النص المفهرس

صفحات 81-100

مسألة
في وقت النسخ
يجوز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به بالإجماع . قال الماوردي: وسواء
عمل به كل الناس كاستقبال بيت المقدس، أو بعضهم كفرض الصدقة عند
مناجاة الرسول وَل﴿، نسخت بعد أن عمل بها عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
وأما النسخ قبل الفعل فهو على أقسام :
القسم الأول : أن يكون قبل علم المكلف بوجوبه، كما إذا أمر الله سبحانه
جبريل أن يُعْلِمَ النبي ◌َّر بوجوب شيء على الأمة، ثم ينسخه قبل وصوله إليه،
فجزم الماوَرْدي والرُّؤْياني في باب القضاء بأنه لا يجوز ورود النسخ عليه، لأن من
شرط النسخ أن يكون بعد استمرار الفرض، ليخرج عن البداء إلى الإعلام
بالمدة. قالا: وأما ما روي في ليلة المعراج من فرض خمسين صلاة، ثم استقرت
بخمس، فكان على وجه التقدير دون الفرض، لأن الفرض يستقر بنفوذ الأمر، ولم
يكن من الله تعالى فيه أمر إلا عند استقرار الخمس. انتهى .
وقد حكى ابن السَّمْعاني في ذلك الاتفاق، وليس كذلك، بل في المسألة وجهان
لأصحابنا، حكاهما الأستاذ أبو منصور وإلْكِيا. وقال/: لا يتحقق الخلاف، لأن ٢٠٢ /١
النسخ نوع تكليف أو حط تكليف، فإن كان إلى بدل كان تكليفا وإلا حط
تكليف، وقد شرع لمثل ما شرع له أصل التكليف. والعلم شرط لحصول أصل
التكليف إلا حيث لا يتوقف الإمكان عليه، فالنسخ مثله بلا فرق. قال: وإنما
يظهر الخلاف في أن القضاء هل يلزمهم بعد العلم والتدارك أولا يتحتم عليهم؟
وينبغي التغاير على أن القضاء هل يجب بالأمر الأول أو بأمر جديد؟ فإن قلنا
بالأول وجب، وإلا فلا. ولا مزيد على حسن هذا. اهـ .
٨١

وقال ابن برهان في ((الوجيز)) في آخر باب النسخ: نسخ الحكم قبل علم
المكلف بوجوبه جائز عندنا، ومنعته المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة، وبنوا على ذلك
أن عزل الوكيل لا يثبت قبل العلم. وزعموا أن النسخ قبل العلم يتضمن تكليف
المحال. قال: وهذه المسألة فرع تكليف ما لا يطاق، فإذا قضينا بصحته صح
النسخ حينئذ. قال: واحتج علماؤنا في هذه المسألة بقصة المعراج، فإن الله تعالى
أوجب على الأمة خمسين صلاة، ثم نسخها قبل علمهم بوجوبها، وهذا لا حجة
فيه، لأن النسخ إنما كان بعد العلم، فإن رسول الله في أحد المكلفين، وقد علم،
ولكنه قبل علم جميع الأمة. وعلم الجميع لا يشترط، فإن التكليف استقر بعلم
رسول الله ◌َ، فلا اعتماد على هذا الحديث. اهـ.
وظهر أن ما قاله الماوَرْدي وابن السَّمْعاني مذهب المعتزلة، وقد قال ابن حاتم
الأزدي تلميذ القاضي في كتاب ((اللامع)) له: من لم يبلغه الأمر، ولم يعلم أنه مأمور
هل يجوز أن يقال: إنه قد ينسخ عنه الأمر أم لا؟ ثم قال: عندنا يصح أن يقال:
إنه قد ينسخ عنه الأمر إذا بلغه، وتأدى إليه لزمه المصير إلى موجب الناسخ. قال
عبد الجليل الربعي في شرحه: وهذا صحيح، وإن تجوز في قوله: يصح، وحقه أن
يقول: يجب، إذ ليس من شرط كون الأمر نسخا أن يبلغ المأمور، وإنما البلاغ
شرط الامتثال، لأنه يجوز عندنا أن يكون مأمورا حين عدمه .
وقال القاضي أبو بكر وابن حاتم واللفظ له: يجوز عندنا أن يقال: قد نسخ عنه
الأمر، وإذا بلغه لزمه المصير إلى موجب الناسخ لا بالأمر المتقدم، بل باعتقاد له
آخر، ولو كان على شيء آخر فبلغه أنه أمر، ثم نسخ عنه وجب أن يصير إلى
موجب الناسخ .
وقال جمهور الفقهاء والمتكلمين: مثل هذا لا يكون نسخا، أما إذا لم يبلغه
المنسوخ، فلا يلزمه حكم الناسخ، كما لم يبلغه حكم المنسوخ . اهـ .
وقال بعض المتأخرين: نسخ الحكم قبل علم المكلف بالحكم المنسوخ،
اتفقت الأشاعرة على جوازه، والمعتزلة على منعه. وحكى الفقهاء في المسألة
طريقين: أحدهما: أن للشافعي في المسألة قولين. والثاني: الفرق بين الأحكام
٨٢

التكليفية والأحكام التعريفية، فمنعوه في الأول وجوزوه في الثاني ، كتكليف
الغافل. وهو مذهب الحنفية. اهـ .
واعلم أن الناسخ إذا كان مع جبريل عليه السلام، فلا يثبت حكمه قبل أن
يصل إلى النبي ◌َّ﴾ بالاتفاق، كما قاله القاضي أبو الطيب، وسليم، وغيره
واختلفوا بعد وصوله إلى النبي عليه السلام وقبل تبليغه إلينا، هل يثبت حكمه
بالنسبة إلينا قبل العلم به؟ على وجهين لأصحابنا، حكاهما القاضي أبو الطيب،
وسليم، وابن الصباغ في ((العدة)) وغيرهم وهما قولان للأصوليين، واختار
الثبوت. وقال سليم: إنه الصحيح. ونصره الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)). وقال
ابن برهان في ((الأوسط)): إنه مذهب أصحابنا، ونصره .
ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يثبت ما لم يصل إلينا، واختاره ابن
الحاجب، وجزم به الرُّؤْياني في باب القضاء، ونسبه القاضي في ((التقريب))
للجمهور. وقال: والقائلون بأنه يثبت النسخ شرطوا فيه البلاغ، فوجب كون
الخلاف لفظيا. اهـ .
ولا شك أن من لم يبلغه قسمان: أحدهما: المتمكن وهو ... (١) في حقه.
والثاني: غير المتمكن وهو محل الخلاف، فالجمهور على أنه لا يثبت في حقه لا بمعنى
الامتثال، ولا بمعنى ثبوته في الذمة. وقال بعضهم: ويثبت بالمعنى الثاني كالنائم،
ولم يصر أحد إلى ثبوته بالمعنى الأول. وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): إن
هؤلاء يقولون: لو قدر أن من لم يبلغه الناسخ أقدم على الحكم الأول يكون ذلك
خطأ منه، بيد أنه لا يؤاخذ به، ويعذر لجهله. اهـ. وليس كما قال. فإن الأستاذ أبا
منصور البغدادي قال: إن من أصحابنا من قال: يصح عمله بالمنسوخ إلى وقت
علمه بالنسخ. ومنهم من قال: لا يحسن العمل به قبل علمه بالنسخ، لكنه يعذر.
قال: ولأجل هذا الخلاف خرَّجوا عمل الوكيل قبل علمه بالعزل على وجهين .
(١) بياض في جميع النسخ التي بأيدينا، وقد كتب ناسخ القاهرية في الحاشية أن بعضهم كتب مكان
البياض: ((الثابت)).
٨٣

وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت في التأثيم، وهل يثبت في حكم
القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول،
لأنه يلزم فيه تكليف ما لا يطاق. قال ابن برهان: وهكذا القول في الأحكام
الورادة من جهة الله تعالى، ولم تتصل بنا، لأن العادة تخصيص جانب النسخ بالذكر
دون الحكم المبتدأ. اهـ. وهي مسألة غريبة .
والقائلون بأن النسخ لا يثبت في حق مَنْ لم يبلغه اتفقوا على أنه يخاطب بحكم
الأول إلى أن يبلغه النسخ، ثم اختلفوا: هل يتصف بكونه ناسخا قبل البلوغ كما
أن الأمر أمر للمعدوم على شرط الوجود، أو لا يتصف إلا بعد البلوغ؟ قال
القاضي: وهو خلاف لفظي، وإنما الخلاف الحقيقي مع الذين قدمنا ذكرهم يعني
القائلين بأن الحكم يرتفع عمن لم يبلغه الناسخ. وقد تبع إمام الحرمين القاضي في
جعل الخلاف لفظيا. قال: لأنه إن كان المراد أن عليهم الأخذ بالناسخ قبل
بلوغه، فتكليف ما لا يطاق. وإن أريد إلزام التدارك فلا منع قطعا. وقد قال: بل
تظهر فائدته في أنه هل يحتاج في التدارك إلى خطاب جديد، أو يكفي الناسخ؟ وقد
سبق عن إلْكِيا ما ينبغي استحضاره هنا .
قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): وهذه المسألة قطعية، وذهب بعضهم إلى
إلحاقها بالمجتهدات، حتى نقلوا فيها قولين من الوكيل إذا عزل، ولم يبلغه العزل .
هذا كله إذا بلغ النبي صل # وهو في الأرض، فإن بلغه وهو في السماء كقضية
الصلاة ، فهل يسمى نسخا أم لا؟ ظاهر كلام ابن السَّمْعاني تسميته به، ومنع
أبو إسحاق المَرَوْزَي في كتابه ذلك، لأن الأمر لم يقع قط إلا في الوقت الثاني. قال:
ولو جاز أن يكون نسخا للتخلص من تأخير البيان لجاز ذلك في قصة أصحاب
البقرة حين أمروا بذبحها حتى راجعوا، وعين لهم فردوا، فينبغي تسميته نسخا،
لأنه سبب حادث بعد الأمر المتقدم، بل أولى، لأن الخطاب قد وجه به، فهو أولى
من الذي لم يواجه به المفروض عليه، ولانزل من السماء. قال: ولا يسمِّى أحد
٢٠٢ / ب هذا/ نسخا .
وقال ابن عقيل من الحنابلة: يجوز النسخ في السماء إذا كان هناك تكليف، مثل
٨٤

أن يكون قد أسري ببعض الأنبياء، كنبينا وَلَّ، ولا يكون ذلك بداءً، خلافا
للمعتزلة، ومنعوا كون الإسراء يقظة .
وقال الإمام أبو إسحاق المرْوزي في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) تأليفه : لا نعلم
أحدا من أهل العلم استجاز أن يطلق اللفظ بنسخ الشيء قبل أن ينزل من السماء
إلى الأرض. قيل: القاشاني يسمى الرجوع من خمسين صلاة إلى خمس نسخا،
فخرج بذلك من قولك الأمة. انتهى .
القسم الثاني: أن يكون بعد علم بعض المكلفين بوجوبه، وهذه هي مسألة
المعراج، وقد سبق حكمها، وقد ذكرها الماوَرْدي والرُّؤْياني في ((البحر))، فقالا: إن
أبلغه النبي وَل و إلى البعض هل يثبت حكمه بالنسبة إلى الغائبين؟ فيه وجهان:
أشبههما أنه لا يثبت، لأن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة وهم في الصلاة استداروا
وبنوا، ولم يستأنفوا .
وقال الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)): إذا نزل النسخ على الرسول ثبت النسخ
في حقه وفي حقهم في قول بعض أصحابنا. ومن قائل: لا يثبت في حق الأمة قبل
أن يتصل ذلك بهم، وهو قول الحنفية. ثم نصر الشيخ الأول، وأجاب عن قصة
أهل قباء، بأن القبلة يجوز تركها بالأعذار، ولهذا تترك مع العلم بها في نوافل
السفر، فلهذا لم يؤمروا بالإعادة.
وحكى بعض المتأخرين مذهبا ثالثا بالتفصيل بين الأحكام التكليفية وخطاب
الوضع. فمنعه في الأول وجوّزه في الثاني، لأنه يلتحق بالغافل ونحوه .
القسم الثالث : أن يعلم المكلف بوجوبه عليه لكن لم يدخل وقته، إما أن يكون
موسعا كما لو قال : اقتلوا المشركين غدا، ثم نسخ عنهم في ذلك اليوم، أو يكون
على الفور، ثم ينسخ قبل التمكن من الفعل، أو يؤمر بالعبادة مطلقا، ثم ينسخ
قبل مضي وقت التمكن من فعلها .
فههنا اختلفوا، فذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم إلى الجواز، ونقله
القاضي أبو الطيب وسليم عن أكثر أصحابنا، ونقله ابن برهان عن الأشعرية
٨٥

