النص المفهرس

صفحات 141-160

أصلهم أن ذلك مستفاد من اللفظ، فكانا بمنزلة لفظين، فجاز نسخ أحدهما مع
بقاء حكم الآخر. اهـ .
وجزم به سليم، قال: لأنهما في الحكم بمنزلة ما تناوله العموم من المشتبهات،
ونسخ بعض ذلك مع بقاء بعض سائغ. قال: ويفارق القياس حيث يمتنع نسخه
مع بقاء أصله، لأن صحة الأصل صحة الفرع، فما دام الأصل باقيا وجبت
صحته .
والثاني: المنع، وصححه سليم، وجزم به الماوَرْدي والرُّوْياني، ونقله ابن
السَّمعاني عن أكثر الفقهاء، لأن ثبوت نطقه موجب لفحواه ومفهومه، فلم يجز
نسخ الفحوى مع بقاء موجبه كما لا ينسخ القياس مع بقاء أصله .
وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): فأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل فجّوَّزه
القاضي عبد الجبار في ((العمد)). / وقال في شرحه: يجوز ذلك إلا أن يكون نقضا ١/٢١١
للغرض، ومنع منه في الدرس، وهو الصحيح لأنه لا يرتفع مع بقاء الأصل إلا
وقد انتقض الغرض، لأنه إذا حرم التأفيف على سبيل الإعظام للأبوين كانت
إباحة مضرتهما نقضا للغرض .
وفَصَّل بعض المتأخرين بين أن تكون علة المنطوق لا تحتمل التغير، كإكرام
الوالد بالنهي عن تأفيفه، فيمتنع نسخ الفحوى لتناقض المقصود. وإن احتملت
النقض جاز، لاحتمال الانتقال من علة إلى علة، كما لو قال لغلامه: لا تعط زيدا
درهما، يقصد بذلك حرمانه لغضبه، ففحواه أن لا يعطيه أكثر منه. فإذا نسخ ذلك
بأن قال: أعطه أكثر من درهم، ولا تعطه درهما جاز، لاحتمال أنه انتقل من علة
حرمانه إلى علة مواساته .
وإذا فَرَّعنا على الجواز، ففي استتباع نسخ أحدهما نسخ الآخر ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر، واختاره البيضاوي، لتلازمهما.
والثاني: لا يلرم من نسخ أحدهما نسخ الآخر. والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم
نسخ الفحوى، لأنها تابعة، ولا يتصور بقاء التابع بدون متبوعه، ونسخ المفهوم لا
يتضمن نسخ الأصل، وجعله ابن برهان في ((الأوسط)) المذهب، ونقل عن الحنفية
١٤١

أن نسخ المنصوص لا يتضمن نسخ المفهوم، لئلا يؤدي إلى النسخ بالقياس. قال:
وهذا باطل، لأن المنصوص عليه إذا نسخ كان من ضرورته انتساخ المفهوم، لأنه
من توابعه، ولا يتصور بقاء التابع مع فقد الأصل. وَوَجَّه غيره مذهب الحنفية بأنه
أولى بالثبوت من النص، فلا يكون رفع الأصل مستلزما لرفعه .
قال الصفي الهندي: وهو متجه. ولهذا لو صرح بنفي تحريم التأفيف، وتحريم
الضرب لم يكن تناقضا، وهو على قول من يقول: نسخ الوجوب لا يستلزم الجواز
ألزم. وبنوا عليه أن نسخ قوله: (من قتل عبده قتلناه) لا يقتضي نسخ مفهومه،
وهو أنه يقتل بقتل عبد غيره بطريق أولى. واختار الآمدي أنا إن قلنا: الفحوى
ثبت بدلالة اللفظ، فهي على تحريم التأفيف صريحة، وعلى الضرب التزامية فهما
دلالتان مختلفتان، فلا يلزم من رفع إحداهما رفع الأخرى؛ وإن قلنا : ثبت
بالقياس وجب أن يكون رفع حكم الأصل موجبا لرفع حكم الفرع، لاستحالة
بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا، وإن رفع حكم الفرع لا يوجب
رفع حكم الأصل؛ لأنه لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع.
فرمان
الأول : زعم في ((المحصول)) أن العقل يكون تاسخا في حق من سقطت
رجلاه، فإن الوجوب ساقط عنه. وهو مردود بأن زوال الحكم لزوال سببه لا يكون
نسخا كما سبق. وقد قال القاضي في ((التقريب)): لا خلاف، لأنه لا سبيل من
جهة العقل إلى معرفة الناسخ من ناحية ضرورته أو دليله. نعم، حكى أبو إسحاق
المَرْوَزي في كتابه عن جماعة أن ارتفاع الحكم لارتفاع شرطه أو سببه يسمى
نسخا .
الثاني: وقع في المحصول في مسألة تأخير البيان ما يقتضي جعل الموت نسخا،
وفيه نظر إذ لو كان كذلك، لكان كل حكم منسوخا وانتقض حد النسخ. وأشكل
على المعتزلة النسخ، فإنهم لا يجوزون النسخ قبل الفعل، وكم موت وقع قبل
الفعل، ولأنه غير معلوم الوقوع فجاز تقديمه وتأخيره، ولو صح فينبغي أن لا
يكون نسخا بالنسبة إلى جملة الحكم، بل بالنسبة إلى كل ميت، ويصح على هذا أن
يكون الناسخ غير الشرع، وهذا كله تشويش للقواعد .
١٤٢

