النص المفهرس

صفحات 181-200

فعله على جهة التقرب سواء عرف أنه فعله على جهة التقرب أو لم يعرف، فإنه
شَرْع لنا، إلا أن يقوم دليل على تخصيصه به.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: هذا المسألة لم يفصح عنها المحققون، وأنا
أقول: إذا علمنا أن فعله على طريق الوجوب، فإن علمناه واجبا عليه وعلينا فلا
حاجة إلى الاستدلال بفعله على أنه واجب علينا؛ بل مرجعنا إلى الدليل الدال على
عدم خصوصيته، وإن علمناه مختصا به، فقد مر الكلام في خصائصه، وإن
شككنا فلا دليل على الوجوب إلا أدلة القائلين بالوجوب فيما لم تعلم صفته، فلا
حاجة إلى فرض هذه المسألة، وهي أنه معلوم الصفة أولا. وإن علمنا أنه أوقعه
ندبا فهو على اختيارنا الندب في مجهول الصفة، أو مباحا، فهو الذي لم يظهر فيه
قصد القربة. اهـ . ملخصا.
وإن لم نعلم صفته في حقه، فتنقسم إلى قسمين:
الأول: أن يظهر فيه قصد القربة. قال إمام الحرمين في البرهان: فذهبت
طوائف من المعتزلة إلى حمله على الوجوب، وبه قال ابن سُرَيج وابن أبي هريرة من
أصحابنا، وذهب آخرون إلى أنه لا يدل على الوجوب، ولكن يقتضي
الاستحباب. قال: وفي كلام الشافعي ما يدل عليه، وحكاه غيره عن القَفَّال وأبي
حامد المروزي، وذهب الواقفية إلى الوقف. ونسبه الشيخ أبو إسحاق لأكثر
أصحابنا، ويُحكى عن الدَّقاق، واختاره القاضي أبو الطيب، وحكاه في ((اللمع))
عن الصَّيْرفي، وأكثر المتكلمين، ولم يحك الإمام قول الإباحة ههنا، لأن قصد
القربة لا يجامع استواء الطرفين، لكن ابن السَّمْعاني حكاه حملا على أقل الأحوال،
وكذا الآمدي صرح بجريان الخلاف الآتي في الحالتين جميعا، ويمكن توجيهه بأن
القصد بفعل المباح جواز الإقدام عليه، ويثاب عليه السلام /على هذا القصد، فهو ٢١٦ / ب
قربة في حقه بهذا الاعتبار.
الثاني: أن لا يظهر فيه قصد القربة؛ بل كان مجردا مطلقا، وهذا موضع
الخلاف الآتي، والذي يقتضيه التحقيق فيما إذا لم يعرف حكم ذلك الفعل بالنسبة
إلى النبي ۆ، فإما أن يكون من العبادات فهو متردد بين الوجوب والندب، وما
١٨١

كان من غيرها، وهو دنيوي كالتنزه فهو متردد بين الإباحة والندب، وإلا كان
ظاهرا في الندب، ويحتمل الوجوب .
وأما حكم ذلك الفعل بالنسبة إلينا ففيه مذاهب: أحدها: أنه واجب في حقنا
وحقه ما لم يمنع مانع، ونسبوه لابن سُريج. قال إمام الحرمين: وهو زلل في النقل
عنه، وهو أجل قدرا من ذلك. وحكاه ابن الصَّباغ وغيره عن الإِصْطَخْري، وابن
خَيْرَان، وابن أبي هريرة، والطبري، وأكثر متأخري أصحابنا، كما قاله الأستاذ
أبو منصور. وقال سليم: إنه ظاهر مذهب الشافعي، ونصره ابن السَّمْعاني في
((القواطع))، وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه
قصد القربة. واختاره أبو الحسين بن القطار، ونَصَرَ أدلته، قال: وأخذوه من قول
الشافعي [في الرَد] على أهل العراق في سنن النبي ◌َّر وأوامره: أجمعنا أن الأمر
يختص به الظاهر، فهو إذا انفرد بنفسه أولى أن يكون واجبا، واختاره الإمام فخر
الدين في ((المعالم)).
ومن هذا الباب جلوسه بين الخطبتين يوم الجمعة، وليس فيه إلا فعله عليه
السلام. ورأى الشافعي فساد الصلاة بتركه، والقول بوجوب التأسي في حقنا
هو الصحيح عن مالك. قاله القاضي أبو بكر وابن خُوَيْزِ مَنْداد، واختاره. وقال
عبد الوهاب: إنه اللائق بأصولهم. قال القَرَافي: وهو الذي نقله أئمة المالكية في
كتبهم الأصولية والفروعية، وفروع المذهب مبنية عليه .
ونقله القاضي أبو بكر عن أكثر أهل العراق، منهم الكَرْخي وغيره. ثم قال
القاضي: واختلف القائلون بالوجوب على طريقين، فذهب بعضهم إلى أنا ندرك
الوجوب بالعقل، وذهب بعضهم إلى أنا ندركه بالسمع، وهو الذي أورده ابن
السَّمْعاني. وقال إنْكِيا الطبري: الصحيح أنه لا يتلقى من حيث العقل، لأنه لا
دلالة فيه، والمخالف يُسَلِمّ ذلك، ولكنه يقول: دليل السمع دل عليه، فيرجع
النزاع إلى دليل السمع، إذن لا متعلق لهم، والألفاظ دلت على التأسي به، وتهديد
تارك التأسي به والاتباع له .
(١) كذا في الأصول
١٨٢

