النص المفهرس

صفحات 441-460

كتابه، لأنه قال: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [سورة القيامة / ١٩] وقال لرسوله: ﴿لتبين
للناس ما نزل إليهم﴾ [سورة النحل/٤٤] وهذا عام في جميع آيات القرآن، فمن
وقف على الدليل فقد أفهمه الله مراده من كتابه، وهو أكمل ممن لم يقف على ذلك،
إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .
وقال صاحبه ابن دقيق العيد: ونقول في الألفاظ المشكلة إنها حق وصدق على
الوجه الذي أراده، ومن أول شيئا منها فإن كان تأويله قريبا على ما يقتضيه لسان
العرب وتفهمه في مخاطباتها لم ننكر عليه، ولم نبدّعه، وإن كان تأويله بعيدا توقفنا
عنه، واستبعدناه، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التنزيه / قلت: وحيث ١/١٨٣
ساعد التأويل لغة العرب فلا يقطع بأنه هو المراد، فالله أعلم بمراده؛ بل نقول:
يجوز أن يكون المراد كذا، وقد يترجح ذلك بالقرائن المحتفة باللفظ. نبه عليه
بعض المشايخ .
وأما قولهم: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم(١) فقد يتبادر الذهن
إلى أن المراد أقوى في العلم، وإنما المراد أنه أحوج إلى مزيد من العلم واتساع فيه
لأجل أبواب التأويل، وإنما كانت طريقة السلف أسلم لأنهم لم يخوضوا فيه.
والخلف خاضوا فيه، وأولوها على ما يليق بجلاله، مع جواز أن يكون المراد غير ما
أولوه مما يليق أيضا به ههنا مثل طريقة السلف أسلم. ويحتمل أن يقال: طريقة
الخلف لما كان فيها دفع إيهام من يتوهم حملا لا يليق كانت أعلم من تلك. ورجح
بعض مشايخنا طريقة الخلف من جهة أن السلف خاضوا أيضا في بعض، وقالوا:
إنا قاطعون بأن الظاهر الذي لا يليق غير مراد، فترك الحمل على ما يجوز أن يكون
مرادا مسكوت عن التأويل مع الخوض في بعضه. ونبذ إيهام من لا يرتقي إلى
درجة الفهم عنهم إلى أنهم إنما تركوا ذلك لاعتقادهم أنها لأمر زائد على ما قامت
الدلالة القاطعة على إثباته له تعالى من الصفات اللائقة وفي ذلك محذور فطريقة
الخلف أعلم وأسلم(١).
(١) بل مذهب السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين الذين اتبعوا المنهج الإيماني القرآني
النبوي مصدقين غير محرفين ولا مؤولين هو أعلم وأحكم كما أنه أسلم.
٤٤١

قال الغزالي في كتاب ((التفرقة بين الإسلام والزندقة)): سمعت الثقات من أئمة
الحنابلة يقولون: أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث: أحدها: قوله:
(الحجر الأسود يمين الله في الأرض). والثاني: قوله عليه السلام: (قلب المؤمن بين
أصبعين من أصابع الرحمن). والثالث: قوله عليه السلام: (إني لأجد ريح نفس
الرحمن من قبل اليمن). ونقل الرازي عن الغزالي في كتاب: ((تأسيس التقديس))
بدل الحديث الثاني: (أنا جليس من ذكرني)، والذي رأيته في كتاب الغزالي ما
ذكرناه .
قال الغزالي: فانظر كيف أول أحمد لقيام البرهان عنده على استحالة ظاهره،
مع أنه أبعد الناس عن التأويل. فيقول: اليمين تُقَبَّل في العادة تقربا إلى صاحبها،
والحجر الأسود يُقَبَّل تقرباً إلى الله تعالى، فهو مثل اليمين لا في ذاته، ولا في صفة
من صفاته، ولكن في عارض من عوارضه، فسمي يمينا؛ وكذلك لما استحال وجود
الأصبعين فيه حسا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين، فأوله على ما به
تيسر تغليب الأشياء، وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبهما يقلب الله
القلوب، فكنى بالأصبعين عنهما. قال: وإنما اقتصر أحمد على تأويل هذه الأحاديث
الثلاثة لأنه لم يظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر، لأنه لم يستغرق البحث عن
حقائق غيرها، وغيره كالأشعري والمعتزلي بحثها، وتجاوزا فأولا كثيرا لقيام ما
استحال كثيرا. وأنكر ابن تيمية هذا على الغزالي وقال: إنه لا يصح عن أحمد،
قلت: ونقل الثقة لا يندفع. وقد نقل ابن الجوزي في كتاب ((منهاج الوصول)) عن
أحمد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ [سورة الفجر/٢٢] أى أمر ربك(١).
(١) هذا غلو في تضليل السلف وتجاوز للحق.
٤٤٢

فصْل
فى شروط التّأويل
وشرطه أن يكون موافقا لوضع اللغة أو عرف الاستعمال أو عادة صاحب
الشرع. وكل تأويل خرج عن هذه الثلاثة فباطل. وقد فتح الشافعي الباب في
التأويل فقال: الكلام قد يحمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده.
وقد اختلفت الآراء في التأويل، ومدارهم على هذا الأصل، فيضعف التأويل
لقوة ظهور اللفظ، أو لضعف دليله أولهما .
ومن الثاني منع عموم قوله: (فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقي بنضح أو
دالية نصفه) حتى لا يتمسك به في وجوب الزكاة في الخضروات لأن المقصود منه
الفصل بين واجب العشر ونصفه؛ وكاستدلال بعض أصحابنا في قتل المسلم
بالذمى بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [سورة النساء /
١٤١] والحنفية قالوا هذا مفصل في أحكام الآخرة، مجمل في أحكام الدنيا؛ وفي
زكاة الحلي بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [سورة التوبة / ٣٤]
والحنفية قالوا: هذا مفصل في تحريم الكنز، مجمل في غيره.
ومن الأول ◌َّمْل بعضهم الاستجمار في قوله: (من استجمر فليوتر) على
استعماله البخور للتطيب، فإنه يقال فيه: تجمر واستجمر، واللفظ قوي ظاهر في
الاستنجاء، وعليه فَهْم الناس.
ومنه حَمْل بعضهم الجلوس في قوله: (نهى عن الجلوس على القبر) على
الاستنجاء عليه، واللفظ ظاهر في المرادف للقعود.
ومنه حمل الظاهرية حديث: (لعن الله السارق يسرق البيضة) على بيضة
الحديد، وهو بعيد، لأن سياق الحديث يقتضي خلافه.
(١) ثبوت هذا عن الإمام أحمد يحتاج إلى برهان، كالذي نقله الغزالي عنه، وكل ذلك لا يصح كما قال
شيخ الإسلام وأصحاب أحمد أعلم بأقواله من غيرهم.
٤٤٣

