد . والتحرير أن لهذه المرتبة ألفاظا : أحدها : أن يقول: كان الناس يفعلون ذلك في عهده وَلاير فلا يتجه في كونه حجة خلاف لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بتقرير النبي ومَلها . وثانيها: أن يقول كنا نفعل في عهده وَل ير، فهذه دون ما قبلها لاحتمال عود الضمير في كنّا إلى طائفة مخصوصة. وحكى القرطبي في هذه المسألة ثلاثة أقوال . قال : فقبله أبو الفرج من أصحابنا، ورده أكثر أصحابنا ، وهو الأظهر من مذهبهم . قال القاضي أبو محمد يعني عبد الوهاب : والوجه التفصيل بين ما يكون شرعا مستقرا، كقول أبي سعيد: (كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله وَلـ صاعا من تمر، أو صاعا من شعير). الحديث . فمثل هذا لا يستحيل خفاؤه عليه 12 . وإن كان مما يمكن خفاؤه ، فلا يقبل ، کقول رافع بن خَدِيج ؛ كنا نخابر على عهد رسول الله پے ، حتی روی لنا بعض عمومتي أن رسول الله ێے نهى ٣٧٩ عن ذلك . وقيل : لعل الأولى في ذلك أن الصحابي إن ذكر ذلك في معرض الحجة حمل على الرفع ، وإلا فلا أثر . وما حكاه عن القاضي أبي محمد قطع به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره . والذي رأيته في كلام القاضي أبي محمد، يعني عبد الوهاب إنما هو التفصيل بين مالا يثبت إلا بالشرع، ولم يكن مستصحبا يخفى مثله، فيجب حمله على عمله ولية. وأمره به ، كقول أبي سعيد في صدقة الفطر؛ وإن كان مما يستند إلى عادة يفعلونها فمحتمل ، حتى يقوم دليل يمنع الاحتمال ، كأن يورده على جهة الاحتجاج . وقال القاضي في ((التقريب)): إن أضاف فعلهم إلى زمن النبي ◌َّل وإيقاعه على وجه يعلم عليه السلام تكرر وقوعه ، فهو حجة لتقريره ، وإلا فلا ١/٢٤٥ / ثالثها : أن يقول كان الناس يفعلون ذلك، ولا يصرح بعهد النبي ◌َّر، فهذه دون الثانية ، لعدم التصريح بالعهد ، وفوقها الإضافة إلى جميع الناس . وحكى القاضي أبو بكر في ((التقريب)) في ثبوت الإجماع بذلك قولين. رابعها : أن يقول : كانوا يفعلون، أو كنّا نفعل، وهو دون الكل ، لعدم التصريح بالعهد ، وبما يعود عليه الضمير. قيل : ومذهب الحنفية والحنابلة أنه إجماع. وقال الغزالي : إذا قال التابعي كانوا يفعلون كذا ، فلا يدل على فعل جميع الأمة ، فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقل الإجماع . وفي ثبوت الإجماع بخبر الواحد خلاف مشهور . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): إذا قال الصحابي : كانوا يفعلون كذا، فهو على ثلاثة أضرب : أحدها : أن يضيفه إلى عصر النبي ◌َّر وكان مما لا يخفى مثله ، يحمل على إقرار النبي وسلّ ويكون شرعا لنا. وإن كان مثله يخفى بأن يكون منهم ذكره حُمل على إقراره (٤١ لأن الأغلب فيما يكثر أنه لا يخفى كقول أبي سعيد : كنا نخرج صدقة الفطر في زمن النبي ◌َّ صاعا من بُرّ أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر . وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير بأن قال : كانوا يفعلون كذا ، حملت (١) كذا في الأصول، وينظر ((القواطع)). ٣٨٠ ٠