النص المفهرس
صفحات 481-500
عليها، إذ حقيقة القياس بيان المراد بالنص، وقد أمر الله أهل التكليف بالاعتبار . والاستنباط والاجتهاد ، فهذه مراتب البيان في الأدلة الشرعية عند الشافعي . وقد اعترض عليه فيها قوم وتوهموا أنه أهمل قسمين، وهما: الإجماع، وقول المجتهد إذا انقرض عصره، وانتشر من غير نكير، وإنما لم يذكرهما الشافعي، لأن كل واحد منهما إنما يتوصل إليه بأحد الأقسام الخمسة التي ذكرها الشافعي، لأن الإجماع لا يصدر إلا عن دليل، فإن كان نصا فهو من القسم الأول ، وإن كان استنباطا فهو من الخامس . فإن قيل : فينبغي أن لا يذكر أيضا القياس، لأنه مستند إلى النص. قلنا: لأجل هذا قال إمام الحرمين وابن القُشَيْري: لا مدفع للسؤال، لكنه مدفوع بوجهين: أحدهما: أن الإجماع على غير ما دل عليه النص، فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر بخلاف الآخر، فإنه إنما دل على وجوب العمل به، وليس دالا على مدلوله فلذلك أفرده بالذكر؛ والثاني: يحتمل أن يكون الشافعي تعرض لمراتب البيان الموجودة في كل عصر، والإجماع لم يوجد في عصره عليه السلام، فلهذا أغفله . واعترض آخرون، فقالوا: لم يذكر دليل الخطاب، وهو حجة عنده، وأجيب بأنه إن كان مفهوم الموافقة فهو يدخل في قسم البيان من الكتاب والسنة، وإن كان مخالفة فهو من جملة ما استنبط بالاجتهاد، فدخل في القسم الخامس. وتعجب المازَري من الغزالي كيف حكى الاتفاق على أن مراتب البيان خمسة، وإنما اختلفوا في أوضاعها. ثم قال أئمتنا، منهم ابن السَّمعاني: يقع بيان المجمل لستة أوجه: أحدها : بالقول وهو الأكثر، كبيان نُصب الزكوات ، وكقوله: (لا قطع في تمرة ولا كسرة، والقطع في ربع دينار) . والثاني: بالفعل كقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، (خذوا عني مناسككم) . الثالث: بالكتاب كبيانه أسنان الديات، وديات أعضاء البدن، وكذا الزكوات . ٤٨١ الرابع: بالإشارة كقوله: ﴿الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا ﴾ يعني ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات، وخَنَسَ إبهامه في الثالثة، يعني يكون تسعا وعشرين. قلت: وكذلك حديث كعب بن مالك مع أبي حَدْرَدٍ إذ أشار النبي ◌َّ إليه بيده أن ضع النصف، ومثله في ((المحصول)) بإشارة النبي ◌َّ إلى الحرير بيده. وقال: هذا حرام على ذكور أمتي . الخامس: بالتنبيه: وهو المعاني والعلل التي نبّه بها على بيان الأحكام، كقوله في بيع الرطب بالتمر: (أينقص إذا جف)؟ وقوله في قبلة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت) . السادس: ما خُصَّ العلماء ببيانه عن اجتهاد، وهو ما ... (١) فيه الوجوه الخمس إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين: إما من أصل تغير هذا الفرع به، وإما من طريق أمّارة تدل عليه. وزاد شارح ((اللمع)): سابعا: وهو البيان بالترك، كما روي أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مسته النار . وقد يرجع إلى البيان بالفعل، لأن الترك كف، والكف فعل . وقال الأستاذ أبو منصور: قد رتب بعض أصحابنا ذلك، فقال: أعلاها رتبة ما وقع من الدلالة بالخطاب، ثم بالفعل، ثم بالإشارة، ثم بالكتابة، ثم بالتنبيه على العلة . قال: ويقع البيان من الله سبحانه بها كلها خلا الإشارة. وقال الأستاذ: رتبها أصحابنا، فقالوا : آكدها تبيين الشيء بلفظ صريح مع إعادته، نحو أعط زيدا أعط زيدا ، وفي الحديث: (فنكاحها باطل باطل باطل). ثم المؤكّد نحو: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ [سورة الأعراف / ١٤٢] وفي الحديث: (فابن لبون ذكر). (فلأولى رجل ذكر). ثم يليه الخطاب المستقل بنفسه كقوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة / ٣]، ثم يليه ما يرد على لسان النبي عليه السلام نحو: (البيعان بالخيار)، (الولاء لمن أعتق)، ثم (١) هنا بياض، وكتب ناسخ القاهرية: في بعض النسخ مكان البياض كلمة: ((نقل)) فلينظر. ٤٨٢ الكتابة، ثم الإشارة بتحريك اليد والرأس. قال: ورأيت أصحابنا يقدمون ما ورد من الخطاب المجمل الذي لا يمكن الوقوف على معناه للعسر في اللسان على القياس، وهو أولى منه ومقدم عليه لاستقلاله بنفسه وإمكان الوصول إلى المراد بأصله وفرعه، وهما قسمان من البيان . وأطلق جمع من أصحابنا أن البيان بالفعل أقوى من القول. قال ابن الرفعة: وشاهده حلقه وير بالحج