ومنه حمل بعضهم حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) أي دخلا بذلك في فطرتي
وسنتي، لأن الحجامة مما أمر به وسلم واستعمله، حكاه البيهقي تلميذ البغوي، عن
بعض مشايخ نيسابور.
وقسم شارح ((اللمع)) تأويل الظاهر إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: تأويله على معنى يستعمل في ذلك كثيرا، فهذا يحتاج فيه إلى إقامة
الدليل في موضع واحد، وهو أن المراد باللفظ ما حمل عليه، كحمل الأمر في قوله
تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله﴾ [سورة النور / ٣٣] على الوجوب، وحمله على الندب
بدليل جائز، لاستعمال الأمر مرادا به الندب كثيرا، فيحتاج إلى دليل في أن المراد
به الندب.
والثاني: تأويله على معنى لا يستعمل كثيرا، فهذا يحتاج فيه إلى أمرين:
أحدهما: بيان قبول اللفظ لهذا التأويل في اللغة. والثاني: إقامة الدليل على أن
اللفظ هنا يقتضيه .
والثالث: حمل اللفظ على معنی لا یستعمل أصلا، فلا يصح إلا أن یکون دلیل
التأويل أقوى من دليل ... (١) كقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [سورة الطلاق / ١] فإنه
يقتضي الطلاق في حال وقت العدة، وهو زمان الطهر، فلو قيل: المراد به عدد
الطلاق. قال: وهل يجوز التأويل بالقياس؟ فيه ثلاثة أوجه، ذكرها في الإرشاد:
أحدها: المنع. والثاني، وهو الصحيح: الجواز، لأن ما جاز التخصيص به جاز
التأويل به، كأخبار الآحاد والثالث: بالجلي دون الخفي. وقد جرت عادة
الأصوليين بذكر ضروب من التأويلات ههنا كالرياضة للأفهام ليتميز الصحيح
منها عن الفاسد، حتى يقاس عليها ويتمرن الناظر فيها.
وقد أول الحنفية أشياء بعيدة حكم أصحابنا ببطلانها:
فمنها : تأويلهم قوله عليه السلام لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر
نسوة: (أمسك أربعا وفارق سائرهن) بثلاث تأويلات: أحدها: أي: ابتدِىءٍ / ١٨٣/ب
العقد، إطلاقا لاسم المسبب على السبب. ثانيها: أَمسِكِ الأُوَل. ولعل النكاح وقع
(١) هنا بياض بالأصل، في جميع النسخ، ولعل المبيض له كلمة: الظاهر. كتبه ناسخ القاهرية.
٤٤٤

بعد على التفريق. ثالثها: لعله كان قبل حصر النساء، وقبل تحريم الجمع بين
الأختين، فيكون العقد على وفق الشرع. أما الأول: فلأنه فوض الإمساك
والفراق إلى الزواج، ولِخُلُوّه عن القرينة المعينة له، والإحالة على القياس ممتنعة
لعدم أهلية السائل له بقرب عهده بالإسلام، ولعدم فهمهم ذلك منه، إذ لو فهموا
لجدَّدوا العقد، ولنقِل وإن نَّدَر؛ وأما الثاني: فلأنه إطلاق المنكَّر وإرادة المعينّ من
غير قرينة، ولأن حديث مروان مصرِّح بنفيه؛ وكذلك الثالث لما فيه من التعديل
الظاهر ثبوته قبل الإسلام، ولأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تزوج بأكثر من
أربع، ولا جمع بين أختين.
واعلم أن الحامل لأبي حنيفة على هذا التأويل اعتقاده أن أنكحة الكفار
صحيحة، لكن إذا وقع العقد على من يجوز ابتداء العقد عليهن. وأما ما ليس
كذلك كالعقد على أكثر من أربع، أو على من يمنع الجمع بينهما فلا يصح، ولا يقره
الإسلام، فلما جاء هذا الحديث وظاهره مخالف لقاعدة مذهبه، توسع في تأويله
وعضد تأويله بالقياس من أنها أنكحة طرأ عليها سبب محرِّم، فينبغي أن يفسخ،
أصله ما لو نكح امرأة، ثم تبین انها رضيعته.
لكنه غفل عن الأمور الموجبة لفساده. وهي أربع:
أما الأول : فقوله: أمسك، ظاهر في استدامة ما شرع في تناوله، حتى لو قيل
لمن في يده حبل: أمسك طرفك، فهم استدامة ما بيده.
الثاني: أنه قابل لفظة الإمساك بلفظة المفارقة، وعلى ذلك التأويل ترتفع المقابلة
لأنه قد قيد الإمساك بابتداء عقد، وذلك لا يكون إلا بعد مفارقة من يريد إمساكها
منهن، وصار كأنه أمر بمفارقة الجميع.
الثالث: أنه فوض له الخيرة فيمن يمسك منهن، وفيمن يفارق منهن، وعندهم
الفراق واقع، والنكاح لا يبتدئه ما لم توافقه المرأة عليه، فصار تخيير التفويض
لغوا لا فائدة له، فقد لا يرضين أو بعضهن الرجوع إليه.
الرابع: أن قوله: ((أمسك)) ظاهره الوجوب، وكيف يجب عليه ابتداء عقد
النكاح، وليس بواجب في الأصل !! ولما دل مجموع هذه الأدلة على فساد هذا
٤٤٥