وجماعة من الحنفية. ونقله غيرهم عن معتزلة البصرة، قال القاضي في ((التقريب)):
وهو قول جميع أهل الحق
وذهب أكثر الحنفية كما قاله ابن السَّمْعاني والحنابلة والمعتزلة، ومنهم من قيده
بمعتزلة بغداد، إلى المنع. وقال إلّكِيا الطبري: إنه قول الفقهاء، ولهذا حدَّ النسخ
باللفظ الدال على زوال مثل الحكم الثابت في المستقبل. قال: وإنما منعه
الأشاعرة. وقال القاضي عبد الوهاب: وهو قول شيوخنا المتكلمين. قال ابن
برهان: وإليه ذهب الصَّيْرفي وكثير من أصحابنا، وعامة المعتزلة .
وقال صاحب ((المصادر)): إنه الصحيح، وهكذا حكى القاضي أبو الطيب وابن
السَّمْعاني المنع عن الصَّيْرفي. ونقل صاحب ((الكبريت الأحمر)» عن الصَّيْر في
الجواز، وهو الذي رأيته في كتابه. قال: وهو مذهب أبي بكر الدَّقاق، وعليه
مشايخ ما وراء النهر .
وذكر البَزْدَوي أن التمكن من أداء العبادة ليس بشرط في نسخها، وإنما
المشروط هو التمكن من العزم. وقال صاحب ((اللباب)): اختلفوا في التمكن من
الفعل، هل هو شرط لجواز النسخ؟ قال بعض المحققين من أصحابنا مثل أبي بكر
الجَصَّاص والقاضي أبي زيد وغيرهما وعامة المعتزلة أنه شرط.
وقال بعض مشايخنا، وعامة أصحاب الشافعي: ليس بشرط، حتى لو كان
الأمر معلقا بوقت جاز نسخه قبل مجيء الوقت. وكذلك إذا كان منجزا غیر معلق،
لكن لما لم يتمكن من الامتثال به فيه وقع الخلاف. وأجمعوا على أن التمكن من
الاعتقاد شرط. اهـ .
وقال شمس الأئمة السَّرَخْسي: شرط جواز النسخ عندنا التمكن من عقد
القلب، وأما الفعل والتمكن منه فليس بشرط، وعند المعتزلة التمكن من الفعل
شرط. قال القاضي في ((التقريب)): قال أهل الحق: لا نسخ على الحقيقة إلا قبل
دخول الوقت. قال: واختلف المجوزون لنسخ الشيء قبل وقته، فقيل: يجوز
مطلقا، وله أن ينهى عن نفس ما أمر به قبل دخول وقته. وقيل: إنما يجوز بشرط
٨٦

أن ينهى على غير الوجه المأمور بإيقاعه عليه، فلا يجوز أن ينهى عنه في ذلك الوقت
على ذلك الوجه الذي تناوله الأمر عليه .
واختلفوا في وجه المغايرة على طرق: إنما يؤمر بالفعل بشرط بقاء الأمر، فإذا
نهي عنه قبل وقته زال الأمر به، فصار لذلك مأمورا به على وجه، ومنهيا عن إيقاعه
على غير الوجه الذي تناوله الأمر. وقيل: إنما يؤمر بالفعل في الوقت مع انتفاء
النهي عنه بدل الأول مع بقاء الأمر. وقيل: إنما يؤمر بالفعل بشرط أن لا يمنع منه.
وقيل: بشرط أن يختاره المكلف ويعزم عليه، فإذا نهي عنه فإنما ذلك لعلمه بأنه لا
يختاره، ثم قال القاضي: والمختار عدم القول بالحاجة إلى شيء من ذلك. قال
بعضهم: وحاصل الخلاف يرجع إلى أن الأمر قبل التمكن هل هو ثابت موجود
بالفعل فيصح نسخه، أو غير ثابت فلا يصح، كما تقدم في مسألة خطاب الكفار
بالفروع؟ واستشكل بعضهم فائدة الأمر على تقدير تجويز النسخ، وأجيب بأن
فائدته اعتقاد الوجوب، لأن ما يجب لله يكون على محض الابتلاء ويتحقق الابتلاء
في التكليف باعتقاد الوجوب .
القسم الرابع: أن يدخل وقت المأمور به، لكن ينسخ قبل فعله ، إما لكونه
موسعا، وإما لأنه اراد أن يشرع فينسخ. فقال سليم وابن الصباغ في ((العدة)): إنه
لا خلاف بين أهل العلم في جوازه، وجعلا الخلاف فيما قبل دخول الوقت،
وكذلك فعل ابن برهان في ((الأوسط))، والقاضي من الحنابلة، وكذا نقل فيه
الإجماع صاحب ((الكبريت الأحمر)). قال: للمعنى الذي جاز نسخه بعد إيجاده،
وهو انقلاب المصلحة مفسدة، وكذا الآمدي في أثناء الاستدلال، فإنه قال:
والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده .
وكلام إمام الحرمين في ((البرهان)) مصرح به، وجرى عليه العَبْدَري في ((شرح
المستصفى)) فقال: النسخ قبل التمكن من الفعل ثلاث صور: أحدها: أن يرد
بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة كلها. الثاني: أن يرد بعد أن مضى
من الوقت قدر ما يقع فيه بعضها. فهاتان الصورتان متفق على جواز النسخ عند
الأشعرية والمعتزلة فيهما، لأن شرط الأمر حاصل، وهو الثمكن من الفعل.
٨٧

