النص المفهرس

صفحات 421-440

تغني في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومضطرب المتكلمين في الألفاظ
وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مراء في اختلافها، فسقط هذا الظن.
. والمذهب الثاني: أنه لا يحمل عليه بنفس اللفظ، بل لابد من دليل من قياس أو
غيره، كما يجوز تخصيص العموم بالقياس وغيره، وإن حصل قياس صحيح أو
غيره من الأدلة يقتضي تقييده به قيّد، وإلا أَقِرَّ المطلق على إطلاقه، والمقيد على
تقييده. قال الآمدي: هذا هو الأظهر من مذهب الشافعي، وصححه هو والإمام
فخر الدين وأتباعهما. وقد علمت أن أصحاب الشافعي إنما نقلوا عنه الأول، وهم
أعرف من الآمدي بذلك.
وفي مناقب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي عن يونس بن عبد الأعلى قال:
سمعت الشافعي يعيب على من يقول: لا يقاس المطلق من الكتاب على
المنصوص. وقال: يلزم من قال هذا أن يجيز شهادة العبد والسفهاء، لأن الله عز
وجل قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [سورة الطلاق/٢] وقال في موضع آخر:
﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [سورة البقرة/ ٢٨٢] مطلقا ولكن المطلق يقاس على
المنصوص في مثل هذا، فلا يجوز إلا العدل.
نعم، هذا القول عليه جماعة كثيرون من أصحابنا، منهم القَفَّال الشاشي كما
رأيته في كتابه، ونقلوه عن ابن فُورَك، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني،
والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن القُشَيْري،
والغزالي، وابن برهان، وابن السّمْعاني. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) :
إنه الأقرب. واختاره القاضي أبو بكر، ونسبه إلى المحققين. قال: لوجاز(١) تقييد
المطلق لتقييد المقيد لجاز إطلاق المقيد لإطلاق المطلق، وهو لا يجوز إجماعا.
ونقله الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة، ثم قال: وهو قلة معرفةٍ بلسانهم،
لأنهم تارة يكررون الكلمة للتأكيد، وتارة يحذفونها للإيجاز، وتارة يسقطون بعضها
للترخيم. ونقله القاضي عبد الوهاب عن الجمهور من المالكية وغيرهم، ونقله
الأستاذ أبو منصور عن ابن سريج. وحكاه الماوَرْدي والرُّوْياني في باب القضاء عن
بعض أصحابنا، فقالا: وذهب بعض أصحابنا إلى أن حكم المطلق بعد المقيد من
(١) في الأصل ((لو كان)) والصواب ما أثبتناه.
٤٢١

١٨٠/أ جنسه موقوف على الدليل. فإن قام الدليل على تقييده / قيد، وإن لم يقم على واحد
منهما دليل صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة. قالا: وهذا
قول من ذهب إلى وقف العموم حتى يقوم دليل على تخصيص أو عموم. وهذا
أفسد المذاهب، لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدا إليها ولا يُعدل
بالاحتمال إلى غيرها ليكون النص ثابتا بما يؤدي إليه الاجتهاد من نفي الاحتمال
عنه، وتعين المراد به.
قال الأصفهاني: وحيث قلنا: يقيد قياسا أردنا به سالما عن الفروق، وبه يندفع
قولهم: إن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأحكام. وقال ابن برهان: كل
دليل يجوز تخصيص العموم به، يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا؛ لأن المطلق عام
من حيث المعنى، فيجوز التقييد بفعله عليه السلام، خلافا للقاضي، وتقريره
خلافا لبعضهم، وبمفهوم الخطاب.
وقال ابن فُورَك وإلْكِيا الطبري والقاضي عبد الوهاب: القائلون بأنه يحمل عليه
من جهة القياس اختلفوا، هل القياس مخصص للمطلق أو زائد فيه، فمنهم من
قال: إنه يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه. قال القاضي عبد الوهاب: وهو
الصحيح. ومنهم من قال: يقتضي الزيادة فيه، وجوز الزيادة بالقياس، ولم يقدره
نسخا.
وقال صاحب الواضح: اختلف أبو عبد الله البصري وعبد الجبار في أن تقييد
الرقبة المطلقة بالإيمان، هل يقتضي زيادة أو تخصيصا؟ فقال البصري: هو زيادة،
لأن إطلاق الرقبة يقتضي إجزاء كل ما تقع عليه الرقبة، فإذا اعتبر في إجزائها
الإيمان كان ذلك زيادة لا محالة. وقال قاضي القضاة: هو تخصيص، لأن إطلاق
الرقبة يقتضي إجزاء المؤمنة، والكافرة، والتقييد بالإيمان يخرج الكافرة، فكان
تخصيصا لا محالة. قال: وفائدة هذا الخلاف أن من قال: زيادة، يمنع الحمل
بالقياس، لأن هذه الزيادة نسخ. والنسخ بالقياس لا يجوز، ومن قال: تخصيص
جوز الحمل بالقياس وخبر الواحد. وليس هذا بخلاف في الحقيقة، فالقاضي أراد
أن التقييد بالصفة نقصان في المعنى، وأبو عبد الله أراد زيادة في اللفظ. اهـ.
٤٢٢