التأويل قال القاضي أبو زيد من الحنفية: هذا الحديث لا تأويل فيه، ولو صح
عندي لقلت به. وقال العبدري: الخلاف بين الإمامين في هذه المسألة إنما هو مبني
على الخلاف في تعارض القياس، وظاهر الخبر. ورأي الأصوليين فيها أنها موكولة
إلى اجتهاد المجتهدين، فمن رأى الخبر أقوى عمل به، ومن رأى القياس أقوى
عمل به، وليس هذا الرأي صحيحا؛ بل الصحيح أن دلالة المنطوق به أقوى من
دلالة المفهوم، ودلالة المفهوم أقوى من دلالة المعقول، وهو القياس. فكما يتقدم
الخبر القياس في قوة الدلالة، فينبغي أن يتقدم في العمل به، ولهذا كان المجتهد
يطلب أولا الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن لم يجده طلب النص، فإن
لم يجده طلب الظاهر، فإن لم يجده طلب المفهوم، فإن لم يجده فحينئذ يرجع إلى
القياس. وقال الهندي: ولو قيل بأن القياس يقتضي ذلك، لكنه ثبت جواز
الاختيار رخصة، وترغيبا في الإسلام.
ومنها: حملهم حديث: (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل)
على الصغيرة، ورد بأنها ليست امرأة في حكم اللسان، كما أنه ليس الصبي بعلا،
وأيضا فهذا ساقط عندهم فإن الصغيرة لو زوجت انعقد النكاح عندهم صحيحا
موقوفا نفاذه على إجازة الولي. وقد قال ◌َ له: (فنكاحها باطل)، وأكده ثلاثا.
ومنهم من قال: باطل أي يؤول إلى البطلان غالبا لاعتراض الولي إجازته لقصور
نظرهن، وهو باطل، لأن البطلان صرح به مؤكدا بالتكرار مطلقا، وتسمية الشيء
بما يؤول إليه إنما يجوز إذا كان ما يؤول إليه كائنا لا محالة نحو ﴿إنك ميت﴾ [سورة
الزمر / ٣٠] ففروا من ذلك، وقالوا ذلك محمول على الأمة، لأنه لا يمتنع تسمية
السيد وليا، فالزموا بطلانه بأن نكاحها كما ذكرنا في الصغيرة، وبأنه عليه السلام
جعل لها المهر بما أصاب منها، ومهر الأمة لمولاها، ففروا من ذلك، وقالوا هو محمول
على المكاتبة، وأرادوا التخلص من المهر، فإن المكاتبة مستحقة، فَرُدَّ بندور المكاتبة
وقلتها في الوجود، والعموم ظاهر فيه، فإن ((أيا)) كلمة عامة، وأكدها ((بما))، هذا
مع أنه ذكره ابتداء تمهيدًا للقاعدة، لا في جواب سائل حتى يظهر تخصيصه.
واعلم أن هذا الصنف من التأويل مقبول عند جماعة من الفقهاء إذا عضده دليل.
وقال القاضي: إنه مردود قطعا. وعزاه إلى الشافعي قائلا: إنه على جلالة قدره لم
٤٤٦

يكن لتخفى عليه هذه الجهات للتأويلات، وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة
(رضي الله عنها) اعتصام النص، وقدمه على الأقيسة الجلية، فكان ذلك شاهدا
عدلا على أنه لا يرى التعلق بمثل هذه المسائل .
وذكر القاضي ما حاصله أن النبي عليه السلام ذكر أعم الألفاظ، إذ أدوات
الشرط من أعم الصيغ، وأعمها ((ما)) و((أي)) فإذا فرض الجمع بينهما كان مبالغا في
محاولة التعميم، أي أن ((ما)) لو تجردت، وكانت شرطية كانت من صيغ العموم،
وقد أتى بها زائدة للتأكيد، فكانت مقوية لما تدل عليه ((أي)) من التعميم، كذا فهمه
المازَرِي، ولم يُرد أن ((ما)) المتصلة ((بأي)) شرطية، كما فهم ابن الأنباري، ثم
اعترض عليه، وقال: هذه غفلة عظيمة، ووافقه ابن المنير، ونسباه إلى إمام
الحرمين، وهو في كلام القاضي، ومعناه ما عرفت .
ومنها: حملهم قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ [سورة المجادلة/٤] على حذف
المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. والمعنى فإطعام طعام ستين مسكينا، فجوزوا
صرف جميع الطعام إلى واحد، لأن المقصود دفع الحاجة، وحاجة الستين كحاجة
الواحد في ستين يوما، فاستويا في الحكم .
وهذا تعطيل للنص إذا جعلوا المعدوم وهو ((طعام)) مذكوراً، ليصح كونه
مفعولا لإطعام، والمذكور وهو ((ستين مسكينا)) عَدَمًّا مع صلاحيته لكونه مفعولا
((لإطعام)) مع إمكان قصد العدد لفضل الجماعة، وبركتهم، وتضافر قلوبهم على
الدعاء للمحسن. وهذه معان لائحة لا توجد في الواحد. وأيضا فلا يجوز أن
يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال. قال إمام الحرمين: ولأن ((أطعم))
يتعدى إلى مفعولين، والمهم منهما ما ذكر، والمسكوت عنه غير مهم. وقد ذكر الله
تعالى عدد المساكين، وسكت عن / ذكر الطعام، فاعتبروا المسكوت عنه وهو ٢/١٨٤
الأمداد، وتركوا المذكور وهو الأعداد، وهو عكس الحق .
أما المازّرِي فانتصر للحنفية بوجهين: فقهي، ونحوي. أما الفقهي: فلأنه لا
يلزم من مذهبهم إبطال النص إلا لو جوزوا إعطاء المسكين الواحد ستين مدا في
يوم واحد، وهم لا يقولون ذلك، بل يراعون صورة العدد، ويشترطون تكرير
٤٤٧