مسألة
في الزيادة علي النص، هل تكون نسخًا لحكم النسخ؟
اعلم أن الزائد إما أن يكون مستقلا بنفسه أولا، الأول المستقل، وهو إما أن
يكون من غير جنس الأول كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة، فليس بنسخ، لما
تقدمه من العبادات بالإجماع لعدم التنافي. وإما أن يكون من جنسه كزيادة صلاة
على الصلوات الخمس، فليس بنسخ أيضا عند الجماهير، وذهب بعض أهل
العراق إلى أنها تكون نسخا لحكم المزيد عليه، كقوله تعالى: ﴿حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [سورة البقرة / ٢٣٨] لأنها تجعلها غير الوسطى. قال
القاضي عبد الجبار: ويلزمهم زيادة عبادة على العبادة الأخيرة؛ فإنها تجعلها غير
الأخيرة، وتغير عدها وهو خلاف الإجماع .
الثاني: الذي لا يستقل كزيادة ركعة على الركعات، والتغريب، وصفة رقبة
الكفارة من الإيمان وغيرها، وكاشتراط النية في الوضوء مع قوله: ﴿إذا قمتم إلى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [سورة المائدة /٦] فإن اشتراطها يكون تغييرا لما دل عليه
النص من الاكتفاء بالمذكور فيه. فاختلفوا على أقوال:
أحدها : أنها لا تكون نسخا مطلقا، وبه قالت الشافعية والمالكية والحنابلة،
وغيرهم من المعتزلة كالجُبَّائي وأبي هاشم، وسواء اتصلت بالمزيد عليه أم لا. قال
الماوردي: وهو قول أكثر الأشعرية والمعتزلة. قال: ولا فرق بين أن تكون هذه
مانعة من إجراء المزيد عليه أو غير مانعة. وقال ابن فُورَك وإلْكِيا: قال الشافعي في
اليمين مع الشاهد: إنه زيادة على ما في الكتاب وليس بنسخ، وأن ذلك كالمسح
على الخفين. وقال في ((المنخول)): قال الشافعي: ليس بنسخ وإنما هي تخصيص
عموم، يعني حتى يجوز بخبر الواحد والقياس.
١٤٣

والثاني: أنها نسخ، وهو قول الحنفية، قال شمس الأئمة السَرَخْسي: وسواء
كانت الزيادة في السبب أو الحكم. وقال ابن السَّمْعاني: وأما أصحاب أبي حنيفة
فقالوا: إن الزيادة على النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ، حكاه الصَّيْمري
عن أصحابه على الإطلاق. واختاره بعض أصحابنا .
قال ابن فُورَك وإلْكِيا: عُزِيَ إلى الشافعي أيضا، فإنه قال في قوله: (إنما الماء
من الماء): منسوخ في وجه دون وجه، فإن هذا النص تضمن أمرين: أحدهما
نصه، وهو غير منسوخ. والثاني: أن لا غسل فيما سواه، وهو منسوخ بحديث
التقاء الختانين., وإنما صار منسوخا بالزيادة على الأصل، وحكاه ابن السَّمْعاني
وجها لبعض أصحابنا. ثم قال: وهذا غلط، لأن (إنما الماء من الماء) إنما دل من
حيث دليل الخطاب، فهو نسخ للمفهوم لا نسخ للنص من حيث الزيادة. انتهى.
ولا يقال: إن هذا هو المذهب الآتي القائل بالتفصيل بين ما نفاه المفهوم، وما لم
ينفه، لأن القائل بهذا التفصيل يجعل ما نفاه المفهوم نسخا للنص، وأصحابنا لا
يجعلون ذلك نسخا للنص ألبتة، ولا تعلق له به، وإنما هو نسخ للمفهوم غير
مستلزم نسخ النص. والكلام في هذه المسألة إنما هو فيما يجعل نسخا للنص، ولم
٢١١ / ب يقل أحد منا بذلك في نسخ مفهوم المخالفة/ إلا هذا الوجه الضعيف.
والثالث: إن كان المزيد عليه ينفي الزيادة بفحواه، فإن تلك الزيادة نسخ،
كقوله: (في سائمة الغنم الزكاة)، فإنه يفيد دليله نفي الزكاة عن المعلوفة، فإن
زيدت الزكاة في المعلوفة كان نسخا، وإن كان ذكرها لا ينفي تلك الزيادة فوجوده
لا يكون نسخا، حكاه ابن برهان، وصاحب المعتمد وغيرهما .
والرابع: إن غيرت المزيد عليه تغييرا شرعيا حتى صار لو فعل بعد الزيادة على
حد ما كان يفعل مثلها لم يعتد به، ويجب استئنافه، فإنه يكون نسخا، كزيادة على
ركعتين، وإن كان المزيد عليه لو فعل على حد ما يكون بفعل قبل الزيادة يصح
فعله، لم يكن نسخا كزيادة التغريب على الجلد. حكاه صاحب ((المعتمد))
و((القواطع)) عن عبد الجبار. وحكاه سليم عن اختيار القاضي أبي بكر
والاسترابادي والبصري .
١٤٤

قلت: وهو ظاهر ما رأيته في ((التقريب)) للقاضي ، فإنه ذكره واستدل له بأمور،
ثم شرط القاضي لكونها نسخا إذا غيرت المزيد عليه أن يعلم ورودها بعد استمرار
الحكم بثبوت الغرض عاريا منها، فإن لم يعلم جاز أن يكون على وجه البيان .
وحكى ابن برهان في ((الأوسط)» عن عبد الجبار التفصيل بين أن يتصل به فهو
نسخ، كزيادة ركعة رابعة على الثلاثة، وإن انفصلت لم يكن، كضم التغريب إلى
الجلد، وهذا ما اختاره الغزالي .
والخامس : إن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا.
وإن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنة له لم تكن نسخا، فزيادة التغريب
في المستقبل على الجلد نسخ، وكذا لو زيد في حد القذف عشرون. وأما الزيادة
التي لا تسقط من المزيد عليه فكوجوب ستر الفخذ، ثم يجب ستر بعض الركبة،
فلا يكون وجوب ستر بعضها نسخا، حكاه ابن فُورَك عن أصحاب أبي حنيفة.
وقال صاحب ((المعتمد)): وبه قال شيخنا أبو الحسن الكَرْخي، وأبو عبد الله
البصري .
والسادس : أن الزيادة إن رفعت حكما عقليا، أو ما ثبت باعتبار الأصل كبراءة
الذمة لم تكن نسخا، لأنا لا نعتقد أن العقل يوجب الأحكام، ومن يعتقد إيجابه لا
يعتقد رفعها نسخا، وإن تضمنت رفع حكم شرعي تكون نسخا، كقوله: في
سائمة الغنم الزكاة، فإن ظاهره يدل على الوجوب، وفحواه يدل على نفي الزكاة
عن المعلوفة، فلو ورد خبر بإيجاب الزكاة في المعلوفة كان ناسخا لهذه الفحوى، لأنه
حكم شرعي.
حكى هذا التفصيل ابن برهان في ((الأوسط)) عن أصحابنا، وقال: إنه الحق،
واختاره الآمدي، وابن الحاجب، والإمام فخر الدين، والبيضاوي، ونقلاه عن
اختيار أبي الحسين البصري، يعني في ((المعتمد))، وهو قضية كلام القاضي أبي بكر
في ((مختصر التقريب)) وإمام الحرمين في ((البرهان)). وقال الصفي الهندي: إنه أجود
الطرق وأحسنها. وقال الأصفهاني: لا يتجه على قولنا أن النسخ بيان، وحينئذ لا
يتجه للآمدي والرازي القول به .
١٤٥