والثاني: أنه مندوب، وهو قول أكثر الحنفية والمعتزلة، ونقله القاضي وابن
الصباغ، وسليم عن الصَّيْرفي والقَفَّال الكبير. فأما النقل عن القفال فصحيح،
فقد رأيته في كتابه، وعبارته لا تدل على الوجوب في حق الأمة إلا بدليل، ولنا
أسوة به، وهو غير مخصوص به حتى يوقف على الخصوص. وأما الصَّيْر في فسيأتي
عنه الوقف، ونسبه القاضي أبو بكر لأصحاب الشافعي. وقال ابن القشيري: في
كلام الشافعي ما يدل عليه. وقال الماوَرْدي والرُّؤْياني: إنه قول الأكثرين. وأطنب
أبو شامة في نصرته.
والثالث: أنه مباح، ولا يفيد إلا ارتفاع الحرج عن الأمة لا غير، وهو الراجح
عند الحنابلة. ونقله الدبوسي في ((التقويم)) عن أبي بكر الرازي، وقال: إنه
الصحيح، واختاره الإمام في ((البرهان))، وأطنب في الردِّ على الأولين، ونقل عن
مالك. قال القرطبي: وليس معروفا عند أصحابه .
قال ابن القَطَّان: ونسبوه إلى الشافعي؛ لأنه قال في كتاب المناسك، في صلاة
النبي ◌َّ ركعتي الطواف: ولا أدري أفرض أو تطوع؟ ولا أدري الفريضة تجزىء
عنها أم لا؟ إلا أن الظاهر إن صلاهما أن علينا صلاتهما، وإنما منعنا من إيجابهما أن
الله تعالى ذكر الطواف، ولم يذكر الصلاة، فدل على أن فعله عليه السلام غير
واجب .
قال: وذكر أيضا في الأمر قول عائشة: فعلت أنا ورسول الله، فاغتسلنا، وقوله
تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [سورة النساء /٤٣] إنما أريد به الجماع، وإن لم
يكن معه إنزال، لأنه يوجب المهر. ولم يعد إلى حديث عائشة؛ بل استدل بقوله :
﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [سورة النساء / ٤٣] وباتفاقهم على إيجاب المهر، وإن لم
يكن إنزال، فكذلك الغسل، فلو كان فِعْله عنده واجبا لكان أولى ما يحتج به
وَله. قال: والقائلون بالوجوب أوّلوا هذا إلى قولهم. اهـ.
الرابع : أنه على الوقف حتی یقوم دلیل علی الوقف، وبه قال جمهور أصحابنا،
منهم الصَّيْرفي كما رأيت التصريح به في كتابه ((الدلائل))، ونقله ابن السَّمْعاني عن
أكثر الأشعرية. قال: واختاره من أصحابنا الدقاق وأبو القاسم ب كج. وقال ابن
١٨٣

فُورَك: إنه الصحيح، وكذا صححه القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية))، ونقله
عن كثير من أصحابنا، منهم ابن كج والدَّقَاق والسريجي. قال: وقالوا: لا ندري
إنه للوجوب أو للندب أو للإباحة، لاحتمال هذه الأمور كلها، واحتمال أنه من
خصائصه. واختاره الغزالي والإمام فخر الدين وأتباعه. ونقله الأستاذ أبو منصور
عن الأشعري والصَّيْرفي. وقال ابن القَطَّان: هذا القول بعيد جدا عن المذهب،
إلا أنه أقيس من الذي قبله، وصححه أبو الخطاب من الحنابلة، وذكره عن
أحمد .
قال بعضهم؛ وللوقف في أفعاله معنيان: أحدهما الوقف في تعدية حكمه إلى
الأمة، وثبوت التأسي، وإن عرفت جهة فعله. والثاني: الوقف في تعيين جهة فعله
من وجوب أو استحباب، وإن كان التأسي ثابتا، وهو بهذا يؤول إلى قول الندب .
والخامس : أنه يدل على الحظر. قال الغزالي، وتبعه الآمدي والهندي: وهو
قول من جوز على الأنبياء المعاصي، وهو سوء فهم. فإن هذا القائل يقول: إن
غيره يحرم عليه اتباعه فيها. لا إن وقع منه يكون حراما، كما صرح به القاضي أبو
الطيب وابن القشيري، فقالا: ذهب قوم إلى أنه يحرم اتباعه، وهذا بناء على
أصلهم في الأحكام قبل ورود الشرائع، فإنهم زعموا أنها على الحظر، ولم يجعلوا
فعل رسول الله وَير علما في تثبيت حكم، فبقي الحكم على ما كان عليه في قضية
العقل قبل ورود الشرائع .
١٨٤