في أن اتباع الصحابة له أقوى من أمره وإذنه فيه كما جاء في الخبر . مسألة [البيَان الوَاجِبْ عَلَى الرَسُولِ وَّ ] يجب على الرسول بيان ما يتعلق بأحكام الشرع: واجبها، ومندوبها، وحرامها، ومكروهها، ومباحها . وقال بعض المتكلمين: ما كان واجبا فيجب عليه بيانه، أو مندوبا فمندوب، أو مباحا فمباح. قال ابن القشيري: وهذا خرق للإجماع، لإجماع الأمة على وجوب تبليغ جميع الشرعيات. وقال غيره: يلزمهم أن يكون بيان الْمُحَرَّم محرما، وهو إلزام عجيب . وقال الماوَرْدي والرُّؤْياني: ما يلزم الرسول بيانه من الأحكام التي ليست في كتاب الله كالقضاء بالشفعة، وبالدية على العاقلة، وإعطاء السلب للقاتل، وأن لا يرث القاتل، ونحوه، يلزم بيانه في حقوق العباد لأنه لا طريق لهم إلى العلم بها إلا منه ، وفي لزوم بيانها في حق الله وجهان مبنيان على الخلاف في أنه هل هو ١/١٨٩ بالاجتهاد؟ فإن قلنا: له ذلك/ لزمه، وإلا فلا . وقال الشّاشي في كتابه: الذي يجب عليه هو البيان، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [سورة النحل /٤٤]. وروي أن عمر سأله عن الكلالة: فقال: (يكفيك آية الصيف)، فدل هذا على أن الواجب عليه من البيان ما لم ٤٨٣ يتوصل إلى معرفته إلا ببيانه. فأما ما جعل في الكتاب بيانه، وكان يتوصل إليه بالتدبر، فليس عليه بيانه. قال: ومعقول أنه عليه السلام لا يجب عليه إبانة كل الأحكام أصلا، وإنما عليه إبانة الأصول التي فيها الدلالة على الفروع . وقال الماوَرْدي والرُّؤْياني: مِنَ المجمل ما وكل العلماء إلى اجتهادهم في بيانه من غير سمع يفتقر إليه، كقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [سورة التوبة /٢٩]. فلم يرد سمع ببيان أقل الجزية حتى اجتهد العلماء في أقلها، وكقوله: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [سورة الجمعة /٩]. فأجمل ذكر العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، حتى اجتهد العلماء ، فهذا ونحوه ساقط من الرسول عليه السلام، لأنه مأخوذ من أصول الأدلة المستقرة. وقد سأل عمر عن الكلالة، فقال: (يكفيك آية الصيف) فوكله إلى الاجتهاد، ولم يصرح بالبيان . واختلف أصحابنا في هذا النوع من البيان الصادر عن الاجتهاد، هل يؤخذ قياسا أو تنبيها؟ على وجهين: أحدهما: يؤخذ تنبيها من لفظ المجمل، وشواهد أحواله، لأنه عليه السلام قال لعمر: (يكفيك آية الصيف) فرده إليها، ليستدل بما تضمنتها من تنبيه وشواهد حال. والثاني: يجوز أن يؤخذ قياسا على ما استقر بناؤه من نص أو إجماع، لأن عمر سأل عن قبلة الصائم. فقال: (أرأيت لو تمضمضت)! فجعل القبلة من غير إرادة كالمضمضة من غير ازدراد. انتهى . ٤٨٤ ے فصْل فى المُبَيّن ويطلق على الخطاب المحتاج إلى البيان، وورد بيانه، وعلى الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان، وهو إما أن يدل بحسب الوضع، وهو النص والظاهر، أو بحسب المعنى كالمفهوم، وما دل عليه النص بطريق التعليل، نحو: (إنها من الطوافين) أو بواسطة العقل، نحو الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به. ويسمى الدليل الذي حصل به البيان مثبتا ((بكسر الباء)». وفيه مسائل : [المسألة] الأولى لا خلاف أن البيان يجوز بالقول، واختلفوا في وقوعه بالفعل. والجمهور أنه يقع بيانا خلافا لأبي إسحاق المروزي منا، والكَرْخي من الحنفية. حكاه الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)) وكلام الغزالي يوهمه، فإنه قال: وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان تقدمه، لأنه أراد به بيان الشرع، لأن الفعل لا صيغة له، لكن أَوَّله الهندي . وقال: قول الغزالي وغيره إن البيان مخصوص بالدليل القولي، فالمراد منه التسمية اصطلاحاً، كما في العموم بناء على الغالب من كون البيان قولا، لا في حقيقة ما يقع به البيان، ولا في جوازه . وشرط المازري الإشعار به من مقال أو قرينة حال، وإلا لم يحصل للمكلف البيان. قال: وعلى هذا فالخلاف لفظي. ٤٨٥ قال: ومنهم من جعله معنويا، وهو أنه هل يتصور فعل ينبىء بمجرده عن المراد من غير إسناد ذلك إلى قرينة أم لا؟ قلت: وجعله السَّرْخسي مبنيا على أصل، وهو أن بيان المجمل هل يكون المجمل متصلا به؟ فَمَنْ شَرَطَ الاتصال قال: لا يكون البيان إلا بالقول، إذ الفعل لا يكون متصلا بالقول. وفي المحصول: لا يعلم كون الفعل بيانا للمجمل إلا بأحد أمور ثلاثة، أو(١) يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو بالدليل اللفظي، كقوله: هذا الفعل بيان لهذا المجمل، أو بالدليل العقلي، بأن يذكر المجمل وقت الحاجة، أي العمل به، ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا . وذكر الغزالي سبع طرق . وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): الصحيح عندي أن الفعل يصلح بيانا، لكن بشرط انضمام بیان قولي إلیه، كما روي عنه عليه السلام أنه صلى ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فصار بيانا لقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [سورة النساء /٧٧]. وكما روى أنه اشتغل بأفعال الحج، ثم قال: (خذوا عني مناسككم). أما الفعل الساذج فلا، لأنه بذاته ساكت عن جميع الجهات. فلا تتعين واحدة إلا بدليل. قال: اللهم إلا إذا تكرر الفعل عنده، يحصل البيان ... (٢) قرينة تدل على كون الفعل بيانا: إحداها: وروده عند وقت إيجابه، لئلا يتأخر البيان عن وقت الحاجة. الثانية: أن ينقل إلينا فعل غير متصل، كمسح الرأس والأذنين من غير تجديد الماء ، ثم ينقل إلينا مع تجديده، فيكون ذلك بيانا للفضيلة. الثالثة: أن يترك ما يلزم فيكون نسخا. الرابعة: أن لا يقطع في شيء ليعلم نحو تخصيص آية السرقة. الخامسة: أن يفعل في الصلاة ما لم يكن واجبا ... (٣) كالركوعين في صلاة الخسوف. السادسة: أن يأخذ الجزية والزكاة متصلة بعد إجمالها في النصوص. السابعة: أن يعاقب عقوبة باعتقاد ندبيته أو إباحته . (١) لعل الصواب: أن يعلم .. (٢) بياض في جميع النسخ التي بأيدينا، وكتب ناسخ القاهرية في الهامش: وكتب بعضهم في محله ما نصه : (ولا بدَّ من وجود واحد من أمور تكون قرينة)) الخ . (٣) بياض في جميع النسخ، وكتب ناسخ القاهرية في الهامش: وكتب بعضهم مكانه ((أو مندوبا)). ٤٨٦ تنبيهان الأول : هل يجرى خلاف الفعل في الكتابة والإشارة؟ يحتمل أن يقال به، والظاهر المنع، ولهذا قطع ابن السَّمْعاني فيما سبق بالبيان بالكتابة والإشارة مع حكاية الخلاف في الفعل، وبذلك صرح صاحب ((الواضح))، فقال بعد حكاية الخلاف في الفعل: ولا أعلم خلافا في أن الكتابة والإشارة يقع بهما البيان. الثاني: إنما يقع الفعل بيانا إذا لم يكن هناك قول يصلح للبيان، وإلا لم يرجع إلى الفعل لأن القول هو الأصل في البيان، والفعل إنما يجعل بيانا بغيره، لا بنفسه. قاله ابن فُورَك، ويجيء فيه الخلاف الآتي . [المسألة] الثانية [البيَان بالتَرَك] يقع البيان بالترك أيضا، کترك التشهد الأول بعد فعله إياه، فإنه يبين كونه غير واجب، وکسکوته عن بیان حكم حادثة وقعت بین یدیه، فإنه يدل علی کونه لیس فيها حكم شرعي، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأن يكون ظاهر الخطاب يتناوله، والأمة تتركه فيدل على أن الخطاب لم يتناوله . ٤٨٧ [ المسألة] الثالثة [البيَان بالتقرير] يقع البيان بالتقرير، ذكره أبو بكر الرازي في أصوله، قال: كعلمنا بأن عقود الكفار كانت في زمن النبي 3 18 ، وعلمه بها، ولم ينكرها على فاعلها، يدل على إباحتها، ويجيء فيه من الوجوه ما سبق في الفعل . [المسألة] الرابعة [ما المبين القَول أم الفعل] إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح لبيانه فبماذا يكون البيان؟ فإما أن يتفقا في الحكم، وإما أن يختلفا، فإن اتفقا وعلم سبق أحدهما فهو المبينَّ قولا كان أو فعلا، والثاني تأكيد له. وقيل: إن كان الفعل أضعف دلالة منه لم يحمل على تأكيده، إذ يمتنع التأكيد بالأضعف، وإن لم يعلم، فلا يقضى على واحد منهما بأنه المبينَ بعينه، بل يقضى بحصول البيان بواحد لم يطلع عليه، وهو الأول في نفس الأمر والثاني تأكيد. وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): [مكانا يتميز ١٨٩ /ب عنهما بيانها](١). وقيل: هذا إذا/ تساويا في القوة، فإن اختلفا فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم ورودا، وإلا لزم التأكيد بالأضعف، وإن اختلفا علم(٢) کأمره بعد نزول الحج القارن أن يكون طوافا واحدا. وروي أنه عليه السلام قرن، فطاف لهما طوافين. (١) في أكثر النسخ في هذا الموضع بياض. ووجدت في بعض النسخ العبارة التي بين المعكوفين . (٢) لعل كلمة: ((علم)) زائدة. ٤٨٨ فالمختار عند الجمهور منهم الإمام فخر الدين وأتباعه وابن الحاجب أن المبينُّ هو القول سواء كان متقدما