الثالث: أن يرد الأمر قبل وقته المعتد به ثم ينسخ قبل دخول ذلك الوقت، فهو
موضع الخلاف. اهـ .
وفي هذا رَدُّ على القَرَافي وغيره حيث أجروا خلاف المعتزلة هنا. نعم، الخلاف
ثابت بنقل الهندي أن في بعض المؤلفات القديمة أن بعضهم كالكرخي خالف فيه .
٢٠٣ / ١ وقال: لا يجوز النسخ قبل الفعل، سواء مضى من الوقت مقدار ما يسعه / أم لم
مض.
وقد أطلق جماعة من أئمتنا حكاية الخلاف في النسخ قبل الفعل، وهو يشمل
هذه الصورة. وحكى الماوَرْدي فيها ثلاثة أوجه ، فقال: إذا ورد النسخ قبل اعتقاد
المنسوخ وقبل العمل به، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجوز، كما لا يجوز قبل
الاعتقاد. والثاني: يجوز كما يجوز بعد العمل، لأن الاعتقاد من أعمال القلب.
والثالث: لا يجوز إلا إن مضى بعد الاعتقاد زمان العمل به وإن لم يعمل به ،
لاختصاص النسخ بتقديره التكليف، وذلك موجود بمضي زمانه. اهـ . وقضيته
جريان الخلاف مطلقا فيما قبل التمكن وبعده .
وعن أبي العباس بن سريج حكاية وجهين لأصحاب الشافعي في النسخ قبل
الفعل. أحدهما: المنع. والثاني: التفصيل بين أن ينقل من فرض إلى إسقاطه
فيجوز، لأن الإسقاط حصل فيه الإثبات للتخفيف، وهذا الوجه رأيته محكيا في
کتاب أبي إسحاق المروزي الذي ألفه في الناسخ والمنسوخ. قال: باب ذكر نسخ
الفرض المأمور به قبل أن يستعمل منه شيء، بإسقاطه أو بالنقل إلى غيره .
قال أبو إسحاق: لست أحفظ للشافعي في هذا الباب شيئا نصا إلا ما ذكره في
بعض المواضع من أن الله عز وجل إذا فرض شيئا استعمل عباده به ما أحب، ثم
نقلهم منه إذا شاء. هذا معناه، وليس فيه ما يقتضي الجواز أو المنع، لكنه إلى المنع
أقرب. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه، لأن النبي ◌َّ فرض عليه خمسون
صلاة حيث أسرى به، ثم رُدَّ إلى خمس، فصار نسخا قبل استعماله. وكذلك
قصة إبراهيم في الذبح، ونسخ الصدقة عند مناجاة الرسول ، وعهد النبي عليه
السلام مع قريش أن يرد عليهم من جاءه من نسائهم، وذلك نقل عما أمروا به قبل
٨٨

استعماله. قال أبو إسحاق: وهذا كله محتمل، والأصح عندي على مذهب
الشافعي أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل أن يستعمل منه شيء .
وأما الانفصال عن جميع ما ذكر على مذهب الشافعي، والجواب في ذلك على
وجهين: أحدهما: أنه لا يجوز نسخ شيء لم يستعمل منه شيء بأي وجوه النسخ
كان نقلا من فرض إلى غيره، أو من وجوب إلى إسقاط أو من حظر إلى إباحة أو
عكسه .
والثاني: أن ذلك جائز فيما نقل من فرض إلى إسقاط ، لأن الإسقاط قد حصل
منه الامتنان بالتخفيف، وهو المقصود، ولهذا قال تعالى: ﴿الآن خفف الله
عنكم﴾ [سورة الأنفال /٦٦] فامتن بالتخفيف بعد التغليظ ، فهذا جائز، فأما
إذا نقل من فرض إلى مثله أو أغلظ منه، فليس ذلك موضع الامتنان ولا المقصد في
الأمر الأول إلا فعل ما أمروا به، والنقل عن ذلك إلى مثله لا مقصد فيه ينسب إلى
الله تعالى فعلا، إلا ويكون في ذلك مقصد معتزلي معروف .
ثم قال: وإنما حمل القائلين بجواز النسخ قبل الفعل مراعاة مذهبهم في المنع من
تأخير البيان، فأرادوا تصحيح مذهبهم. فسمَّوا ما وقع التأخير فيه نسخا، لئلا
يلزمهم تأخير البيان، فعدلوا عن تسميته بيانا إلى النسخ، لذلك قال: وأوَّل من
فعل ذلك القاشاني. وقد كان قوله بتأخير البيان أولى ثَمَّ، وأشبه بمذاهب أهل
العلم في جواز تأخير البيان .
ثم قال: فإن قلنا بالوجه الثاني فما ذكروه من الأدلة ساقط، لأن جميعها نقل من
فرض إلى إسقاط. والامتنان في جميع ذلك ثابت، وإن قلنا بالأول وهو نفي جواز
ذلك مطلقا، فالجواب عنه: أنها كلها نسخ بعد الشروع في الأمر، ونحن إنما نمنع
من قبل أن يؤتى منه بشيء، وقصة إبراهيم أتى فيها بالاضجاع، وإمرار السكين
والطعن به، وكذلك قصة النجوى، فقد فعلها بعض الصحابة، وقصة الصلاة لا
نسميه نسخا، لأنه لم يستقر الأمر إلا بخمس. وأما قصة الصلح، فقال الشافعي :
إن الصلح كان قد وقع في الرجال والنساء، فَرد النبي ◌َّ الرجال، ومنع من رد
النساء وأعطوا الغرض منه، فقد استعمل بعد الفعل، ونحن لا نمنع وقوع النسخ
بعد أن يفعل بعضه. هذا خلاصة كلامه .
٨٩

القسم الخامس: أن يدخل وقته فيشرع في فعله، لكنه ينسخ قبل تمامه . وقد
سبق التصريح من كلام أبي إسحاق المّرْوَزي بجواز هذه الحالة، وقد جعلها
الأصفهاني في ((شرح المحصول)) من صور الخلاف. وقال القَرَافي: لم أر فيه نقلا،
ولكن مقتضى قولنا الجواز مطلقا، ومقتضى قول المعتزلة التفصيل بين أن يقال: إذا
أتى ببعض المأمور به لا يخلو إما أن يكون المأتي به تحصُل به مصلحة، أو لا تحصل،
فإن لم تحصل كما إذا أمر بإنقاذ الغريق يأتي به إلى قريب من الشاطىء، وكان
الغريق بحيث لا يمكنه السباحة إلى طلوع البر، فإن هذه الصورة وأشباهها لا يجوز
فيها النسخ. وإن حصل بعض المقصود كما إذا أمر بإشباع الجائع وسقي العطشان
وإكساء العريان، ففعل البعض، فإنه يجوز نسخ الباقي، لأن الذي فعله
مقصود .
القسم السادس : أن يقع بعد خروج الوقت قبل فعله: مقتضى استدلال ابن
الحاجب أنه يمتنع بالاتفاق، وَوُجَّه بأن التكليف بذلك الفعل المأمور بعد مضي وقته
ينتفي لانتفاء شرطه، وهو الوقت، وإذا انتفى فلا يمكن رفعه لامتناع رفع
المعدوم؛ لكن صرح الآمدي في الأحكام بالجواز، وأنه لا خلاف فيه. قيل: ولا
يتأتى الأمر إذا صرح بوجوب القضاء، أو قلنا: الأمر بالأداء يستلزمه، والصواب
هذه الطريقة، فإن أبا الحسين البصري من المعتزلة قطع به، فقال في ((المعتمد)):
نسخ الشيء قبل فعله ضربان: نسخ له قبل وقته، وهو غير جائز عند شيوخنا
المتكلمين، وذهب بعض الفقهاء إلى جوازه، وَنَسْخَ له بعد مضي وقته، وهو جائز
لأن مثل الفعل يجوز أن يصير في مستقبل الأوقات مفسدة. قال: ولا فرق في جواز
ذلك في العقل بين أن يعصي المكلف أو يطيع. اهـ .
فهذا تصريح بأن خلاف المعتزلة لا يجيء في هذه الصورة؛ بل هي محل وفاق
بيننا وبينهم. لكن القاضي في ((التقريب)) صرح بجريان خلافهم في هذه المسألة،
فقال: لا يستحيل عندنا أن ينسخ الفعل قبل وقوعه وبعد مضي وقته الذي وقّته
به، لا على أن يقال للمكلف: لا تفعله في الوقت الماضي الذي كان قد وَقّت به
لاستحالته، ولكن يجوز النسخ له والنهي عنه قبل فعله ، ومع فعله، وبعد مضي
وقته، بأن تعاد القدرة على فعله أو على تركه في المستقبل، لأن ذلك يصح، ثم
٩٠