وقال الغزالي في ((المنخول)): القائلون بالقياس اختلفوا، فقيل: لا يجوز
الاستنباط من محل التقييد، فليكن من محل آخر، وهو عدم إجزاء المرتد بالإجماع.
قال: وهذا باطل، فإن المستنبط من محل التقييد إن كان محلا صالحا قبل، وإلا فهو
باطل، لعدم الإحالة.
والمذهب الثالث: قال الماوَرْدِي: وهو أولى المذاهب، أنه يعتبر أغلظ حكمي
المطلق والمقيد، فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه، ولم يقيد إلا بدليل،
وإن كان حكم المقيد أغلظ، حمل المطلق على المقيد، ولم يحمل على إطلاقه إلا
بدليل، لأن التغليظ إلزام، وما تضمنه الإلزام لم يسقط التزامه بالاحتمال.
المذهب الرابع : التفصيل بين أن يكون صفة، فيحمل كالإيمان في الرقبة، أو ذاتا
فلا يحمل، كالتقييد بالمرافق في الوضوء دون التيمم، وهو حاصل كلام الأبهري .
وسیأتي ما فيه.
المذهب الخامس: أنه لا يحمل عليه أصلا، لا من جهة القياس، ولا من جهة
اللفظ، وهو مذهب الحنفية. وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أكثر
المالكية بعد أن قال: الأصح عندي الثاني. قال ابن السَّمْعاني في ((الاصطلام)):
وعلله الحنفية بأن تقييد الخطاب بشيء في موضع، لا يوجب تقييد مثله في موضع
آخر، كما أن تخصيص العموم في موضع لا يوجب تخصيص العموم في موضع
آخر. ولو وجب حمل المطلق على المقيد بظاهر الخطاب لم يكن ذلك بأولى من حمل
المقيد على المطلق بظاهر الورود، وهذا لأن التقييد له حكم، والإطلاق له حكم،
وحمل أحدهما على صاحبه مثل حمل صاحبه عليه. لأن كل واحد منهما ترك الخطاب
من تقييد أو إطلاق. اهـ.
قال في ((المعتمد)): واختلفوا في سبب المنع، فقيل: لأن تقييده بالإيمان زيادة
على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يجوز تقييده بالقياس. وقيل:
لأن تقييده بالإيمان زيادة على حكم قصد استيفاؤه. وقيل: تخصيصه بالإيمان هو
تخصيصه بحكم قد قصد استيفاؤه.
وقال في ((المنخول)): اختلفوا في وجه النسخ، فقيل: لأن فيه شرط الإيمان
٤٢٣

والنص لا يقتضيه. وقال المحققون: اقتضى النص إجزاء ما يسمى رقبة، فشرط
الإيمان بغير مقتضى النص. قال: وهذا يقوى لهم في مسألة النية في الوضوء، فإن
الله تعالى تولى بيان أفعال الوضوء وأركانه، فاقتضى ذلك وقوع الإِجزاء بتحصيل
ما تعرض له، وشرط النية زيادة عليه. وقال الشافعي: الزيادة على النص
تخصيص، وإنما قال ذلك، لأنه يسمي الظاهر نصا. وقال القاضي أبو بكر: وقد
بينًا أن التقييد بالقياس وغيره نقصان لا زيادة. فإن الزيادة على النص فيها ما هو
نسخ، وما ليس بنسخ.
[أُسْبَاب الاختلاف في المسألة السَابقَة]
واعلم أن الخلاف في أصل هذه المسألة يلتفت إلى أمور:
أحدها: أن المطلق هل هو ظاهر في الاستغراق أو نص فيه؟ فإن قلنا: ظاهر،
جاز حمل المطلق على المقيد بالقياس، على الخلاف السابق في التخصيص به، وإن
قلنا: نص، فلا يسوغ، لأنه يكون نسخا، والنسخ بالقياس لا يجوز. قال ابن
رحال: ورأيت لبعض المتأخرين مذهبا ثالثا، وهو أن المطلق ليس بنص في
الإطلاق، ولا ظاهر فيه، بل هو متناول للذات غير متعرض [للقيد] بنفي ولا إثبات،
وعلى هذا فلا يكون تقييد المطلق من باب التأويل، بل يكون آتيا بما لم يشعر به
اللفظ الأول، وهو بمثابة إيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة.
الثاني: أن الزيادة على النص نسخ عندهم، وتخصيص عند الشافعي، كما نقله
عنه في ((المنخول)) هنا، والنسخ لا يجوز بالقياس، ويجوز التخصيص به.
الثالث: القول بالمفهوم، فهو يدعي أنه ليس بحجة، وعندنا أنه حجة، فلذا
حملناه عليه. وقال: إمام الحرمين: قد تناقض الحنفية في تقييدهم رقبة الظهار
باشتراط نطقها، فلا يجزى عندهم إعتاق الأخرس، وفي تقييدهم القربى بالفقراء
في قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [سورة الحشر / ٧]. ثم قال: والحق أن المطلق
كالعام، فيتقيد كالتخصيص، والتخصيص تارة يكون بقصر اللفظ على بعض غير
مميز بصفة كحمل الفقراء على ثلاثة، وتارة على مميز بصفة، كحمل المشركين على
الحربيين.
٤٢٤

وقال المُقْتَرح: مطلق النظر في هذه المسألة يبنى على أن الاجتزاء بالمطلق يؤخذ
من مجرد اللفظ، أو من عدم دليل يدل على اعتبار زائد، فإن قلنا: بالثاني، فالمطلق
لا يشعر بالمقيد، فلا يحمل عليه، لأن حمله عليه من باب التأويل بأن يكون اللفظ
يحتمل معنيين، فيحمل على أحدهما/ بالدليل، وحينئذ فاللفظ لا إشعار فيه ١٨٠/ب
بالمطلق، فضلا عن المقيد، فلا يحمل، وإن قلنا: مأخوذ من إشعار اللفظ، فهل
هو ظاهر في الاستغراق أو نص فيه؟ فإن قلنا: ظاهر جاز حمل المطلق على المقيد
بقياس على الخلاف، وإن قلنا نص فلا يسوغ الحمل بالقياس، لأنه يكون نسخا،
والنسخ بالقياس لا يجوز به.
تنبيهان"
الأول : قال الأبياري: بقي قسم رابع، وهو أن يتحد الموجَب، ويختلف
صنف الموجِب، كما إذا قيد الرقبة في كفارة الظهار بالإسلام، ثم أطلق في جانب
الإطعام ذكر المساكين، فهل يتقيد به المسكين بأن يكون مسلما كالرقبة المعتقة؟ وقد
أغفل الأصوليون الكلام على هذه الصورة، والذي أقوله في ذلك: أنه يصح،
ويمكن أن يسلك به مسلك القياس كما سلكناه في مسألة تقييد الرقبة في الظهار على
الرقبة في القتل على ذلك الطريق.
[شرّوط حَمَل المطلق عَلى المقيد عند الشافعية]
إذا علمت ذلك فلحمل المطلق على المقيد عندنا على الوجه المشروح شروط:
الأول : أن يكون القيد من باب الصفات كالإيمان مع ثبوت الذوات في
الموضعين، فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة خارجة أو عدد فلا يحمل أحدهما
على الآخر، وهذا كالإطعام في كفارة القتل، فإن أظهر القولين أنه لا يجب، وإن
ذكره الله في كفارة الظهار، لأن هذا إنما هو إثبات الحكم، لا صفة. وكذلك
إيجاب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء مع الاقتصار على عضوين في التيمم.
فإن الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء ليستحق تَيْمِيمُ
الأربعة لما فيه من إثبات حكم لم يذكر، وحمل المطلق على المقيد يختص بالصفة.
(١) لم يذكر إلا تنبيها واحدا.
٤٢٥