ذلك على المسكين الواحد تكرير الأيام فرارا من أن الله تعالى أمر بإطعام ستين
مسكينا، ولم يعين مسكينا من مسكين، ولا خلاف في عدم تعيينهم، فإذا أطعم
مسكينا وتكرر إطعامه بالغداة، وهو بالغداة مسكين، فكأنه أطعم مسكينا آخر،
فإذا انتهى به التكرار إلى ستين يوما صار مطعما ستين مسكينا، لكون هذا المسكين
كل يوم من جملة المساكين .
وأما النحوي فذكر أن سيبويه قال: إن المصدر يقدر ((بما، وأن)) فإذا قدرنا
المصدر هنا وهو ((الإطعام)) بمعنى ((ما)) اقتضى ذلك ما قالته الحنفية، ويكون
التقدير: فمن لم يستطع فما يطعم ستين مسكينا. وهذا التقدير يخرج أبا حنيفة إلى
المذهب الذي أراد؛ وإن صدر بأن كان التقدير: فعليه أن يطعم ستين مسكينا،
وهذا التقدير الأخير يخرج إلى ما يريد. قال: وقد زاحمنا أبا المعالي فيما يتعلق به من
صناعة النحو، وذكرنا لأبي حنيفة تعلقا منها من وجه آخر، ذكره الإمام الأول
فيها، وهو سیبویه. اهـ .
ويقال له: أما الوجه الأول : فإن تعطيل النص حاصل بالاتحاد سواء أعطى في
ستين يوما أم لا. فقد عطلوا من النص لفظ الستين، وللشارع غرض صحيح في
العدد على ما سبق، ولأن في الكفارة نوع تعبد، وهو العدد، فالتمسك باللفظ
المحصل للمقصود من كل وجه أولى. وأما الثاني: فما نقله عن سيبويه غير معروف
في كلامه، والمنقول عنه أن الذي يقدر به المصدر العامل ((أن)) المشددة الناصبة
لضمير الشأن، لا ((أنْ)) المصدرية، و((ما)) المقدرة حرف مصدري بمنزلة ((أن)). وإنما
يتجه ما قاله المازري إذا كانت موصولة لا بمعنى الذي، فلا فرق بين الإطعام وما
يطعم، ومن الحنفية من أنكر نسبة هذا التأويل لجمهورهم، وقدَّره: إعطاء طعام
ستین مسکینا.
ومنها: حملهم حديث: (في أربعين شاة شاة) على حذف المضاف، أي قيمة
شاة، فجوزوا إخراج القيمة، لأن المقصود دفع حاجة الفقير، لأن تخصيص الشاة
فيها غير معقول المعنى، فيصح الإبدال، لحصول المقصود. وهذا التأويل يؤدي إلى
رفع النص وبطلانه، كالذي قبله. وقال الغزالي: إنما يلزم ذلك أن لو قيل إن الشاة
٤٤٨

مسألة
قوله تعالى : ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين) الآية [سورة التوبة/ ٦٠]، تمسك
بها الشافعي في قَسْم الصدقات على الثمانية الأصناف. فإن ظاهر الآية التمليك،
والواو العاطفة للجمع والتشريك. فيجب اشتراك الجميع في ملك هذا المال الذي
هو الصدقة. وخالف مالك، ورأى أن اللام فيها للاستحقاق، وبيان المصرف، لا
للملك والتشريك فيه، لأن المقصود دفع الحاجة، بدليل سياق الآية، فإنه سبحانه
ذكر أولا من ليس أهلها بقوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها
رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [سورة التوبة / ٥٨] فإنها مصرحة بأن من
لا يستحق الصدقة طلبها، فأجيب بقوله: ﴿إنما الصدقات﴾ الآية [سورة
التوبة / ٦٠] ، أي ليس الطالب لها مستحقا، وإنما المستحق لها هذه الأصناف
المذكورة. ولا يلزم من كونهم مستحقين أن يشتركوا، بل اللازم من ذلك أن لا
تخرج عنهم، وتوزيعها عليهم بحسب اجتهاد الإمام، فإنه مأمور بأخذها ممن
وجبت عليه، وتفريقها لمن يراه من المستحقين، ودل عليه قوله عليه السلام: (خذ
صدقة من أغنيائهم ورد على فقرائهم) ولم يذكر له غير صنف. قال أصحابنا:
المقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطل لا مؤول .
وقال الشافعي ما حاصله: ثم إن الحاجة ليست مرعية في بعض الأصناف
المذكورين، كالعاملين، فإنهم يأخذونها لا من جهة حاجتهم، وكالغارمين بسبب
حمالة يحملونها لإصلاح ذات البين، فقد بطل التعويل على الحاجة .
وقد نقل الغزالي أن منع الشافعي الحكم لقصور في الدليل [ لا ]لانتفاء الاحتمال،
وتبعه ابن الأبياري في ((شرح البرهان))، وقال: اللام في ((للفقراء)) إما أن تكون
للتمليك، أو الأهلية والانتفاع، كالجُلّ للفرس، فإن كان المراد الملك صح ما قاله
الشافعي، وإلا فلا، لاشتراك الكل في الأهلية وصحة التصرف. قال: وهذا هو
المختار، فيخرج الكلام بهذا التقرير عن مراتب النصوص. فإما أن نقول: إنه
مشترك بين الجهتين، مفتقر إلى البيان في الحالين، فيكون كل واحد مفتقرا إلى
الدليل، أو نسلم ظهور ما قالوه، فتخرج المسألة عن تعطيل النصوص، ويكون من
٤٥١