وحكى القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) عن القاضي: إن كانت الزيادة
شرطا في المزيد عليه كانت نسخا، وإلا فلا. والذي في كتاب ((التقريب)) خلاف
ذلك، فإنه قرر ما سبق. نعم، قال: فإن قيل: فيجب على هذا أن تكون زيادةُ
شَرْطٍ للعبادة لا تصح إلا بها نسخا لها، لأنها إن فعلت مع عدمه لم تكن عبادة،
فإذا فعلت مع عدمها لم تكن صلاة. قال: وأما زيادة الترتيب والنية في الوضوء فهو
من باب النقصان في حكم النص لا الزيادة، لأن ظاهر قوله: ﴿فاغسلوا﴾ الآية
[سورة المائدة / ٦] الإجزاء على أي وجه وقع، فإذا وردت السنة بإيجاب النية
والترتيب، جعلت بعض ما كان مجزئا غير مجزىء، فصار بمثابة تقييد الرقبة المطلقة
في الكفارة بالإيمان بعد استقرار إطلاقها وإجزاء جميع الرقبات مؤمنة وكافرة. فإن
قلت: لها حكم وإن كان نقصانا. قيل: إذا أورد بالنص كان تخصيص عموم،
وإلا فهو نسخ. انتهى .
وقال بعضهم: إن هذه التفاصيل لا حاصل لها، وليست في محل النزاع، فإنه
لا ريب عند الكل أن ما رفع حكما شرعيا كان نسخا، لأنه حقيقة، وليس الكلام
هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان، وما لا فليس بنسخ. فالقائل: أنا أفصل بين ما
رفع حكما شرعيا، وما لم يرفع؛ كأنه قال: إن كانت الزيادة نسخا فهي نسخ، وإلا
فلا. وهذا لا حاصل له، وإنما النزاع بينهم، هل یرفع حكما شرعيا فيكون نسخا،
أولا، فلا يكون؟ فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكما شرعيا لوقع الاتفاق على أنها
تنسخ؛ أو على أنها لا ترفع، لوقع على أنها ليست بنسخ، ولكن النزاع في الحقيقة
في أنها: هل هي رفع أولا؟ وهذا كما يقول فيما لو لطّخ ثوب العبد بالمداد في ثبوت
الخيار، وجهان، منشؤهما أن مثل هذا هل يصلح أن يكون تغريرا؟ والأصح: لا،
لأن الإنسان قد يلبس ثوب غيره عارية، فلو وقع الاتفاق على أنها تغرير، لوقع
على إثبات الخيار، أو على عدمه لَوَقع على عدمه. والظاهر أن هؤلاء لم يجعلوا
مذاهبهم مغايرة للمذاهب السابقة، بل عرضوا الأمر على حقيقة النسخ ليعتبر به،
وذكر السَّمْنَاني في ((الكفاية)) أن الخلاف في هذا المسألة مبني على الخلاف السابق في
أن الأمر هل يدل على الإجزاء؟ فإن قلنا: يدل كانت نسخا، وإلا فلا .
١٤٦

واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ وكان مقطوعا به،
فلا ينسخ إلا بقاطع كالتغريب، فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه، لأنه نسخ
للقرآن بخبر الواحد، ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه إذ لا معارضة .
وقد ردوا بذلك أخبارا صحيحة لما اقتضت زيادة على القرآن، والزيادة نسخ،
ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الآحاد. فردوا أحاديث تعيير الفاتحة في الصلاة،
والشاهد واليمين، وأيمان الرقبة، واشتراط النية في الوضوء .
ويلزمهم أن يجعلوا حديث المسح على الخفين ناسخا لآية الوضوء، والحديث
الوارد بالتوضؤ بالنبيذ عند عدم الماء مخالف للقياس، وقد رجع فيه إلى الحدیث،
وخالف عادته في حديث المصراة، وحديث القرعة بين العبيد لما خالف الأصول
والقياس . فتحصل من مذهبه طرح حديث لم يخالفه قیاس، واستعمال حديث
جاء بخلاف القياس .
وإنما قصرنا حديث الشاهد واليمين بالأموال دون غيرها لإجماع الأمة على
ذلك، لأن معنا قائِلَين: أحدهما: تركه أصلا كالحنفية. والثاني: القول به في
الأموال خاصة كالشافعي ومالك. وإذا قالت الأمة في مسألة بقولين لم يجز إحداث
ثالث .
قال القاضي أبو الطيب: وقد تمسك بعض الحنفية في سهم ذي القربى أنه لا
يستحق إلا بالحاجة، لأنه سهم / من الخمس، فوجب أن يستحق بالحاجة قياسا ٢١٢ / ١
على سائر السهام. فقلت له: لا يصح هذا القياس، لأنه زيادة في النص، وهو
قوله: ﴿ولذي القربى﴾ [سورة الحشر /٧] ولا ينسخ القرآن بالقياس، فلم يكن له
جواب .
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: ومن زاد الخلوة على الآيتين الواردتين في
الطلاق قبل المسيس في إيجاب العدة، وتكميل المهر بخبر عمر مع مخالفة غيره،
وامتنع من الزيادة على النص بخبر صحيح، كان حاكما في دين الله تعالى برأيه .
ونقض عليهم الأستاذ أبو منصور أيضا، فإن زيادة التغريب إن كانت نسخا
١٤٧