قال الماوَرْدي: ولهذا حملنا إطلاق اليدين في التيمم على المرافق، لتقييد ذلك في
الوضوء لأن ذكر المرفق صفة، وذكر الرأس والرجلين أصل.
وممن ذكر هذا الشرط القَفَّال الشاشي، والشيخ أبو حامد، وتبعه الماوَرْدي،
والرُّوياني، ونقله المازَرِي عن الأَبْهري من المالكية أيضا. لكن في تمثيل القَفَّال
والماوَرْدي بالتيمم إلى المرافق نظر، لأنه إثبات أصل، إذ هو عضو زائد، لا
وصف. ولذلك لم يرد المطلق إلى تقييدها بعدد، وقد منع أصحابنا دعوى الحنفية
كون التقييد زيادة على النص، ولا يتجه منع كونه زيادة إلا عند كون الزيادة
وصفا؛ أما إذا كانت ذاتا مستقلة، فهي زيادة قطعا.
ونقل الماوَرْدي في باب القضاء خلافا في هذه المسألة، فجزم بما ذكرناه، ثم نقل
عن ابن خَيْرَان من أصحابنا أن المطلق يحمل على المقيد في الأصل أيضاً، فإنه تعالى
ذكر الإطعام في كفارة الظهار، ولم يذكره في كفارة القتل، فيحمل عليها. قال:
وفي هذا إثبات أصل بغير أصل. اهـ.
ومن صور المسألة أن الأصح في مذهبنا أن المحرم إذا قتل صيدا، واختار من
الخصال إخراج الطعام، أنه يفرقه على ثلاثة مساكين فصاعدا، لأنه أمر بإعطائه إلى
جمع في قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ [سورة المائدة/٩٥] وأقله ثلاثة، مع
أنه ورد في كفارة الإتلاف في الحج إعطاؤها لجمع مقيدا بكونهم ستة لكل مسكين
نصف صاع، ولم يحملوا ذلك المطلق في الجمع على هذا المقيد، وما ذاك إلا لأن في
حمله زيادة أجرام وهي ثلاثة مساكين وإلا فلم لا يحمل؟
. الشرط الثاني: أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد كاشتراط العدالة في الشهود على
الرجعة والوصية، وإطلاقه الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع،
وكذا تقييده ميراث الزوجين بقوله: ﴿من بعد وصية توصون بها أودين﴾ [سورة
النساء/١٢] وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه، وكان ما أطلق من المواريث كلها بعد
الوصية والدين.
فأما إذا كان المطلق دائرا بين قيدين متضادين نظر، فإن كان السبب مختلفا لم
يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى ، أو
٤٢٦

ما كان دليل الحكم عليه أقوى، ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور، والشيخ
أبو إسحاق في ((اللمع)) وإلْكِيا.
وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الاتفاق، وليس كذلك. فقد حكى القَفَّال
الشاشي فيه خلافا لأصحابنا، ولم يرجح شيئاً.
وممن ذكره الماوَرْدي في باب الكفارات، ومثَّه بالصيام في كفارة اليمين، فإن في
وجوب تتابعه قولين، أصحهما المنع، لأنه دائر بين قيدين: أحدهما يوجب التتابع،
وهو صوم الظهار كما في قوله تعالى: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ [سورة المجادلة/٤].
والآخر يوجب التفرقة، وهو صوم التمتع في قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج
وسبعة إذا رجعتم﴾ [سورة البقرة/١٩٦] وليس حمله على أحدهما أولى من حمله على
الآخر. فترك على إطلاقه، فیکون مخیرا بين التتابع فيه والتفريق، كقضاء رمضان،
لما أطلق، وهو بين هذين القيدين حمل على إطلاقه. اهـ.
وتبعه الرُّؤْياني في مواضع منها: كفارة اليمين، وقال هذا مما سبق إليه
الشافعي، ولم يُسْبَق فيه.
ومثَّله بعضهم بغسل اليدين في الوضوء، فإنه ورد مقيدا بالمرافق، وقطعها في
السرقة مقيد بالكوع بالإجماع، ومسحهما في التيمم ورد مطلقا، فهل يلحق بالقطع
أو بالغسل؟ هذا مأخذ الخلاف. قال: والأصح حمله على ما هو أشبه به من
المقيدين، فيلحق بالغسل، لأن التيمم بدله. وقال إنْكِيا: يجب الوقف، إذ لا
قياس. فإن غلب أحد الشيئين تحقق القياس.
وقال صاحب ((المعتمد)) وتبعه في ((المحصول)): إن من لا يرى تقييد المطلق
بالمقيد أصلا، لا يقيده هنا بأحدهما، ومن يرى التقييد من اللفظ لا يراه أيضا،
لأنه ليس بأن يقيد بأحدهما أولى من الآخر؛ وأما من يراه بالقياس فألحقه بأحدهما
إذا كان القياس عليه أولى من القياس على الآخر. اهـ.
وعلى هذا فقيل يحمل على الكفارة في الظهار والقتل، لأنها أقرب إليه في القياس
لاشتراكهما في الكفارة، بخلاف واجب التتابع، ولذلك كان للشافعي في كفارة
اليمين في المسألة قولان: الجديد عدم وجوب التتابع. وهذا البناء فيه نظر، والأقرب
٤٢٧