تنبيهات
الأول : الظاهر أن هذا الخلاف يجرى في حكم الفعل بالنسبة إلى النبي ◌َلقه
عند القائلين بأن حكمنا حكمه في الأفعال المعروفة الأحكام، ثم رأيت ابن النَّفِيس
قال في كتابه ((الإيضاح)): الذي يظهر لي أنه بالنسبة إليه سيد أن ما يكون من
العبادات فهو متردد بين الوجوب والندب، وما كان من غيرها وهو دنيوي كالتنزه،
فهو متردد بين الإباحة والندب، وإلا كان ظاهرا في الندب، ويحتمل الوجوب.
وأما كونه بالنسبة إلينا ففيه أربعة أقوال، وحكى الخلاف السابق .
الثاني: ما أطلقوه من أن الفعل إذا وقع بيانا يصير حكمه حكم المبين في
الوجوب / أو الندب، أثار فيه ابن دقيق العيد بحثا، وهو أن الخطاب المجمل مبين ٢١٧ / أ
بأول الأفعال وقوعا، فإذا تبين بذلك الفعل لم يكن ما وقع بعده بيانا لوقوع البيان
بالأول، فيبقى فعلا مجردا لا يدل على الوجوب. مثاله قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾
[سورة النساء /٧٧] وصح عن النبي ◌َّر أنه افتتح الصلاة بعد التكبير بدعاء
الاستفتاح، وفي حديث عائشة (رضي الله عنها) أنه افتتحها بعد التكبير بالفاتحة،
فيتعارضان، اللهم إلا أن يدل دليل على وقوع ذلك الفعل المستدل به بيانا،
فيتوقف الاستدلال بهذه الطريقة على وجود ذلك الدليل؛ بل قد يقوم الدليل على
خلافه كرواية من رأى فعلا للنبى وَلّ وسبقنا له ... (١)
هذه التقاسيم كلها في الأفعال بعد السمع. وأما أفعاله قبل ورود السمع
فحكمها مبني على أنه متعبد بشريعة من قبلنا، وسيأتي .
(١) بياض في جميع النسخ .
١٨٥

مسألة
[حكم التاسي بالرسول ## في فعله]
التأسي بالنبي عليه السلام واجب فيما سوى خواصه عند المعتزلة وجمهور
الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [سورة الحشر /٧] وقال عمر:
لولا أني رأيت رسول اللّه يقبلك ما قبلتك. وقيل: إن ذلك إنما يجب في العبادات،
وفسروا التأسي بأن النبي ◌َّ إذا فعل فعلا على وجه الوجوب، وجب علينا أن
نفعله كذلك، وإن فعله على وجه الإباحة أو الندب، وجب علينا اعتقاد أنه
كذلك. وينبغي أن يخص بهذا من عَرفَ الفعل وحُكْمه، إذ لو وجب تحصيل
العلم بذلك لكان تعلم مسائل الفقه من فروض الأعيان .
١٨٦

فصْل
في بيان الطرق التي بها تعرف جهة الفعل من كونه واجبا ومندوبا ومباحا، لأن
وجوب المتابعة يتوقف على ذلك .
اعلم أن فعله عليه السلام ينحصر فيما ذكرنا، لأن المُحرَّم يمتنع صدوره منه
إجماعا، وكذلك المكروه عندنا؛ بل لا يتصور منه وقوعه، لأنه إنما يفعله لقصد
التشريع، فهو أفضل في حقه من الترك، وإن كان فعله مكروها لنا، ثم الطريق قد
يعم هذه الأمور، وقد يخص البعض .
فالعام أربعة : أحدها: أن ينص على كونه من القسم الفلاني. ثانيها: أن
يسويه بفعل علمت جهته. ثالثها: أن يقع امتثالا لآية مجملة، دلت على أحد هذه
الثلاثة. رابعها: أن يقع بيانا لآية مجملة دلت على أحدها .
وأما الخاص بالوجوب، فعرف بطرق:
أحدها : أن يقع على صفة تقرر في الشرع أنها أمارة الوجوب، كالصلاة بأذان
وإقامة .
ثانيها: أن يقع قضاء لعبادة علم وجوبها عليه .
ثالثها : أن يقع جزاء شرط كفعل ما وجب بالنذر. قلنا: إن النذر غير
مكروه .
رابعها : أن يداوم على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب، لأنه لو كان
غير واجب لأخل بتركه.
خامسها : ذكر الصَّيرفي أن يفعله فصلا بين المتداعيين جزاء، فهو دليل على
وجوبه. قال تعالى: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾ [سورة النساء /٦٥]
وكذلك ما أخذه من مال رجل وأعطاه لآخر، فيعلم أن ذلك الأخذ واجب .
١٨٧

سادسها : أن يكون ممنوعا منه لو لم يجب، كالإتيان بالركوعين في صلاة
الخسوف. فإن الزيادة في الصلاة مبطلة في غير الخسوف، فمشروعيتها دليل على
وجوبها .
وهذا المعنى نقلوه عن ابن سُريج في إيجاب الختان، وهو منتقض بصور كثيرة.
منها سجود السهو، والتلاوة في الصلاة، فإنه ممنوع منه، ولما جاز لم يجب. وكذلك
رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، وغيره، وقال الخفاف في الخصال: فعل
النبي ◌َّ غير واجب علينا إلا في خصلتين، أن يكون فعله بيانا أو يقارنه دلالة.
وأما الخاص بالندب فأمور: منها قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على
الوجوب، فإنه يدل على كونه مندوبا، وبكونه قضاء لمندوب، ومداومته على الفعل
ثم يخل بتركه، كتركه الجلوس للتشهد الأول. وكذا تركه الوضوء مما مسته النار
بعد وجوبه، فيه دليل على أنه كان غير واجب فيه. قاله الأستاذ أبو منصور. ومنها
بالدلالة على أنه كان مخيرا بينه وبين فعل آخر ثبت [عدم] وجوبه، لأن التخيير لا
يقع بين واجب وغير واجب، وقد يكون بعض المندوب آكد من بعض .
قال القَفَّال في ((محاسن الشريعة)): ومما تعرف به الآكدية المداومة عليه، لأنه
أعرف بمواقع الشكر، فيقدم على ما لم يداوم عليه. ومنها أداؤه في جماعة، فيكون
آكد مما شرعه منفردا، لأن الجماعة من شعائر الفرائض. ومنها التوقيت، فالفعل
المؤقت أفضل مما لا وقت له، لأن التوقيت من معالم الفروض. وجعل منه الوتر
والرواتب، وما نقص عن ذلك كان بعده في الرتبة. وذكر الإمام في ((النهاية)) من
أسباب الآكدية أن ما اتفق عليه آكد مما اختلف فيه. وهذا خارج عما نحن فيه .
وتعرف الإباحة بمجرد الفعل وتنتفي ندبيته ووجوبه بالبقاء على حكم الأصل،
فيعرف أنه مباح. قال في المحصول: وبأنه ثبت أنه لا يفعل راجح الترك، فيعلم
أن فعله غير راجح الترك، والأصل عدم رجحان الفعلِ فثبتت الإباحة. قال
الصَّيْرفي: وبأن يفعله بعد نهي منه، فيعلم زوال النهي. ومثله بأمره بالصلاة قعودا
خلف الإمام القاعد، ثم صلى قاعدا والناس قيام خلفه. قال: وهذا إنما يقع في
السنّة، لأن السنة لا تنسخ القرآن .
١٨٨