التأويلات المقبولة التي يحتاج من صار إليها إلى دليل يعضده .
والجواب: أن أصل اللام للملك، والله تعالى كما راعى الحاجة راعى من
يُصْلِح ذات البين، ومن يغرم، وكل من يعمل عملا يعود نفعه على المسلمين غنيا
كان أو فقيرا، ترغيبا في ذلك الفعل؛ ثم تجويز الدفع إلى الغارم الغني ينافي كون
المقصود الحاجة .
ومنها: تأويل مالك ((الاستجمار)) في قوله ◌َ *: (ومن استجمر فليوتر) على
البخور، وهو خلاف الظاهر من سياق الحديث، فإنه جمع كثيرا من أحكام
الطهارة. ولهذا لما سمعه منه الأعرابي استنكره. حكى ذلك المازَرِي .
ومنها: تأويله النهي عن الجلوس على القبر بالتغوط والبول عليه، ويعضده
رواية مسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جسده خير
له من أن يجلس على قبر).
ومنها: تأويله قوله وَ له: (إن من البيان لسحرا) أنه قصد به الذم، والجمهور
على أنه قصد به المدح. وسياق الحديث يقتضيه، وأطلق عليه اسم السحر لأن
مبنى علم البيان التخييل .
مسألة
تأولت الحنابلة قوله وله: (فاقدروا له) على الضيق، أي ضيِّقوا عدة شعبان
بصوم رمضان، بأن يجعل تسعا وعشرين. وهذا يَرُدُّه قوله في الحديث الآخر:
(فأكملوا العدة ثلاثين)، ولهذا أورد مالك في ((الموطأ)) هذا الحديث عقيب الأول
لينبه على أنه كالمفسر له. وقفا البخاري أثره في ذلك. وتأول ابن سُرَيج: (فاقدروا
له) أي منازل القمر، خطابا للعارف بالنجوم، وقوله: (العدة) خطابا لغيره. ولا
يخفى بعده .
٤٥٢

مسألة
تأول بعض أصحابنا حديث: (مَن ملك ذا رحم محرم عتق) على الأصول
والفصول خاصة، لاختصاصهما بأحكام لا تعم جميع الرقاب، وفيه بعد لتعطيل
لفظ العموم، ولأنه ورد ابتداء لتأسیس قاعدة،لا لبيان جواب وسؤال،حتى يخصص
به؛ ولأنه سلك فيه مسلك الحدود حيث بدأ بالأعم وختم بالأخص، فيجب أن
يكون جامعا. فإن قيل: فهل يخصصه الحديث الآخر : (لن يجزي ولد عن والده
إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)؟ قلنا: ذكر بعض الأفراد لا يقتضي
التخصيص. فإن قيل: فهلا قلتم بعمومه؟ قلنا: لأنه لم يصح إسناده، بل هو
موقوف على الحَسَن.
٤٥٣

مَبَاحْثُ المُجْمَل
المجمل لغة : المبهم، من أُجْمل الأمر أي أُبْهم. وقيل: المجموع، من أُجْمل
الحساب إذا جُمع، وجعل جملة واحدة. وقيل: التحصيل، من أجمل الشيء إِذا
حصله .
واصطلاحا: قال الآمدي: ما له دلالة على أحد معنيين لا مزيّة لأحدهما على الآخر
بالنسبة إليه. وقيل: ما لم تتضح دلالته. وقال القَفَّال الشاشي، وابن فُورَك: ما لا
يستقل بنفسه في المراد منه، حتى يبان تفسيره، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم
حصاده﴾ [سورة الأنعام/ ١٤١]. وقوله عليه السلام: (إلا بحقها). وقوله: ﴿وأقيموا
الصلاة وآتوا الزكاة﴾[سورة النور/ ٥٦].
قال القَفَّال الشّاشي: ويجوز ان يسمى العام مجملا والخاص مفسرا، على معنى
أن العام جملة إذ ليس لفظه مقصورا على شيء مخصوص بعينه، والخاص مفسر، أي
فيه بيان ما قصد بتلك الجملة التي هي العموم .
وقال أبو عبد الله الزبيري البصري من أصحابنا: اعلم أن الفقهاء قد
استجازوا العبارة عن العموم باسم ((المجمل))، وإن كانت حقيقته: المفتقر إلى ما
يبينه. وقال الخوارزمي في ((الكافي)): هو ما يحتمل معنيين فصاعدا بوضع اللغة أو
بعرف الاستعمال من غير ترجيح، ولا يجوز إضافة الحكم إلى شيء من احتمالاته
من غير دليل يدل على أن مراد الشرع منه هذا .
٤٥٤