أن القولين إنما جاءا في وجوب التتابع من أجل أن القراءة الشاذة حيث لم تجر مجرى
التفسير، ولم يعارضها خبر، هل يجب العمل بها أم لا؟ وما ذكروا من وجوب
التفريق في التمتع ليس بين الأيام كلها، بل بين الثلاثة والسبعة، وإن كان السبب
واحدا كما في حديث الولوغ، فإنه روي: إحداهن، وأولاهن، وأخراهن، فالمطلق
على إطلاقه، إذ ليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، والقياس هنا متعذر،
١/١٨١ فيتعارضان، وبقي المطلق على إطلاقه، ونقول بجواز التعفير في كل واحدة / من
المرات عملا برواية إحداهن المطلقة.
هكذا ذكره الأصوليون. ومنهم صاحب ((المحصول))، وبه أجاب القَرَافي عن
اعتراض أورده بعض قضاة الحنفية على الشافعية، فإن قاعدتهم حمل المطلق على
المقيد، فكان ينبغي: أولاهن، لورود إحداهن وأولاهن، فأجابه القَرَافي، بأنه قد
عارض رواية أولاهن رواية أخراهن، يريد بذلك: وعفروه الثامنة بالتراب.
ويرجع إلى أصل الإطلاق.
وما ذكره القَرَافي ممنوع، لأنا لا نسلم البقاء على الإطلاق، بل يحمل عليهما على
معنى التخيير ، ومنع إجزاء المتوسط، فلا يجوز أن يكون التراب إلا في الأولى أو في
الأخيرة دون ما سواهما، حملا للمطلق على المقيدين المذكورين على طريق البدل،
وعلى ذلك نص الشافعي في ((البويطي)) وذكره المرعشي من أصحابه وغيره.
والعجب من قول الشيخ في ((شرح الإلمام)) في رواية: أولاهن أو أخراهن: الأقرب
أنه شك من الراوي، فإنا لا نعلم أحدا يقول بتعين الأولى أو الأخيرة فقط؛ بل إما
بتعين الأولى أو التخيير بين الجميع. اهـ.
وقيل: بل على هذا ينبغي إيجاب كل منهما: الأولى والأخيرة، لورود الحديث
فيهما، ولا تنافي في الجمع بينهما، اللهم إلا أن يراد بالثامنة التعدد لا الأخيرة، فإنه
حينئذ يكون مطلقا كإحداهن، وتكون رواية إحداهن، والثامنة، واحدة. ومعنى
رواية أولاهن يعود أصل السؤال. ومنهم من رده بأن رواية: أخراهن مساوية
لإحداهن، فيبقى قيد وهو أولاهن، فيحمل المطلق حينئذ عليه. وهذا مردود، لأن
أخراهن مؤنث آخر بکسر الخاء، لا مؤنث آخر بفتحها، وذاك لا یضاف، وههنا
قد وقع مضافا، فعلم أنه مؤنث آخِر، فجاء القيدان.
٤٢٨

ومنهم من رده بأن شرط التعارض تساوي الروايات وعدم وجود الترجيح في
أحدها، فأما إذا وجد ذلك وجب العمل بالراجح واطراح المرجوح ، لامتناع
إسقاط الراجح بمعارضة المرجوح. ذكره الشيخ في ((شرح الإلمام)).
واعلم أن هذا السؤال لازم للحنفية، فإنهم يحملون المطلق على المقيد إذا
اتفق السبب والحكم، وهو ههنا كذلك. ويناظر هذا السؤال سؤالان آخران:
أحدهما: أن أبا حنيفة قال: لا يجرى التحالف بين المتبايعين إلا إذا كانت
السلعة قائمة، أما إذا كانت تالفة فالقول قول المشتري، وعندنا يتحالفان مطلقا،
مع أنه روي عنه عليه السلام أنه قال: (إذا اختلف المتبايعان تحالفا). وروي
زيادة: (والسلعة قائمة)، فلم لا حَمَل المطلق على المقيد مع اتحاد القاعدة؟
وجوابه: أنه ورد التقييد بقيد آخر مضاد للقيد السابق، وهو قوله: (إذا اختلف
المتبايعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع). رواه الدارقطني. فرجعنا إلى أصل
الإطلاق. وأيضا فالقيدان ضعيفا الإسناد. وقول الغزالي في المأخذ: ما يرويه
أصحابنا من التقييد بالهلاك، أجمع أهل الحديث على صحته: باطل.
الثاني: أن في كتاب فريضة الصدقة في فريضة الإبل: (فإن زادت على
العشرين ومائة) وهو مطلق في الزيادة، وجاء مقيدا في حديث ابن عمر: (فإن
زادت واحدة) فلا ينبغي أن يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة إلا ما يجب في
مائة وعشرين فقط. وهذا السؤال إنما يرد على الإصطخري القائل بوجوب ثلاث
بنات لبون فيما إذا زادت بعض واحدة. والصحيح أنه إنما يجب حِقَّتان، وفاء
بحمل المطلق على المقيد، فاندفع السؤال.
تنبيه
٠٤
حيث قلنا بأصل الإطلاق في الصورة المذكورة، فيجب حمل [كل] واحد من المقيدين
على تقييده. قاله الماوَرْدي والرُّؤْياني في باب القضاء. قالا: فأما حمله على مقيدٍ
نظيرِهِ، فينظر في صفتي التقييد فيهما، فإن تنافى الجمع بينهما لم يحمل أحدهما على
الآخر، واختص كل واحد بصفته التي قيد بها، وذلك مثل تقييد كفارة الظهار
بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، فلا يمكن الجمع بين التتابع والتفريق، فيخص
٤٢٩

كل واحد منهما بصفة، وإن أمكن اجتماع الصفتين ولم يتنافيا ففي حمل كل واحد
منهما على تقييد نظيره وجهان: أحدهما: لا يحمل إلا على ما قيد به، إذا قلنا المطلق لا
يحمل على المقيد إلا بدليل. والثاني: يحمل على تقييده وتقييد نظيره بنظير كل
واحد منهما مقيدا بالصفتين، إذا قلنا: يجوز حمل المطلق على المقيد، فعلى هذا يجوز
أن يحمل ما أطلق من جنسهما على تقييدهما معا، ويصير كل واحد منهما من
النصوص الثلاثة المتجانسة مقيدا بشرطين. اهـ.
الشرط الثالث: أن يكون في باب الأوامر والإثبات، وأما في جانب النفي والنهي
فلا، فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النهي، وهو غير سائغ. ذكره
الآمدي وابن الحاجب. وقالا: لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما ، لعدم
التعذر. فإذا قال: لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتبا كافرا، لم يعتق مكاتبا كافرا ولا
مؤمنا أيضا إذ لو أعتقه لم يعمل فيهما؛ لكن صاحب ((المحصول)) سوى بين الأمر
والنهي في الحمل، ورد عليه القَرَافي بمثل ما ذكره الآمدي.
وأما الأصفهاني فتبع صاحب ((المحصول)). وقال: حمل المطلق على المقيد لا
يختص بالأمر والنهي؛ بل يجرى في جميع أقسام الكلام. نقول في الخبر: جاءني
رجل من آل علي ، ثم تقول: جاءني بقية العلويين. ومثال التمني: ليت لي مالاً،
ثم تقول: ليت لي جملا، فإنه يحمل عليه.
قال: وإنما خص الأئمة الكلام بالأمر والنهي للحاجة إليهما في معرفة الأحكام
الشرعية، ولأنه إذا تحقق الأمر والنهي سهل تعديته إلى بقية أقسام الكلام. اهـ.
وخَالفَ في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في كتابه في الأصول، فقال: فما
كان في حكم واحد، كان أحدهما مبنيا على الآخر، كقوله عليه السلام: (لا نكاح
إلا بولي وشاهدین)، مع قوله: (لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل).
ثم قال: وتحقيقه أن الجمع بين الألفاظ الواردة في الشريعة واجب على الثاني(١).
فما كان مكررا منه كان للتأكيد، وما كان مفردا كان مستعملا على الترتيب. فإذا
روي عنه ◌َّر قوله: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين) وروي عنه (لا نكاح إلا بولي
مرشد وشاهدي عدل) جمع بين الروايتين، فكان قوله الأول المطلق داخلا في
الثاني، وحمل على التكرار، واستعمل أحدهما مع الوصف. اهـ.
(١) في الأصل هنا كلمة خفية.
٤٣٠

