النص المفهرس

صفحات 341-360

مسألة
[إذا تعارض الوقفُ والرفعَ]
أما تعارض الرفع والوقف، فالحكم على الأصح - كما قاله ابن الصلاح - لما
رواه الثقة من الرفع، لأنه مثبت، وغيره ساكت، هذا بالنسبة إلى راويين، وأما
بالنسبة إلى راو واحد كما لو رفع حديثا في وقت، ثم وقفه مرة أخرى، فالحكم
لرفعه
وقال الماوردى في باب صلاة المسافر من ((الحاوى)): مذهبنا أن يحمل الموقوف
على مذهب الراوى، والمسند على أنه من قول النبي أوَّل .
٣٤١

فصْل
[الكَلامُ عَلَى مَبْنِ الحَدِيثْ]
وإذ انقضى الكلام في شروط الراوي، فالكلام في الثاني وهو المتن، وشرطه أن
يكون مما يصح كونه، ولا يستحيل في العقل وجوده، فإن أحاله العقل رد. قال
الغزالي وإلْكِيا الهراسي : وأما أحاديث الصفات فكل ما صح تطرق التأويل إليه
ولو على بعد قُبِل ، وما لا يؤَوّل، وأوهم فهو مردود، وأن لا يكون مخالفا لنص
مقطوع بصحته، ولا مخالفا لإجماع الأمة والصحابة، فإن كان بخلاف ذلك، فهو
إما غلط من الراوي أو منسوخ حكمه، وأن لا يخالفه دليل قاطع لقيام الإجماع على
تقديم المقطوع على المظنون، فإن خالفه قاطع عقلي ولم يقبل التأويل علم أنه
مكذوب على الشارع، وإن قبله تعين تأويله جمعا بين الدليلين، وإن كان سمعيا ،
ولم يمكن الجمع فكذلك ، وإن علم تأخر المقطوع عنه حمل أنه منسوخ به، وأن لا
ينفرد راويه بما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، أو يجب عليهم علمه، فإن انفرد
لم يقبل. قاله في ((اللمع))، وكذا الأستاذان: ابن فُورَك وأبو منصور قالا: ولهذا
رددنا رواية الإمامية في النص على خلافة عليّ، وقلنا: لو كان حقا لظهر نقله،
لأنه من الفروض التي لا يسع أحدا جهلها.
قال ابن فورك : فإن كان مما لا يجب على الجماعة علمه فجاء بنقله الخاصة ،
ويرجع فيه العامة إليهم ، وأن يكون المطلوب منه عملا ، فإن اقتضى علما ، وكان
في الأدلة القاطعة ما يدل عليه لم يردّ ، وإلا ردّ ، سواء اقتضى مع العلم عملا أم
لا ، لأنه لما كان التكليف منه ، فالعلم مع عدم صلاحيته له كان تكليفا بمالا يطاق
لكن لا يقطع بكذبه لاحتمال أن يقال : إنه عليه السلام قصد بذلك إيجاب
العلم على من شافهه دون غيره ، وهو غير ممتنع ، ومن هذا إثبات القراءة عبر
٢٣٩/ ب الآحاد فيما يرجع إلى الحكم / وهو العمل ، لا القرآن .
وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنه قال: إذا لم يجد معتصما مقطوعا به في
العمل بخبر الواحد يقطع برده. ومثاله إذا ورد فقبله بعضهم، وأنكره بعضهم ولم
٣٤٢

يكن ثم نص الردّ، ولا نصّ قاطع في القبول، قُطِع بردّه، لأن معتمدنا في العمل
بخبر الواحد الإجماع، فحيث لا نجد قاطعا لا نحكم بالعمل.
قال الإمام : والذي أراه: يلتحق بالمجتهدات ، وتعين على كل مجتهد فيه الجريان
على اجتهاده ، لأنا نعلم أنه كان يقع في عصر الصحابة أحاديث قبلها بعضهم ،
وتوقف فيها آخرون ، ثم كان العاملون لا يعابون. وتبعه ابن القشيري .
ولا يشترط في العمل به عدم مخالفته للقياس، بل يجوز إن عارضه القياس إذا
تباينا من كل وجه. فإن كانت مقدمات القياس قطعية قدم القياس قطعا ، وإلا فإن
كانت كلها ظنية قدم الخبر قطعا لقلة مقدماته. وحكى الآمدي فيه الخلاف، وكذا
إذا كان البعض قطعيا والبعض ظنيا ، قدم الخبر عند الشافعي وأصحابه والحنفية
، ونقله الباجي عن أكثر المالكية، وقال : إنه الأصح والأظهر من قول مالك ،
فإنه سئل عن حديث المصراة ، فقال: ليس لأحد ، وهذا رأى(١). وسئل عن
حديث هل يأخذ به ؟ فقرأ : (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) الآية [سورة
النور / ٦٣].
وذهب أبو بكر الأبهري وأبو الفرج إلى أن القياس أولى، وقالوا: إنه مذهب
مالك، ونقل عن القاضي أبي بكر أنهما متساويان. وقال عيسى بن أبان: إن كان
الراوي ضابط عالما قدم خبره، وإلا كان في محل الاجتهاد . وقال ابن السمعانى:
وما نقل عن مالك من رد الخبر إذا خالف القياس لا أرى ثبوته عنه .
وقال أبو الحسين الصَّيْمَري: لا خلاف في العلة المنصوص عليها، وإنما الخلاف
في المستنبطة . والمختار قول أبي الحسين أنه يطلب الترجيح ، فإن كانت أمارة
القياس أقوى ، وجب المصير إليها ، وإلا فالعكس ، وإن استويا في إفادة الظن ،
فالقول قول الشافعي .
وقال إِلْكِيا الطبرى: لم أجد من سَوَّى بين خبر الواحد والقياس على الإطلاق،
لأن كل واحد مظنون من وجه، ولو صار إليه صائر لم يكن بعيدا.
(١) كذا الأصل فليحرر.
٣٤٣