يؤمر المكلف بأن يفعله مرة ثانية فيما بعد إذا عرفه بعينه، ثم يقال له: قبل دخول
وقته الذي وقت له ثانيا: لا تفعله فقد نهيناك عنه. هذا جائز غير ممتنع، ويكون
نسخا للشيء قبل وقته، وقبل إيقاعه، ومنع إيقاعه في وقته الأول .
قال: وهذا لا يصح إلا مع القول بجواز إعادة أفعال العبادات، والمعتزلة
ينكرونه/، وعلى إعادة الباقي من أفعال العباد وغير الباقي، فلذلك أحالوا نسخ ٢٠٣ / ب
الشيء قبل تقضي وقته، إما لاختصاصه بالزمان، أو لاستحالة الإعادة عليه، وإن
كان باقيا. ومن وافقهم من الفقهاء على مسألة النسخ فلم يعرف ما أرادوا من
ذلك، فليحذر الفقيه السليم من بدعتهم.
تنبيهات
الأول : أن القاضي أبا الطيب الطبري ترجم المسألة بالنسخ قبل وقت الفعل،
ثم قال: وقال بعض العلماء بالأصول: إنما قلنا نسخ الحكم قبل وقت الفعل، ولم
نقل قبل فعله، لأن المخالف يقول: يجوز قبل فعله، وهو نسخ الفعل الثاني
والثالث وما بعده. قال القاضي: والصحيح أن النسخ إذا ورد قبل وقت الفعل بيَّنا
أن المراد به إيجاب مقدمات الفعل، وكل النسخ عندنا هكذا، لأنه تخصيص
للزمان وبيان لما يراد باللفظ، كالتخصيص في الأعيان. ولا نقول: إن الله نسخ ما
أمر به وأوجب علينا فعله، وأراد إيجابه، لاستلزامه البداء، وهو محال. اهـ .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني: جَوَّز الجمهور النسخ قبل الفعل،
وجعلوا الحقيقة إذا قال لهم: صلوا غدا، واقتلوا زيدا، ثم منعهم منه قبل دخول
الوقت، أنه إنما أمرهم به على وصف إن وجد سقط الأمر كأن قال: صلوا غدا،
واقتلوا زيدا إن لم تموتوا .
الثاني: قال ابن أبي هريرة والأستاذ أبو إسحاق والخَفَّاف في ((الخصال)»: كل
نسخ فإنما يكون قبل الفعل، لأن ما مضى يستحيل لحوق النسخ له، لأن النسخ
رفع الحكم في المستقبل من الزمان، فلا معنى لقول من أبطل النسخ قبل الفعل.
ولهذا قال إمام الحرمين: ترجمة المسألة بالنسخ قبل الفعل مختلة، يعني لأنها تفهم
٩١

صحة النسخ بعد الفعل، وهو غير صحيح، ولا نسخ أبدا إلا قبل الفعل، سواء .
قلنا: إنه رفع أو بيان، إذ لا ينعطف النسخ على سابق، وإنما المراد به، هل يجوز
نسخ الفعل قبل دخول وقته، أو قبل أن يمضي من وقت الأمر به ما يسعه؟ فأهل
الحق على جوازه، والمعتزلة على منعه، ثم احتج بقصة الخليل عليه السلام، فإنه
نسخ الأمر قبل وقوعه؛ وهذا الدليل لا يطابق المُدَّعى بظاهره .
وصور الغزالي المسألة في النسخ قبل التمكن من الفعل. وأبو الحسين في النسخ
قبل وقت الفعل، وتبعه ابن الحاجب وغيره. والأحسن أن يقال: قبل مضي مقدار
ما يسعه من وقته، ليشمل ما إذا حضر وقت الفعل، ولكن لم يمض مقدار ما
يسعه، فإن هذه الصورة من محل النزاع أيضا. قلت: والقائلون بالنسخ، قيل:
أرادوا به نسخ الخطاب الذي لم يتقدم به عمل ألبتة، وحينئذ فلا يتوجه ما قاله
الإمام فإن المراد نسخ الحكم المتلقى من الخطاب قبل التمكن من مقتضاه ألبتة .
الثالث: أصل الخلاف هنا الخلاف السابق في صحة التكليف بما علم الأمر
انتفاء شرط وقوعه عند وقته، وكذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من
الامتثال. والمعتزلة يمنعونه، ولهذا أنكروا ثبوت الأمر المقيد بالشرط، فمن قال: إنه
يمتنع كالمعتزلة لزمه هنا عدم جواز النسخ قبل وقته، إذ لا يتمكن قبل الوقت فلا
أمر، والنسخ يستدعي تحقق الأمر السابق، فيستحيل النسخ عند عدمه، ويلزم
إمام الحرمين موافقتهم هنا؛ لأنه وافقهم على ذلك الأصل. أما من لم يقل بذلك
کالجمهور، فيجوز أن يقول بجوازه ، وأن لا یقول بذلك، لما یظهر له من دليل
تخصيصه، وليست هذه المسألة فرع تلك على الإطلاق ، أعني في الجواز وعدمه كما
أشعر به كلام الغزالي؛ بل في عدم الجواز فقط. وفي ((تقريب)) القاضي أن أصل
الخلاف هنا الخلاف الكلامي في جواز إعادة أفعال العباد، وقد سبق قريبا.
مسألة
لا يشترط في النسخ أن يتقدمه إشعار المكلف بوقوعه، خلافا لبعض المعتزلة،
وقد سبقت .
٩٢