وقد يقال: لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي ولا النهي، وما ذكروه
من المثال إنما هو من قبيل إفراد بعض مدلول العام بحكم، وفيه ما تقدم من
خلاف أبي ثور، فلا وجه لذكره ههنا. وقد خرَّجه الهندي على أن / مفهوم الصفة ١٨١/ب
حجة أم لا؟ فمن أنكره لم يخصص، ومن قال به، خصص النهي العام به.
وممن ذكرٍ هذا الشرط ابن دقيق العيد، وشرطه أيضا في حمل العام على
الخاص، ومثله بحديث: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه)، وجاء في رواية: (وهو
يبول)، فالأولى مطلقة، والثانية مقيدة، لكن في تقييده بحالة البول تنبيه على رواية
الإطلاق، وأولى؛ لأنه إذا كان النهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة
الحاجة إليها فغيره من الحالات أولى. ومن العلماء من خصص النهي بمس الذكر
بحالة البول أخذا بظاهر الحديث. ومنهم من أخذ بالنهي عن مسه مطلقا أخذا
بالإطلاق.
ثم قال: وينظر إن كانا حديثين فالمعنى على ما ذكرناه، ويقدم أحدهما على
الآخر، وإن كان حديثا واحدا، ومخرجه واحد، واختلف عليه الرواة ، فينبغي
حمل المطلق على المقيد، ويكون زيادة من عدل، وهي مقبولة عند الأصوليين
والمُحَدِّثين. وهذا أيضا يكون بعد النظر في دلالة المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا
يعمل به، وبعد أن ينظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم.
ثم قال الشيخ في موضع آخر: وهذا كله مبني على ما يقوله بعضهم من أن
العام في الذوات مطلق في الأحوال والأزمنة، وأما على ما نختار نحن من العموم
في الأحوال تبعا للعموم في الذوات، فهو من باب العام والخاص. انتهى. وبهذا
يسهل جعل هذه الصورة من باب المطلق والمقيد.
تنبيه
سبق في باب العموم خلاف في أن التخصيص هل يدخل في الخبر كما في الأمر
والنهي أولا؟ وينبغي جريان هذا الخلاف هنا حتى يشترط على قول كونهما من باب
التكليف لا من باب الخبر. اهـ.
. الشرط الرابع: [لا] أن يكون في جانب الإباحة، ذكره ابن دقيق العيد أيضا في
٤٣١

الكلام على لبس المَحْرِم الخف. وقال: إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب
الإباحة، إذ لا تعارض بينهما، وفي المطلق زيادة. انتهى. وفيه نظر.
الشرط الخامس: أن لا يمكن الجمع بينهما، فإن أمكن تعين إعمالهما، فإنه أولى من
تعطيل ما دل عليه أحدهما. ذكره ابن الرفعة في ((المطلب)) في الأصول والثمار.
ومثاله حديث ابن عمر: (من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط
المبتاع)، وجاء في رواية: (من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع).
فإن الرواية الأولى تقتضي أن بعض العبيد لا يكون له مال، فتكون الإضافة فيه
للتمليك، والمال فيه محمول على ما يملكه السيد إياه، وليس كل عبد يملكه السيد
مالا . والثانية تشمل كل عبد، فكانت الإضافة فيها إضافة تخصيص لا تمليك،
فيحمل على ثيابه التي عليه، لأن كل عبد لابد له من ثياب يختص بها. قال: فهذه
الرواية مطلقة، تنزل على ما ذكرناه. وهو أولى من تقييدها بحالة تمليك السيد المال
له. قال: ولا يحمل المطلق على المقيد هنا لأن الجمع ممكن.
. الشرط السادس: أن لا یکون المقید ذکر معه قدر زائد یمکن أن یکون القید لأجل
ذلك القدر الزائد. فلا يحمل المطلق على المقيد هنا قطعا، مثاله: إن قتلت،
فأعتق رقبة، مع: إن قتلت مؤمنا فأعتق رقبة مؤمنة فلا يحمل المطلق هناك على المقيد
هنا في المؤمنة، لأن التقييد هنا إنما جاء للقدر الزائد، وهو كون المقتول مؤمنا.
واعلم أن مذهبنا أن الردّة لا تحبط العمل إلا بشرط الوفاة على الكفر، وعند أبي
حنيفة تحبط بمجرد الردة، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن
دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ [سورة البقرة/
٢١٧] وأما قوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [سورة المائده] فمطلق،
قيدت به الآية السابقة. هكذا قالوا، وفيه نظر لما في القيد من القدر الزائد، وهو
الخلود في النار. وأيضا فليست الآيتان من باب المطلق والمقيد، بل من باب العام
والخاص، فنعمل الخاص. على أن الآية التي تمسك بها الحنفية مقيدة، وهو قوله
تعالى: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ [سورة المائدة / ٥] فبين أن المراد من مات
على الكفر، لأن من مات مؤمنا لا يكون في الآخرة خاسرا، فالمراد في الآيتين
٤٣٢