قلت: وقد صار إليه القاضي فيما نقله الباجي. قال إلکِیا: لکن الجمهور قدموا
خبر الضابط على القياس، لأن القياس عرضة الزلل، والوجه التعلق بالإجماع،
وقد صح عن عمر ترك الرأي للخبر، وفي التسوية بين دية الأصابع للحديث،
. .(١)أبو بكر حكما حكمه برأيه لحديث سمعه من بلال، ومن هذا قدمنا رواية
أبي هريرة في المصراة والعرايا على القياس. قال: العجب منهم في رده مع أن من
جملة من رواه ابن مسعود، وعندهم أن الراوي إذا كان فقيها كابن مسعود قبل
حديثه ، سواء وافق القياس أم لا ، ولا يضره عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن قول
البعض ليس حجة خلافا لقوم ، لكن قول الأكثر من المرجحات ، فتقدم عند
التعارض، بمعنى أنه إذا عارض خبر الواحد خبر آخر مثله معتضد بعمل الأكثر
قدم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر .
وقال أبو الحسين بن القطان : ذهب أهل العراق إلى أنه إن کان یتکرر في اليوم
والليلة خمس مرات كالصلاة فشرطه أن يقبله الأكابر من الصحابة ، فإذا رأيناهم
لا يقبلونه ولا يخالفونه علمنا أنه منسوخ أو متروك، قال : وهذا مردود ، لأن
الحجة في قبول خبر الواحد ، حتى يقوم معارض من نسخ أو تأويل ، وقد وجدنا
الأكابر منهم يخفى عليهم أشياء .
مسألة
قال ابن فُورَك: ولا يُرَدُّ بأن يفعل الرسول وَّهِ بخلافة، لجواز أن يكون
مخصوصا به إلا أن يكون نافيا لما يقتضي العقل إثباته فيرد.
مسألة
[ردّ الحديث بعمل أهل المدينة ]
ولا يضره عمل أهل المدينة بخلافه، خلافا لمالك، ولهذا لم يقل بخيار المجلس
مع أنه الراوي له. قال القرطبي: وإذا فسر عملهم بالمنقول تواترا كالأذان
(١) هنا بياض، وفي بعض النسخ في موضع البياض كلمة: ((وينص)).
٣٤٤

والإقامة، والمد والصاع، فينبغي أن لا يقع فيه خلاف، لانعقاد الإجماع على أنه لا
يعمل بالمظنون إذا عاضه قاطع.
وقال الأبياري: هذا له صور: أحدها : أن يكون الخبر بلغهم، فقد وافق
الإمام على سقوط الخبر فيه . وثانيها : أن يثبت عندنا أنه لم يبلغهم ، فلا يحل
لأحد في مثل هذه الصورة أن يترك الخبر، وهو لو بلغهم لما خالفوه . وثالثها : أن
نجد عملهم على خلاف الخبر، ولم يتحقق البلوغ ولا انتفاؤه ، فالظاهر من قول
مالك أن الخبر متروك بناء منه على أن الغالب أن الخبر لا يخفى عليهم، لقرب
ديارهم في زمانهم، وكثرة بحثهم ، وشدة اعتنائهم بحفظ أدلة الشرع، فيقع في
قسم ما إذا ظننا بلوغ الخبر ، ولم نقطع به . وقد اخترنا في هذه الصورة سقوط
التمسك بالخبر ، ولزوم التمسك بالفعل ، على أن هذه المسألة اختلف فيها قول
مالك ، وروى حديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر . وقال الفقهاء
السبعة : لا يتوجه اليمين إلا بمعاملة أو مخالطة ، وهذا مشهور مذهب مالك ، وله
قول آخر في تعميم موجب اليمين على حسب ما اقتضاه الظاهر .
وقال إمام الحرمين في باب التراجيح : إن تحقق بلوغه لهم، وخالفوه مع العلم
به دل على نسخه . وليس ذلك تقديما لأقضيتهم على الخبر ؛ بل هو تمسك بالإجماع
على وجوب حمله على وجه ممكن من الصواب ، فكان تعلقا بالإجماع في معارضة
الحديث ؛ وإن لم يبلغهم أو غلب على الظن أنه لم يبلغهم ، فالتعلق حينئذ
واجب . وظنى بدقة نظر الشافعي في أصول الشريعة أنه يقدم الخبر في مثل هذه
الصورة . وإن غلب على الظن أنه بلغهم وتحققنا مخالفة عملهم له ، فهذا مقام
التوقف ، فإن لم نجد في الواقعة سوى الخبر والأقضية تعلقنا بالخبر ، وإن وجدنا
غيره تعين التعلق به .
قال : ومن بديع ما ينبغي أن يتنبه له أن مذاهب أئمة الصحابة إذا نقلت من
غير إجماع لا يتعلق بها ، فإذا نقلت في معارضة خبر نَصَّ على المخالفة تعلقنا بها ،
وليس هو في الحقيقة تعلق بالمذاهب ، بل بما صدرت عنه مذاهبهم . قال : وما
ذكرناه في أئمة الصحابة يطرد في أئمة التابعين ، وفي أئمة كل عصر مالم يوقف على
خبر .
٣٤٥