على الفعل أو متأخراً ، أو يحمل الفعل على الندب أو الواجب المختص به، وذلك لأن دلالة القول على البيان بنفسه، بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدال بنفسه أولى. وقال أبو الحسين البصري: المقدم مطلقا هو البيان كما في صورة اتفاقهما . [المسألة] الخامسة [بيَان القرآن بالقرآن] يجوز بيان القرآن بالقرآن ، كقوله تعالى : ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب﴾ [سورة النساء /٧]. بينه بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية [سورة النساء /١١]. والسنة بالسنة، والمتواتر منهما بالآخر، والمجمل من آي القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، سواء كان مما تعم به البلوى أم لا . وقالت الحنفية: إن كان مما تعم به البلوى لم يجز، حكاه الغزالي في ((المستصفى))، والباجي في الأحكام . قال ابن حزم : ومما أجمل في السنة وبينه القرآن قوله عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس) الحديث، ثم فسر الله تعالى ذلك وبيّنه في سورة براءة بقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [سورة التوبة /٥]. قال أبو بكر الرازي: وقد يقع بيان المجمل بالإجماع، كإجماعهم على أن دية الخطأ على العاقلة، والذي في كتاب الله: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ [سورة النساء / ٩٢]. ولم یذکر وجوبها على العاقلة، فبين الإجماع المراد بها، وقد يكون بيان الإجماع بحكم مبتدأ، كما يكون حكم الكتاب والسنة، كإجماع السلف على حد شرب الخمر ثمانين، وتأجيل امرأة العِنّينِ. ٤٨٩ [المسألة] السادسَة [ لا يجب أن يكون البيان كالمبين في القوة] وهي أصل التي قبلها. ذهب الجمهور كما قاله الهندي إلى أن البيان لا يجب أن يكون كالمبين في القوة، بل يجوز أن يكون أدنى منه، فيقبل المظنون في بيان المعلوم، خلافا للكَرْخي، فإنه شرط المساواة، ولهذا لم يقبل خبر الأوساق مع قوله: (فيما سقت السماء العشر) وما نقله عن الجمهور صححه أبو الحسين في ((المعتمد)). فقال بعد حكاية قول الگرْخي: الصحیح جواز کون البيان والمبين معلومين أو أمارتين، وأن يكون المبين معلوما، وبيانه مظنونا، كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد. اهـ. والمختار عند ابن الحاجب مذهب ثالث، وهو اشتراط كونه أقوى دلالة من المبينَّ . قال الهندي: ولا يتوهم في حق أحد أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبينَّ في قوة الدلالة، فإنه لو کان کذلك لما کان بیانا له؛ بل کان هو محتاجا إلی بیان آخر؛ بل المراد هل هو كالمبينَّ في قوة المتن، حتى لو كان المبين معلوما، والبيان مظنونا، لا يكون مقبولا عند من شرط المساواة؟ هذا في بيان المجمل، أما في بيان التخصيص والتقييد فالأمر فيه أظهر ضرورة أن المبينّ ههنا أظهر دلالة من المجمل، ومنهم من فصَّل، فقال: إن كان المبينْ مجملا كفى في تعيين أحد محتملاته أدنى ما يفيد الترجيح، وإن كان عامًّا أو مطلقا فلا بُدّ وأن يكون المخصص أو المقيد في دلالته أقوى من دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة المطلق على المقيد، وإلا لزم إلغاء الأقوى لأجل الأضعف ونقل عن اختيار الآمدي . ٤٩٠ [المسألة] السَابَعَة لا يجب أن يكون البيان كالمبين في الحكم على الصحيح وقال قوم: إذا كان المبينْ واجبا كان بيانه كذلك. قال أبو الحسين: فإن أرادوا أنه بیان لصفة شيء واجب فصحیح، وإن أرادوا انه يدل على الوجوب كما يدل المبين فغير صحيح، وإن أرادوا أنه إذا كان المبين واجبا، كان بيانه واجبا، فغير صحيح؛ لأن بيان المجمل واجب، سواء تضمن فعلا واجبا أم لا . وقال الهندي تبعا ((للمحصول)): نقل عن قوم أن البيان يجب أن يكون كالمبين في الحكم، والظاهر أن مرادهم أن المبين إذا كان واجبا، كان بيانه واجبا وإلا فلا، لا أنه بيان لشيء واجب، فإن ذلك مما لا يحتمله اللفظ؛ بل ینبو عنه، ولا أنه يدل على ما دل عليه المبين من الحكم، حتى يرد بأنه لم يكن أحدهما بيانا للآخر، لأنه إنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لأن ذلك ظاهر الفساد، ولا أنه يدل على وجوب ما تضمنه من صفات مدلول المبينَّ أو ندبيته، كما دل المبين على أصل وجوبه أو ندبيته . وهذا وإن كان أقرب الاحتمالين المذكورين، واختاره القاضي عبد الجبار في تأويل ما نقل عنه، لكنه أيضا باطل؛ لأن البيان ... (٢) (١) في الباريسية والأزهرية: ((كما لا يجب أن يكون البيان كالمبين في القوة لا يجب أن يكون كالمبين في الحكم ... )). (٢) بياض في جميع النسخ . ٤٩١ [المسألة] الثامنة هَل يَجوز أن يَتقدم المبين على المجمل فيه قولان حكاهما ابن القطّأن في أصوله. أحدهما: المنع، وخطّه. وأصحهما: الجواز. قال: ويجوز أن يرد مقترنا ومرتبا، فإن قيل: فإن التفسير يحتاج إلى مفسِرٌ، فإذا لم يكن مفسِر لم يكن تفسير. قيل: إن الله سبحانه إذا علم مصلحتنا في ذلك جاز أن يقدم التفسير، فيجتمعان جميعا، كما يرد بعده . [المسألة] التاسعَة قَديَكُون البيَان منفصلاً قد یکون البیان منفصلا، وهو كثير، وقد يكون متصلا كتبيينه تعالى المراد من الخيط الأبيض والأسود بقوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ [سورة البقرة / ١٨٧]. [المسألة] العاشرة إذا صدر من الرسول عليه السلام فعل واقع موقع البيان في مكان أو زمان، لم يتقید موجب البیان بهما. وقال بعض الأصوليين يتقيد بالمكان، ولا يتخصص بالزمان، وأبعد قوم فقالوا: يتخصص بالزمان. حكاه ابن القشيري، ثم قال: فنقول: لا خلاف أن ٤٩٢ القول الصادر من الرسول عليه السلام لبيان الحكم لا يتضمن تخصيص الامتثال بمكان ولا زمان، فكذا الفعل . وأما السَرَخْسي من الحنفية فنقل عن أصحابنا التقييد بالزمان والمكان ، وعن أصحابهم خلافه. قال: ولهذا كان إحرام النبي عليه السلام بالحج في أشهر الحج لا يقتضى التقييد بتلك الأشهر عندنا، خلافا للشافعي، وكذلك فعله ركعتي الطواف خلف المقام، فتحصل في المسألة مذاهب. والتحقيق أنهما يدخلان حيث يليق دخولهما كما في الوقوف بعرفة، والصلوات في أوقاتها. [المسألة] الحادية عشرة كل ما يحتاج إلى [تأخير البيان] من عام ومجمل ومجاز ومشترك، وفعل متردد ومطلق، لتأخیر بیانه حالان: الأول : أن يؤخر عن وقت الحاجة ، وهو الوقت الذي إن أخر البيان عنه لم یتمکن المكلف من المعرفة بما تضمنه الخطاب، وذلك کل ما كان واجبا على الفور، كالإيمان/، ورد المغصوب، والودائع، لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع ١/١٩٠ بناء على منع تكليف ما لا يطاق، ومن جوّزه أجازه ، لكن لا يقع. ولهذا نقل إجماع أرباب الشرائع على امتناعه . والتعبير بالحاجة لم يستحسنه الأستاذ أبو إسحاق. وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأن بالمؤمنين حاجة إلى التكليف. قال: فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب . انتهى . وهي مشاحَّة لفظية، وقد عرف أن المَعْنِيِّ بالحاجة كما قال إمام الحرمين توجه الطلب . وتردد بعضهم: هل معنى التأخير عن وقت الحاجة تأخيره عن زمن يمكن فيه الفعل إلى زمن آخر يمكن؟ أو معناه تأخيره إلى وقت لا يمكن فيه الفعل كالظهر ٤٩٣ ٥ مثلا، هل يجب بيانها بمجرد دخول الوقت أو لا يجب إلا إذا ضاق وقتها؟ اهـ . والمراد الثاني كما بيناه أولا، وبه صرح أبو الحسين في ((المعتمد)) وغيره . وقال ابن السَّمْعاني: لا خلاف بين الأمة في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل، ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل، لأن المكلف قد يؤخر النظر، وقد يخطىء إذا نظر، فهذان الضربان لا خلاف فيهما . الحال الثاني: أن يؤخر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل ، وهو كل ما لم يكن وجوبه على الفور كالحج وغيره، وهو إما أن يكون لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة، أو له ظاهر وقد استعمل في خلافه، کتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية، كالصلاة مرادا بها الدعاء ونحوه، وتأخير بيان اسم النكرة اذا أريد بها شيء معين، ففي جواز تأخير ذلك مذاهب: أحدها : الجواز مطلقا. قال ابن برهان: وعليه عامة علمائنا من الفقهاء والمتكلمين، ونقله ابن فُورَك، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وابن السَّمْعاني، وغيرهم عن ابن سريج، والإصْطَخْرِي وابن أبي هريرة، وابن خَيْرَان، والقَفَّال، وابن القَطّان، والطبري، والشيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر، وجزم به الخَفَّاف في ((الخصال)). ونقله القاضي في ((مختصر التقريب)) عن الشافعي، وابن سريج، والطبري والقَفَّال، وعَمَّمُوا القول في المجمل والعام في الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، وسائر ضروب الأخبار . ونقله ابن القَطَّان عن ابن خَيْرَان، وابن أبي هريرة. قال: وكان يحكي عن أبي العباس أنه قال في مسائل المُطَرِّز: إن قلت لك: إن هذا يجوز فما تعمل؟ وإن قلت. لك: لا يجوز فما تعمل؟ واختاره الرازي وأتباعه وابن الحاجب، وقال ابن السمعاني في ((القواطع)): هو الذي ننصره. قال: ونصره عبد الجبار البغدادي في ((العمد)) وحكاه عن ... (١) وأبي هاشم، وفيه نظر. (١) بياض في جميع النسخ. ٤٩٤ فالذي نقله أبو الحسين في ((المعتمد)) عن هؤلاء المنع مطلقا. ونقله سليم عن المزني، ونقله المازري عن ابن مطين وأبي الفرج وابن خُوَيْزِ مَنْداد منهم. وقال الباجي: عليه أكثر أصحابنا كالقاضي أبي بكر وابن خُوَيز مَنْداد، وحكاه القاضي عن مالك. وإليه ذهب المحققون من الشافعية، ومنهم شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري ، وأبو إسحاق الشيرازي، ومن أدلتهم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع ء قرآنه، ثم إنّ علينا بيانه﴾ [سورة القيامة /١٨-١٩]. وثم للتعقيب مع التراخي، فقد ضمن البيان بعد إلزام الاتباع، وقال في قصة نوح: ﴿وأهلك﴾ [سورة هود /٤٠]. وعمومه يتناول ابنه، ولهذا سأل عن إهلاكه، وقوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ [سورة الأنبياء /٩٨]. ولهذا سأل ابن الزِّبَعْرى عن عيسى والملائكة. والثاني : المنع مطلقا، ولم يجوزوا أن يقع ذلك إلا والبيان معه. ونقله القاضي أبو بكر وابن فُورَك والشيخ أبو إسحاق وسليم وابن السَّمْعاني وغيرهم، عن أبي إسحاق الَّرْوَزي، وأبي بكر الصَّيْرفي، والقاضي أبي حامد المَرْوَزي، ونقله الأستاذ أبو إسحاق عن أبي بكر الدَّقَاق أيضا. قال القاضي: وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وإليه صار ابن داود الظاهري، ونقله ابن القشيري عن داود، ونقله المازَري والباجي عن الأَبْهَري منهم، وقال القاضي عبد الوهاب: قالت المعتزلة والحنفية: لابد وأن يكون الخطاب متصلا بالبيان، أو في حكم المتصل احترازا من انقطاعه كعطاس ونحوه من عطف الكلام بعضه على بعض. قال: ووافقهم بعض المالكية والشافعية . واعلم أن القاضي عبّر عن هذا المذهب بقوله: وأوجبوا أن لا ترد لفظة إلا ويقترن بها بيانها، إذا لم تكن مستقلة بنفسها. اهـ. وظاهر هذا التقييد أنهم يجوِّزون عند الاستقلال. وفيه نظر. واعلم أن نقل هؤلاء الجماعة المنع عن أبي بكر الصَّيْرفي هو المشهور، وقال الأستاذ أبو إسحاق في كتابه: هذا مذهب كان يذهب إليه الصَّيْرفي قديما، فنزل به الشيخ أبو الحسن الأشعري ضيفا ، فناظره في هذا، واستنزله عن هذه المقالة إلى مذهب الشافعي وسائر المتشيِّعة، ولهذا نقل إمام الحرمين مسألة اعتقاد العموم موافقة للجمهور . ٤٩٥ قلت: وقد راجعت كتابه المسمى ((بالدلائل والأعلام)) وهو مجلد كبير، فرأيته فصل القول في ذلك بين تأخير بيان المجمل فيجوز، وتأخير تخصيص العموم ونحوه فيمتنع. وها أنا أسوق عبارته لتقف على صواب قوله. قال ما نصه : القول في الخطاب المجمل الذي لا يُعْقَلُ من ظاهره مراده. قال أبو بكر: خطاب لا يعقل من نفس اللفظ بيانه فغير لازم، حتى يقع البيان، كقوله : ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة النساء / ٧٧]. لا سبيل إلى معرفتها من ظاهر الاسم، وحينئذ فوقت التكليف وقت البيان، وهذا يجوز أن يتأخر بيانه عن وقت الخطاب إلى وقت الإلزام، ويكون فائدة الخطاب الإعلام بأنه أوجب الصلاة التي سيبينها يلزمهم عند البيان. قال: وليس هذا تأخير البيان، لأنهم لا يعرفون ما يلزمهم، لأنهم لا يقدرون حينئذ على اعتقاد خلاف المراد . ثم قال: وأما الخطاب الذي تدرك حقيقته وحده من ظاهر الاسم، فلا يحتاج إلی بیان أکثر من لفظه إلا أن يقوم دليل على إرادة بعضه أو فعله في حال دون حال، فهذا لا يجوز أن يتأخر بيانه، لأنه إن أخره كان الكلام مطلقا، ومراده الشرط، فیوجب اعتقاده عموما أو اقتضاء أمره مبادرا، فیکون قد أمر بما يوجب ظاهره خلاف مراده، وهو لا يجوز، لما فيه من اللبس ، ثم ذكر الدلائل على المنع . ١٩/ب ثم قال: وزعم قوم أنه / يجوز تأخير بيان بعض المنزلات عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، كما لو أمر بقطع السارق، فيجوز تأخير بيان الحد المقطوع إلى أن يحضر سارق يحتاج إلى قطعه، وهذه الطائفة من الشافعيين وغيرهم. قال أبو بكر: لا يقدر أحد منهم