لا تجزىء، ولم يقله هو ولا غيره، وإنما قال: إن القيمة نزلت منزلة الشاة إذا
أخرجت وهو توسيع للمخرج، لا إسقاط. وإنما النزاع مع أبي حنيفة في قوله: إن
مقصود الشرع سد الخلة، ونحن نقول: لا يبعد مع ذلك أن يكون المقصود إعطاء
الفقير من جنس مال الغني؛ لينقطع تشوف الفقير إلى ما في يد الغني. وأيضا
فالحديث ظاهر في إيجاب تعينها، وتجويز الأبدال محوج إلى الإضمار، وإيجاب شيء
آخر غير المذكور خلاف الأصل.
ومنها: حملهم حديث: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) على صوم
القضاء والنذر. وهو بعيد، لأن النكرة المنفية من أدل ألفاظ العموم سيما ما ورد
ابتداء للتأسيس. فحمله على النادر مخرج للفظ عن الفصاحة، وتأويل نفي
الكمال أقرب من هذا كما قاله إمام الحرمين، وحَمَلَهُ الطحاوي على نية صوم الغد
قبل المغرب، وكان يلهج به. وهو أبعد من الأول، لأن سياقه النهيُ عن تأخير النية
عن الليل، والحث على تقديمها على اليوم الذي يصوم فيه، وهذا كالفحوى له.
وهو مضاد لما ذكروه؛ ولأن حمل النهي على المعتاد أولى، وتقديم النية غير معتاد؛
وحمله على نفي الكمال أقرب مما سبق، لكنه ضعيف، لأنه لا يمكن في القضاء
والنذر، فلو استعمل في غيره لنفي الكمال، وفيه لنفي الصحة، لزم الاستعمال
المفهومين مختلفين .
ومنها: حملهم قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [سورة الحشر/ ٧] على أرباب
الحاجات، ولم يشترطوا القرابة، فصرفوا اللفظ إلى شيء آخر ، والله تعالى علق
الاستحقاق بالقرابة، ولم يتعرض لذكر الحاجة، وهي مناسبة مع ذلك، فاشترطوا
الحاجة، ولم يشترطوا القرابة، وهذا خلاف ما تقتضيه لام التمليك، وترتب الحكم
على الوصف المناسب، ولأن الحاجة زيادة على النص، وهي نسخ عندهم، لا
يثبت بخبر الواحد، فكيف بالقياس .
وكونه مذكورا مع اليتامى والمساكين مع قرينة إعطاء المال ليس قرينة فيه، وإلا
لزم النقص في حق الرسول، لوجودها فيه. قال إمام الحرمين: ولو حتموا صرف
شىء إلى القرابة بشرط الحاجة لكان قريبا. اهـ. لكن مذهبهم أن الخُمُس مقسوم
٤٤٩
,ے

على ثلاثة أسهم، ويعطي ذوي القربى من سهم المساكين لفقرهم، فعلى هذا ذكر
القرابة كالمقحم الكياظم(١)، وهو تعطيل للنص .
فإن قالوا: ذكر القرابة للتنبيه على أنه لا يجب منعهم كما في الصدقات، لا في
وجوب الصرف إليهم. قلنا: هذا بعيد، لما فيه من إبطال دلالة اللام وواو العطف
المقتضي للاستحقاق، وفيه عطف العام على الخاص مع تخلل الفصل. وهو غير
معهود في اللغة. وذكر الغزالي أن هذا التأويل عنده من محل الاجتهاد، وليس من
المقطوع ببطلانه، وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ ((القربى)) بالمحتاجين منهم كما
فعله الشافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه
الآية . اهـ .
وما فعله الشافعي أقرب، لأن لفظ ((اليتيم)) مع قرينة إعطاء المال يشعر
بالحاجة، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية، فاليتم المجرد غير صالح
للتعليل، بخلاف القرابة فإنها بمجردها مناسبة للإكرام باستحقاق خمس
الخمس .
وما ذكره الغزالي محمول على أنهم يعطون القريب بشرط الحاجة، ولكن سبق
عنهم خلافه .
وقوله: ليس فيه إلا تخصيص عموم ذوي القربى بالمحتاجين. قيل عليه: كيف
يصح ذلك، وفي الآية ذكر المساكين؟ فيلزم من هذا التخصيص التكرار في الآية؛
ولا يلزم مثل ذلك في اليتامى، فإن اليتم يفيد الاحتياج للعجز. ويمكن أن يقال:
ذكر القرابة يخص فيه في المحتاجين منهم، وهو توكيد أمرهم .
ومنها: حملهم حديث: (أَمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة) على أن
١٨٤ /ب يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت. قال ابن السّمْعاني في ((الاصطلام))/: وهذا ليس
بشيء، لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة، والأذان والإقامة
هي الكلمات، لا الصوت المسموع فيهما، على أنه قال في الخبر: الإقامة،
وعندهم كما يقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد، كذلك يقول: قد
قامت الصلاة، [قد قامت الصلاة] بصوت واحد، فبطل التأويل.
(١) المراد غير واضح. وفي الأزهرية: ((كالعجم الطباطم)) والعبارة في الباريسية أكثر تحريفا.
٤٥٠

مسألة
وهو واقع في الكتاب والسنة على الأصح.
قال أبو بكر الصيرفي: النبي (عليه السلام) عربي يخاطب كما يخاطب العرب،
والعرب تجمل كلامها، ثم تفسره، فيكون كالكلمة الواحدة. قال: ولا أعلم
أحدا أبى هذا غير داود الظاهري، ثم ناقض منه في صفة / (الأيّم أحق بنفسها)، ١/١٨٥
مع قوله: (لا نكاح إلا بولي)، والذي ناقض أصح من الذي أعطاه بينا. وقد
ذهب بعض أصحابه إلى أن له في المسألة قولين، وهذا أصحهما. اهـ .
وقيل: لم يبق مجمل في كتاب الله تعالى بعد وفاته وَله. وقال إمام الحرمين:
المختار أن ما ثبت التكليف به يستحيل استمرار الإجمال فيه، فإنه تكليف
بالمحال ، وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه بعد وفاته وَله ،
واستأثر الله تعالى بسره.
ولا يتصور الإجمال في القياس، وسبق مثله عن أبن القُشَيْري.
وقال الماوَرْدي والرُّوياني في كتاب القضاء: يجوز التعبد بالخطاب بالمجمل قبل
البيان، لأنه عليه السلام بعث معاذا إلى اليمن، وقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا
إله إلا الله) الحديث، وتعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها. وفي كيفية تعبدهم
بالتزامها وجهان: أحدهما: أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان. والثاني:
أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا، وبعد البيان بالتزامه مفسرا .
وقال ابن السّمعاني: قالوا: إن التزام المجمل قبل بيانه واجب. واختلف
أصحابنا في كيفية التزامه على وجهين، وذكرهما. قلت: ولعل الثاني مراد الأول،
وإنما اختلفت العبارة، وهو قريب من الخلاف السابق في العام: هل يجب اعتقاد
عمومه قبل ورود المُخَصِّص .
وقال الماوردي والرُّوْیاني: إنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد
أمرين: الأول : ليكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو
٤٥٥