مسألة
[ ردُّ الحديث بعمل الراوي بخلافه]
ولا يضر عمل الراوي بخلافه، خلافا لجمهور الحنفية ، وبعض المالكية ،
حيث قدموا رأيه على روايته ، ولذلك لم يوجبوا التسبيع بخبر أبي هريرة في ولوغ
الكلب ، لمخالفته إياه .
وقد قال عبد الجبار وأبو الحسين : إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه علم
١/٢٤٠ بالضرورة أنه عليه السلام أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر / وجب المصير
إليه . وإن لم يعلم ذلك ؛ بل جوزنا أن یکون قد صار إليه لنص أو قياس ، وجب
النظر في ذلك ، فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب المصير إليه ، وإن لم يقتض ذلك ولم
نطلع على مأخذه وجب المصير إلى ظاهر الخبر ، لأن الحجة إنما هي في كلام
الرسول ، لا في مذهب الراوي ، وظاهر الحديث يدل على معنى غير ما ذهب إليه
الراوي، فوجب المصير إليه وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي.
وقال الغزالي في ((المنخول)): إن أمكن حمل مذهبه على تقدمه على الرواية أو
على نسيانه فعل ذلك جمعا بين قبول الحديث وإحسان الظن . وإن نقل مقيدا أنه
خالف الحديث مع علمه به ، فالحديث متروك . ولو نقل مذهبه مطلقا ، فلا يترك
لاحتمال النسيان . نعم ، يرجح عليه حديث يوافقه مذهب الراوي .
وقال إمام الحرمين : إذا روى خبرا يقتضي رفع الحرج ، ثم رأيناه متحرجا،
فالاستمساك بروايته. وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل . وقال
الصَّيْر في: كل من روى عن النبي وَيَ خبرا ثم خالفه، لم يكن ذلك مقيدا لخبره
لإمكان تأويله، أو خبر يعارضه، أو معنى بفارق عنده. فمتى لم ينكشف لنا شيء
من ذلك أمضينا الخبر حتى نعلم خلافه .
٣٤٦

مسألة
[رُدُ الحديث بطعن السَّلَف فيه]
ولا يضره طعن بعض السلف فيه، خلافا للحنفية ، ولهذا ردوا خبر القسامة
بطعن عمرو بن شعيب فيه ، ثم ناقضوا ، فعملوا بحديث ابن عباس في نكاح
المُخْرم مع أن سعيد بن المسيب طعن فيه ، وعارضه بما هو أصح منه .
مسألة
[ردُّ الحديث بكونه مما تعُمَّ البلوى به ]
ولا يضره كونه مما تعم به البلوى خلافا لأكثر الحنفية ، وأبى عبدالله البصري.
حكاه صاحب ((الواضح))، ولابن خُوَيْزِ مَنْداد حكاه الباجي . ونقله صاحب
((الكبريت الأحمر)) عن ابن سُرَيْج.
وَبَنى الحنفية على هذا رد خبر الواحد في نقض الوضوء بمس الذكر، والجهر
بالبسملة ، ورفع اليدين عند الهُوي إلى الركوع والرفع منه ، وإيجاب قراءة الفاتحة
خلف الإمام ، والإفراد في الإقامة ، وغير ذلك ، فإنه مما تعم به البلوى ، فحقه
الاشتهار .
وقال الكَرْخِي : كل شرط لا تتم صلاته إلا به يجب نقله ، كالقبلة التى ظهر
نقلها نقل الصلاة ، وما يعرض للصلاة أحيانا ، فنقله لا يجب أن يكون شائعا .
قال الشيخ أبو حامد الأسفرايني في تعليقه : ومعنى قولنا : تعم به البلوى : أن
كل أحد يحتاج إلى معرفته . وقال صاحب ((الواضح)) : معناه أن يكون مشتركا غير
خاص.
[تحقيق إلكِيا الطبري للمسألة]
قال إلْكِيا الطبري : والحق في هذه المسألة أن الأخبار على قسمين :
٢٤٧

أحدهما : يلزم الكافة علمه ، فذلك يجب ظهوره لا محالة .
والثاني : ما يلزم أفراد الناس من العلماء العلم به دون العامة، والعامة كلفوا
العمل به دون العلم، أو لم يكلفوا بأسرهم العمل به ، نحو ما يرجع العوام فيه
إلى العلماء من الحوادث في إقامة الحد وغيره . فيجوز أن تعم به البلوى ، ولكن
العامي فيه مأمور بالرجوع إلى العالم . وإذا ظهر للعالم لم يجب نقله إليه ، وأما إذا
كان الخبر عن شيء اشتهر عن رسول الله وَّر على الكرات ، كالجهر بالبسملة .
وكان الناقل منفردا ففيه خلاف ، والأكثرون على رده ، ولأجله قالوا : إنه عليه
السلام كان يجهر مرة ، ويخافت أخرى . وهذا مردود ، لأن هذا الوجه لم ينقل
أصلا . وقد يقال : لعل ذلك لم يكن من عظائم العزائم ، وأمهات المهمات من
حيث الجواز ، فقل الاعتناء به .
مسألة
[رُّ الحديث إذا كان في الحدود والكفارات]
ولا يضر كونه في الحدود والكفارات عند الجمهور ، ومنهم أبو يوسف وأبو بكر
الرازي من الحنفية ، واختاره الجصاص . قال عبد الجبار : وهو آخر قولي أبي عبد
الله البصري ، وخالف الكَرْخي من الحنفية ، فلم يقبله ، لأنه يسقط بالشبهة،
ويحتمل أن راويه كذب أو سها أو أخطأ ، فكان ذلك شبهة في درء الحدّ، وهذا
يُشَكل بإثبات الحد بشهادة الشاهدين ، وقول المفتي .
مسألة
[رد الحديث بدعوى أنه زيادة على النص القرآني]
ولا يضر كونه زيادة على النص خلافا للحنفية في أن خبر الواحد إذا ورد
بالزيادة في حكم القرآن والسنة القطعية كان نسخا لا يقبل ، كالحكم بالشاهد
واليمين ونحوه ، وسبق في النسخ .
٣٤٨