أن يحكي عن الشافعي نصا في شيء من كتبه، ولا يخبر عنه أنه قال: إن البيان يجوز تأخيره؛ بل قد حكي عنه المزني أنه لا يجوز تأخيره في مسائل، ولا إذا بقي تأخير(١) . وهذا أصل من أصول الشافعي، فيستدل على قوله: أنه غير قابل لما ينتقض من أصله، فإذا لم يكن متصلا لأصل له (٢)، ولا تصح حكايته عنه، فيضاف إليه، فكيف يجوز أن يجعل ذلك له . (١) المعنى غير واضح . (٢) في الباريسية والقاهرية: لا أصل له. ٤٩٦ ثم قال: وجماعة من الألباء أنه لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب عام، ليس في ظاهره ما يوجب التوقف ولا التراخي ولا البعض، ویرید التراخي من الوقت، أو بعض ما أظهر اسمه ويعريه من دليل يدل به على مراده. انتهى ملخصا . واعلم أن الصَّيْرفي إنما قال ذلك بناء على اعتقاده أن الصيغة العامة إذا وردت يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها، ويلزم من رجوعه عن منع التأخير فيما نقله الأستاذ عنه رجوعه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة، وما ادعاه من أن الشافعي ليس له نص في ذلك ينازعه فيه قول الشّاشي في کتابه، وقد ذكرنا من قول الشافعي ما يدل على الجواب في غير هذا الكتاب. وقال ابن القَطّان: وقد استدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [سورة الأنفال /٤١]. قال الشافعي: فلما أعطى السلب للقاتل علمنا أن المراد بالآية بعضهم دون بعض. وقوله: ﴿ولذي القربى﴾ [سورة الحشر /٧]. فلما أعطى النبي عليه السلام بني هاشم وبني المطلب ومنع غيرهم دل على أنه أريد بعضهم دون بعض. وكذلك أيضا قول الشافعي روى عن النبي عليه السلام: (أنه نهى عن المزابنة)، ثم إن قوما من الأنصار شكوا إلى النبي عليه السلام، فرخص لهم في العرايا، فأطلق النهي، ثم خصه في ثاني الحال، وهذا هو تأخير البيان. قال: وبه كان أبو بكر - يعني الصَّيْرفي - يذكر أن المزني يذهب إلى أن البيان يتأخر، حتى أخرج لنا ابن أبي هريرة كلام المزني في ((المنثور)) أن البيان لا يجوز أن يتأخر عن وقت الحاجة، فدل على أن المزني كان يذهب إلى ما قلنا . وقال ابن أبي هريرة: جرت هذه المسألة بین أبي بكر وابن خَيْرَان، فرأیت ابن خَيْرَان فيها ضعيفا. فقلت لأبي بكر: مقصدنا من هذه المسألة المعني لا الاسم، فإذا حصل المعنى فسواء سميته تأخير البيان أو لم تسمه، وذلك أنا ... (١). (١) بياض في جميع النسخ، وكتب ناسخ القاهرية في الحاشية: وكتب بعضهم عليه ما نصه: أنا نجيز تأخير البيان مثل .. الخ . ٤٩٧ مثل أن يجوز أن يقول لنا: اقطعوا السارق، ويكون المراد منه البعض، ولا يبينه في الحال ويبينه في ثانيه. ولا نسميه تأخير بيان . ثم ذكر أنه عكس ذلك عليه في تأخير بيان المجمل، وما يقع من البيان بفعل النبي عليه السلام، والنسخ وهو أن النسخ سماه الناس بهذا الاسم، فَخَبِّرِني أراد الله منا في الابتداء الصلاة إلى بيت المقدس أبدا ثم رفعه، أو أراد منا في الابتداء إلى زمان؟ فإن قلت: مؤبدا أَخْلَفْتَ، وإن قلت: مقيدا، قيل لك: فأي شيء نسخ عنا؟ فإن قلت: سمى هذا نسخا وهو في الحقيقة أمر ثان، لأنه انكشف عنا ما لم يكن ظهر لنا. قلنا: وهذا بعينه موجود في التخصيص. وهنا تنبيه آخر يتعلق بمذهب المعتزلة، وهو أن الجماهير أطلقوا النقل عنهم بالمنع، وذكر بعضهم أنهم استثنوا النسخ، وجوّزوا تأخير بيانه. وبذلك صرح أبو الحسين عنهم في ((المعتمد)). ولهذا ادعى الغزالي في ((المستصفى)) وابن برهان في ((الوجيز)) والسمرقندي من الحنفية في ((الميزان)) الاتفاق على جواز تأخير بيان النسخ . قال الغزالي: بل يجب تأخيره لا سيما عند المعتزلة، فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة، ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرار الأفعال على الدوام، ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام، لكن يشترط أن لا يرد نسخ. والغزالي أخذ ذلك من قول إمامه. وقد ناقضت المعتزلة أصولهم إذ النسخ عندهم بيان مدة التكليف، ولم يكن هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول . قال: وليس لهم عن هذا حواب والإمام أخذه من القاضي، فإنه قال: وما استدل به أصحابنا أن قالوا: النسخ تخصيص في الزمان ، والتخصيص في الأعيان ، ثم يجوز أن ترد اللفظة مطلقة في الأزمان والمراد بعضها، فإن لم يبعد ذلك في الأزمان لم يبعد في الأعيان. قال القاضي: ولا يستقيم منا الاستدلال بذلك، فإن النسخ ليس بتخصيص في الأزمان عندي وعند معظم المحققين من أصحاب، وإنما هو رفع . ٤٩٨ والمذهب الثالث: يجوز تأخیر بیان المجمل دون غيره، وهو قول أبي بكر الصَّيْرفي فيما سقناه ، وكذا حكاه القاضيان: أبو الطيب وعبد الوهاب، وحكاه ابن الصباغ في ((العدة)) عن الصَّيْرفي، وأبي حامد المَرْوَروذي، وكذا أبو الحسين بن القَطّان، فإنه قال: لا خلاف بين أصحابنا في جواز تأخير بيان المجمل، كقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [سورة النساء /٧٧]. وكذلك لا يختلفون في أن البيان في الخطاب العام يقع بفعل النبي عليه السلام، والفعل يتأخر عن القول، لأن بيانه بالقول أسرع منه بالفعل، وأما العموم الذي يعقل مراده من ظاهره كقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة /٣٨]. فقد اختلفوا فيه، فمنهم من لم يجوز تأخير بيانه إلى هذا كما في مذهب أبي بكر الصَّيْرفي. اهـ . وکذلك ابن فُورَك والأستاذ أبو إسحاق الأسفرایني فإنهما حکیا اتفاق أصحابنا على جواز تأخير بيان المجمل، ثم حكى خلافهم في تأخير اللفظ الذي يوجب تخصيص العموم أو تأويل الظاهر، ونسبه القاضي أبو الطيب لأبي حامد المَرْوَرُّوني . وحكاه أبو بكر الرازي وصاحب ((المعتمد)) عن أبي الحسن الكّرْخي. زاد صاحب ((الميزان)): والجصاص. قال أبو بكر الرازي: وهو عندي مذهب أصحابنا، لأنهم يجعلون الزيادة على النص نسخا، إذا تراخت عنه، ولا يجيزونها إلا بمثل ما يجوز به النسخ. ولو جاز عندهم تأخير البيان في مثله لما كانت الزيادة نسخا ؛ بل بيانا، وقد أجازوا هذه الزيادة في المجمل بالقياس وخبر الواحد، ولهذا أسقطوا النية في الصوم، ولم يوجب عندهم ذلك نسخه، لأنها على وجه البيان . وقال السرخسي منهم: قال علماؤنا دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم كان بيانا، وإذا/ تأخر لم يكن بيانا، بل نسخا. وقال الشافعي: بيان. وأصل الخلاف ١/١٩١ أن مطلق العام قطعي كالخاص، وعنده فيكون دليل الخصوص بيان التفسير لا بيان التغيير. ونسبه ابن برهان في ((الوجيز)) وابن السُّمْعاني لأبي الحسين البصري، والذي في ((المعتمد)) تفصيل آخر، ونقله ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار، والذي في ((المعتمد)) عنه المنع فيهما . ٤٩٩ والرابع: يجوز تأخير بيان العموم ، لأنه قبل البيان مفهوم، ولا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه قبل البيان غير مفهوم، حكاه الماوَرْدي والرُّؤْياني وجها لأصحابنا. وقال ابن السَّمْعاني: وبه قال بعض أصحاب الشافعي. ونقله ابن برهان في ((الوجيز)) عن عبد الجبار؛ وأما المازّري فحكى هذا المذهب عن بعضهم، ثم قال: وكنت أَتُوِّبه. وقد قال القاضي عبد الوهاب في بعض مصنفاته : لم يقل به أحد، وهذا كله مردود بما ذكرنا . والخامس: يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي، ولا يجوز تأخير بيان الأخبار كالوعد والوعيد. قال ابن السَّمْعاني هكذا حكاه الماوردي عن الكَرْخِي وبعض المعتزلة، وعندي أن مذهب الكَرْخي هو ما قدمنا قبل. قال الماوردي: ولم يقل بهذا المذهب أحد من أصحاب الشافعي. اهـ. وحكاه القاضي في ((مختصر التقريب)) وابن القُشَيْري والشيخ أبو إسحاق والغزالي وأبو الحسين في ((المعتمد)) إلا أنه لم يتعرض للنهي . والسادس: عكسه، حكاه الشيخ أبو إسحاق أيضا، ونازع بعضهم في حكاية هذا وما قبله ؛ فإن موضوع المسألة الخطاب التكليفي ، فلا يذكر فيهما الأخبار، وفيه نظر . والسابع: يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره، وحكاه أبو الحسين في ((المعتمد)»، وأبو علي وابنه وعبد الجبار . والثامن : التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك. قال الإمام فخر الدين: والأسماء المتواطئة جاز تأخير البيان ، لأنه لا محذور من تأخيره. وأما ما له ظاهر قد استعمل في غير ظاهره كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه جاز تأخير بيان التفصيل دون الإجمال ، فإنه يشترط وجوده عند الخطاب، حتى يكون مانعا من الوقوع في الخطأ، فنقول مثلا: المراد من هذا العام هو الخاص أو المطلق أو المقيد أو النكرة المعين، أو هذا الحكم سينسخ؛ وأما البيان التفصيلي، وهو المشخص بكذا مثلا فليس بشرط . وقد نقل الإمام فخر الدين وأتباعه هذا المذهب عن أبي الحسين البصري ٥٠٠