التقييد، وليس فيهما مطلق ومقيد. على أن الشافعي نص في ((الأم)) على أن الردة
بمجردها تحبط العمل، وإن لم تتصل بالموت، على معنى ذهاب الأجر.
الشرط السابع: أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، مثاله قوله تعالى: ﴿والذين
يتوفون منكم ويذرون ازواجا﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٤] الآية. فلم يقيد بالدخول، وقيد
به في عدة الطلاق بقوله: ﴿اذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
فما لكم عليهن من عدة﴾ [سورة الأحزاب/ ٤٩] ولم يحملوا المطلق هناك على المقيد
لقيام المانع، وهو أن تقييد المطلق أو تخصيص العام إنما يكون بقياس أو مرجع،
وهو هنا منتف لأن المتوفى عنها زوجها أحكام الزوجية باقية في حقها بدليل أنها
تغسله، وترث منه اتفاقا. ولو كانت في حكم المطلقات البوائن لم ترث، فلما ظهر
في الفرع ما يقتضي عدم إلحاقه بالأصل امتنع التقييد بالقياس أو التخصيص به.
مسألة
اللفظ المطلق إذا تطرق إليه التقييد، ففي کونه حجة في الباقي قولان، حکاهما
ابن السَّمْعاني في ((الكفاية))، كالخلاف في العام يتطرق إليه التخصيص. قال:
وتمهيد هذا الخلاف يستدعي بيان عموم المطلق، ويعنى به الاسم المفرد،کالعام،
فإن الواحد ينقسم إلى واحد بالجنس، وواحد بالذات، فإن أريد الأول تناول جميع
الذوات، لاشتمال الجنس على الأعيان والذوات، بخلاف العام، فإنه يدل عليهما
بالوضع. وأما الواحد بالجنس: فمعناه حقيقة توجد في جميع الأعيان، فيقع عموم
الأعيان ضرورة اشتمالها على تلك الحقيقة، لا أنها مدلول اللفظ؛ ولهذا قلنا: إن
المطلق يفارق العام من وجه، ويساويه من وجه.
قال: فالصائرون إلى أنه إذا تطرق إليه تقييد لا يبقى حجة، قالوا، لأن اللفظ
كان عاما، لأنه تعرض لحقيقة يستوي نسبتها إلى الأعيان، فإذا لم يثبت الحكم في
بعض الأعيان تبين أن الحقيقة المطلقة ما كانت مرادة. فيكون المراد الواحد
بالذات، وهو ضعيف، لأن اللفظ دال على حقيقة مطلقة، تستوي نسبتها. ويدل
على أن الحكم يتعلق بها. ولكن يجوز أن لا يثبت الحكم في بعض الأعيان لا لخلل
٤٣٣

في الدليل، ولا لمعنى في المتعلق، وهو الحقيقة؛ بل لمعنى يقع من عوارض التعيين،
فينتفي الحكم مع وجود الدليل بالنسبة إلى تلك الحقيقة، لوجود معارض دافع
للحكم. وهو لا يبطل دلالة الدليل إلا بالنسبة إليه، كما قلنا في العام يخص.
خَاتمئَاتْ
الأولى : المعروف أن المقيد لا يحمل على المطلق .
١/١٨٢
ووقع في ((الوسيط)) في باب قطاع الطريق حيث احتج للقول الصائر / إلى أنه لو
تاب بعد القدرة عليه يسقط عنه الحد. قال: لأنه تعالى خصص هذا بقوله: ﴿من
قبل أن تقدروا عليهم﴾ [سورة المائدة/ ٣٤]، وأطلق في آية السرقة، قوله: ﴿فمن تاب
من بعد ظلمه وأصلح﴾ [سورة المائدة/٣٩]. انتهى. وفي هذا حمل المقيد على المطلق،
فإنه حَمَلَ آية المحاربة، وقد ورد فيها التقييد، على ما ورد فيه الأمر مطلقا، وهو
السرقة، وهو غريب. ثم رأيت الأصحاب قد حملوا ذلك أيضا في مسح الخف،
فإن قوله وَطاهر: (يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن) من باب حمل
المقيد على المطلق على مقتضى كلامهم، لأن لياليهن مقيد بالإضافة، فيقتضي أنه لو
أحدث المسافر عند طلوع الفجر لا يمسح الليلة الرابعة. وقد قالوا: إنه يمسح ليلته
حملا على المطلق، كما لو تأخرت ليلة اليوم عنه.
الثانية: كثر في كلام كثير من المتأخرين أن يقولوا: هذا مطلق، والمطلق يكفي في
العمل بمقتضاه إعماله في صورة، وقد اتفقنا على العمل به في كذا، فلا يبقى حجة
في غيره.
وقد استعظم جمع هذا السؤال. وقد أجاب عنه ابن دقيق العيد فيما كتبه على
((فروع ابن الحاجب)) بأنه إنما يكتفى بالعمل به في صورة حيث لا يلزم ترك ما دل
اللفظ على العموم فيه، بل يجب العمل به في كل صورة يلزم من ترك العموم فيها
في الحالة المطلقة ترك العموم فيها دخلت عليه صيغة العموم، مثاله قول الحنفي في
٤٣٤

جواب الشافعي في أن الوضوء تجب فيه النية لقوله مصر : ( ما منكم مِنْ أَحَدٍ
يُقَرِّبُ وضوءه) فيقول الحنفي: هو عام في التوضؤ، مطلق في الوضوء، وقد اتفقنا
على العمل به في الوضوء المنوي، فلا يبقى حجة في غيره. وجوابه أن العموم في
التوضؤ يلزم منه العموم في الوضوء، لأنه ما من نوع من أنواع الوضوء إلا وفاعله
متوضى، فيندرج تحت العموم، فيلزم أن يكون مثابا عليه نظراً إلى عموم اللفظ.
وقال في ((شرح الإلمام)): أما قولهم: إن المطلق يكفي في العمل به مرة، فنقول:
يكتفى فيه بالمرة فعلا أو حكما؟ الأول: مسلم، والثاني: ممنوع، وبيانه أن المطلق
إذا فُعِل مقتضاه مرة، ووجدت الصورة الجزئية التي يدخل تحتها الكلي المطلق،
وَفَ ذلك في العمل به،كما إذا قال: أعتق رقبة، ففعل ذلك مرة، لا يلزم إعتاق
رقبة أخرى، لحصول الوفاء بمطلق الأمر من غير اقتضاء الأمر العموم، وكذا إذا
قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وحنث، لا يحنث بدخولها ثانیا،
لوجود مقتضى اللفظ فعلا من غير اقتضاء العموم؛ أما إذا عمل به مرة حكما، أي
في صورة من صور المطلق، لا يلزم التقييد بها، ولا يكون وفاء بالإطلاق، لأن
مقتضى الإطلاق بالصورة المعينة حكما أن لا يحصل الاكتفاء بغيرها، وذلك فيما
خص الإطلاق.
مثاله إذا قال: أعتق رقبة، فإن مقتضى الإطلاق أن يحصل الإجزاء بكل ما
يسمى رقبة، لوجود المطلق في كل مُعْتَق من الرقاب، وذلك يقتضي الإجزاء به، فإذا
خصصنا الحكم بالرقبة المؤمنة منعنا إجزاء الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن
وقع العتق لها، فالذي فعلناه خلاف مقتضاه.
٠
٤٣٥