مسألة
لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل، كما في نسخ الصدقة في مناجاة الرسول،
والإمساك بعد الإفطار في ليالي رمضان، خلافا للمعتزلة حيث قالوا: لا يجوز نسخ
الحكم إلى غير بدل. حكاه الإمام في ((مختصر التقريب)). واستدل القاضي بأنه
يجوز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملة، فَلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا إلى
بدل أولى . قال: والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يُجَوِّزون ارتفاع التكليف،
فلهذا خالفونا في هذه المسألة، فهذا مثار الخلاف بيننا وبينهم. اهـ. لكن المجزوم
به في ((المعتمد)) لأبي الحسين الجواز، وإنما نسب الأصوليون المنع في هذه المسألة
لبعض الظاهرية .
هذا بالنسبة إلى الجواز، أما الوقوع فالجمهور عليه، وقيل: لم يقع، وهو ظاهر
نص الشافعي، فإنه قال في ((الرسالة)): وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه
فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في
كتاب الله وسنة نبيه * هكذا. وقال الشافعي في موضع آخر بعد ذكر نسخ
التوجه لبيت المقدس: وهذا مع إبانته لك أن الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة
دليل على أن النبي ◌َّه إذا سن سنة حوله اللّه عنها إلى سنن أخرى غيرها يصير
إليها الناس بعد التي حول عنها، لئلا يذهب على عامتهم الناسخ، فيثبتون على
المنسوخ، ولئلا يشتبه على أحد بأن رسول اللّه ◌َل# يسن فيكون في الكتاب شيء
يرى بعض من جهل اللسان أو العلم بموقع السنة مع الكتاب بمعانيه أن الكتاب
ينسخ السنة. اهـ . كلامه .
وليس ذلك مراده؛ بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل،
وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصَّيْرفي في ((شرح الرسالة))
وأبو إسحاق المروزي في كتاب ((الناسخ)) أنه ينقل من حظر إلى إباحة أو إباحة إلى
حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض. ومَثِّله بالمناجاة. وكان يناجي
النبيُّ وَّر بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم
٩٣

إلى ما كانوا عليه، فإن شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإن شاءوا ناجوه من غير
صدقة. قال: فهذا معنى قول الشافعي فرض مكان فرض فتفهمه. اهـ .
والحاصل أنهم ينقلون من حكم شرعي إلى مثله، ولا يتركون غير محكوم عليهم
بشيء. وهذا صحيح موجود في كل منسوخ. وقال أبو إسحاق: معنى قولنا: لا
ينسخ الشيء إلا بمثله، يعني ما لا بُدَّ له من الناسخ، كالنقل من الحظر إلى الإباحة
أو من الفرض إلى الندب أو إلى الفرض، فأما إن أريد إسقاطه فنسخه إما أن
٢٠٤ / أ ينسخ برسم مع ثبوت الرسم الأول فلا يكون ذلك / إلا بقرار رسمه، وإما برفع
رسمه مع حکمه بأن ينسى، فيستغنى بذلك عن رسم يرفع به كسورة الأحزاب
التي كانت تعدل سورة البقرة .
وقال ابن القَطّان: قول الشافعي أن النسخ یکون بأن يبدل مكانه شيئا، جوابه
من وجهين: أحدهما: أنه أراد أن الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره. الثاني: أن
ذلك يجرى مجرى أمر ثان بعبارة أخرى، والفرض الأول قد تغير، لأن الله تعالى
حين أمر به أراد: في زمان يوصف، وإنما خفي ذلك علينا، وقُدِّر أنه عام في الأزمنة
كلها، إلا أنه لابد أن يعلم أن الفرض الأول قد تغير، ألا ترى أنه كان خمسين
صلاة، فكان علينا أن نعتقد أن الكل واجب! فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد
الذي كنا قد اعتقدناه، فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول . اهـ.
والحاصل أن الصور أربع :
الأولى : جواز النسخ بلا بدل، لاشك فيه، وإنما فيه خلاف المعتزلة .
الثانية: وقوعه بلا بدل أصلا بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشرائع،
ويتركون غير محكوم عليهم بشيء، وهذا هو الذي منع الشافعي وقوعه، وإن كان
جائزا عقلا كما صرح به إمام الحرمين في ((التلخيص)).
الثالثة: يبدل من الأحكام الشرعية، إما إحداث أمر مغاير لما كان واجبا أولا
كالكعبة قبل القدس، أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة، والنسخ لم يقع إلا
هكذا، كما قاله الشافعي، وبه صرح إمام الحرمين في ((التلخيص))، فقال بعد أن
ذكر جواز النسخ لا إلى بدل: فإن قال قائل كيف يتصور ذلك؟ ولو وجبت عبادة
٩٤

فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها، والإباحة حكم من الأحكام، وهو بدل من
الحكم الثابت أولا، وهو الوجوب. قلنا: من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تقع
إلا بعبادة(١) ولا يجوزون نسخا بإباحة. على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقال:
الرب سبحانه نسخ حكم العبادة، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشرائع،
فهذا مما يعقل ولا ينكر، فإن استروحوا في منع ذلك بقوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾
الآية [سورة البقرة / ١٠٦]. وهي مصرحة بإثبات البدل، قلنا: هذا إخبار بأن النسخ
يقع على هذا الوجه، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا
الوجه. اهـ . فقد صرح بأن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه بعد أن جَوَّز وقوعه
لا إلى بدل.
الرابعة : وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر، كالكعبة بعد المقدس،
ولم يشترطه الشافعي كما توهم عليه.
فصْل
النسخ بيدل يقع على وجوه:
أحدها : أن ينسخ بمثله في التخفيف أو التغليظ، كنسخ استقبال بيت المقدس
بالكعبة .
الثاني: نسخه إلى ما هو أخف منه كنسخ العدة حولا بالعدة أربعة أشهر،
وهذان القسمان لا خلاف فيهما .
الثالث: نسخه إلى ما هو أغلظ منه، والجمهور على جوازه كالعكس،
ولوقوعه، لأن الله تعالى وضع القتال في أول الإسلام، ثم نسخه بفرض القتال.
ونسخ الإمساك في الزنى بالجلد .
(١) في القاهرية: أن العبادة على الأليق أن تكون لا تنسخ إلا بعبادة. ولعل قوله: ((على الأليق أن
تكون)» مقحمة من الناسخ.
٩٥