مسألة
[ردُ الحديث بدعوى مخالفته الأصول]
ولا يضر كونه مخالفا لظاهر الأصول من كتاب أو سنة مجمع عليها، أو إجماع
خلافا لبعض الحنفية، ولهذا ردوا خبر اليمين والشاهد، لأنه مخالف للقرآن في
زعمهم، وردوا خبر المُصَرَّاة والقُرْعَة، وخبر فاطمة بنت قيس في نفي السكنى
للمتغربة(١) . ولذلك زعموا أنه لا يجوز تخصيص المتواتر بالآحاد كما لا ينسخه .
[السر في رد الحنفية لهذه الأحاديث]
قال الأستاذ أبو منصور : وهذه أصول مهدوها من أجل أخبار احتج بها
أصحابنا عليهم في مواضع عجزوا عن دفعها ، فردوها من هذه الوجوه التى
ذكرناها . وقالوا بأمثالها في الضعف كخبر نبيذ التمر مع أنه مخالف للقرآن ، إذ
القرآن دل على أنه لا واسطة بين الماء والتراب؛ وللقياس، لأن القياس يوجب أن
ما امتنع التوضؤ به في الحضر امتنع في السفر .
وقبلوا خبر القهقهة في الصلاة مع ضعفه ومخالفته للقياس ، لأن القياس يوجب
أن ما كان حدثا في الصلاة كان حدثا في غيرها ، وما لم ينقض الطهر في غيرها لا
ينقض فيها ، وقبلوا خبرا ضعيفا في إيجاب ربع قيمة البقرة في عينها تخصيصا لها
من بين سائر أطرافها ؟ وقالوا أيضا: بإلزام المدعى عليه القتل الدية مع اليمين في
القسامة ، تخصيصا لها من بين الأيمان .
فكيف أنكروا خبر المصراة مع صحته لمخالفته القياس ؟ أتراه أعظم من تركهم
القياس بالاستحسان الذى قالوا به من غير دلالة ، ولا أصل يشهد له، وقالوا لنا
ما لا به نَقل(٢) ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان﴾ [سورة البقرة/ ٢٨٢] فزدتم الشاهد واليمين . فقلنا لهم : وقد قال الله
تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [سورة النساء / ٤٣] فنقل من الماء إلى
(١) الكلمة غير بين المراد بها ولعل الصواب: المبتوتة. وحديث فاطمة في صحيح البخاري طلقها
زوجها البتة، فلم يجعل لها الرسول مَ﴿ سكنى ولا نفقة.
(٢) العبارة غير بَيْنَ معناها.
٣٤٩

التراب ، ولم يجعل بينهما واسطة فزدتم نبيذ التمر مع إجماع أهل النقل على ضعف
حديثه ، وقوة حديث الشاهد واليمين في صحيح مسلم وغيره ، فنحن لم نجعل
واسطة بين الشاهدين ، والشاهد والمرأتين ، وإنما قلنا : إذا عدم ذلك جاز الحكم
بالشاهد واليمين ، والقرآن لا ينفي ذلك ، وإنما يجعل الشاهد واليمين بدلا من
الشاهدين . وقالوا بحديث العينة ، وتركوا ظاهر قوله تعالى : ﴿وأحل الله البيع
وحرم الربا﴾ [سورة البقرة/٢٧٥] فخصصوا ظاهر القرآن .
وقسم الهندي خبر الواحد إذا خصص عموم الكتاب والسنة المتواترة أو قيد
مطلقهما إلى ثلاثة أقسام :
أحدها: إلى مالا يعلم مقارنته له، ولا تراخيه عنه. فقال القاضي عبد الجبار :
٢٤٠/ ب يقبل / ، لأن الصحابة رفعت(١) كثيرا من أحكام القرآن، بأخبار الآحاد ، ولم
يسألوا أنها هل كانت مقارنة أم لا . قال : وهو الأولى ، لأن حمله على كونه
مخصصا مقبولا أولى من حمله على كونه ناسخا مردودا .
الثاني : أن يعلم مقارنته له ، فيجوز عند من يجوز تخصيص المقطوع
بالمظنون .
والثالث: أن يعلم تراخيه عنه ، فمن لم يجوِّز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم
يقبله ، لأنه لو قبله لقبل ناسخا ، وهو غير جائز . ومن جوّزه قبله إن كان ورد
قبل حضور وقت العمل به ؛ وأما إذا ورد بعده فلا يقبل بالاتفاق .
مسألة
قال سليم الرازي: لا يُرَدُّ الخبر بكون راويه روى عن النبي وَّر ، ولم يكن
معروفا بمجالسته ، لأن الصحابة كانت تنقل الأخبار عن الأعراب ، وعمن لم
يعرف بمجالسته وَلي .
(١) كلمة خفية في الأصل هنا.
٣٥٠

مسألة
[ رُُّالحديث إذا كان أحدراويه واحدًا ]
ولا يرد الخبر بكون أحد رواته لم يرو عنه إلا واحد ، خلافا لابن المنذر ،
وحكاه عنه الشيخ أبو حامد في تعليقه في باب التفليس ، فإنه طعن في حديث :
(أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق) ، فقال رواه ابن أبي ذئب وحده ،
عن أبي المعتمر . قال : والحديث عندنا إذا كان راويه واحدا ، فهو مجهول . قال
الشيخ أبو حامد : وهذا ليس باعتراض ، فإن الراوي إذا كان ثقة معروفا يلزم
قبول خبره ، وإن كان بصفة الواحد .
مسألة
[عرضُ الحديث على القُرْآن]
لا يجب عرض الخبر على الكتاب، قال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): وذهب
جماهير الحنفية إلى وجوب عرضه ، فإن لم يكن في الكتاب ما يدل على خلافه
قبل وإلا رُدَّ ، وإليه ذهب أكثر المتكلمين، وقال أبو زيد في أصوله : خبر الواحد
يعتقد(١) من وجوه أربعة : العرض على كتاب الله، ورواجه بموافقته، وزيافته
بمخالفته، ثمّ على السنه الثابتة عن رسول الله مَّر، وهي الثابتة بطريق
الاستفاضة، ثم العرض على الحادثة، فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها،
والخبر شاذ كان ذلك زيافة ، وكذا إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف ،
خلافا ظاهرا ، ولم ينقل عنهم المحاجّة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج زيافة
فيه .
قال وأما الرواية عن النبي ور أنه قال: ما أتاكم عنه فاعرضوه على كتاب الله.
فلو صحت لاحتيج إلى عرضها على الكتاب .وقد عرضناها علیه، فلم نجد فيه ما
(١) لعل في العبارة سقطا تقديره: يعتقد زيافته.
٣٥١