مسألة
مَا فَعَلِهِ الرَّسُول ◌ُِّه مرة واحدة يأتي به عَلى أكمل وَجُه
فعله وَليل إنما يحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرا، فيفعله مرة أو
مرات على الوجه [الجائز]، لبيان الجواز، ويواظب غالبا على فعله على أكمل
وجوهه، کالوضوء مرة ومرتين وثلاثا [ کله ثابت، والکثیر أنه صلی الله عليه وسلم
توضأ ثلاثا ثلاثا، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما](١) جرى منه مرة واحدة
فلا يقع منه إلا على أكمل وجوهه، كذا قاله النووي في ((شرح مسلم)). ورد به
قول من قال إنه وَ ل﴿ إنما أحرم من الميقات دون بلده لبيان الجواز.
مسألة
[دخول الزمان والمكان فيما وقع من الأفعال للبيان]
إذا فعل النبي ◌َ ◌ّ فعلا لبيان، دخل في ذلك هيئة الفعل. وأما الزمان والمكان
فإنما يدخلان حيث يليق دخولهما، كما في الوقوف بعرفة، والصلوات في أوقاتها .
وقيل: إن / تكريره للفعل في زمان واحد، أو مكان واحد، يدل على اعتبار ما وقع ٢١٧ / ب
فيه. وقد سبقت في مباحث البيان .
(١) الكلام في الأصل مضطرب وفيه حذف والتصويب من ((شرح النووي على مسلم)) (٩٢/٨)
١٨٩

مسألة
[قول النبي ◌ّله وفعله الموافقان للقرآن هل هما بيان للقرآن أو بيان حكم مبتدأ]
نقل الشَّرَخْسي من الحنفية عن أصحابهم أن فعل النبي ◌َّ أو قوله متى ورد
موافقا للقرآن، يجعل صادرا عن القرآن وبيانا لما فيه. قال: والشافعية يجعلونه بیان
حكم مبتدأ، حتى يقوم الدليل على خلافه. قال: وعلى هذا قلنا: بيان النبي وَّ
التيمم في حق الجنب صادر عما في القرآن، وبه يتبين أن المراد بقوله: ﴿أو
لامستم﴾ [سورة النساء /٤٣] الجماع دون المس باليد، وهم يجعلون ذلك بيان حكم
مبتدأ، ويحملون قوله: ﴿أو لا مستم﴾ [سورة النساء / ٤٣] على المس باليد لأنه يحتمل
أن يكون صادرا عما في القرآن، ويحتمل أن يكون شرع في الحكم ابتداء، وهو في
الظاهر غير متصل بالآية، فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر، ولما فيه
من زيادة الفائدة. قلت: وسبق في أول الباب عكسها .
مسألة
[طرق إثبات فعله اليوم]
إذا قلنا في أمر من الأمور: إن النبي وَلَّ فعله، فلنا في معرفته ثلاث طرق:
الأول : أن ينقل إلينا أنه فعله تواترا أو آحادا، كفعل التكبير عند التحرم
والطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال، فإنه منقول أنه واجب علينا، لأنه عليه
السلام فعل ذلك. وكل ما فعله وجب علينا فعله .
الثاني: أن نقول هذا الفعل أفضل بالإجماع، وأفضل الخلق لا يواظب على ترك
الأفضل، فيلزم أن يواظب على الأفضل، وكقولنا الوضوء المرتب المنوي أفضل
١٩٠

بالإجماع، والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لا يواظب على ترك
الأفضل، فثبت إتيانه به، فوجب أن يجب علينا مثله.
الثالث: أنه وَّ لو ترك النية والترتيب، لوجب علينا تركه، لدليل الاقتداء به،
لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التروك، ولما لم يجب علينا تركه، ثبت أنه
ما تركه، بل فعله. وحينئذ فنقول: النبي بَ له واظب على التكبير والتحيات، فإن
دل دلیل من إجماع أو نص على عدم وجوبها، حكمنا به. ویکون تخصیص عموم،
وإلا فهي واجبة، لكن لا نطمع بالإجماع لمخالفة أحمد وغيره. ولا يفيد القياس،
كقولهم: القيام هيئة معتادة، ولا تتميز العادة فيه من العبادة، إلا بسبب ما فيه من
القراءة، فلا جرم كانت واجبة أعني القراءة لا غير، وأما الركوع والسجود فههنا
مخالفة للعادة، فلم يكن لكونها عبادة حاجة إلى الذكر، فلا تجب التسبيحات،
فهذه ضعيفة في مقابلة ما ذكرنا من الدليل .
مسألة
قال ابن السَّمْعاني يحصل بالفعل جميع أنواع البيان، كنهيه عن الصلاة بعد
العصر، روي أنه صلى صلاة لها سبب، فكان ذلك تخصيصا لعموم النهي. وكنهيه
عن القود في الطرف قبل الاندمال، ثم روي أنه أقاد قبل الاندمال، فيعلم أنه أراد
بالنهي الكراهة في وقت دون التحريم .
والرابع: وهو النسخ،في بابه.
فإن تعارض قول وفعل في البيان ففيه أوجه:
أحدها: تقديم القول لتعديه بصيغته. والثاني: تقديم الفعل لأنه أولى وأقوى في
البيان. والثالث: أنهما سواء ولابد من دليل آخر لترجيح أحدهما. قال: وهذا هو
الأولى .
١٩١