بدأ في تكليف الصلاة وبيَّنها، لجاز أن تنفر النفوس منها، ولا تنفر من إجمالها.
والثاني: أن اللّه تعالى جعل من الأحكام جليا، وجعل منها خفيا، ليتفاضل الناس
في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا، وجعل
منها مجملا خفيا. ثم قال الماوردي: ومن المجمل ما لا يجب بيانه على الرسول،
كقوله: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [سورة
الطلاق/٧] فأجمل فيه النفقة في أقلها وأوسطها وأكثرها، حتى اجتهد العلماء في
تقديرها، وسئل عن الكلالة، فقال: آية الصيف. فَوَكَله إلى الاجتهاد، ولم يصرح
بالبيان .
قال: واختلف أصحابنا في هذا البيان الصادر من الاجتهاد، هل يؤخذ قياسا أو
تنبيها؟ وجهان، أحدهما: يؤخذ تنبيها من لفظ المجمل، وشواهد أحواله، لأنه
عليه السلام قال لعمر: يكفيك آية الصيف. فرده إليها، ليستدل بما تضمنته من
بينة وشواهد. قال: والثاني أن يؤخذ قياسا على ما استقر بيانه من نص أو إجماع،
لأن عمر سأل عن القُبْلَة. فقال: أرأيت لو تمضمضت؟ فجعل القُبلة بغير إنزال،
كالمضمضة بغير ازدراد. اهـ .
وما ذكره في الأول من التمثيل بالنفقة يمكن المنازعة فيه، فإن بيانها قد ورد في
قضية هند حيث قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فبين الإجمال في الآية
بالكفاية .
مسألة
[حكم المجمل]
وحكمه: التوقف فيه إلى أن يرد تفسيره، ولا يصح الاحتجاج بظاهره في شيء
يقع فيه النزاع. قاله الأستاذ أبو إسحاق. وقال المازري(١): إن كان الإجمال من
جهة الاشتراك واقترن به تنبيه، أخذ به، وإن تجرد عن تنبيه واقترن به عُرْف
(١) في القاهرية : الماوردي
٤٥٦

عمل به، وإن مجرد عن تنبيه وَعُرْف وجب الاجتهاد في المراد منها، وكان مِنْ خَفِيٍّ
الأحكام التي وُكِلَ العلماء فيها إلى الاستنباط، فصار داخلا في المجمل لخفائه،
وخارجا منه لإمكان استنباطه .
تنبيه : [حمل المجمل على جميع معانيه المتنافية]
وقد يحمل المجمل على جميع معانيه غير المتنافية نظير العام، ولم يتعرضوا لذلك
فيه، ومن امثلته قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ [سورة
الإسراء/٣٣] فإن السلطان مجمل، يحتمل الحجة والدية والقود، ويحتمل الجميع، لا
جرم أن الشافعي يخير بين القتل وغيره، لأن الكل بالإضافة إلى اللفظ سواء. قاله
إلكِيا الطبري في ((أحكام القرآن)).
مسألة
الاجمال إما أن يكون في حَال الإفراد أو التركيب
والأول : إما أن يكون بتعريفه كلفظة: ((قال)) من القيلولة، والقول.
و((كالمختار)) فإنه صالح للفاعل والمفعول. يقال: اخترت فلانا فأنا مختار ، وهو
مختار. قال العسكري: ويفترقان، تقول في الفاعل، مختار لكذا، وفي المفعول
مختار من كذا. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [سورة البقرة/
٢٨٢] يحتمل أن يكون تقديره، يضاررَ بفتح الراء أو بكسرها، وقد قرىء بهما.
ومثله: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [سورة البقرة / ٢٣٣] في احتمال الوجهين، قاله
العَبْدَرِي في ((شرح المستصفى)).
وإما أن يكون بأصل وضعه، فإما أن تكون معانيه متضادة، كـ((القرء)) للطهر
والحيض. و((الناهل)) للعطشان والريان، و((الشفق)) للحمرة والبياض؛ وإما
متشابهة: كالفرس للحيوان المعروف والصورة التي ترسم على مثاله. أو لا يكون
كذلك. ((كالعين)) للعضو الباصر، وينبوع الماء. وإن شئت: قلت: إما أن
٤٥٧

يتناول معاني كثيرة بحسب خصوصياتها فهو المشترك، وإما بحسب معنى مشترك
بينها وهو المتواطىء، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة الأنعام / ١٤١].
وقال أبو العز المُقْتَرح: الفرق بين المجمل والمشترك أن المجمل يستدعي ثبوت
احتمالين متساويين بالنسبة إلى الفهم، سواء وضع اللفظ لهما على وجه الحقيقة أو
في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة. فالإجمال إنما هو بالنسبة إلى الفهم، فإن المشترك
قديتساوى بالنسبة إلى الوضع، ولا يتساوى بالنسبة إلى الفهم، فلا يكون مجملا.
وأيضا إما أن يكون في الأسماء كما سبق، أو في الأفعال كـ«عسعس» بمعنى أقبل
وأدبر، أو في الحروف، كتردد الواو بين العطف والابتداء. في قوله تعالى:
﴿والراسخون في العلم﴾ [سورة آل عمران /٧]
وترددها بين العطف والحال في قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن
فيكم ضعفا﴾ [سورة الأنفال / ٦٦] لأنها إن كانت عاطفة أوهم أن علم الله بضعفهم
حدث الآن، وبه احتج بعض المعتزلة على حدوث العلم تعالى الله عن ذلك، وإنما
المراد إعلام عباده؛ وإن جعلت غير عاطفة كان تقديره: الآن خفف الله عنكم،
عالما أن فيكم ضعفا، فلا يلزم منه محذور، ويجب إضمار ((قد)) حينئذ. ونحو تردد
((مِنْ)) بين ابتداء الغاية والتبعيض، كقوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا
بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [سورة المائدة /٦] فقال أبو حنيفة: هي للابتداء أي اجعلوا
١٨٥/- ابتداء المسح من الصعيد. / وقال الشافعي وأحمد: هي للتبعيض أي امسحوا
وجوهكم ببعض الصعيد، فلهذا اشترطنا أن يكون لما يتيمم به غبار، يعلق باليد،
لتحقق المسح ببعضه.
والثاني : أن يكون اللفظ مجملا في تركيبه، وهو أنواع :
منها في المركب بجملته في نحو قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾
[سورة البقرة / ٢٣٧] لتردده بين الزوج والولي، ولذلك اختلف فيه، فقال الشافعي
بالأول، ومالك بالثاني.
ومنها في الاستثناء كقوله عليه السلام: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف
صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) ولكن لا كباقي المساجد؛ بل إنما أزيد أو أنقص
٤٥٨