يدل على صحتها؛ بل ما يدل على خلافها؛ وهو قوله: ﴿وما آتاكم الرسول
ورد ابن السَّمْعاني كلامه ، وقال : الخبر حجة في نفسه إذا ثبت ، ولا يجب
عرضه ، ولهذا جوزنا تخصيص عموم الكتاب به . اهـ .
وكذلك قال القَفَّال الشاشي في كتابه: قد أوجب الله تعالى اتباع نبيه، والخبر
أنه لا ينطق عن الهوى عاما له بقبوله واعتقاد صحته واجب، وليس يخلو إما أن
يكون موافقا للكتاب ، فهو تأكيد له ، وإما أن لا يوجد في الكتاب فهو ابتداء
شرع من الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [سورة
الحشر /٧] وقد يكون ذلك في الكتاب ، وإن ذهب عنا وجهه .
قال: فلا وجه لقول من قال : إذا رويت سنة عرضتها على القرآن . قال :
فإن خالفته على معنى ورود الكتاب بالأمر بالشيء أو إباحته، وفي السنة النهي عنه،
أو حظره، فهذا لم يوجد صحيحا، إلا فيما نسخه رسول الله مَل من سنته .
فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر / ٧].
قلت: وقد قال الشافعي في ((الرسالة)) وقد سئل عن أن النبي صل*، قال: ما
جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته ، وما خالفه فلم أقله :
ما روى هذا أحد يثبت حديثه فى شيء صغير ولا كبير، ثم قال: وهذه رواية
منقطعة عن رجل مجهول، وعمن لا يقبل [عنه] مثل هذه الرواية في شيء .
انتھی .
ثم ذكر قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء/٢٣] وقوله ومضائية:
(لا تنكح المرأة على عمتها) الحديث. ثم قال : فلم أعلم مخالفا في اتباعه، وكانت
معه دلالتان : دلالة على أن رسول الله مصر لا يكون مخالفا لكتاب الله بحال،
ولكنها سنه عاما وخاصا ودلالة، على أنهم قبلوا فيه خبر الواحد، فلا نعلم أحدا
رواه من وجه يصح عن النبي ◌ّ إلا أبا هريرة رضى الله عنه. اهـ. وفي ظني
أنه في البخاري عن جابر.
٣٥٢

فصْل
يجمَعُ بَعْضَ مَا سَبَق
[جملة الشُّبُهَات التي رُدَّتْ بها أحاديث الآحاد]
لا يرد الخبر بنسيان الراوي ، ولا بمخالفته للخبر ، أو أن يقول الراوي :
ضعيف، ولا يبين سبب الضعف ، أو كونه روى موقوفا، أو أن يقول : بعض
الألفاظ أدرجه الراوي في الحديث ، كما قاله الرازي، لكن الظاهر أن الجميع من
قول الرسول، لأن الكل مرتب بعضه على بعض، لكن ظاهر كلام المحدثين
يأباه ؛ ولا أن يقال : هذه الزيادة لم تنقل نقل الأصل، لاحتمال ذكرها في وقت لم
يحضره الجماعة، ولا أن هذا اللفظ غير قطعي في الرفع، كقول سهيل : مضت
السنة أن يفرق بين المتلاعنين ، لأن الظاهر إرادة سنة الرسول ، ولا باحتمال
اعتقاد ما ليس بأمر أمرا ، كقوله أمر رسول الله مي لل بكذا أو نهى عن كذا ، خلافا
لبعض الحنفية . قال : يُحتمل أن الراوي سمع قولا فظنه أمرا ، ولم يكن أمرا ،
لأن القوم أهل اللسان .
وقال الشافعي : إذا اختلفت الأحاديث فلنا وجهان : أحدهما : أن يكون فيها
ناسخ ومنسوخ ، فالعمل بالناسخ . والثاني : أن لا يدل على النسخ ، فيذهب إلى
أثبت الروايتين ؛ فإن تكافأتا ذهب إلى أشبه الحديثين من سنته . ولا نقله(١)
حديثان مختلفان عن رسول الله - مصر - أن يوجد فيهما هذا أو غيره مما يدل على
الأثبت من الرواية عنه مستغنيا بنفسه، وإن كان يُرْوى من دون رسول الله وَلخد
حديث يخالفه لم ألتفت إلى ما خالفه .
(١) في الباريسية: نعده. والمعنى إلى آخر هذه الفقرة غير واضح ولعل في العبارة حذفاً.
٣٥٣