لزمكم أن يكون إدخال نبيذ التمر بين الماء والتراب نسخا لآيتي الوضوء والتيمم،
فهو مساو لزيادة التغريب وإنظاره بما تقدم، وإن انفصلوا عن هذا بأن نبيذ التمر
داخل في عموم الماء لقوله: (ثمرة طيبة، وماء طهور) قيل لهم: فيكون حينئذ رافعا
لإطلاق: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [سورة المائدة ٦] ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند
وجود غيره من المياه، وتقييد مدلول النص المطلق نسخ للنص عندهم.
وقال أبو الطيب: فائدة هذه المسألة جواز الزيادة بالقياس، وخبر الواحد بعد ما
جاز التخصيص به جازت الزيادة به .
وفصَّل ابن برهان في ((الأوسط))، فقال: المزيد عليه إن ثبت بخبر الواحد جاز
إثبات تلك الزيادة بخبر الواحد، وإن لم يكن الأصل مما يجوز إثباته بخبر الواحد،
فلا يجوز إثبات الزيادة به. قال: وأبو حنيفة يعتقد أن خبر الواحد لا يقبل إذا ورد
فيما تعم به البلوى، ويعتبر للعمل به شرائط، والشافعي لا يلتفت إلى ذلك.
تنبيه
أطلق النص في هذه المسألة، وإنما يستمر إذا سمينا الظواهر نصوصا، فإن
قلنا: الظاهر لا يسمى نصا، فهذه العبارة مستدركة، لأن تغيير النصوص التي لا
احتمال فيها نسخ لا محالة، نبه عليه المازَري في غير هذا الباب .
فروع
الأول : لو أوجب الشارع الزكاة في معلوفة الغنم، فهل يكون نسخا لوجوبها
في السائمة؟ لأن مفهومه نفي إيجابها في المعلوفة، فلو وجبت فيها لكانت زيادة
نفاها المفهوم، فمن لم يقل بالمفهوم لا يكون نسخا، لأنه لم يرفع شيئا من مدلوله،
وإنما رفع المسكوت عنه. ومن قال به كان نسخا لو ثبت أن المفهوم مراد من
الكتاب(١)
الثاني: لو زيدت ركعة في الصبح بحيث صارت ثلاثا، قال أبو الحسين: ليس
بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب الصبح، لأن النسخ لا يتعلق بالأفعال ولا
(١) لعل الصواب: من الخطاب.
١٤٨

بإجزائها، لأنهما يجزيان. وقال ابن الحاجب: نسخ تحريم الزيادة على الركعتين
والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة.
وقال الآمدي: هذا ليس بحق. لأنه إنما يصح أن لو كان الأمر بالركعتين
مقتضیا للنهي عن الزيادة عليها، ولیس کذلك؛ بل یمکن استفادته من دليل آخر.
فزيادة الركعة على الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب
الركعتين. انتهى. وهذا هو الحق، فإن كلامنا في أن الزيادة هل هي نسخ للمزيد
عليه، لا في كونها نسخا لأمر آخر. وقال في ((المحصول)): إنه نسخ، كوجوب
التشهد عقيب الركعتين، ووافقه الآمدي للرد به على أبي الحسين، ونازعه
الهندي .
الثالث: زيادة التغريب على الجلد لا يزيل نفي وجوب ما زاد على المائة، وهذا
النفي غير معلوم بالشرع، لأن إيجاب المائة قدر مشترك بين إيجابها مع نفي الزائد
وثبوته، وما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، لكنه معلوم بالعقل، ورفع
الثابت بالعقل ليس بنسخ. وقال ابن الحاجب: هو نسخ، فقال: زيادة التغريب
نسخ لتحريمه، إذ كان يحرم التغريب، وقد عرفت أنه ليس كلامنا، إلا في أنه هل
هو نسخ للمزيد عليه الذي هو الجلد لا غيره .
الرابع: إذا أوجب الله غسل الرجلين عينا، ثم خيّر بينه وبين المسح على
الخف، أو أخبر بأن الكفارة في الإطعام والصيام، ثم زاد ثالثا وهو العتق، فهل
يكون نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين؟ قال الإمام والآمدي: ليس
بنسخ، لأن معنى كون الكل واجبا على التعيين وجوبه، وأن غيره لا يقوم مقامه،
ووجوبه لم يرتفع، وإنما المرتفع عدم قيام غيره مقامه، وإنما ينتقض النفي الأصلي،
فلا يكون رفعه نسخا. وقال ابن الحاجب: إنه نسخ، لأن التخيير والتعيين
حكمان شرعيان، وقد رفع الأول لا الثاني وهو الصواب .
الخامس: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الأعضاء الستة، فلا
يكون نسخا لوجوب غسلها، إذ هي واجبة مع وجوب غسل العضو الزائد، ولا
لإجزائها .
١٤٩