وذهب قوم من الظاهرية إلى المنع، وإليه صار ابن داود، كما نقله ابن
السَّمْعاني .
ثم اختلف المانعون فقيل: منع منه العقل لما فيه من التنفير. وقيل: بل الشرع
لقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [سورة البقرة / ١٨٥] وزعم
الهندي أن كل من قال بالجواز قال بالوقوع؛ وليس كذلك، فقد حكى القاضي
قولا أنه جائز، ولكنه لم يقع .
وذكر ابن برهان أن بعضهم نقل المنع عن الشافعي. قال: وليس بصحيح،
وكذا حكاه عبد الوهاب قولا للشافعي. قلت: كأن مستند النقل عنه قول
الشافعي في ((الرسالة)): إن الله فرض فرائض أثبتها، وأخرى نسخها رحمة وتخفيفا
لعباده. هذا لفظه وقد اختلف فيه أصحابنا كما قاله أبو إسحاق المروزي، فقال
بعضهم: أشار به إلى أن الناسخ يكون أخف من المنسوخ؛ لأنه جعل النسخ رحمة
وتخفيفا، وما نسخ بأغلظ منه كان تشديدا لا تخفيفا .
وقال آخرون: لم يُرِد به جميع أنواع النسخ؛ بل البعض. قال أبو إسحاق:
وكلام الشافعي مخرج على وجوه: أحدها: أنه أطلق اللفظ على الأكثر من النسخ،
لأن أكثر ما يقع فيه النسخ، نقل من تغليظ إلى تخفيف. والثاني أنه لم يقصد ذلك،
وإنما ذكر الفرائض، وأراد ما لم يلزم إثباته من الفرائض، فأسقط .
قلت: وبالجملة فالقول بالجواز مطلقا هو الأشبه. وقد قال بكل منهما بعض
أصحابنا، وليس في ذلك عن الشافعي شيء نقطع به، والظاهر أنه أشار به إلى
وجه الحكمة في النسخ. والصحيح: الجواز؛ لأن النسخ للابتلاء وقد يكون
لمصلحة تارة في النقل إلى ما هو أخف وتارة أشق .
الثالث: نسخ التخيير بين أمرين بتعيين أحدهما، وهو راجع إلى النسخ
بالأثقل، كالذي كان في صدر الإسلام بين التخيير في صوم رمضان بالفدية
والصيام بقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ الآية [سورة البقرة / ١٨٤]. ثم نسخ
بقوله: ﴿فمن شهد منك الشهر فليصمه﴾ [سورة البقرة / ١٨٥].
٩٦

وينقسم باعتبار آخر إلى ما سقط وجوبه إلى الندب، كنسخ ثبات الواحد
للعشرة إلى ثباته للاثنين، فكان ثباته للعشرة مندوبا، ونسخ وجوب قيام الليل،
فجعل ندباٍ وإلى ما سقط وجوبه إلى الإباحة كترك المباشرة بالليل للصائم بعد
النوم؛؛ وإلى ما سقط تحريمه إلى الإباحة كزيارة القبور وادخار لحوم الأضاحي.
مسألة
يدخل النسخ في جميع الأحكام الشرعية
يدخل النسخ في كل حكم شرعي، خلافا للمعتزلة فيما حسنه وقبحه ذاتي أو
لازم له كالظلم والكذب. ووافقهم الصَّيْرفي كما رأيته في كتابه، فقال: الأشياء في
العقود على ثلاثة أضرب: أحدها: واجب لا يجوز النهي عنه وهو الاعتراف
للمنعم بالإحسان، وللخالق بالتعظيم واعتقاد توحيده . والثاني: محظور لا تجوز
إباحته كإباحة الكذب والظلم ونحوه. والثالث: ما يجوز أن يأتي العباد به، ويجوز
أن لا يأتوا، وهذا هو الذي يقع فيه النسخ كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها، لأن
النهي عنه والأمر به لا يدفعه العقل، فجاز أن يوقعه الله في زمان دون زمان، وفي
مكان دون مكان، لأنه يجوز أن لا يأتي به ألبتة، ولا يقع النسخ في غير ذلك، ولا
يجوز أن يقع النسخ في التوحيد، ولا في صفة من صفاته، هذا لفظه.
وهكذا قال أبو إسحاق المروزي في كتابه: لا يجوز النسخ في توحيد الله، وما
أمر به من الاعتراف بربوبيته والامتثال لأمره، والاتباع لرسله، والكفر بالشيطان
وأوليائه، ولا في صفات الله. اهـ . وقد سبق مثله عن سليم .
واتفق / الكل على جواز زوال التكاليف بأسرها عن المكلف لزوال شرطة ٢٠٤ / ب
كالعقل، وأنه لا يجوز أن ينهى اللّه المكلف عن معرفته سبحانه إلا إذا جوزنا
تكليف ما لا يطاق. واختلفوا في زوالها بالنسخ فمنعه المعتزلة والغزالي، لأنه
يتضمن التكليف بمعرفة الناسخ، وهو ظاهر كلام المتولي والرافعي حيث ذكرا فيه
لو علق الطلاق على ما يستحيل شرعاً كما لو قال: إن نسخ وجوب المكتوبات
٩٧