فصْل
سنتكلم في باب الترجيح على تعارض القولين، وهنا على تعارض الفعلين،
لتعلقه بأحكام الأفعال وعلى تعارض القول والفعل .
[تعارض الفعلين]
أما الأول : فالمشهور أنه لا يجوز التعارض بين الأفعال، بحيث يكون البعض
منها ناسخا لبعض، أو مخصصا له، لجواز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا،
وفي مثل ذلك الوقت بخلافه، لأن الفعل لا عموم له، وتأخر أحدهما لا يكون هو
الناسخ في الحقيقة، لأن فعله الأول لا ينتظم جميع الأوقات المستقبلة، ولا يدل على
التكرار، هكذا جزم به القاضي أبو بكر وغيره من الأصوليين على اختلاف
طبقاتهم .
وحكى ابن العربي في كتاب ((المحصول)) ثلاثة أقوال: أحدها: التخيير.
وثانيها: تقديم المتأخر كالأقوال إذا تأخر بعضها. والثالث: حصول التعارض
وطلب الترجيح من خارج. قال: كما اتفق في صلاة الخوف، صُلَّيت على أربع
وعشرين صفة، يصح منها ستة عشر خيّر أحمد فيها. وقال مالك والشافعي يترجح
بما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدّم بعضهم الأخير منها إذا علم. وحكى صاحب
((الكبريت الأحمر)) عن ابن رشيد: أن الحكم في الأفعال كالحكم في الأقوال، ومثَّله
برواية وائل وابن مسعود رفع اليدين في تكبيرة الإحرام حذاء أذنيه وعدم ذلك .
وقال القرطبي : يجوز التعارض بين الفعلين عند من قال بأن الفعل يدل على
الوجوب. فإن علم التاريخ فالنسخ ، وإن جهل فالترجيح، وإلا فهما متعارضان
كالقولين. وأما على القول بأنه يدل على الندب أو الإباحة فلا تعارض.
وقال الغزالي: في ((المنخول)) إذا نقل فعل، وحمل على الوجوب، ثم نقل فعل
يناقضه. قال القاضي: لا يقطع على أنه ناسخ، لاحتمال أنه انتهاء لمدة الفعل
١٩٢

الأول. قال: وهذا محتمل فيتوقف في كونه ناسخا، ونعلم انتهاء ذلك الحكم
قطعا، لأن النسخ رفع.
قال: وذهب مجاهد إلى أنه نسخ، وتردد في القول الطارىء على الفعل. قال
الغزالي: ولا وجه لهذا الفرق، والأصح ما ذكره القاضي، وأطلق إلّكِيا عدم تصور
تعارض الفعلين، ثم استثنى من ذلك ما إذا علم بدلالة أنه أريد به إدامته في
المستقبل؛ فإنه يكون ما بعده ناسخا له .
قال: وعلى مثله بنى الشافعي مذهبه في سجود السهو قبل السلام وبعده.
فقال: وإن اختلفت الأخبار في فعل رسول اللّه ◌َّليل في ذلك، ولكن كان آخر
الأمرين على ما رواه الزهري قبل السلام، وكان يؤخذ من مراسيم الرسول
بالأحدث، فالأحدث.
واستثنى ابن القشيري من الأفعال ما وقع بيانا، كقوله: (صلوا كما رأيتموني
أصلي) فآخر الفعلين ينبغي أن ينسخ الأول، كآخر القولين، لأن هذا الفعل بمثابة
القول. اهـ . وهذا من صور ما ذكره إليكِيا.
وصرح ابن القشيري عن القاضي بأن الأفعال التي لا يقع فيها التعارض هي
المطلقة التي لم تقع موقع البيان من الرسول، وهي التي يتوقف فيها الواقفية، فلا
يتحقق فيها التعارض؛ فإن الأفعال / لا صيغ فيها، ولا يتصور تعارض الذوات ٢١٨ / ١
والأفعال المتغايرة الواقعة في الأوقات، ولم تقع موقع البيان ليصرف التعارض إلى
موجبات الأحكام.
وأما الأفعال الواقعة موقع البيان، فإذا اختلفا وتنافيا، ولم يمكن الجمع بينهما في
الحكم، فالتعارض في موجبهما كالتعارض في موجب القولين .
قال: ولا يرجع التعارض إلى ذاتي الفعلين؛ بل التَّلَقِّى والبيان المنوط بهما،
وكذلك لا يتحقق التعارض في معنى القولين، وإنما يتحقق في الحكم المستفاد من
ظاهرهما .
ثم قال: وحاصل ما نقول عند تعارض الفعلين تجويزهما إذا لم يكن في أحدهما
ما يتضمن حظرا، سواء تقدم أحدهما أم لا .
١٩٣