السادس : قَبِل أصحابنا خبر الواحد في الشاهد واليمين، وردَّه الحنفية، لأنه
ناسخ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل
وامر أتان﴾ [سورة البقرة / ٢٨٢] قالوا: فإن الأمر كان دائرا بين اثنين فزيد ثالث،
والزيادة نسخ، وخبر الواحد لا ينسخ الكتاب، وهو ضعيف، فإن الحديث والآية
لم يتواردا على محل واحد، وذلك لأن الأمر في الآية في الاستشهاد، والحديث في
الحكم بشاهد ويمين، والاستشهاد بخبر الواحد، فلا تعلق لأحدهما بالآخر كذا
ذكره ابن الحاجب، وهو حسن. لا يقال: مفهوم الآية يقتضي الحصر، ويمنع
الشاهد واليمين، لأنا نقول: إنما يمتنع استشهاد الشاهد واليمين، ونحن قائلون
بذلك، إذ يمتنع الإرشاد في الاستشهاد بشاهد ويمين، ونحن قائلون به .
السابع: تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان.
مسألة
[النقصان من العبادة، هل هو نسخ لها؟]
لا خلاف أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط منها، لأنه كان واجبا في جملة
العبادة، ثم أزيل وجوبهِ، وأما بالنسبة إلى نسخ الباقي فينظر، فإن كان مما لا
تتوقف صحتها عليه كسنّةٍ من سننها، فلا خلاف أيضا أنه ليس بنسخ للعبادة،
نقله الآمدي والرازي. لكن الغزالي في كلامه ما يشعر بجريان الخلاف فيه، وبه
صرح الشيخ في ((اللمع)).
وإن كان مما يتوقف عليه صحتها من شرط أو غيره، فاختلفوا فيه على مذاهب،
أصحها أنه ليس بنسخ للعبادة، ويكون بمثابة تخصيص العموم. قال ابن برهان:
وهو قول علمائنا ، وقال ابن السَّمْعاني: إليه ذهب جمهور أصحاب الشافعي،
واختاره الرازي والآمدي، وقال الأصفهاني: إنه الحق، وحكاه صاحب ((المعتمد))
عن الكَرْخِي. وقيل: نسخ لها. وحكاه ابن برهان وابن السَّمعاني عن الحنفية .
(١) كذا بالأصول، ولعل الصواب : فيكون نسخا لها.
١٥٠

وفصل القاضي عبد الجبار بين الشرط المنفصل، فلا يكون نسخا لها، فنسخ
الوضوء لا ينسخ الصلاة، وبين الجزء كالقيام والركوع في الصلاة كان نسخا لها،
ووافقه الغزالي في الجزء، وتردد في الشرط، وصححه / القرطبي، لأن الشرط ٢١٢ / بـ
خارج عن ماهية المشروط بخلاف الجزء. أما المنفصل فلا خلاف فيه، لأنهما
عبادتان منفصلتان، وقيل به مطلقا لزوال إجزائها بدونه، وقيل: إن كان مما لا
تجزىء العبادة قبل النسخ إلا به فينسخ، سواءً الجزاء والشرط، وإن كان مما تجزىء
العبادة قبل النسخ مع عدمه كالوقوف عن يمين الإمام، وستر الرأس، فليس بنسخ
حكاه الشيخ في ((اللمع)).
وقال إلْكِيا: الذي يجب أن يقال هنا نحو ما سبق في الزيادة على النص، وجعل
الهندي الخلاف في الشرط المتصل نحو الاستقبال، فأما المنفصل كالوضوء، قال:
فإيراد الإمام وغيره يشعر بأنه لا خلاف فيه، وكلام غيره يقتضي إثبات الخلاف في
الكل .
قلت: وبالأول صرح صاحب ((المسودة))، فقال: الخلاف في المتصل كالتوجه،
فأما المنفصل كالوضوء فلا يكون نسخا لها إجماعا، لكن ابن السَّمْعاني طرد الخلاف
في الكل، فقال: صورة المسألة فيما لو قَدَّرنا نسخ الوضوء أو نسخ استقبال القبلة،
وفي هذا وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة. قال: فأما في
إسقاط الجزء كالركوع فينبغي أن يكون على ما ذكرناه فيما إذا زيدت ركعة على
ركعتين، يشير إلى أنه يجيء هنا مذهب عبد الجبار من التفصيل بين أن [يكون
النسخ] لغير المزيد عليه أو لا .
تنبيه : [دعوى ابن الحاج أن النسخ يرد على الحكم لا على العبادة]
نازع ابن الحاج في ((نكت المستصفى)) [في] ترجمة المسألة بنسخ بعض العبادة،
وقال إنما نشأ هذا من ظنهم كون العبادة تنسخ، وهو فاسد لأن النسخ إنما يرد على
الخطاب المتعلق بأصل العبادة لا على العبادة، كالخطاب الوارد بأربع ركعات
(١) كذا بالأصول، ولعل الصواب : فيكون نسخاً لها.
١٥١

تجزىء، ثم يرد خطاب آخر بأنها لا تجزىء، بل يجزىء بدلا منها ركعتان، فأما
العبادة فهي المحل القابل. قال: فالصواب أن يقال: إذا رفع الخطاب الإجزاء
عن عبادة لها أجزاء، ولا يوجبه لبعضها، من حيث هو بعض لها، بل أوجب
الإجزاء لما هو مساو لبعضها، فقد ظن قوم أن الشارع لم يرفع حكمها رأسا،
وذلك باطل، لأن النسخ وارد على الحكم، لا على العبادة، فيندفع هذا الخيال .
فصْل
في دلائل النسخ
إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان، ولم يمكن استعمالهما استدل على
نسخ أحدهما بأمور :
أحدها : اقتضاء اللفظ له، بأن يعلم تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون
المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا. قال الماوردي: المراد بالتقدم، التقدم في
التنزيل، لا التلاوة، فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول،
مع أنها ناسخة لها، واقتضاء اللفظ إما بالتصريح كقوله: ﴿الآن خفف الله
عنكم﴾ [سورة الأنفال /٦٦] فإنه يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة بقوله(١):
﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فإنه يقتضي نسخ
الإمساك بعد الفطر، وقوله: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾
الآية [سورة المجادلة / ١٣] فإنه يقتضي نسخ الصدقة عند المناجاة، وإما بأن يذكر لفظ
يتضمن التنبيه على النسخ، كما نسخ الإمساك في البيوت حدّ الزنى بقوله:
﴿أويجعل الله لهن سبيلا﴾ [سورة النساء /١٥] فنبه على عدم الاستدامة في الإمساك،
(١) الصواب: وقوله.
١٥٢

