النص المفهرس

صفحات 261-280

فلذلك اكتفى الشارع في هذه الأحكام بالظن ، فكفت فيها أخبار الآحاد ،
وإشارات البراهين العقلية في الأحكام التي لا بد فيها من اليقين ، وهي التي يتوقف
عليها الإيمان فيتم بذلك تبليغه الناس كلهم جميع الأحكام .
تنبيهان
الأول: قولهم: إنه يوجب العمل. قال إمام الحرمين : في العبارة تساهل ،
لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لعلم ذلك منه، وهو لا يُثْمِرُ علما، وإنما وجب
العمل عند سماعه بدليل آخر ، فالتحقيق أنه يجب العمل عنده لا به، وهذا
سهل .
الثاني: أن الشافعي صنف كتابا في إثبات العمل بخبر الواحد ، وذكر في أوله
الحديث المشهور : (رحم الله امرأ سمع مقالتي) فاعترض أبو داود ، وقال : أثبت
خبر الواحد بخبر الواحد ، والشيء لا يثبت بنفسه ، كمن ادعى شيئاً ، فقيل له :
من يشهد لك ؟ فقال : أنا أشهد لنفسي . قال الأصحاب : هذا الذي ذكره باطل
فإن الشافعي لم يستدل بحديث واحد ، وإنما ذكر نحوا من ثلاثمائة حديث ،
وذكر وجوه الاستدلال فيها ، فالمجموع هو الدال عليه ، ثم قال الشافعي بعد
ذلك : ومَن الذي ينكر خبر الواحد ، والحكام آحاد ، والمفتون آحاد ، والشهود
آحاد .
مسألة
[إثبات أسماء الله بأخبار الآحاد]
اختلف في أسماء الله تعالى ، هل تثبت بخبر الواحد ، والصحيح كما قاله ابن
القشيري في ((المرشد)) والآمدي في ((الإحكام)) الثبوت كما في سائر الأحكام
الشرعية ، لكون التجويز والمنع من الأحكام الشرعية ، وقيل : لا يثبت ؛ بل لا
بد من القاطع كأصل الصفات .
٢٦١

مسألة
[إثبات العقيدة بخبر الآحاد]
سبق منع بعض المتكلمين من التمسك بأخبار الآحاد فيما طريقه القطع من
العقائد، لأنه لا يفيد إلا الظن، والعقيدة قطعية، والحق الجواز، والاحتجاج إنما
هو بالمجموع منها ، وربما بلغ مبلغ القطع ، ولهذا أثبتنا المعجزات المروية
بالآحاد .
وقال الإمام في ((المطلب)): إلا أن هذا الطريق ينتقض بأخبار التشبيه ، فإن
للمشبهة أن يقولوا : إن مجموعها بلغ مبلغ التواتر . فإن منعناهم عن ذلك كان
لخصومنا في هذه المسألة مَنْعَنَا عنه . وأيضا فالدلائل العقلية إذا صحت وساعدت
ألفاظ الأخبار تأكد دليل العقل وقوي اليقين .
مسألة
[إفادة خبر الواحد العلم ]
إذا ثبت أنه يجب العمل به، فهل يفيد العلم ؟ اختلفوا فيه، فذهب أهل
الظاهر إلى أنه يفيده. وحكاه ابن حزم في كتاب ((الإحكام)) عن داود والحسين بن
علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم . قال : وبه نقول. قال :
وحكاه ابن خُوَيْزِ مَنْداد عن مالك بن أنس . اهـ .
وفيما حكاه عن الحارث نظر ، فإني رأيت كلامه في كتاب ((فهم السنن))، نقل
عن أكثر أهل الحديث، وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم، ثم قال : وقال
أقلهم : يفيد العلم ، ولم يختر شيئا ، واحتج بإمكان السهو والغلط من ناقله
كالشاهدين يجب العمل بقولهما لا العلم، ونقله ابن عبد البر عن الكرابيسي،
ونقله الباجي عن أحمد ، وابن خُوَيْزِ مَنْداد .
٢٦٢

وقال المازَري : ذهب ابن خُوَيْزِ مَنْداد إلى أنه يفيد العلم، ونسبه إلى مالك وأنه
نص عليه ، وأطال في تقريره ، وحاصله أنه يوجب العلم الضروري . لكن
تتفاوت مراتبه، ونازعه المازري . وقال : لم يعثر لمالك على نص فيه ، ولعله رأى
مقالة تشير إليه ، ولكنها متأولة . قال : وقيل أنه يوجب العلم الظاهر دون
الباطن ، وكأنهم أرادوا أنه يثمر الظن القوي .
وحكى أبو الحسن السهيلي من أصحابنا في كتاب ((أدب الجدل)) له قولا غريبا
أنه يوجب العلم بشرط أن يكون في إسناده إمام مثل مالك وأحمد وسفيان ، وإلا
فلا يوجبه . وعن بعض المحدثين يوجبه مطلقا .
ونقل الشيخ في ((التبصرة)) عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم
كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه ، ويحتمل أن يكون هو القول
الذي حكاه السهيلي .
وقال الماوَرْدي والرُّؤْياني : لا يوجب العلم الباطن قطعا بخلاف المستفيض
والمتواتر ، وهل يوجب الظاهر ؟ فيه وجهان : أحدهما : المنع ، لأن ظاهر العلم
من نتائج باطنه فلم يفترقا . والثاني : يوجبه ، لأن سكون النفس إليه موجب
له ، ولولاها كان ظنا . اهـ .
وحكى صاحب ((المصادر)) عن أبي بكر القفال أنه يوجب العلم الظاهر وكأن
مراده غالب الظن ، وإلا فالعلم لا يتفاوت وبذلك صرح ابن فُورَك في كتابه ،
فقال : قائل هذا أراد غلبة الظن ، لأنه يستحيل أن يكون في العلم ظاهر لا
يتحقق به معلوم . وجزم به أبو بكر الصيرفي فقال : خبر الواحد يوجب العمل
دون العلم . وقال : يعني بالعلم علم الحقيقة لا علم الظاهر . ونقله عن جمهور
العلماء منهم الشافعي . قال : والقائل بأن خبر الواحد يفيد العلم، إن أراد العلم
الظاهر فقد أصاب . وإن أراد القطع حتى يتساوى مع التواتر فباطل، ونحوه قول
ابن كج في كتابه : إنا نقطع على الله بصحة القول بخبر الواحد ، وينزل منزلة
النص ، ألا ترى أنا ننقض حكم من ترك أخبار الآحاد .
٢٦٣