قال: وهذا ظاهر في نظر الأصولي؛ لأن الأفعال لا صيغ لها. ثم فضَّل ابن
القشيري بين ما يقع بيانا، وما لا يقع بيانا، كقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
فآخر الفعلين ينبغي أن ينسخ الأول كآخر القولين، لأن هذا الفعل بمثابة القول.
وأما ما ليس بيانا فإن كان في مساق القُرب فالاختيار أنه على الندب، فليجر ذلك
في آخر الفعلين؛ لأنه ناسخ للمتقدم، كالقولين المؤرخين.
وقد نقل عن الزهري أنه سجد عليه السلام قبل السلام وبعده، وكان آخر
الأمرين منه قبل، فرأى العلماء الأخذ بذلك أولى، ثم قال تبعا لإمام الحرمين:
وذهب كثير من الأئمة فيما إذا نقل عن النبي صل# فعلان مؤرخان مختلفان أن
الواجب التمسك بآخرهما، واعتقاد كونه ناسخا للأول .
وقال: وقد ظهر ميل الشافعي إلى هذا، فإنه قال في صلاة ذات الرقاع: صح
فيها رواية ابن عمر ورواية خَوَّات. ثم رأى الشافعي رواية خَوَّات متأخرة، وقدَّر
ما رواه ابن عمر في غزوة سابقة. وربما سلك مسلكا آخر فسلم اجتماع الروايتين
في غزوة واحدة، ورآهما متعارضين، ثم رجح أحدهما، فرجح رواية خوات لقربها
من الأصول، فإن فيها قلة الحركة والأفعال، وهي أقرب إلى الخضوع والخشوع.
وفيما قاله نظر، بل كلام الشافعي في ((الرسالة)) يقتضي عكس ذلك، فإنه قال:
وخوات متقدم الصحبة والسن، فجعل ذلك مرجحا على رواية ابن عمر. وصرح
قبله بأنه رجحها لموافقة ظاهر القرآن، وأنه أقوى في مكايدة العدو. ونقل إلْكِيا في
مثل هذا عن الشافعي أنه يتلقى منهما جواز الفعلين، ويحتاج في تفضيل أحدهما
على الآخر إلى دليل. قال إنْكِيا: وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، وهذا ما نقله
إمام الحرمين عن القاضي أبي بكر. وقال: إنه ظاهر نظر الأصوليين .
وقال الغزالي في ((المنخول)): المختار [إن] اتفق الفقهاء على صحة الفعلين،
واختلفوا في الأفضل [توقفنا في الأفضل]، وإن ادعى كل فريق [يتمسك] برواية
بطلان مذهب صاحبه [فيتوقف] ولا يفهم الجواز فيهما، [فإنهما] متعارضان،
ويعلم أن الواقع [من رسول الله وَلو] أحدهما، ولا يرجح. وإن اتفقوا على صحة
١٩٤

واحد [فنحكم به ونتوقف] في الآخر. والشافعي إنما قال ذلك في صلاة الخوف،
وقد رجح إحدى الروايتين [لقربه] إلى هيئة الصلاة(١).
وقال المازري: إذا نقل عن النبي ◌َّ فعلان، ولم يمكن تأويل أحدهما طلب
التأريخ حتى يعلم الآخر، فيكون هو الناسخ، كتعارض القولين. هذا مذهب
الجمهور. ورأى القاضي أن النسخ ههنا لا ضرورة إليه كما دعت(٢) في الأقوال،
لأن الفعل مقصور على فاعله لا يتعداه، وليس كالصيغ المشتملة على معان
متضادة. فإذا وجدنا فعلين متعارضين، حملناهما على التجويز والإباحة. وهذا فيه
نظر، إلا على رأي من يقول: إن فعله يدل على الإباحة، وليس القاضي من
القائلين به، والصحيح اتباع آخر الفعلين.
قال: وادعى إمام الحرمين أنه قول الشافعي، لأنه قدَّم في صلاة الخوف رواية
خوات على رواية ابن عمر، لتأخر رواية خوات، فإنها في غزوة ذات الرقاع،
ورواية ابن عمر في غيرها. ونازعه المازري باحتمال أن رواية ابن عمر متأخرة
عنها. قال: ولهذا قال الإمام بعده يحتمل أن يكون الشافعي قدّم رواية خوات
لضرب من الترجيح، وفي التعادل بينهما نظر، فذكره.
قال: وأشار الإمام إلى أن المختار ما قاله الفقهاء من الأخذ بآخر الأمرين
تاريخا، وإن كان لا يقطع بذلك عن الصحابة، والأظهر عنده من أفعالهم اتباع
آخر الفعلين، ولكن يمكن أن يكونوا (رضي الله عنهم) قدموا المتأخر تَقْدِمَة أولى
وأفضل، لا تَقْدِمَة ناسخ على منسوخ. اهـ .
وهذه الطريقة تخالف ما سبق، لأن الأولين لا يقولون بأن الفعل الثاني ناسخ
للأول، إلا إذا دل دليل خاص على تكرر هذا الفعل الخاص في حقه، وحق
الأمة، فحينئذ إذا تركه بعد ذلك وأتى بمناقض له، أو أقر أحدا من الأمة على عمل
يناقضه، كان ذلك مقتضياً لنسخ الثاني. وعلى قول إمام الحرمين والمازَرِي لا يحتاج
إلى دليل خاص لذلك الفعل، بل يكتفون بالأدلة الدالة على اقتداء الأمة بفعله
(١) التصويب في هذه الفقرة من كتاب ((المنخول)) ص٢٢٧
(٢) أي الضرورة.
١٩٥