خاتمة
[أخذ الأحكام من الأحاديث التي تأتي لضَرْبِ الأفعال]
قيل: الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التى تأتي لضرب الأمثال . فإنه موضع
تجوّز، حكاه ابن العربي عن إمام الحرمين، وأنه رد بذلك احتجاج الحنفية في وقت
العصر بحديث عَمَلِنَا مع عمل أهل الكتاب معنا. قال ابن العربي: وهذا وإن
كان موضع تجوّز وتوسع كما قال، فإن رسول الله - مَّل - لا يقول إلا حقًا تمثِّل أو
توسع .
قلت: والتعليل بالتوسع باطل، لأنه معصوم. ولو قال: لأن اللفظ لم يظهر منه
قصد التشريع، فيكون قرينة صارفة عن الحكم لم يبعد، وقد سبق مثله في العام
إذا لم يظهر منه قصد التعميم، لا يكون عاما، لكونه غير مقصود .
وقيل: لا يؤخذ الجواز مما أخبر به عن أشراط الساعة ونحوها ، كاحتجاج
٢٤١ / ١ بعض الأصحاب على أن المَحْرَم لا يُشْتَرَطُ في الحج / بحديث (لَتَرَيَنَّ الظعينة
ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله) قال عدي: فرأيت ذلك.
رواه البخارى ومسلم. وقدح بعضهم بأن هذا خبر منه وَالر بأن ذلك يقع بعد، ولم
يقل: إن ذلك يجوز . وفي الحديث (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل،
فيقول يا ليتني كنت مكانه) وهذا وإن كان فيه تمني الموت المنهي عنه، لكنه خبر منه
وَّر من غير تعرض لجوازه، كالإخبار بأشراط الساعة ونحوها.
والجواب أنه إنما ذكر النبي وغير ذلك في معرض المدح والامتنان بإظهار الدين،
ولهذا أخبر في هذا الحديث بإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، ويشهد لذلك أيضا
ما في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله وَطّ" (هل لكم من
أنماط؟) قلت : لا . قال: (أما إنها ستكون لكم الأنماط). قال: فأنا أقول لها-
يعني امرأته: أخّرى عني أنماطك. فتقول له: ألم يقل النبي وَّ ستكون لكم
الأنماط ؟ فأدعها . والأنماط ضرب من البسط له خمل رقيق . ففهم الصحابي مما
أخبر به عن الأشراط الجواز أيضا .
٣٥٤

فصْل
[ألفَاظ الُوَاةِ]
وأما الثالث : وهو ألفاظ الرواة في الخبر وكيفية الأداء .
فللراوي في نقل ما سمعه أربعة أحوال :
[رواية الحديث بلفظه]
أحدها : أن يرويه بلفظه . قال الماوَرْدي والرُّؤْيانى: وينظر في هذا بين أن
يكون النبي ◌َ ◌ّ قاله ابتداء أو جوابا ، فإن كان قاله ابتداء وحكاه ، فقد أدى
الأمانة كقوله : (تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم) .
وإن كان جوابا ، فإن كان مغنيا عن ذكر السؤال كقوله : (الطهور ماؤه الحل
میتته) ، فالراوي مخير بين ذكر السؤال وتركه .
فإن كان مفتقرا إلى ذكر السؤال كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال :
(أينقص الرطب إذا جف ؟) قالوا : نعم . قال : (فلا إذن) . فلا بد من ذكر
السؤال .
وإن كان الجواب يحتمل أمرين ، فإذا نقل السؤال تعين أحد الاحتمالين ، كما
سئل عن الناقة تذبح ، فيوجد في بطنها جنين ميت ، فقال : (ذكاة الجنين ذكاة
أمه) . ولو قاله ابتداء لاحتمل أن يكون ذكاته مثل ذكاة أمه ، واحتمل أن يستباح
بذكاة أمه . فإذا ذكر السؤال صار الجواب محمولا على أنه يستباح بذكاة أمه ،
فالإخلال بالسؤال نقص ، وإن لم يلزم ذكره . قال : ويستوى في هذه الحالة
التابعي وغيره ، وبالجملة فذكر السبب حسن . ولهذا قال القاضي الحسين : أكثر
ما وقع الخلاف فيه بين المجتهدين بسبب السبب .
[نقل الحديث بالمعنى]
الحالة الثانية : أن يرويه بغير لفظه ، وهي مسألة نقل الحديث بالمعنى . واعلم
أن المنقول عن النبي مَّ ضربان: أحدهما: القرآن ، ولا شك في وجوب نقل
لفظه ، لأن القصد منه الإعجاز . والثاني : الأخبار فيجوز للراوي نقلها بالمعنى ،
٣٥٥

وإذا نقلها بالمعنى وجب قبوله كالنقل باللفظ . هذا هو الصحيح من مذاهب عشرة
ستأتي . ونقل عن الأئمة الأربعة والجمهور من الفقهاء والمتكلمين لكن بشرائط .
[شروط جواز نقل الحديث بالمعنى]
أحدها: أن يكون الراوي عارفا بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، فإن كان
جاهلا بمواقع الكلام امتنع بالإجماع. قاله القاضي في ((التقريب)).
قال: وقد قال الشافعي في ((الرسالة)) : يجب أن يروي الحديث عن رسول الله
وَ * - بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى، وهو غير عالم بما يحيل معناه ،
لأنا لا ندري لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، أو الحرام إلى الحلال، وإذا أداه
بحروفه لم نجد فيه إحالة. قال القاضي: وظاهره تحريم ذلك على الجاهل .
قلت: قال الشافعي في ((مختصر المزني)): الثابت عن رسول الله وَّ في صَدَقَةِ
الغنم مع ما أذكره إن شاء الله، ثم سرده. قال الأصحاب فكأن الشافعي لم
يحضره حينئذ لفظ الحديث، فذكره بالمعنى . وذلك دليل على جواز نقل الحديث
بالمعنى عنه . وقال الإمام في ((النهاية)): يجوز أن يقال : صادف أوقاص الغنم
مجمعا عليه فلم يتأنق في نقل لفظ الرسول وَثير، ويخرج منه قول بين أن يقوى
بدليل آخر فيجوز، وإلا فيمتنع .
ثانيها : أن يبدِّل اللفظ بما يرادفه كالجلوس بالقعود ، والاستطاعة بالقدرة ،
والعلم بالمعرفة ، وجعل الأبياري هذا محل وفاق في الجواز . وليس كالقرآن ، لأن
المقصد منه الإعجاز . وشرط هذا أن لا يحتاج إلى النظر في الترادف(١)إلى نظر
واجتهاد ، فلو احتيج لم يجز قطعا .
ثالثها : أن تكون الترجمة مساوية للأصل في الجلاء والخفاء ، فيبدل اللفظ بمثله
في الاحتمال وعدمه ، ولا يبدل الأجلى بالجلي وعكسه ، ولا العام بالخاص ، ولا
المطلق بالمقيد ، ولا الأمر بالخبر ، ولا العكس ، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم ،
وتارة يقع بالمتشابه ، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله ورسوله فلا يجوز تغييرها عن
موضوعها .
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: في معرفة الترادف.
٣٥٦