وحكى عبد الوهاب في ((الملخص)) أنه هل يفيد العلم الظاهر أم لا ؟ ثم قال :
إنه خلاف لفظي ، لأن مرادهم أنه يوجب غلبة الظن ، فصار الخلاف في أنه هل
يسمى علما أم لا ؟ .
وقال الهندي : إن أرادوا بقولهم : يفيد العلم، إنه يفيد العلم بوجوب
العمل ، أو أنه يفيد العلم بمعنى الظن ، فلا نزاع فيه لتساويهما ، وبه أشعر كلام
بعضهم أو قالوا : يورث العلم الظاهر ، ومعلوم أن العلم ليس له ظاهر ، فالمراد
منه الظن ، وإن أرادوا منه أنه يفيد الجزم بصدق مدلوله ، سواء كان على وجه
الاطراد، كما نقل بعضهم عن الإمام أحمد وبعض الظاهرية، أو لا على وجه
الاطراد، بل في بعض أخبار الآحاد دون الكل كما نقل عن بعضهم ، فهو
باطل . ا هـ .
ولعل مراد أحمد إن صح عنه إفادة الخبر للعلم بمجرده ما إذا تعددت طرقه،
وسلمت عن الطعن، فإن مجموعها يفيد ذلك. ولهذا قال يحيى بن معين: لو لم
نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه .
٢٢٨ / ١
وحكى القاضي أبو يعلى قول أحمد في أحاديث الرؤية : / نؤمن بها ، ونعلم
أنها حق يقطع على العلم بها . قال : فذهب إلى ظاهر هذا الكلام طائفة من
أصحابنا ، وقالوا : خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم . قال : وعندي هو
محمول على أنه يوجب العلم من طريق الاستدلال ، لا من جهة الضرورة ، وأن
القطع حصل استدلالا بأمور انضمت إليه من تلقي الأمة لها بالقبول ، أو دعوى
المخبر على النبي وَلّر أنه سمعه منه بحضرته ، فيسكت ولا ينكر عليه ، أو دعواه
على جماعة حاضرين السماع منه ، فما ينكرونه .
وقال ابن دقيق العيد : قد أكثر الأصوليون من حكاية إفادته القطع عن
الظاهرية ، أو بعضهم ، وتعجب الفقهاء وغيرهم منهم ، لأنا نراجع أنفسنا ،
فنجد خبر الواحد محتملا للكذب والغلط ، ولا قطع مع هذا الاحتمال ، لكن
مذهبهم له مستند لم يتعرض له الأكثرون ، وهو أن يقال ما صح من الأخبار فهو
مقطوع بصحته ، لا من جهة كونه خبر واحد ، فإنه من حيث هو كذلك محتمل لما
٢٦٤

ذكرتموه من الكذب والغلط ، وإنما وجب أن يقطع بصحته لأمر خارج عن هذه
الجهة ، وهو أن الشريعة محفوظة ، والمحفوظ مالا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا
يخرج عنه ما هو منه ، فلو كان ما ثبت عندنا من الأخبار كذبا لدخل في الشريعة ما
ليس منها ، والحفظ ينفيه ، والعلم بصدقه من هذه الجهة، لا من جهة ذاته ،
فصار هذا كالإجماع ، فإن قول الأمة من حيث هو هو وحكمهم لا يقتضي
العصمة ، لكن لما قام الدليل على ذلك وجب القول به من هذا الوجه ، لا من
حيث كونه قولا لهم وحكما ، وأخذوا الحفظ من وجه آخر قرروه يقع فيه البحث
معهم .
قال: وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يعتقدون أن مذهبهم
خارج عن ضروب العقل، فَيًَّا هذا دفعا لهذا الوَهَم ، وتنبيها لما ينبغي أن ينظر ،
ويبحث معهم فيه ، وهو المحل الذي ادعوه من قيام القاطع على ما ذكروه .
وأقرب ما يقال لهم فيه : إن هذا القاطع، أعني العلم بصحة كل ما صح عندنا
ويكذب كل ما لم يصح، إما أن يؤخذ بالنسبة إلى جميع الأمة أو إلى بعضها، فإن
أخذ بالنسبة إلى الجميع فمسلم، ولكنه لا يفيد بالنسبة إلى كل فرد هنا إلا إذا أثبتنا
العزم بالنسبة إلى كل الأمة، لكن ذلك متعذر، وإن أخذنا بالنسبة إلى البعض لم
يفد، لجواز أن يكون بعض الأمة قد وصل إليه ذلك المقتضى للحكم ، وقد وقع
كثير من هذا ، وهو اطلاع بعض المجتهدين على حديث لم يطلع عليه غيره ، وإن
قال : إذا لم أطلع عليه ، فالأصل عدم اطلاع غيري عليه ، فيحصل المقصود
بالنسبة إليّ . قلنا : أنت تدعي القطع ، والتمسك بالأصل لا يفيد إلا الظن .
تنبيهات
الأول: هذا كله فيما إذا انضمت إليه قرينة لغير التعريف ، فإن كان للتعريف
بصدق المخبر، فقد يدلّ على القطع في صور كثيرة قد سبقت . منها الإخبار
بحضرة النبي ◌ّير فلا ينكره ، أو بحضرة جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب
ويقروه ، أو بأن تتلقاه الأمة بالقبول أو العمل ، أو بأن يحتف بقرائن على الخلاف
السابق .
٢٦٥