عليه السلام مطلقا أو وجوبا أو ندبا أو إباحة على اختلاف الأحوال. فمتى وقع منه
عليه السلام نقيض ذلك الفعل شرع للأمة الثاني أيضا، كما كان الأول مشروعا
لهم؛ لكن هل يقتضي ذلك نسخ الأول وإزالة الحكم، أو يكون كل من الفعلين
جائزاً؟ والثاني هو الأول؟(١) هذا هو محل نظر الإمام. والمازَرِي يميل إلى النسخ.
أما إذا نقل إلينا أخبار متعارضة في فعل واحد، ولم يصح عندنا أحدها كيف
كان، فالمكلف مخير في الكل، كسجود السهو قبل السلام أو بعده، وإن اختلفت
الروايات في رفع اليدين إلى المنكبين أو الأذنين، فهنا يرجح ما يتأيد بالأصل،
فنرجح المنكبين، لأن الأصل تقليل الأفعال في الصلاة، وهذا أقل. فإن لم يوجد
هذا الترجيح حكم بالتخيير، كأخبار قبض الأصابع في التشهد.
[التعارض بين القول والفعل]
وأما الثاني: وهو التعارض بين القول والفعل: ويتحصل من أفراده ستون
صورة، وبيانه بانقسامها أولا إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم تقدم القول على
الفعل. وثانيها: أن يعلم تقدم الفعل على القول. وثالثها: أن يجهل التاريخ .
وعلى القولين الأولين إما أن يتعقب الثاني الأول بحيث لا يتخلل بينهما زمان، أو
يتراخى أحدهما عن الآخر، وهذان قسمان آخران، وعلى الثلاثة الأول: إما أن
يكون القول عاما للنبي ( وأمته، أو خاصا به، أو خاصا بهم.
والفعل إما أن يدل دليل على وجوب تكراره في حقه بيليه ووجوب تأسي الأمة به
٢١٨ / ب فيه، وإما ألا يدل / دليل على واحد منهما ، وإما أن يقوم دليل على التكرار دون
التأسي أو العكس . هذا حصر التقسيم فيها. وبيانُ ارتقائها إلى العدد المتقدم ،
أنك إذا ضربت الأقسام الأربعة التي يعلم بها تعقب الفعل للقول أو تراخيه
عنه ، وتعقب القول للفعل أو تراخيه عنه، في الثلاثة التي ينقسم إليها من كونه يعم
النبي وَ له، أو يخصه، أو يخص الأمة حصل فيها اثنا عشر قسما، ومجهول الحال
من التقدم والتأخر بالنسبة إلى عموم القول وخصوصه [له ثلاثة] أيضا. فهذه
(١) كذا الأصل، ولعله: الأولى
١٩٦

خمسة عشر قسما، تضربها في أقسام الفعل الأربعة بالنسبة إلى التكرار والتأسي أو
عدمها أو وجود أحدهما دون الآخر، فينتهي إلى الستين صورة من غير تداخل.
وأكثرها لا يوجد في السنة، والحكم فيها على وجه التفصيل يختلف، ويطول
الكلام فيه، ولا توجد هذه الستون مجموعة هكذا في كتاب أحد من الأصوليين(١).
وذكر ابن الخطيب في المحصول منها خمسة عشر ، وهو أن المتأخر من القول أو
الفعل إما أن يتعقب المتقدم أو يتراخى عنه ، فهذه أربعة تضرب في الثلاثة التي
ينقسم القول إليها من كونه عاما لنا وله ، أو خاصا به ، أو خاصا بنا ، فيصير اثنى
عشر قسما ، والمجهول الحال من المتقدم والمتأخر ثلاثة أخرى بالنسبة إلى عموم
القول وخصوصه أيضا .
وذكر الآمدي في الإحكام انقسام الفعل إلى الأربعة ، وهو إما أن يدل دليل
على تكرره وتأسي الأمة أو لا ، أو يدل على التكرار دون التأسي أو عكسه، فإذا
جمعت بين الكلامين وضربت الخمس عشرة صورة في الأربعة حصل ستون. وقد
ذكر خلافا في الموضعين، وهو داخل في هذه الصور الستين :
أحدهما : أن يكون القول عاما بالنسبة إلى المخاطبين، وقد فعله عليه السلام
مطلقا، وورد في بعض صور العموم ، كنهيه عن الصلاة بعد العصر ثم صلاته
الركعتين بعدها قضاء لسنة الظهر، ومداومته عليها بعد ذلك . وكنهيه عن
استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة، ثم فعله ذلك في البيوت ، ففي مثل هذه
ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو قول الجمهور تخصيص العموم بفعله في الحالة التي ورد فيها،
وجعلوا الفعل أحد الأنواع التي يتخصص بها العموم، وسواء تقدم الفعل أو تأخر
القول، الراجح وبنى العام على الخاص(١) . وقال الأستاذ أبو منصور : إن تقدم
الفعل دل القول على نسخه عند القائلين بدخول المخاطب في عموم خطابه، ولیس
بنسخ عند المانعين له .
(١) للعلائي كتاب ((تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال)) ذكر فيه الصور الستين، وفصّل
أحكامها. وقد نشرت كلامه في الصور الستين ملحقة بكتابي في أفعال الرسول (محمد الأشقر).
١٩٧