ولذلك قال: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا)، وإما بالاستدلال بأن تكون
إحدى الآيتين مكية، والأخري مدنية فعلم أن المنزل بالمدينة ناسخ للمنزل بمكة.
قال(١) أبو إسحق المروزي وغيره .
الثاني : بقوله عليه السلام : هذا ناسخ أو ما في معناه، کقوله: (کنت نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها) .
الثالث: فعل النبي ◌َّ كرجم ماعز، ولم يجلده، يدل على أن قوله: (الثيب
بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة) منسوخ، ذكره ابن السَّمْعاني، ثم قال: وقد
قالوا: إن الفعل لا ينسخ القول في قول أكثر الأصوليين، وإنما يستدل بالفعل على
تقدم النسخ بالقول، فيكون القول منسوخا بمثله من القول، لكن فعله بينّ ذلك
القول .
الرابع: إجماع الصحابة، كنسخ رمضان صوم يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة
سائر الحقوق في المال، ذكره ابن السَّمْعاني أيضا، وكذا حديث: (من غلّ صدقته،
فإنا أخذوها وشطر ماله). واتفقت الصحابة على ترك استعمالهم هذا، فدلَّ
عدولهم عنه على نسخه. انتهى .
وقد نص الشافعي على ذلك أيضا، فيما نقله البيهقي في المدخل، فقال: ولا
يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر - عن الرسول - آخر مؤقت يدل على أن
أحدهما بعد الآخر، أو بقولِ من سمع الحديث أو العامة . انتهى .
وجرى عليه أبو إسحق المروزي في ((الناسخ)) من كتابه، والشيخ في ((اللمع))،
وسليم في ((التقريب))، والماوَرْدي. في ((الحاوي))، وقال: يكون الإجماع مبيِّنا لا
ناسخا. وكذا قال القاضي يستدل بالإجماع على أن معه خبراً، به وقع النسخ، لأن
الإجماع لا ينسخ. ولم يجعل الصَّيْرفي الإجماع دليلا على تعيين النص للنسخ، بل
جعله مترددا بين النسخ والغلط؛ فإنه قال في كتابه: فإن أجمع على إبطال حكم
أحدهما فهو منسوخ أو غلط، والأمر ثابت. انتهى .
(١) لعل الصواب : قاله.
١٥٣

ومعنى قوله: أو غلط، أي من جهة بعض رواته، كما صرح به القفال الشاشي
في كتابه، فقال: إذا روي حديث والإجماع على خلافه دلَّ على أن الخبر منسوخ أو
غلط من الراوي. هذا لفظه. والتحقيق أن الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد إلا
بعد الرسول، وبعده يرتفع النسخ، وإنما النسخ يرفع بدليل الإجماع، وعلى هذا
ينزل نص الشافعي والأصحاب .
الخامس: نَقْل الراوي الصحابي تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر، إذ لا مدخل
للاجتهاد فيه، كما لو روى أن أحدهما شرع بمكة، والآخر بالمدينة، أو أحدهما عام
بَدْر والآخر عام الفتح، فإن وجد مثال هذا فلابد أن يكون المتأخر ناسخا
للمتقدم، كقول جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وكقول
أبي بن كعب: كان (الماء من الماء) رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل، كذا
قاله ابن السَّمعاني وغيره، وهو واضح إن كان الخبران غير متواترين، أما إذا قال
في أحد الخبرين المتواترين : إنه كان قبل الآخر، ففي قوله خلاف، وجزم القاضي
في ((التقريب)) بأنه لا يقبل قوله. ونقله الهندي عن الأكثرين، لأنه يتضمن نسخ
المتواتر بالآحاد، وهو غير جائز. وقال القاضي عبد الجبار: يقبل، وإن لم يقبل
المظنون في نسخ المعلوم، إذ الشيء يقبل بطريق الضمن والتبع، ولا يقبل بطريق
الأصالة، كما تقبل شهادة القابلة بالولادة، ويتضمن ذلك ثبوت النسب وإن كنَّ لو
٢١٣ / أ شَهِدْنَ/ بالنسب ابتداء لم يقبل.
وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي الجواز العقلي في قبوله لا في وقوعه، ما
لم يثبت أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الآخر، والجواز العقلي لا نزاع فيه،
ثم قال القاضي في ((التقريب)): لا فرق في ثبوت النسخ بالمتأخر بين أن يكون
[الراوي] للحديثين واحدا أو اثنين لأنه قد يسمعهما الاثنان في وقتين وكذلك
الواحد وشرط ابن السَّمْعاني كون الراوي لهما واحدا. قال: فإن كان راوي المتقدم
غير راوي المتأخر نظر، فإن كان المتأخر خبر واحد كان ناسخا للمتقدم، وإن كان
المتقدم من أخبار المتواتر، لم يصر منسوخا بخبر الواحد المتأخر، وإن كانا متواترين
أو آحادا، فالمتأخر ناسخ للمتقدم.
١٥٤