الثاني : لم يتعرضوا لضابط القرائن ، وقال المازري : لا يمكن أن يشار إليها
بعبارة تضبطها . قلت : ويمكن أن يقال : هي مالا يبقى معها احتمال ، وتسكن
النفس عنده، مثل سكونها إلى الخبر المتواتر أو قريبا منه .
الثالث: زعم جماعة أن الخلاف في هذه المسألة لفظي ، وليس كذلك ؛ بل هو
معنوي .
وتظهر فائدته في مسألتين : إحداهما : أنه هل يكفر جاحد ما ثبت بخبر
الواحد ؟ إن قلنا : يفيد القطع كفر ، وإلا فلا . وقد حكى ابن حامد من الحنابلة
أن في تكفيره وجهين ، ولعل هذا مأخذها . الثانية : أنه هل يقبل خبر الواحد في
أصول الديانات ؟ فمن قال : يفيد العلم قبله ، ومن قال : لا يفيد لم يثبت
بمجرده إذ العمل بالظن فيما هو محل القطع ممتنع .
٢٦٦

فصْـ
فى شرط العَمَل خبر الآحاد
منها : ما هو في الُخْبِرِ ، وهو الراوي . ومنها : ما هو في المُخْبَرَ عنه . وهو
مدلول الخبر . ومنها : ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ .
[الشروط التي يجب توفرها في المُخبر]
أما الأول فله شروط: الأول: التكليف ، فلا تُقبل رواية المجنون والصبي
مميزا كان أو لا ، لعدم الوازع عن الكذب ، واعتمد القاضي في رد رواية الصبي
الإجماع ، وقال المعلق عنه : وقد كان الإمام يحكي وجها في صحة رواية الصبي ،
فلعله أسقطه . ا هـ .
والخلاف ثابت مشهور ، حكاه ابن القشيري معترضا به على القاضي ، بل هما
قولان للشافعي في إخباره عن القبلة ، كما حكاه القاضي الحسين في تعليقه .
ولأصحابنا خلاف مشهور في قبول روايته في هلال رمضان وغيره ؛ بل قال
الفوراني في ((الإبانة)) في كتاب الصيام : الأصح قبول روايته .
وحكى إلْكِيا الطبري خلافا في مستند ردّ أحاديث الصبي، فقيل هو مقتبس من
رواية الفاسق، لأن ملابسة الفسق تُهُوَّن عليه توقي الكذب، والصبي أولى
بذلك ، فإن الفاسق لا يخلو عن خيفة يستوحشها، والصبي يعلم أنه غير آثم.
وقيل: بل ذلك متلقى من الإجماع. قال: وهذا أسدُّ فإن الصحابة لم يُرَاجعوا صبيا
قط ، ولم يستخبروه ، وقد راجعوا النساء وراء الخدور ، وكان في الصبيان من يلج
على رسول الله وَيه، ويطلع على أحوال له بحيث لو نقلها لم يَخْلُ الأخذ بقوله من
فائدة شرعية ، ثم لم يُرَاجَعُوا قط . اهـ.
وجعل الغزالي في ((المنخول)) محل الخلاف في المراهق المتثبت في كلامه، قال:
أما غيره فلا يقبل قطعا، كالبالغ الفاسق. وحكاه صاحب ((الواضح)) قولا ثالثا في
٢٦٧

المسألة، وهو التفصيل بين المراهق ومن دونه والقائلون بعدم القبول اختلفوا ، هل
ذلك مظنون أو مقطوع به ؟ والأكثرون على أنه مظنون .
هذا كله إذا أدى في حال صباه ، فإن تحمل في صباه ، ثم أداه بعد بلوغه
فقولان في ((شرح اللمع)) و ((مختصر التقريب))، وأصحهما وعليه الجمهور أنه يقبل
للإجماع على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير ومعاذ بن بشير من غير تفرقة بين ما
تحملوه قبل البلوغ وبعده ، وقد روى محمود بن الربيع حديث المجّة التي مجها
النبي ◌َّ وهو ابن خمس سنين ، واعتمد العلماء روايته ذلك بعد بلوغه ، وجعلوه
أصلا في سماع الصغير، والإجماع على إحضار الصبيان مجالس الروايات .
قال ابن دقيق العيد: ولو قيل : هذا لقبول الأمة روايات من سبق كان عندي
أولى، لتوقف الأول على أن يعلم أن الأصاغر رووا للأكابر مالم يعلموه إلا من
٢٢٨ / ب جهتهم، فقبلوه /. وثبوت مثل هذا عن كل الصحابة قد يتعذر، ولكن الأمة
بعدهم قد قبلوا رواية هؤلاء .
قال: والتمثيل بابن عباس ونحوه ذكره الأصوليون ، وفي مطابقته لحال بعضهم
نظر ، قال ابن القشيري : وإنما يصح من الصبي تحمل الرواية ، ثم أداؤها بعد
البلوغ إذا كان وقت التحمل مميزا ، فأما إذا كان غير مميز ثم بلغ ، لم تصح
روايته ، لأن الرواية نقل ما سمعه ، ولا يتحقق نقل ما سمعه إلا بعد علمه .
وهذا إجماع . ولهذا قلنا : لو سمع المجنون ، ثم أفاق لم تسمع روايته .
وقال قوم : لا يصح التحمل إلا من بالغ عاقل ، وما سمعه الصبي في حال
صباه لا تصح روايته ، والصحیح خلافه ، وکذا لو تحمل وهو فاسق أو كافر ، ثم
روى وهو عدل مسلم، قال الماوَرْدي والرُّؤْياني، وحكاه في ((القواطع)) عن
الأصوليين : المراد بالعقل المعتبر هنا التيقظ ، وكثرة التحفظ ، ولا يكفي العقل
الذي يتعلق به التكليف . قال ابن السَّمْعاني : فإن كان يفيق يوما ، ويجن يوما ،
فإن أَثَّر جنونه في زمن إفاقته لم يقبل ، وإلا قبل .
الثاني : كونه من أهل القبلة ، فلا تقبل رواية الكافر كاليهودي والنصراني
إجماعا ، سواء علم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لا ، وسواء علم أنه عدل في
٢٦٨