منها. والثاني أنه ليس بأفضل منه؛ بل إما مساوٍ أو المسجد الحرام أفضل.
ومنها: في مرجع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقوله عليه
السلام: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) فضمير الجدار يحتمل العود
على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره، أي في جدار جاره، وقد ذکر أصحابنا
هذا في كتاب الصلح. والأصح امتناع الوضع إلا بإذن. وكقوله تعالى: ﴿وبشرناه
بإسحاق نبيا من الصالحين﴾ [سورة الصافات /١١٢] فإن هذا يحتمل أن تكون البشارة
بميلاده، فيكون المأمور بذبحه إسماعيل، لأن هذا الكلام في قصة الذبيح،
ويحتمل أن تكون البشارة بنبوته، ويكون هو المأمور بذبحه.
ومنها: في مرجع الصفة، نحو زيد طبيب ماهر، لتردده بين المهارة مطلقا،
والمهارة في الطب، كذا قاله ابن الحاجب وغيره.
وقال صاحب ((البسيط)) من النحويين: إذا اجتمعت صفتان فصاعداً لموصوف
واحد، قال قوم: الصفة الثانية للأول وَحْدَه. وقال قوم: هي لمجموع الموصوف
والصفة .
وقال ابن السَّمْعاني: قال الأصحاب: المجمل على أوجه:
منها: أن لا يرجع اللفظ للدلالة على شيء بعينه، كقوله: ﴿وآتوا حقه يوم
حصاده﴾ [سورة الأنعام / ١٤١] وقوله عليه السلام: (إلا بحقها) فإن الحق يشتمل
على أشياء كثيرة، وهو في هذا الموضع مجهول كقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة
الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ [سورة المائدة / ١] فإنه صار مجملا لما دخله الاستثناء.
ومنها أن يفعل # فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا كالجمع بين الصلاتين في
السفر. فهو مجمل، لأنه يحتمل السفر الطويل والقصير، فلا يجوز أن يحمل على
أحدهما إلا بدليل. قال: وهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها وافتقارها إلى
البيان . انتهى .
ومنها في تعدد المجازات المتساوية مع مانع يمنع من حمله على الحقيقة، فإن
اللفظ يصير مجملا بالنسبة إلى تلك المجازات، إذ ليس الحمل على أحدها أولى من
حمله على البعض الآخر كما هو في المشترك والمتواطىء. كذا ذكره الآمدي والهندي
٤٥٩

وابن الحاجب، وهو ظاهر إن لم يحمل المشترك على معانيه، لكن قاعدة الشافعي
حمله على سائر المعاني احتياطا، ولا يتوقف على بيان. أما إذا تكافأت المجازات،
وترجح واحد، لأنه أقرب إلى الحقيقة، كنفي الصحة، كقوله: (لا صلاة ... ولا
صيام) أو لأنه أظهر غرضا، أو أعظم مقصودا، كرفع الحرج، وتحريم الأكل في
(رفع عن أمتي) و﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة / ٣] حمل عليه.
وقد اختلف في ألفاظ منها: قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة
البقرة /٢٧٥] وللشافعي فيه أربعة أقوال: أحدها: أنها عامة خصصها الكتاب.
الثاني: أنها عامة خصصتها السنة. الثالث: أنها مجملة بينها الكتاب. الرابع: أنها
مجملة بينتها السنة.
واختلف قوله في آية الزكاة، وهي قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [سورة النور /٥٦] على
قولين، أحدهما: أنها عامة خصصتها السنة. والثاني: انها مجملة بينتها السنة، وهما
من جهة اللفظ والتعريف بالألف واللام واحد. وفيه سؤال، وهو: أن كل واحد
منهما مُفرَد مُعَرَّف، فإن عمَّ من حيث اللفظ فليعم في الآيتين، أو المعنى فليعم
فيهما، وإن لم يعم من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى فليستويا فيه، مع أن
الصحيح في آية البيع العموم، وفي آية الزكاة الإجمال. وسبق جوابه في باب
العموم .
قال ابن السَّمْعاني: الصحيح أنها ليست مجملة، لأن البيع معقول في اللغة،
فحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل.
وقال أبو منصور: الصحيح أنها مجملة في البيوع التي فيها الربا، فأما بيع لا ربا
فيه فداخل في عموم التحليل. وكذا قال إمام الحرمين: إنه مجمل فيما اشتمل على
جهة من جهات الزيادة دون ما ليس كذلك، ومأخذه محتمل، لأن لام التعريف في
المفرد للعموم أو الجنس الصادق على الكل أو البعض، أو أنه وإن كان للعموم،
لكن قوله: ﴿وحرم الربا﴾ [سورة البقرة/٢٧٥] جار مجرى الاستثناء فيه، وهو
مجهول، إذ الربا هو الزيادة، وليس كل زيادة حراما، وبه يشعر تفصيل الإمام .
وكلام الغزالي يشعر بأنه لتردده بين العهد والعموم، وهو بإطلاقه لا يعم إلا
عند عدمه، ويلزمه ذلك في الجمع المُعَرَّف، ثم هو جزم بالإجمال .
٤٦٠