هذا کله إن أخبر أن هذا متأخر، فإن قال: هذا ناسخ نظر، فإن کان ذکر دليله
فواضح. قاله ابن السَّمْعاني. وقال القاضي: لا يثبت به النسخ عند الجمهور، ولو
ذكر دليله، لكن ينظر فيه، فإن اقتضى النسخ عمل به، وإلا فلا، وإن أرسله
إرسالا، ففيه وجهان، حكاهما ابن السَّمْعاني، أحدهما: يقبل قوله في النسخ،
ونقله عن الكَرْخِي.
قلت: والذي في ((المعتمد)) أن أبا عبد الله البصري حكى عن شيخه أبي الحسن
الكَرْخي أنه إن عينه، فقال: هذا نسخ لهذا، لم يرجع إليه، لاحتمال أنه قاله عن
اجتهاد، وإن لم يعينه بل قال: هذا منسوخ قبل.
وحكى الدَّبُوسي في ((التقويم)) هذا التفصيل عن أبي عبد الله البصري، ثم
قال: ومنهم من قال: لا فرق بينهما. والثاني: أنه لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر
دليله، لجواز أن يعتقد ما ليس بنسخ نسخا، ولأن العلماء مختلفون في أسباب
النسخ كالزيادة على النص، والنقصان منه، وكاعتقاد آخرين أن قوله: (إذا التقى
الختانان) منسوخ بقوله: (إنما الماء من الماء) ونحو ذلك، ولذلك لم يقبل قول من
قال: إن مسح الخف نسخ بالكتاب. وهذا ما نقله القاضي في ((التقريب)) عن
الجمهور، وقال: إنه الصحيح، وعلله بما ذكرنا. وقال ابن السَّمْعاني: إنه أظهر
الوجهين، وكذا صححه في ((اللمع))، وسليم، وصرح ابن برهان بأنه المذهب،
فقال في كتابه ((الأوسط)): إذا قال الصحابي هذا منسوخ لم يقبل منه عندنا خلافا
للحنفية، لأن مذاهب الناس في النسخ مختلفة، فَرُبُّ شيء يعتقده ناسخا، ولیس
بناسخ، ولأن النسخ إسقاط للحديث بالكلية .
وجزم به الغزالي في المستصفى، وإلْكِيا في ((التلويح)) وعلله بما سبق، ثم قال:
فأما إذا قال الصحابي: إنّ كذا كان حكما ثابتا من قبل، وإنه نسخ الآن، ولم يذكر
ما به نسخ، فإن الگرخي کان یتابعه، کقول ابن مسعود حین ذکر له في التشهد :
التحيات الزاكيات. قال: كان هذا ثم نسخ. ونحوه ما يروى عن ابن عمر وابن
عباس فى الرضاع أنهما قالا: قد كان التوقيت، وأما الآن فلا .
قال: والذي رآه أكثر الأصوليين أنه لا يرجع إلى قول الصحابي في ذلك، لأنه
١٥٥

إذا كان فيما صرح به بأنه ناسخ للآية أن لا يكون ناسخا لها في الحقيقة، وإن
اعتقده فغير ممتنع أن يطلق ذلك إطلاقا، ولا يذكر ما لأجله النسخ، ولو ذكره
لكان مما لا ينسخ به. قال: نعم، ولو علم من حاله أنه إنما ذكر أنه منسوخ الأمر لا
يلتبس، وجب الرجوع إلى قوله. قال: وهذا قريب من مخالفة الراوي مضمون
الحديث الذي رواه. انتهى. وهذا تفصيل حسن .
وفصَّل بعض المتأخرين من الحنابلة بين أن يكون هناك نص آخر يخالف ما
ادعى نسخه، فإنه يقبل قوله، لأن الظاهر أن ذلك النص الناسخ، ويكون حاصل
الصحابي الإعلام بالمتقدم والمتأخر، وقوله يقبل في ذلك. قال: ونقل القاضي أبو
يعلى عن أحمد أنه أومأ إلى أن الصحابي إذا قال: هذه الآية منسوخة، لم يصر إلى
قوله حتى يبين الناسخ .
وقال عبد الوهاب في ((الملخص)) إذا قال الصحابي: هذا منسوخ، فقيل: يقبل
مطلقا. وقيل بالمنع. وقيل: إن أطلق قبل. وإن أضافه إلى ناسخ زعم أنه الذي
نسخه، نظر فيه، فإن كان مما يوجب النسخ حكم به، وإلا فلا. قال: ولست
أحفظ في هذا عن أصحابنا شيئا، ولكن عندي إن كان في معنى النسخ وصفته،
وليس فيه خلاف بين الصحابة، فالواجب أن يخرَّج فيه قولان، وإن لم یکن بینهم
خلاف في صفة النسخ وشروطه وجب قبوله. انتهى.
وأطلق الأستاذ أبو منصور النسخ بقول الصحابي، وكذا القاضي أبو الطيب في
مسألة قول الراوي: أَمِرنا، وجرى عليه المحدثون، ومنهم ابن الصلاح، وهو
ظاهر نص الشافعي السابق ذكره في الإجماع، وقد احتج أصحابنا بقول عائشة في
الرضعات أن العشر منها نسخن بالخمس، واحتجوا على أن قوله تعالى: ﴿لا يحل
لك النساء من بعد﴾ [سورة الأحزاب /٥٢] منسوخ بقوله: ﴿إنا أحللنا لك﴾ [سورة
الأحزاب / ٥٠] لأجل قول عائشة: ما مات الرسول حتى أحل الله له النساء اللاتى
حظرن عليه. لكن أجاب القاضي عن هذا بأنهم لم ينسخوا بقول عائشة، بل
بحجتها في النسخ، فلأجل الآية والتأول لها قالوا وقالت ذلك .
ووراء ذلك أمور: أحدها: أن يقول الصحابي: قال رسول الله وَلّ نسخت
١٥٦

عنكم كذا. قال القاضي: ويجب قبوله إذا كان المنسوخ من غير(١) الآحاد، فإن كان
مما يوجب العلم، لم يرفع مثل هذا، إلا أن ينضم ما يوجب القطع .
الثاني: هذا كله إذا صرح بالنسخ قياسا، وأما إذا قال قولا يخالف الحديث،
فلا يقتضي نسخ النص سواء انتشر أم لا. قاله القاضي أيضا. قال: ومن جعل
قوله حجة إذا انتشر، ولم يحفظ له مخالف ترك به حكم النص، وتبين عنده أنه
منسوخ، لأنه إجماع .
الثالث: إذا كان راوي أحدهما متقدم الصحبة، والآخر متأخرا، فقسمه ابن
السَّمْعاني إلى قسمين، أحدهما: أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني، فيكون
الحكم الذي رواه المتأخر ناسخا للذي رواه الأول كرواية قيس بن طلق وأبي هريرة
في مس الذّكر
والثاني : أن لا تنقطع صحبة المتقدم عند صحبة المتأخر، فلا تكون رواية
المتأخر الصحبة ناسخة لرواية المتقدم، لجواز أن يكون المتقدم راويا لما تأخر، كما لا
يجوز أن يكون راويا لما تقدم، وإثبات النسخ بمجرد الاحتمال ممتنع، كرواية ابن
عباس وابن مسعود في التشهد، فلا تكون رواية ابن عباس ناسخة لرواية ابن
مسعود، ولكن يطلب الترجيح من خارج. اهـ .
والقسم الأول ذكره إلْكِيا وصاحب ((المصادر))، ومثّلا به، وجزما به، لكن
القاضي خالفهم. قال في ((المصادر)): وشرط الشريف المرْتَضَىَ في ذلك أن يكون
الذي صحبه آخرالم يسمع من النبي بَّ شيئا قبل صحبته له، لأنه لا يمتنع أن يراه
أولا ويسمع منه، وهو مصاحب له/(٢)، ثم رآه ثانیا ويختص به.
والقسم الثاني ذكره الشيخ في ((اللمع))، وجزم بعدم النسخ، وكذا الهندي،
قال: ومن هذا يعلم أنه لا يثبت النسخ بكون راوي أحد الخبرين من أحداث
الصحابة، أو يكون إسلامه متأخرا عن إسلام راوي الآخر، وبذلك صرح
٢١٣ / ب
(١) كذا بالأصل ولعل الصواب: من خبر الآحاد.
(٢) كذا بالأصل ولعل الصواب: وهو غير مصاحب له.
١٥٧