دينه أم لا ، لأن قبول الرواية منصب شريف ، ومكرمة عظيمة ، والكافر ليس
أهلا لذلك .
وروى الإمام أحمد في ((المسند)) من جهة محمد بن الحنفية ، عن عروة بن عمرو
الثقفي، سمعت أبا طالب قال : سمعت ابن أخي الأمين يقول : اشكر ترزق،
ولا تكفر فتعذب . ورواه الحافظ الصريفيني، وقال غريب عجيب رواية أبي طالب
عن النبي مَلِ.
[حكم ما رواه أهل البدع] :
وأما الذي من أهلها وهم المبتدعة، فإن كفر ببدعته كالمجسمة إذا قلنا
بتكفيرهم، فإن علمنا من مذهبهم جواز الكذب إما لنصرة رأيهم أو غير ذلك لم
تقبل روايتهم قطعا، كذا قالوه. وقيَّده بعضهم بما إذا اعتقدوا جوازه مطلقا ، فإن
اعتقدوا جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة العقيدة ، أو الترغيب في
الطاعة، أو الترهيب عن المعصية ردت روايتهم فيما هو متعلق بذلك الأمر الخاص
فقط ، وإن اعتقدوا حرمة الكذب ، فقولان . قال الأكثرون : لا تقبل ، ومنهم
القاضيان أبو بكر وعبد الجبار ، والغزالي ، والآمدي قياسا على الفاسق ، بل هو
أولى ، وقال أبو الحسين البصري: يقبل، وهو رأي الإمام وأتباعه لأن اعتقادهم
حرمة الكذب يمنعهم من الإقدام عليه ، فيحصل صدقه ، فيجب العمل به .
وهذا التفصيل في الكافر بالبدعة ذكره في ((المحصول)).
وأطلق القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) وابن برهان في ((الأوسط)) عدم قبول
رواياتهم مطلقا . وقال : لا خلاف فيه ، وجرى عليه ابن الصلاح وغيره من
المحدثين .
وأما المبتدع إذا لم يكفر ببدعته، فإن كان ممن يرى الكذب والتدين به لم يقبل
بالاتفاق، وإلا فاختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: رد روايته مطلقا، لأنه فاسق ببدعته ، وإن كان متأولا يرد كالفاسق
بغير التأويل ، كما لا يقبل الكافر مطلقا ؛ وبه قال القاضي ، والأستاذ أبو
٢٦٩

منصور، والشيخ أبو إسحاق في ((اللمع)). قال الخطيب البغدادي : ويروى عن
مالك، واستبعده ابن الصلاح ، لأن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة .
وقال ابن دقيق العيد : لعل هذا القول مبني على القول بتكفيرهم، ورواية
الكافر غير مقبولة ، وغاية ما يقال في الفرق : أنه غير عالم بكفره ، وذلك ضم
جهل إلى كفر ، فهو أولى بعدم القبول . وما قاله ممنوع ، فإن التفريع على عدم
تكفيره بالبدعة ، وإنما مأخذ الرد عندهم الفسق ، ولم يعذروه بتأويله ، وقالوا :
هو فاسق بقوله ، وفاسق لجهله ببدعته ، فتضاعف فسقه .
والثاني: يقبل سواء دعا إلى بدعته أو لا، إذا كان ممن لا يستحل الكذب ، كما
سبق من تصوير المسألة ، وهو قضية مذهب الشافعي . قال الحافظ ابن عَدِي :
قلت للربيع : ما حمل الشافعي على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى مع وصفه إياه
بأنه كان قَدَرِيًّا ؟ فقال : كان الشافعي يقول : لأن يخر إبراهيم من السماء أحب
إليه من أن يكذب .
وقال الخطيب: وهذا مذهب الشافعي لقوله : هل هو إلا من الخَطّابية
الرافضة ، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم . قال : ويحكى عن ابن أبي ليلى
والثوري وأبي يوسف القاضي . وقال أبو نصر بن القشيري: إلى هذا ميل
الشافعي. وقبل شهادة هؤلاء والخوارج مع استحلالهم الدماء والأموال لتوقيهم
الكذب واعتقادهم كفر فاعله. وقال ابن برهان: إنه الصحيح ، وقول الشافعي؛
لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية ، فإنهم يتدينون بالكذب .
وقال محمد بن الحسن : إذا كنا نقبل رواية أهل العدل، وهم يعتقدون أن من
كذب فسق، فلأن نقبل رواية أهل الأهواء، وهم يعتقدون أن من كذب كفر
بطريق الأولى . قال: وتحقيق ما ذكرناه أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما
رووا في كتبهم عن أهل الأهواء حتى قيل : لوحذفت رواياتهم لابيضت الكتب .
اهـ .
وقد اعترض الشيخ الهندي في ((النهاية)) على كون الخَطَّابية من هذا القبيل ، بأن
المحكي في كتب المقالات ما يوجب تكفيرهم قطعا. قال : فإن صح ذلك عنهم لم
٢٧٠
٠