الخمس أو صوم رمضان فأنت طالق أنه يقع في الحال. والمختار عند ابن الحاجب
جوازه لأنها أحكام كغيرها، لكن أكثر أصحابنا كما ذكرنا على المنع.
مسألة
في جواز نسخ المقرون بكلمة التأبيد قولان. حكاهما صاحب ((الكبريت
الأحمر)). وقال: قال الجَصَّاص: الصحيح عند أصحابنا المنع، لأن اللّه تعالى ألزمنا
اعتقاده باقيا على سبيل التأبيد، فلا يجوز أن يكون بقاؤه مؤقتا. قال: وظاهر
مذهب الجمهور جوازه كالمطلق، وكلمة التأبيد تستعمل للدوام المعهود. قلت:
وقد سبق نظيره في التخصيص للحكم المؤكد .
مسألة
فينسخ الأخبار
[الخبر] إما أن ينسخ لفظه أو مدلوله. والأول : إما أن ينسخ تكليفا بأن يخبر
به، أو تلاوته، ولا خلاف في جوازه سواء كان ماضيا أو مستقبلا فيما يقبل التغيير
كإيمان زيد أم لا. وسيأتي حديث: (لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما
ثالثا)، لأنه من المنسوخ تلاوته، وهو خبر؛ لكن هل يجوز نسخ تكليفنا بالإخبار
عما لا يتغير تكليفا بالإخبار بنقيضه؟ منعه المعتزلة، لأنه كذب والتكليف فيه قبيح .
قال الآمدي: وهذا مبني على قاعدة الحسن والقبح الباطلة عندنا. قال: وعلى هذا
فلا مانع من التكليف بالخبر نقيض الحق .
والثاني : وهو نسخ مدلوله وثمرته، وهي المسألة الملقبة بنسخ الأخبار بين
الأصوليين، فننظر فإن كان مما لا يمكن تغييره بأن لا يقع إلا على وجه واحد
كصفات الله، وخبر ما كان من الأنبياء والأمم، وما يكون من الساعة وآياتها،
كخروج الدجال، فلا يجوز نسخه بالاتفاق كما قاله أبو إسحاق المرْوزي وابن
برهان في ((الأوسط))، لأنه يفضي إلى الكذب، وإن كان مما يصح تغييره بأن يقع
٩٨

على غير الوجه المخبر عنه ماضيا كان أو مستقبلا، أو وعدا أو وعيدا، أو خبرا عن
حكم شرعي، فهو موضع الخلاف .
فذهب أبو عبد الله وأبو الحسين البصريان وعبد الجبار والإمام الرازي إلى
جوازه مطلقا، ونسبه ابن برهان في ((الأوسط)) إلى المُعْظم. وذهب جماعة إلى المنع،
منهم أبو بكر الصَّيْرفي کما رأيته في كتابه، وأبو إسحاق المروزي كما رأيته في كتابه في
((الناسخ والمنسوخ))، والقاضي أبو بكر، وعبد الوهاب، والجبائي وابنه أبو هاشم،
وابن السَّمْعاني، وابن الحاجب. وقال الأصفهاني: إنه الحق.
ومنهم من فصّل، ومنع في الماضي لأنه يكون تكذيبا، دون المستقبل، لجريانه
مجرى الأمر والنهي، فيجوز أن يرفع، ولأن الكذب يختص بالماضي ولا يتعلق
بالمستقبل، ولهذا قال الشافعي: لا يجب الوفاء بالوعد، وإنما يسمى من لم يف
بالوعد مُخلفا لا كاذبا .
وهذا التفصيل جزم به سليم، وجرى عليه البيضاوي في ((المنهاج))، وسبقهما
إليه أبو الحسين بن القَطّان، فقال الخبر ضربان: أحدهما: ما يمنع نسخه كما حكاه
الله لنا عن الأمم السالفة، كقوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾
[سورة العنكبوت /١٤]. والثاني: ما كان من باب الأخبار الكائنة كقوله : من صلى
دخل الجنة، ومن زنى دخل النار، فهذا يجوز تغييره، فيقال بعد ذلك: من صلى
أدخلته النار على حسب المصلحة. اهـ .
وقيل: إن كان الخبر الأول معلقا بشرط أو استثناء جاز نسخه، قال ابن مقلة في
كتابه ((البرهان)): كما وَعَدَ قوم يونس بالعذاب إن لم يتوبوا، فلما تابوا كشفه عنهم.
وقال الآمدي: يجوز مطلقا إذا كان مما يتكرر والخبر عام، فيبين الناسخ إخراج ما لم
يتناوله اللفظ .
وقال ابن دقيق العيد: المشهور في الخبر أنه لا يدخله النسخ؛ لأن صدقه
مطابقته للواقع، وذلك لا يرتفع. واختار جماعة من الفضلاء جوازه، لكن جوازا
مقيدا، وينبغي أن يكون في صورتين: إحداهما: أن يكون بمعنى الأمر، نحو
﴿والوالدات يرضعن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٣]. والثانية: أن يكون الخبر تابعا للحكم،
فيرتفع بارتفاع الحكم.
٩٩

تنبيهات
الأول : أن الخلاف مبني على تفسیر النسخ، وهل هو رفع أو بیان کما صرح به
القاضي؟ فقال: ذهب كل من قال بأن النسخ بيان، وليس برفع حقيقي إلى جواز
النسخ في الأخبار على هذا التأويل. قال: وأما نحن إذا صرنا إلى أنه رفع الثابت
حقيقي، وأن المبين ليس بنسخ أصلا، فلا نقول على هذا بنسخ الأخبار؛ لأن في
تجويزه حينئذ تجويز الخلف في خبر اللّه، وهو باطل. وهذا بخلاف تجويز النسخ في
الأوامر والنواهي، لأنه لا يدخلها صدق ولا كذب. اهـ .
ومن هذا يعلم أن مَنْ وافق القاضي في تفسيره بالرفع وقال بتجويز النسخ في
الأخبار فلم يتحقق. ولم يقف الهندي على كلام القاضي، فقال: لا يتجه الخلاف
إن فسرنا النسخ بالرفع، لأن نسخه حينئذ يستلزم الكذب. وإنما يتم إذا فسرناه
بالانتهاء، فإنه لا يمتنع حينئذ أن يراد من الدليل على ثبوت الحكم في كل الأزمنة لا
بعضها .
[نسخ الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي]
الثاني : أن الخلاف أيضا في الخبر المحض أما الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهى
نحو: ﴿والوالدات يرضعن﴾ [سورة البقرة /٢٣٣] ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [سورة
البقرة / ٢٢٨] ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [سورة الواقعة /٧٩] فلا خلاف في جواز نسخه
اعتبارا بمعناه. قاله ابن برهان، وتبعه الهندي. قال: وأما نقل الإمام وغيره
الخلاف في الخبر عن حكم شرعي فمحمول على ما كان خبرا لفظا ومعنى. قلت:
لكن ذهب أبو بكر القَفّال من أصحابنا إلى منع نسخ الخبر وإن كان حكما شرعيا،
اعتبارا بلفظه. حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق في ((اللمع وشرحها))، وسليم في
((التقريب)) وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، وقال عبد الوهاب: الصحيح أنه لا
يجوز نسخ الخبر إلا إذا كان مرادا به الأمر. وقال الرُّؤْياني: يجوز نسخ الأمر وإن
ورد بلفظ الخبر. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز اعتباراً بالأخبار، وهو فاسد
لاختصاص الأخبار بالإعلام، واختصاص الأوامر بالإلزام .
١٠٠