الظاهر وَالمؤوّلـ
قال ابن برهان: وهو أنفع كتب الأصول وأجلّها، ولم يَزِتَّ الزالُّ إلا بالتأويل
الفاسد. وأما ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) فأنكرَ على إمام الحرمين إدخاله هذا
الباب في فن أصول الفقه. وقال: ليس هذا من أصول الفقه في شيء إنما هو كلام
يورد في الخلافيات، لكنا نذكر طرفا منه، ولا نعدم الناظر فيه نوع فائدة؛
وبالجملة فلا ينبغي حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستنكرة للأخبار،
وينبغي للعالم الورع التباعد عنه.
فالظاهر: الواضح، وهو كما قال الأستاذ والقاضي: لفظه يغني عن تفسيره.
وقال الغزالي: هو المتردد بين أمرين، وهو في أحدهما أظهر، وقيل: ما دل على
معنى مع قبوله لإفادة غيره إفادة مرجوحة، فاندرج تحته ما دل على المجاز الراجح،
ويطلق على اللفظ الذي يفيد معنى، سواء أفاد معه غيره إفادة مرجوحة أو لم يفد.
ولهذا يخرج النص، فإن إرادته ظاهرة بنفسه.
ونقل الإمام: أن الإمام الشافعي كان يسمي الظاهر نصا. قال ابن برهان:
ولعله لمح فيه المعنى اللغوي، فإن النص لغة هو الظهور، ومنه المنصَّة. والنص
عنده ينقسم إلى ما يقبل التأويل، وهذا مرادف للظاهر، وإلى ما لا يقبله، وهو
النص الصحيح.
مسألة
[الظاهر دليل شرعي]
الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به، بدليل إجماع الصحابة على العمل
بظواهر الألفاظ. وهو ضروري في الشرع، كالعمل بأخبار الآحاد، وإلا لتعطلت
غالب الأحكام، فإن النصوص معوزة جدا، كما أن الأخبار المتواترة قليلة جدا.
٤٣٦

مسألة
وَهَوَ قِسْمَان:
إحدهما: الألفاظ المستعارة، وهي المقولة أولاً على شيء، ثمَّ استعيرت لغيره
المناسبة بينهما، كاستعارتهم أعضاء الحيوان لغير الحيوان. قالوا: رأس المال، ووجه
النهار، وحاجب الشمس، وعين الماء، وكبد السماء، فهذا القسم إذا ورد في
الشرع حمل على ظاهره، وهو الحقيقة، حتى يدل دليل على أنه لغيرها. وهو
المجاز، لأن المجاز فيها لم يغلب استعماله، فإن غلب استعماله حتى صار اسما
عرفيا بالمعنى الثاني كقولهم: الغائط، للمطمئن من الأرض - كان حمله على المجاز هو
الظاهر، حتى يدل الدليل على الحقيقة. وقد يتطرق إلى هذا القسم الإجمال، فإن
تساوى الحقيقة والمجاز في كثرة الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا معهم الكتاب
والميزان﴾ [سورة الحديد/٢٥] فإن المراد ههنا العدل، وهو محتمل لذلك احتمالا
يساوي الحقيقة - فيلحق بالمجمل.
والثاني من أقسام الظاهر هي: ألفاظ العموم، فإنها ظاهرة في الاستغراق،
محتملة للتخصيص، على ما سبق هناك.
وأما التأويل: فهو لغة: المرجع، من آل إليه الأمر، أي رجع. وقال النضر بن
شميل: مأخوذ من الإيالة وهي السياسة. يقال: فلان آيل علينا، أي سائسنا،
فكان المؤوّل بالتأويل، كالمتحكِّّم السايس على الكلام المتصرِّف فيه. وقال ابن
فارس في ((فقه العربية)): التأويل آخر الأمر وعاقبته. يقال: مآل هذا الأمر أي
مصيره. قال تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [سورة آل عمران / ٧] أي لا يعلم
الآجال والمدد إلا الله، واشتقاق الكلمة من الآل، وهو العاقبة والمصير .
واصطلاحا : صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله، ثم إن جُمل لدليل
فصحيح، وحينئذ فيصير المرجوح في نفسه راجحا للدليل؛ أو لما يظن دليلا،
ففاسد؛ أو لا لشيء فلعب، لا تأويل. فإذن التأويل: صرف اللفظ إلى غيره لا
نفس الاحتمال .
٤٣٧