رابعها : أن لا يكون مما تعبد بلفظه ؛ فأما ما تعبدنا به، فلا بد من نقله باللفظ
قطعا، كألفاظ التشهد. ولا يجوز نقله بالمعنى بالاتفاق، نقله إلّكِيا والعزالي ،
وأشار إليه ابن برهان ، وابن فُورَك وغيرهما. وعبر القاضي في ((التقريب)) عن هذا
بأن يكون سامع لفظه عليه السلام عالما بموضوع ذلك سفظ في اللسان ، وبأن
النبي ◌ُ* يريد به ما هو موضوع له، فإن علم تجوزه به، واستعار تركه(١)، وجب
نقله باللفظ ، لينظر فيه .
خامسها : أن لا يكون من باب المتشابه ، كأحاديث الصفات ، أما هي فلا
يجوز نقلها بالمعنى بالإجماع ، حكاه إلّكِيا الطبري وغيره ، لأن الذي يحتمله ما
أطلقه النبي مَ# من وجوه التأويل، لا ندري أن غيره من الألفاظ هل يساويه أم
لا؟ قال : وكذلك المشَكَّك والمشترك لا ينقله أحد بالمعنى، لتعذر نقله بلفظ آخر،
وكذلك المجمل .
سادسها : أن لا يكون من جوامع الكلم ، فإن كان كقوله عليه الصلاة
والسلام : (الخراج بالضمان)، (والبينة على المدعي)، (العجماء جبار)، (لا ضرر
ولا ضرار) ، ونحوه لم يجز ، لأنه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم . حكاه
بعض الحنفية . قال : ومن مشايخنا من يفصل بين الجوامع وغيرها إذا كان ظاهر
المعنى كغيره من الظواهر .
وجعل الأبْيَارى في ((شرح البرهان)) للمسألة ثلاث صور : أحدها : أن يبدل
اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود فجائز بلا خلاف. وثانيها : أن يظن دلالته على
مثل ما دل عليه الأول من غير أن يقطع بذلك ، فلا خلاف في امتناع التبديل .
ثالثها : أن يقطع بفهم المعنى ، ويعبر عما فهم بعبارة / يقطع بأنها تدل على ذلك ٢٤١ / ب
المعنى الذي فهمه من غير أن تكون الألفاظ مترادفة ، فهذا موضع الخلاف .
فالأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ إما بمجرده أو
به مع القرائن التحق بالمرادف ، وكلام أبي نصر ابن القُشَيْري يدل لما ذكره في
الحالتين الأوليين على الاتفاق على الجواز في الأولى، وعلى المنع في الثانية .
(١) لعل الصواب: لفظه.
٣٥٧

وقال العَبْدَرِي في ((شرح المستصفى)): يجوز للعالم فيما علمه قطعا لا في علمه
بنظر واستدلال ، وفي حق من يقلده من العوام خاصة . قال : وعلى هذا الوجه
يجوز تفسير مقال الشرع بلغة العجم على وجه التعليم لهم . وأما المجتهد فلا يجوز
له العمل بالحديث حتى ينقل إليه لفظ الشارع؛ لأنه إن قبله بالمعنى صار مقلدا،
وفي الصحابي إذا نقله بالمعنى فلا فرق . اهـ .
والمذهب الثاني(١): المنع مطلقا ، بل يجب نقل اللفظ بصورته ، سواء العالم
وغيره . ونقله القاضي عن كثير من السلف ، وأهل التحري في الحديث . وقال :
إنه مذهب مالك ، ونقله إمام الحرمين وابن القُشَيْري عن معظم المحدِّثين،
وبعض الأصوليين . وحكاه غيره عن أبي بكر الرازي من الحنفية ، وهو مذهب
أهل الظاهر ، كما نقله القاضي عبد الوهاب ونقله صاحب الواضح عن الظاهرية
كما نقله ابن السَّمْعاني عن عبدالله بن عمر (رضى الله عنهما) وجماعة من التابعين،
منهم ابن سِيرِين . وبه أجاب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى ، ووهم صاحب
((التحصيل))، فعزاه للشافعي وحكاه ابن السَّمْعاني عن ثعلب من النحويين ، أي
لأجل إنكار أصل الترادف في اللغة . ونقل الماوردي عن مالك : لا ينقل حديث
رسول الله وهل# بالمعنى ، بخلاف حديث الناس ، لكن قال الباجي : لعله أراد به
من لا علم له بمعنى الحديث ، فقد نجد الحديث عنه تختلف ألفاظه اختلافا بيّنا .
وهذا يدل على أنه يجوز عنده للعالم النقل على المعنى .
والثالث : التفصيل بين ما يوجب العلم من ألفاظ الحديث ، فالمعول فيه على
المعنى ، ولا يجب مراعاة اللفظ ، وأما الذي يجب العمل به منها ، فمنه مالا يجوز
الإخلال بلفظه ، كقوله عليه السلام : (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) ،
(خمس يقتلن في الحل والحرم) . حكاه ابن السَّمْعاني وجها لبعض أصحابنا .
قال : والأصح الجواز بكل حال .
الرابع: التفصيل بين الألفاظ التي لا مجال للتأويل فيها، فيجوز نقله بالمعنى.
وإن كان للتأويل فيها مجال، فلم يجز إلا أداء اللفظ. حكاه أبو الحسين بن القطان
عن بعض أصحابنا. وجرى عليه إلْكِيا الطبري .
(١) من مذاهب جواز نقل الحديث بالمعنى أو عدم جوازه.
٣٥٨
٠