يكونوا من قبيل ما نحن فيه، بل من قبيل الكفرة من أهل القبلة ، فيكون
الاستثناء في كلام الشافعي منقطعا .
وقال ابن دقيق العيد : هذا هو المذهب الحق ، لأنا لا نكفر أحدا من أهل
القبلة إلا بإنكار متواتر عن صاحب الشرع ، وإذا لم نكفره وانضم إليه التقوى
المانعة من الإقدام على ما يعتقد تحريمه فالموجب للقبول موجود ، وهو الإسلام مع
العدالة الموجبة لظن الصدق ، والمانع المتخيل لا يعارض ذلك الموجب ، بل قد
يقويه كما في الخوارج الذين يكفّرون بالذنب ، والوعيدية الذين يرون الخلود
بالذنب ، وإذا وجد المقتضى وزال المانع ، وجب القبول .
وأطلق الماوَرْدي والرُّؤْياني القول بقبول رواياتهم، وهو محمول على هذا
التفصيل . وكذلك قال إلْكِيا الطبري : الفساق بسبب العقيدة كالخوارج
والروافض وغيرهم من أهل البدع اختلف في قبولٍ روايتهم ، والصحيح الذي
عليه الجمهور أن رواياتهم مقبولة فإن العقائد التي تَحَلّوا بها لا تهوِّن عليهم افتعال
الأحاديث على رسول الله وَر، والأصل الثقة، وهو في حق المتأول والمحق سواء.
نعم، الشافعي / لا يقبل شهادة الكافر على الكافر مع أنه عدل في دينه من حيث ٢٢٩ / ١
إن الشهادة تستدعي رتبة ووقارا، ولذلك لم يكن العبد من أهلها بخلاف الرواية،
فإنها إثبات الشرع على نفسه وغيره، فاستدعت مزيد منصب .
والثالث : إن كان داعيا إلى بدعته لم يقبل، وإلا قبل، وبه جزم سليم في
((التقريب))، وحكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) عن مالك، لقوله : لا
تأخذ الحديث عن صاحب هوىًّ يدعو إلى هواه . قال القاضي عياض : وهذا
يحتمل أن يريد أنه إذا لم يَدْعُ يقبل، ويحتمل أنه أراد لا يقبل مطلقا ، ويكون
قوله : يدعو، لبيان سبب تهمته ، أي لا تأخذ عن مبتدع، فإنه ممن يدعو إلى
هواه ، وهذا هو المعروف من مذهبه . اهـ .
قال الخطيب : وهو مذهب أحمد، ونسبه ابن الصلاح للأكثرين، قال : وهو
أعدل المذاهب، وأولاها، وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة
احتجاجا واستشهادا، كعمران بن حطان، وداود بن الحصين ، وغيرهما .
٢٧١

وقد نقل أبو حاتم بن حِبَّن في كتاب ((الثقات)) الإجماع على الأمرين ، فقال في
ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي : فليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن
الصدوق التقي إذا كان فيه بدعة ، ولم يكن يدعو إليها ، أن الاحتجاج بأخباره
جائز، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره . ا هـ .
وقال ابن دقيق العيد : جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب
متفقا عليه، وليس كما قاله . نعم، في هذا المذهب وجه أنه إذا روى المبتدع
الداعية ما يقوي به حجته على خصمه ، وكذلك إذا لم يكن داعية إلا أنه أضعف
من الأول . قال : نعم ، الذي أختاره أن الداعية إذا روى ، فإما أن يروي
ماينفرد به عن غيره ، ولا يوجد إلا عنده أو ما يوجد عند غيره، فإن كان الأول
روي عنه، لأن الرواية عنه ههنا في مرتبة الضرورة ، وإن كان يوجد عند غيره لم
يرو عنه ، لا لأن روايته باطلة؛ بل لإهانته وعدم تعظيمه. اهـ.
وهو تفصيل غريب .
وما حاه عن بعض المتأخرين كأنه يريد به ابن القَطَّان الْمُحَدِّث، فإنه قال في
كتاب ((الوهم والإيهام)): الخلاف في غير الداعية ، أما الداعية فهو ساقط عند
الجميع ، وليس كما قال . وفصَّل أبو علي الغَسَّاني من المحدِّثين، فقال: إن ضم
إلى بدعته افتعاله الحديث ، وتحريف الرواية ، لنصرة مذهبه لم يقبل ، وإلا قبل .
وهذا التفصيل لا وقع له ، فإن ذلك متروك . ولولم يكن صاحب بدعة .
تنبيهان
الأول : [المراد بالداعية إلى البدعة]
الأول: يتبادر أن المراد بالداعية الحامل على بدعته ، لكن قال أبو الوليد
الباجي : الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهرها ، ويحقق عليها ، فأما الداعي بمعنى
حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه .
٢٧٢

الثاني : [متى تقبل رواية الكافر]
إنما لا تقبل رواية الكافر إذا روى في حال كفره ، أما لو تحمل وهو كافر ثم أدى
في الإسلام قبلت على الصحيح. قاله القاضي في ((التقريب))، وجزم به الماوَرْدي
والرُّؤْياني ، قالا: وكذلك لو روى وهو فاسق ، ثم أدى وقد اعتدل . وفي
الصحيح عن جبير بن مطعم أنه سمع النبي ◌ُ ◌ّل يقرأ في المغرب بالطور، ولما سمع
هذا كان كافرا عقب أسره في غزوة بدر، وصرح بذلك في الحديث، ثم أنه رواه
بعدما أسلم، وأجمعوا على قبوله .
[الشرط] الثالث : العدالة في الدين
فالفاسق لا تقبل روايته كما لا يوثق بشهادته ، والعدل هو العادل توسعا ،
مأخوذ من الاعتدال . وفي الاصطلاح : من تقبل شهادته ويحكم بها . والعدالة في
الأصل هي الاستقامة ، يقال : طريق عدل ، لطريق الجادة ، وضدها الفسق ،
وهو الخروج عن الحد الذي جعل له ، والمقصود أن لا تقبل روايته من حيث إن
هواه غالب على تقواه ، فلا تصح الثقة بقوله ، ثم ضابط الشرع في ذلك معتبر ،
فلو لاح بالمخايل صدقه لم يجز قبول روايته ، فإنه يخالف ضابط الشرع ، وليس لنا
أن نعمل بكل ظن ، بل ظن له أصل شرعا . هذا إذا رجع الفسق إلى الديانة فلا
خلاف فيه كما قاله ابن برهان وغيره ، فإن رجع إلى العقيدة كأهل الأهواء والبدع
فقد سبق حكمه . قال القاضي : ولا تقْبَل ممن اتّفِقَ على فسقه ، وإن كان
متأولا .
[تعريف العدالة]
واعلم أن العدالة شرط بالاتفاق ، ولكن اختلف في معناها ، فعند الحنفية
عبارة عن الإسلام مع عدم معرفة الفسق ، وعندنا ملكة في النفس تمنع عن
اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، والرذائل المباحة كالبول في الطريق،
والمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة ، ولا حاجة للإصرار على الصغيرة
لأنها تصير كبيرة .
٢٧٣