القاضي في ((التقريب)). وأطلق الأستاذ أبو منصور، وابن برهان، أن رواية المتأخر
صُحْبَة ناسخة لرواية المتقدم .
الرابع: أن يكون الراوي لأحدهما أسلم بعد موت الآخر، أو بعد قِصَّتِهِ، وفيه
احتمالان للشيخ في ((اللمع))، وجزم سليم في صورة الموت بأن رواية المتأخر
ناسخة .
الخامس : معرفة التاريخ للواقعتين، كحديث شداد بن أوس أنه قال: (أفطر
الحاجم والمحجوم). قال الشاشي: هو منسوخ بحديث ابن عباس: (احتجم وهو
محرم صائم). أخرجه مسلم. فإن ابن عباس إنما صحبه محرما في حجة الوداع سنة
عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح، وذلك سنة
ثمان .
السادس : كون أحد الحكمين شرعيا، والآخر موافقا للعادة، فيكون الشرعي
ناسخا للمعتاد، كخبر مس الفرج. ذكره الأستاذ أبو منصور وغيره، ومنعه القاضي
والغزالي، لأنه يجوز ورود الشرع بتقرير الوصف، ثم يرد نسخه، ورده إلى ما كان
في العقل، فإن الموافق للعقل لم يرد بعد نقل حكمه .
وقال الماوَرْدي في ((الحاوي)): دلائل النسخ يقدم أحدها على الآخر، فإن جهل
عدل إلى الثاني وهو بيان الرسول، فإن ثبت عنه عمل به، وكانت السُنّة مبينة لا
ناسخة، فإن عدم عدل إلى الثالث، وهو الإجماع، فإن فُقِدَ عدل إلى الرابع، وهو
الاستعمال، فإذا كان أحدهما مستعملا والآخر متروكا، كان المستعمل ناسخا،
والمتروك منسوخا، فإن فُقِدَ عدل إلى الخامس، وهو الترجيح بشواهد الأصول
والأدلة وكان غاية العمل به .
وما ذكره في الرابع ينازعه قول الصَّيْرفي: إذا وجد حكمان متماثلان، وأحدهما
منسوخ لم يحكم بأن السابق منهما نسخ بالآخر، وذلك كصوم عاشوراء مع صوم
رمضان، جاء أنه لما نزل فرض رمضان نسخ صوم عاشوراء، فنقول: اتفق نسخه
عند ثبوت فرض رمضان، لا أنه نسخه، لأنه غير مناف له، وحكاه سليم أيضا .
١٥٨

مسألة
إذا لم يُعلم الناسخ من المنسوخ بوجه من الوجوه
قال ابن الحاجب: فالوجه التوقف إلى التبين به، ولا يتخير. وقال الآمدي: إن
علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما، فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع، وإن
جوزه قوم؛ وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقوف عن العمل بأحدهما أو التخيير
بينهما إن أمكن؛ وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك.
واعلم أن كلامهم يشمل ما إذا علم اقترانهما وذلك لا يقع، وما إذا لم يعلم
الحال، أو علم أن أحدهما متأخر، ولكن لم تعرف عينه، وما إذا علم المتأخر، ثم
نسي. وقد ذكر الفقهاء هذه الأقسام في الجمعتين، والنكاح، وعقد الأمان لاثنين،
وموت جماعة من الاقارب بهدم أو غرق. فأما إذا علم عين المتقدم من المتأخر ثم
نسي فلا وجه للتخيير، بل يتعين الوقف.
١٥٩

خاتمة
امورلايثبت بها النسخ
لا يثبت النسخ بالترتيب في المصحف وقد سبق، ولا يكون أحد الحكمين أخف
من الآخر خلافا للقائلين بأنه لا ينسخ الشيء إلا بما هو أخف منه، فإنهم زعموا أن
ذلك من أدلة النسخ، وأن الأخف هو الناسخ والأغلظ هو المنسوخ، حكاه أبو
إسحاق المروزي، ولا يكون أحدهما يوافق الحظر والآخر الإباحة، خلافا للقائلين
بأن أصل الأشياء الإباحة حيث زعموا أن الناسخ ما يقتضي الحظر، لأن الانتقال
من الحظر إلى الإباحة يعيّن العود إلى الإباحة ثانيا، فجعلت الآية المبيحة تأكيداً لما
قبلها من الإباحة، والآية التي فيها الحظر ناقلة عما كان عليه من الإباحة، ومن
زعم أن الأشياء على الحظر حتى يأتي دليل الإباحة، فإنه يجعل آية الإباحة ناسخة،
ويجعل التي فيها الحظر مؤكّدة لما كان عليه من الحظر.
قال أبو إسحاق: وهذا خلاف مذهب الشافعي، وليست الأشياء عنده على
الحظر ولا على الإباحة، بل هي على ما شرع الله فلابدَّ من دليل على النسخ. والله
أعلم .
١٦٠