والثاني : جعل الفعل خاصا به عليه السلام وإمضاء القول على عمومه، ونَقَلَه
صاحب ((المصادر)) عن عبد الجبار، قال: ونسبه إلى الشافعي ، لأنه قال: وعلى
جَعْل الشافعي قوله عليه السلام : (مَنْ قَرَنَ حَجّاً إلى عمرة فَلْيَطُفْ لهما طوافا
واحدا) أولى مما روي أنه عليه السلام طاف طوافين، لما كان الأول قولا .
والثاني : حكاية فعل .
والثالث : التوقف، كدليلين تعارضا في الظاهر ويطلب وجه الترجيح . وجعل
صاحب ((المصادر)) الخلاف فيما إذا ورد قول مجمل، ثم صدر بعده فعل يصح أن
يكون بيانا لذلك المجمل . وجعل بعضهم محل الخلاف ما إذا لم يقم دليل خاص
على تأسي الأمة في هذا الفعل المخصوص، فإن دل عليه دليل خاص كان ناسخا
للقول، إن تأخر، وإن جهل التاريخ ففيه ما يأتي من الخلاف .
والموضع الثاني : أن لا يكون القول من صيغ العموم، ويجهل التاريخ في
تقدمه على الفعل أو تأخره عنه . كقوله لعمر بن أبي سلمة : (كل مما يليك) وتتبعه
الدباء في جوانب الصحفة . وكنهيه عن الشرب قائما ، وعن الاستلقاء ، ووضع
إحدى الرجلين على الأخرى ، وثبت عنه أنه فعل ذلك ، فأطلق جماعة من
المصنفين في مثل هذا ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو مذهب الجمهور تقديم القول لقوته بالصيغة ، وأنه حجة بنفسه
وظاهر كلام ابن برهان أنه المذهب . وجزم به إلِكْيا . قال : لأن فعله لا يتعدى
إلى غيره إلا بدليل، وحق قوله أن يتعداه، فإذا اجتمعا تمسكنا بقوله، وحملنا فعله
على أنه مخصوص به، وكذا جزم به الأستاذ أبو منصور، وصححه الشيخ في
((اللمع)) والإمام في ((المحصول))، والآمدي في ((الأحكام))، والقرطبي وابن حزم
الظاهري .
والثاني: تقديم الفعل لعدم الاحتمال فيه، ونقل عن اختيار القاضي أبي
الطيب .
والثالث: أنهما شيئان ، لا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل ، وحكاه ابن
القشيري عن القاضي أبي بكر ، ونصره . واختاره ابن السَّمْعاني في ((القواطع)).
١٩٨

ومنهم من جعل محل هذه الأقوال فيما إذا تعارض القول والفعل في بيان مجمل ،
دون ما إذا كانا مبتدأين ، وبه صرح الشيخ في ((اللمع)) وابن القشيري في كتابه .
والغزالي في ((المستصفى)).
وعكس القرطبي، فجعل محل الخلاف فيما إذا لم تقم قرينة تدل على أنه بيان ،
وجعل الآمدي وابن الحاجب محل هذا الخلاف أيضا فيما إذا دل الدليل الخاص
على تكرر هذا الفعل في حقه ، وعلى تأسي الأمة به وعلى أن القول المعارض له
خاص به أو بالأمة، وجهل التاريخ في تقديم أحدهما على الآخر. واختار الآمدي
تقديم القول، واختاره ابن الحاجب إذا كان القول خاصا بالأمة . وأما إذا كان
خاصا بالنبي عليه السلام فالوقف .
وللفقهاء في مثل ما مثلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا ، وهو
حمل الأمر على الندب والنهي على الكراهية ، وجعل الفعل بيانا لذلك ، أو حمل
كل من القول والفعل على صورة خاصة لا تجيء في الأخرى كالاستلقاء منهى عنه
إذا بدت منه العورة ، وجائز إذا لم تبد منه . إلى غير ذلك من الصور التي يمكن
الجمع فيها بين القول والفعل. ويخرج من هذا تخصيص الخلاف بحالة تعذر
إمكان الجمع، فإنه الذي يقع فيها التعارض.
واعلم أن هذا الخلاف إنما يتجه من القائلين بحمل فعله على الوجوب ، فأما
القائلون بحمله على الإباحة والوقف ، فلا شك عندهم في تقديم القول مطلقا .
وقال الأستاذ أبو منصور وإلْكِيا : إن تقدم القول ومضى وقت وجوبه، ولم يفعله،
أو فعل ضده علمنا نسخه، كتركه قتل شارب الخمر في الرابعة بعد أمره به . وإن
فعل ما يضاده قبل وقت وجوبه دل على نسخ حكم قوله عند من أجاز نسخ الشيء
قبل مجيء وقته، ولم ينسخ عند من منعه، وإن قدم الفعل / كان القول ناسخا ٢١٩ / ١
له .
وقد استشكل جعل الفعل ناسخا، لأن شرط الناسخ مساواته للمنسوخ، أو
أقوى، والفعل أضعف . وأجاب القَرَافى بأن المراد المساواة باعتبار السند لا غير ،
وذلك لا يناقض كونه فعلا ، ولهذا يجب أن يفصل في هذه المسألة فيقال : القول
١٩٩

والفعل إن كانا في زمنه عليه السلام وبحضرته ، فقد استويا، وإن نقلا إلينا تعين
أن لا يقضى بالنسخ إلا بعد استواء كل واحد منهما، فإن كان أحدهما متواترا
والآخر آحاداً منعنا نسخ الآحاد للمتواتر . قال : وهذا لا بد منه ، ثم قال الأستاذ
هذا كله فيما إذا وقع التعارض بين القول والفعل الصادر منه، عليه السلام، فأما
القول من القرآن والفعل من النبي عليه السلام إذا تعارضا، فإنه يحمل الفعل على
خصائصه(١) به، ولا يجوز نسخ القرآن بفعله لأنه لا يجوز عندنا نسخ القرآن
بالسنة .
(١) الكلام غير مستقيم، ولعل الصواب: اختصاصه به.
٢٠٠