والخامس : التفصيل بين أن يَحْفَظَ اللفظَ فلا يجوز له أن يرويه بغيره ، لأن في
كلام الرسول من الفصاحة مالا يوجد في كلام غيره ، وإن لم يحفظ اللفظ جاز أن
يورد معناه بغير لفظه ، لأن الراوي تحمَّل أمرين: اللفظ والمعنى. فإذا قَدر عليهما
لزمه أداؤهما، وإن عجز عن اللفظ وقدر على المعنى لزمه أداؤه .
وبهذا القول جزم الماوَرْدي في ((الحاوي))، وتبعه الرُّؤْيانى في ((البحر)) وجعل
الخلاف مخصوصا بغير الأمر والنهي. قال : أما الأوامر والنواهي، فيجوز روايتهما
بالمعنى، كقوله : (لا تبيعوا الذهب بالذهب)، وروي أنه نهى عن بيع الذهب
بالذهب. وقوله: (اقتلوا الأسودين في الصلاة) وروى أنه أمر بقتل الأسودين في
الصلاة. قالا: فهذا جائز يعني بلا خلاف، لأنَّ ((افعل)) أمْر. و((لا تَفعل)) نَهْى،
فيتخير الراوي بينهما .
وإن كان اللفظ خَفِيَّ المعنى محتملا، كقوله: (لا طلاق في إغلاق)، وجب نقله
بلفظه. ولا يعبّر عنه بغيره. فإنه لم يذكره جليًا ولا خفيا إلا للمصلحة. وليكل
استنباطه إلى العلماء وإن كان المعنى جليا غير محتمل، فلا يجوز لمن لم يسمع كلامه
من التابعين، ومن بعدهم أن يغير لفظه ، وينقل معناه.
وهل يجوز لمن شاهده من الصحابة أن يورد المعنى بغير لفظه ؟ فيه وجهان
لأصحابنا: أحدهما: لا يجوز كما لا يجوز لغيره من التابعين. والثاني: يجوز، لأنه
أعرف بفحواه من غيره. اهـ.
وحاصله تخصيص الخلاف بالصحابي ، وبالجلي من غير الأوامر والنواهي ،
والجزم في الجلي بالمنع مطلقا من التابعين ومن بعدهم، وهو تفصيل غريب لكنه لا
بأس به .
وقال القرطبي: قال بعض متأخري علمائنا: الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور
بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية، وأما
من بعدهم فلا شك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت، والفهوم قد تباينت،
والعوارف قد اختلفت. قال: وهذا هو الحق . اهـ .
٣٥٩

ويخرج من ذلك مذهب آخر هو السابع(١) بالنسبة لما قاله الماوَرْدي .
والثامن: إن كان محكما فلا يجوز نقله بالمعنى إلا للعارف باللغة ، وإن كان
ظاهرا يحتمل الغير كعام يحتمل الخصوص ، أو حقيقة تحتمل المجاز جاز
للمجتهدین فقط . وإن كان مشککا أو مشتركا فلا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلا،
إذ المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل.
وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى، لأنه لا يوقف عليه إلا بدليل آخر،
والمتشابه كذلك، لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله
بالمعنى : قاله أبو زيد الدَّبُّوسي .
قال : وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله : (الخراج بالضمان) و (العجماء
جبار) ونحوه ، فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى بالشرط السابق في الظاهر،
والأصح عندي أنه لا يجوز لاختصاصه وَّه بهذا النظم، وكأن هذا النوع هو المراد
بقوله: (ثم أداها كما سمعها) . وذكر إلكِيا الطبري في كتابه قريبا من هذا
التفصيل أيضا.
وقال أبو بكر الصَّيْرفي في كتابه: اللفظ المسموع من النبي ◌َّ ضربان:
أحدهما: لا تأويل فيه ، كقوله: لا تقرب كذا، وافعل كذا، فهذا ونحوه لا يجهله
أحد، كجلس، وقعد، وقام، ومضى، وذهب، وصب، وأراق وهذا يجوز تأديته
بالمعنى. والثاني : مودع في جملة لا يفهم العامي إلا بأداء تلك الجملة. ويكون
الاحتمال فيما يظنه الحاكي قائما، فهذا لا يجوز أداؤه إلا باللفظ المتعلق بذلك
المعنى ، فلا يجوز إضافة المعنى إلى لفظ آخر .
وقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولا يقبل خبر حتی یکون راويه عدلا عاقلا
مميزا بين المعاني، فمن لم يكن مميزا بين المعاني فحكمه في الأداء على الألفاظ، وكل
من أدى إلينا شيئا قبلناه على أنه لفظ المحكي عنه، حتى علمنا أنه حكي على
٢٤٢ / ١ خلاف ذلك، ولا يجوز نقل حديث يكون فيه من الكلام / معنى يتعلق به فيحذف
فيذهب معناه . اهـ .
(١) لم يذكر السادس.
٣٦٠