قال ابن القشيري : والذي صح عن الشافعي أنه قال : ليس من الناس من
يمحض الطاعة ، فلا يمزجها بمعصية ؛ ولا في المسلمين من يمحض المعصية ، فلا
يمزجها بالطاعة . فلا سبيل إلى رد الكل ، ولا إلى قبول الكل ، فإن كان الأغلب
على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته ، وإن كان الأغلب المعصية
وخلاف المروءة رددتها وهو ظاهر في جري الرواية والشهادة مجرى واحدا ، وعليه
جرى القاضي .
وقال أبو بكر الصَّيْرفي : من قارف كبيرة ردت شهادته ، ومن اقترف صغيرة لم
ترد شهادته ، ولا روايته . قال : والمواظبة على الصغيرة كمقارفة الكبيرة ، وقال :
لو ثبت كذب الراوي ردت روايته إذا تعمد ، وإن كان لا يعدّ ذلك الكذب من
الكبائر ، لأنه قادح في نفس المقصود بالرواية . وقال القاضي ما معناه : المعنى في
الرواية الثقة ، فكل مالا يخرم الثقة لا يقدح في الرواية ، وإنما القادح ما يخرم
الثقة . اهـ .
وقال الصَّيْرفي في كتاب ((الدلائل والأعلام)): المراد بالعدل من كان مطيعا لله
في نفسه، ولم يكثر من المعاصي إلا هفوات وزلات، إذ لا يعرى واحد من معصية،
فكل من أتى كبيرة فاسق، أو صغيرة فليس بفاسق، لقوله تعالى : ﴿إن تجتنبوا
كبائر ما تنهون عنه﴾[سورة النساء/ ٣١] ومن تتابعت منه الصغيرة وكثرت وقف خبره،
وكذا من جهل أمره .
قال : وما ذكرت من متابعة الأفعال للعاصي أنها علم الإصرار لعلم الظاهر ،
كالشهادة الظاهرة ، وعلى أني على حق النظر لا أجعل المقيم على الصغيرة المعفو
عنها ، مرتكباً للكبيرة إلا أن يكون مقيما على المعصية المخالفة أمر الله دائما .
قال : فكل من ظهرت عدالته فمقبول حتى يعلم الجرح ، وليس لذلك غاية يحاط
بها وأنه عدل في الحقيقة ، ولا يكون موقوفا حتى يعلم الجرح . اهـ .
٢٢٩ /ب وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): لا بد في العدل / من أربع شرائط:
١ - المحافظة على فعل الطاعة واجتناب المعصية، ٢ - وأن لا يرتكب من الصغائر
ما يقدح في دين أو عرض ، ٣ - وأن لا يفعل من المباحات ما يُسْقِط القَدْر ،
ويُكْسِب الندم . ٤ - وأن لا يعتقد من المذاهب ما ترده أصول الشرع .
٢٧٤

وقال إمام الحرمين : الثقة هي المعتمد عليها ، فمتى حصلت الثقة بالخبر قبل ،
وهذا مفهوم من عادة الأصوليين . وهذا ظاهر نص الشافعي في ((الرسالة)) فإنه
قال : وليس للعدل علامة تُفَرِّق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه ، وإنما
علامة صدقه بما يختبر من حاله في نفسه ، فإن كان الأغلب من أمره ظاهر الخير
قبل وإن كان فيه تقصير من بعض أمره، لأنه لا يعرى أحد رأيناه من الذنوب،
فإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره ،
والتمييز بين حسنه وقبحه . اهـ .
واعلم أن العدالة في الرواية وإن كانت عندنا شرطا بلا خلاف ، لكن اختلف
أصحابنا هل ينتهي إلى العدالة المشترطة في الشهادة أم لا ؟ وفیه وجهان حکاهما
ابن عَبْدان في شرائط الأحكام، أحدهما : أن تعتبر العدالة ممن يقبله الحاكم في
الدماء والفروج والأموال ، أو زكاه مُزَكَّيان . والثاني : أنه لا يعتبر في ناقل الخبر ،
وعدالته ما يعتبر في الدماء والفروج والأموال؛ بل إذا كان ظاهره الدين والصدق
قبل خبره . هذا كلامه .
قلت : وظاهر نص الشافعي على الأول ، فإنه قال في اختلاف الحديث في
جواب سؤال أورده : فلا يجوز أن يترك شهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر. اهـ.
وهو ظاهر في أن ظاهر العدالة من يحكم الحاكم بشهادته . ثم اختلفوا في
مواطن :
[أقسام الذنوب]
أحدها : أن الذنوب إلى كم تنقسم؟ على ثلاثة أوجه :
أحدها : إلى قسمين صغائر وكبائر؛ وهو المشهور بين الفقهاء، ويساعدهم
إطلاقات الكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿وكَرَّه إليكم الكفر والفسوق
والعصيان﴾ [سورة الحجرات/٧] فجعل الفسوق وهو الكبائر تلي رتبة الكفر ، وجعل
الصغائر تلي رتبة الكبيرة. وقد خصص النبي وَ ل بعض الذنوب باسم الكبائر.
والثاني: هو قسم واحد، وهو الكبائر وهو طريقة جمع من الأصوليين، منهم
الأستاذ أبو إسحاق، ونفى الصغائر، وجرى عليه إمام الحرمين في ((الإرشاد))،
٢٧٥