١٨٢/ب
وقال الغزالي والرازي: هو احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من
الظاهر. وهو غير جامع، لأنه لا يتناول الفاسد واليقيني. ثم إنه جعله عبارة عن
نفس / الاحتمال، وليس كذلك. ولا يتطرق التأويل إلى النص والمجمل، ثم
ليس كل احتمال يعضده دليل فهو تأويل صحيح مقبول، بل يختلف ذلك
باختلاف ظهور المؤول، فإن كانت دلالة المؤول عليه مع الخارجي تزيد على دلالته
على ما هو ظاهر فيه قبل، وإلا فلا.
وقال العبدري: هذا التعريف إنما يصح لو كان لا يتأول إلا العموم، وليس
كذلك، فهو غير منعكس، لأنه يخرج عنه ما هو منه، فإن من التأويل ما هو صرف
اللفظ عن حقيقة إلى حقيقة، كاللفظ العرفي بالمعنى الأول تصرفه عن العرف وهو
حقيقة منه إلى الوضع الأول، وهو حقيقة فيه.
قال الشيخ في ((شرح الإلمام)): اعلم أن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، وكان
الأصل حمله على ظاهره، فالواجب أن يعضد التأويل بدليل من خارج، لئلا يكون
تركا للظاهر من غير معارض، وقد جعلوا الضابط فيه مقابلة الظاهر بالتأويل
وعاضِدِهِ، وتقديم الأرجح في الظن، فإن استويا فقد قيل بالوقف، وإن كان ما
يدعى تأويلا لا ينقدح احتماله فهو باطل.
واعلم أن تقديم أرجح الظنين عند التقابل هو الصواب، غير أنا نراهم إذا
انصرفوا إلى الظن، تمسك بعضهم بهذا القانون. ومن أسبابه اشتباه الميل الحاصل
بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل من الإلف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمور
تُحدث للنفس هيئة وملكة تقتضي الرجحان في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر
الناظر بذلك، ويتوهم أنه رجحان الدليل، وهذا محل خوف شديد وخطر عظيم
يجب على المتقي الله أن يصرف نظره إليه ويقف فكره عليه.
وقال في ((شرح العنوان)): يجب إجراء اللفظ على ظاهره دون مآله إلا بدليل
يدل على خلاف الظاهر، وشرطه أن يكون الظن المستفاد من ذلك الدليل على
التأويل المرجوح أقوى من الظاهر، وهو تصرف حسن لو مشى عليه في آحاد
المسائل حيث يقع المتصرف فيها، لأن القاعدة أن العمل بأقوى الظنين واجب،
وكلما كان أبعد احتاج إلى دليل أقوى لما ذكرنا، واستثنى منه الظواهر المقتضية
٤٣٨

لخلاف ما دل القواطع العقلية عليه. وقيل: لا فرق بين البعيد من التأويل
والقريب، وهو راجع إلى ترجيح الأقوى، لأن القاطع لا يمكن صرفه عن مدلوله،
بخلاف الظاهر.
قلت: وكلام صاحب ((المُقْتَرح)) من الجدليين مصرح بأن دليل التأويل يصح أن
يكون مساويا، وهو مخالف لكلام الجمهور، وحمله بعض شارحيه على أن دليل
التأويل إن كان راجحا، تعين المصير إليه، وإن كان مساويا كان ذلك معارضة.
وكلاهما يزيف كلام المستدل، ويمنعه من العمل بدليله. قال: وعلى هذا فيوافق
كلام الأصوليين، ويرجع الخلاف إلى اللفظ.
فصْل
فِيمَا يَدْخلُهُ التَّأْوِيل
وهو يجرى في شيئين: أحدهما: الفروع، وهو محل وفاق. والثاني: الأصول،
كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري الموهمة، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة
مذاهب :
أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجري على ظاهرها، ولا يؤول شيء
منها، وهم المشبهة .
والثاني: أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل،
لقوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [سورة آل عمران/٧] قال ابن برهان: وهذا قول
السلف.
والثالث: أنها مؤولة، وأولوها، قال: والأول باطل والآخران منقولان عن
الصحابة، فنقل الإمساك عن أم سلمة رضي الله عنها لأنها سئلت عن الاستواء ،
فقالت: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه
بدعة(١)، وكذلك سئل عنه مالك، فأجاب بما قالت أم سلمة إلا أنه زاد فيه أن من
عاد إلى هذا السؤال اضرب عنقه، وكذلك سئل عنه سفيان الثوري، فقال: أفهم
من قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [سورة طه/٥]مثل ما أفهم من قوله ﴿ثم
٤٣٩

استوى إلى السماء﴾ [سورة فصلت/١١] ونُقِلَ التأويل عن علي وابن مسعود وابن
عباس وغيرهم. قال وهو المختار عندنا.
ومنشأ الخلاف بين الفريقين: أنه [هل] يجوز أن يكون في القرآن شيء لا يعلم
معناه؟ فعندهم يجوز. ولهذا منعوا التأويل، واعتقدوا فيه التنزيه على ما يعلم الله،
وعندنا لا يجوز ذلك، بل الراسخون يعلمونه، وعليه انبنى الخلاف السابق في
الوقف على: ﴿والراسخون﴾ [سورة آل عمران / ٧] ونقل في ((الوجيز)) قولا بتأويل
الوارد في القرآن دون السنة. قال والأکثرون على أنه لا فرق. قال وذهب کثیر من
السلف إلى تنكب تأويل الآيات والأخبار مع اعتقاد نفي التشبيه، وزعموا أن
الإقدام على التأويل خطأ من غير أن يكون هناك دليل قاطع يدل عليه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : الناس في هذه الأشياء الموهمة للجهة
ونحوها فِرَق ثلاثة؛ ففرقة تؤول، وفرقة تشبه، وثالثة ترى أنه لم يطلق الشارع مثل
هذه اللفظة إلا وإطلاقه سائغ وحسن، فنقولها مطلقة كما قالوا مع التصريح
بالتقديس والتنزيه والتبري من التحديد والتشبيه. ولا نهم بشأنها ذكرا، ولا فكرا،
بل نكل علمها إلى من أحاط بها، وبكل شيء خبرا. وعلى هذه الطريقة مضى
صدر الأمة وسادتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث
وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها، وأفصح الغزالي عنهم في غير
موضع بتهجير ما سواها، حتى ألجم آخراً في إلجامه كل عالم وعامي عما عداها،
قال وهو كتاب ((إلجام العوام عن علم الكلام))، وهو آخر تصانيف الغزالي مطلقا
أو آخر تصانيفه في أصول الدين، حث فيه على مذهب السلف ومن تبعهم. اهـ.
وقال الشيخ عز الدين في بعض فتاويه: طريقة التأويل بشرطه أقربهما إلى الحق،
لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه، وقد نصب الأدلة على مراده من آيات
(١) هذا الجواب من أم سلمة والإمام مالك هو القول الفصل في هذه المسألة، وقد دل هذا الجواب
على أمور: الأول: أن للاستواء معنى معلوما. الثاني: أن كيفية الاستواء مجهولة، الثالث: أنه
يجب الإيمان بالاستواء وكذلك جميع الصفات. الرابع: عدم جواز البحث عن الكيفية، وهذا
مذهب السلف. فإنهم يؤمنون بالصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة، ويعلمون أن لها معنى يليق
بجلال الله وكماله، وهم في ذلك لا يشبهون ولا يحرفون ولا يؤولون، والذي حكاه المصنف عن
ابن الصلاح هو القول الحق في هذه المسألة .
٤٤٠