وابن فُورَك في كتابه ((مشكل القرآن))، فقال : المعاصي عندنا كبائر ، وإنما يقال
لبعضها : صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر منها ، كما يقال : الزنا صغيرة بالنسبة إلى
الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر . قال : ومعنى الآية
إن اجتنبتم كبائر ما نهاكم عنه، وهو الكفر بالله، كَفِّرتُ عنكم سيئاتكم التي دون
الكفر، إن شئت . ثم حكى انقسام الذنوب إلى صغيرة وكبيرة عن المعتزلة
وغَلَّطهم، ولعل أصحاب هذا الوجه كرهوا تسمية معصية الله صغيرة، إجلالا
لله وتعظيما لأمره، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية .
والثالث: قول الحليمي: إلى ثلاثة أقسام صغيرة وكبيرةٌ وفاحشة ، فقتل النفس
بغير حق كبيرة ، فإن قتل ذا رحم ففاحشة ، فأما الخدشة والضربة مرة أو مرتين
فصغيرة . وجعل سائر الذنوب هكذا . والظاهر أن الخلاف لفظي ، فإن رتبة
الكبائر تتفاوت قطعا .
[تعريف الكبيرة]
الثاني: إذا قلنا بالمشهور فاختلفوا في الكبيرة ، هل تعرف بالحد أو بالعد ؟ على
وجهين . وبالأول قال الجمهور ، واختلفوا على أوجه . قيل : المعصية الموجبة
للحد . وقيل : ما لحق صاحبها وعيد شديد . وقيل : ما تُؤْذن بقلة اكتراث
مرتكبها بالدين ورقة الديانة . قاله إمام الحرمين . وقيل : ما نص الكتاب على
تحريمه ، أو وجب في جنسه حد ، والظاهر أن كل قائل ذكر بعض أفرادها ،
ويجمع الكبائر جميع ذلك . والقائلون بالعدّ اختلفوا في أنها هل تنحصر ؟ فقيل :
تنحصر ، واختلفوا فقيل : معينة .
وقال الواحدي في ((البسيط)): الصحيح أنه ليس للكبائر حد يعرفه العباد ،
وتتميز به عن الصغائر تمييز إشارة ، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ، ولكن
الله تعالى أخفى ذلك على العباد ليجتهد كل واحد في اجتناب ما نهي عنه ، رجاء
أن يكون مجتنبا للكبائر ، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات ، وليلة
القدر في رمضان . ا هـ .
ثم قيل : هي سبعة . وقيل : أربعة عشر. وقال ابن عباس : هي إلى سبعين
٢٧٦

أقرب منها إلى السبع . والصحيح أنها لا تنحصر، إذ لا يؤخذ ذلك إلا من السمع
ولم يرد فيه حصرها . وقد أنهاها الحافظ الذهبي في جزء صنفه إلى السبعين .
ومن المنصوص عليه: القتل، والزنا، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق
السكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين
الفاجرة، وقطيعة الرحم، والعقوق، والفرار، ومال اليتيم، وخيانة الكيل ،
والوزن ، وتقديم الصلاة وتأخيرها ، والكذب على محمد بَّه، وضرب المسلم ،
وسب الصحابة ، وكتمان الشهادة ، والرشوة ، والدياثة ، وهي القيادة على
أهله ، والقيادة وهي على أجنبي ، والسعاية عند السلطان ، ومنع الزكاة ،
واليأس من رحمة الله ، وأمن المكر، والظهار، وأكل لحم الخنزير، والميتة، وفطر
رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر ، والربا ، وترك الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، ونسيان القرآن بعد حفظه ، وإحراق الحيوان بالنار ، وامتناع المرأة
من زوجها بلا سبب .
وتوقف الرافعي في ((ترك الأمر)) وما بعده ، ونقل عن صاحب العُدة جعل
الغيبة من الصغائر . وهو يخالف نص الشافعي ، كيف وهي أخت النميمة ! وقد
روى الطبراني حديث المعذَّبَيْنْ في قبرهما ، فذكر الغيبة بدل النميمة . ومنها إدمان
الصغيرة .
الثالث: أن الإصرار على الصغائر حكمه حكم مرتكب الكبيرة الواحدة على
المشهور . وقال أبو طالب القضاعي في كتاب ((تحرير المقال في موازنة الأعمال)):
إن الأصرار حكمه حكم ما أصر به عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة . قال :
وقد جرى على ألسنة الصوفية لا صغيرة مع الإصرار ، وربما يروى حديثا، ولا
يصح .
والإصرار يكون باعتبارين : أحدهما : حُكميّ وهو العزم على فعل تلك
الصغيرة بعد الفراغ منها، فهذا حكمه حكم من كررها فعلا ، بخلاف التائب
منها، فلو ذهل من ذلك ولم يعزم على شيء فهذا هو الذي تُكَفِّره الأعمال الصالحة
من الوضوء والصلاة والجمعة والصيام ، كما دل عليه الأحاديث .
٢٧٧

لكن اختلف في هذا هل شرط التكفير عدم ملابسته لشيء من الكبائر أو لا
٢٣٠ / ١ يشترط ذلك؟ على قولين، لأجل قوله ومَله /: (الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما
ما اجتنبت الكبائر) ، وحكى ابن عطية وغيره عن الجمهور الاشتراط لظاهر
الحديث، واختار بعض المحققين أنه لا يشترط . قال : والشرط في الحديث بمعنى
الاستثناء ، والتقدير : مكفرات ما بينهنّ إلا الكبائر، وهذا يساعده مطلق
الأحاديث المصرحة بالتكفير من غير شرط ، وإن قلنا : إن المراد بالكبائر في الآية
السابقة الكفر كما قال ابن فُورَك ، فنحمل الحديث عليها ، وتسقط الدلالة بها
للقول الأول .
والثاني : الإصرار بالفعل، ويحتاج إلى ضابط . قال ابن الرِّفْعَةِ : لم أظفر فيه
بما يثلج الصدور، وقد عبّر عنه بعضهم بالمداومة، وحينئذ هل تعتبر المداومة على
نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر، سواء كانت من نوع واحد أو
أنواع ؟ ويخرج من كلام الأصحاب عنه وجهان . قال الرافعي : ويوافق الثاني
قول الجمهور: من تَغْلِبُ معاصيه طاعته كأن يزوِّر الشهادة . قال : وإذا قلنا به لم
يضره المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الأول
تضرّه . قال ابن الرِّفعة: وقضية كلامه أن مداومة النوع تضر على الوجهين؛ أما
على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته قال : إن الإكثار من
النوع الواحد كالإكثار من الأنواع . وحينئذ يحسن معه التفصيل . نعم، يظهر
أثرها فيما إذا أتى بأنواع من الصغائر، فإن قلنا : بالأول لم يضر، وإن قلنا بالثاني
ضر .
ويتفرع على اشتراط العدالة مسائل :
أحدها : عدم قبول خبر الفاسق . والفسق نوعان:
أحدهما: من حيث الأفعال ، فلا خلاف في رده .
الثاني: من جهة الاعتقاد كالمبتدعة، وفيه خلاف . وحكى مسلم في صحيحه
الإجماع على رد خبر الفاسق. قال : إنه غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته
مردودة عند جميعهم . وذكر إمام الحرمين أن الحنفية وإن باحوا بقبول شهادة
٢٧٨

الفاسق ، فلم يبوحوا بقبول روايته ، فإن قال به قائل فهو مسبوق بالإجماع .
وللمُقْدِم على الفسق أحوال:
أحدها: أن يعلم حرمة ما قدم عليه، والإجماع على رده، كذا قال في
((المحصول)) وغيره، ويتجه تقييده بالمقطوع بكونه فسقا، أما المظنون فيشبه تخريج
خلاف فيه، إذ حکوا وجها فیمن شرب النبيذ وهو يعتقد تحريمه أن شهادته لا ترد،
والرواية ملحقة بالشهادة فيما يرجع إلى العدالة.
الثاني : أن يقدم على الفسق معتقدا جوازه لشبهة أو تقليد فأقوال :
ثالثها : الفرق بين المظنون والمقطوع، وهو ظاهر كلام الشافعي رضي الله
عنه ، فإنه قال في المظنونات : أقبل شهادة الحنفي إذا شرب النبيذ وأحدّه . وقال
في القطعيات : أقبل شهادة أهل البدع والأهواء إلّ الخَطَّابية من الرافضة ؛ لأنهم
يرون شهادة الزور لموافقيهم، وحكى في ((المحصول)) الاتفاق في المظنون على
القبول . قال الهندي : والأظهر ثبوت الخلاف فيه كما في الشهادة ، وهذا من
الشافعي في المقطوع به إذا لم ير صاحبه جواز الكذب ، والأكثرون قبلوا روايته،
وهو اختيار الغزالي، والإمام الرازي وأبي الحسين البصري . وقال ابن الصباغ في
((العدة)): إذا كان فسقه من جهة الاعتقاد لم يرد خبره، وقد قبل التابعون أخبار
الخوارج . وقال الشافعي : لا أرد شهادة أهل الأهواء .
واختار القاضي أبو بكر والجُبَّائي وأبو هاشم عدم القبول ، وقد نازع في كون
صورة النبيذ ونحوها من الفسق المظنون طائفتان، فطائفة قالت : ليس هو من
الفسق أصلا ، لأنه مجتهد فيه . والمسائل الاجتهادية لا إنكار فيها على المخالف ،
ولا فسق ، لأن كل مجتهد مصيب ، أو المصيب واحد لا نعلمه ، ولا إثم على
المخطىء، وإلى هذا جنح العَبْدَرِي في ((شرح المستصفى)). وطائفة قالت: بل هو
من المقطوع به، لأن الحد إنما يصح مع التفسيق ، والفسق يرد الشهادة . ولهذا
قال مالك : أحدُّه ، ولا أقبل شهادته . وإلى هذا جنح ابن الحاجب والقَرَافي
وجعل ذلك من الشافعي تناقضا ، لكن الشافعي حقق اختلاف الجهتين ، فقال :
الحدّ للزجر، فلم يراع فيه مذهب الشارب للنبيذ، والشهادة ترد للكبيرة، وهذا
يتأول فيمن شرب معتقداً إباحة فعذر بتأويله .
٢٧٩

الثالث : أن يقدم غير معتقد بحل ولا حرمة، عالما بالخلاف في إباحته
وحظره، فيحد . وفي فسقه وردّ شهادته وجهان، حكاهما الماوَرْدي، ولا يبعد
تخريجهما في الرواية .
أحدهما : أنه فاسق مردود الشهادة ، لأن ترك الإرشاد في الشبهات تهاون .
والثاني لا يفسق ، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي ، ولا يفسق معتقد
الإباحة .
الثانية : من ظهر عناده فيما ذهب إليه ، لا تقبل روايته ، لأنه كذب مع علمه
به .
الثالثة : إذا ثبت أن عدالة الراوي شرط فله ثلاثة أحوال . لأنه إما أن يُعْلم
عدالته، ولا إشكال في قبوله . وإما أن يُعْلم جرحه، فلا إشكال في ردّه . وإما أن
يجهل حاله . وله أحوال :
[الراوي المجهول الحال]
أحدها : مجهول الحال في العدالة ظاهرا وباطنا مع كونه معروف العين برواية
عدلين عنه . وفيه أقوال : أحدها : وهو قول الجماهير ، كما حكاه ابن الصلاح ،
أن روايته غير مقبولة . والثاني : تقبل مطلقا. والثالث : إن كان الراويان أو
الرواة عنه لا يروون عن غير عدل قبل ، وإلا فلا .
[الراوي المستور الحال]
الثاني: المجهول باطنا وهو عدل في الظاهر، وهو المستور، فعند أبي حنيفة يقبل
ما لم يعلم الجرح، وعند الشافعي لا يقبل ما لم تعلم العدالة كالشهادة، وكذا قال
الماوَرْدِي والرُّؤْياني وغيرهما، وممن نقله عن جزم الشافعي أبو الحسين بن القَطَّان،
ونقله إلكيا عن الأكثرين. ونقله شمس الأئمة عن محمد بن الحسن وقال: نص في
كتاب الاستحسان على أن خبر المستور كخبر الفاسق. وروي عن أبي حنيفة أنه
كالعدل، وهو قياس قوله في الشهادة.
قال أبو الحسن السهيلي في ((أدب الجدل)): ويمكن أن يقال على قوله: لا يحتج
به، وإن قبلت شهادته على جهالة الحال، والفرق أن في الشهادة خصما يطالب
٢٨٠