النص المفهرس
صفحات 381-400
التعيين ففي المحتملات، وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات تجد منه ما لا يمكنك حصره قبل اعتباره. انتهى . مسألة يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة. ونقله أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه عن نص الشافعي بالنسبة إلى مفهوم المخالفة، فقال: نص الشافعي - رحمه اللّه تعالى - على القول بمفهوم الصفة، وعلى أنه يخص به العموم. فإن قيل: لم قلتَ: إنه يخص به العموم، وقد یرد من التخصیص علیه ما يرد على العموم؟ قيل: لأن دليل الخلاف يجرى مجرى القياس في باب القوة، فلهذا جاز التخصيص به. قال: وسواء كان الدليل مستخرجا من ذلك الخطاب أو من غيره، فإنه يخصه. انتهى . وقال بعض شراح ((اللمع)): يجوز تخصيص العموم بمفهوم الموافقة، سواء قلنا: إنه من باب القياس أو من اللفظ، لأن كلا منهما يخص به العموم. فيخص عموم القرآن والسنة بفحوى أدلة الكتاب تواتراً كانت السنة أو آحاداً، ويخص عموم القرآن وآحاد السنة بفحوى أدلة المتواتر من السنة، وأما تخصيص عموم القرآن ومتواتر السنة بفحوى آحاد السنة، فالقياس يقتضيه، وفيه احتمال. انتهى. وقال الآمدي: لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم بين القائلين بالعموم والمفهوم، وحينئذ فلا يحسن الاعتراض عليه كما حكاه الشيخ أبو إسحاق عن ابن سريج والحنفية مِنْ مَنْعِهم ذلك، لأنهم بنوه على مذهبهم في إنكار المفهوم، لكن أطلق الإمام في ((المنتخب)) أنه لا يجوز. وقال: دلالته - إن قلنا بكونه حجة - أضعف من النطق، فلا تخصيص به، وتوقف في ((المحصول)) فلم يختر شيئا . وقال الشيخ تقي الدين في ((شرح الإلمام)): قد رأيت في بعض مصنفات المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم، وفي كلام صفي الدين الهندي أن الخلاف في مفهوم المخالفة، أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على التخصيص به. ٣٨١ قلت: وبه صرح الماوردي في كتاب القضاء من ((الحاوي))، فقال: ما عُرف معناه من ظاهر النص كقوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء / ٢٣] يدل على تحريم الضرب قياسا على الأصح، وهذا يجوز تخصيص العموم به بلا خلاف، وفي جواز النسخ وجهان . اهـ . وهذا فيه نظر، أعني قطعه بجواز التخصیص به مع ترجيحه كونه قياسا. وكان يتجه على الخلاف في التخصيص بالقياس، لكنه هنا أولى بالجواز لما فيه من أن دلالته لفظية، وربما أيِّد ذلك بدعوى الآمدي والإمام الاتفاق على جواز النسخ بمفهوم الموافقة . والحق أن الخلاف ثابت فيهما، أما مفهوم المخالفة كما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، كقوله: (في أربعين شاة شاة)، ثم قال في سائمة الغنم الزكاة. فإن المعلوفة خرجت بالمفهوم، فيخصص به عموم الأول . وذكر أبو الحسين بن القطان أنه لا خلاف في جواز التخصيص به، ومثّل بما ذكرنا، وكذا قال الأستاذ أبو إسحق الأسفرايني: إذا ورد العموم مجردا من صفة، ثم أعيد بصفة متأخرة عنه كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة/٥] مع قوله قبله أو بعده: اقتلوا أهل الأوثان من المشركين، كان ذلك موجبا للتخصيص ١٧٤ / ب بالاتفاق، / ويوجب المنع من قتل أهل الكتاب، ويخصص ما بعده من العموم. اهـ . وليس كما قالا، ففي ((شرح اللمع)) إن قلنا: إن المفهوم ليس بحجة، امتنع التخصيص به، وإن قلنا: حجة، ابتنى على الخلاف في أنه کالنطق أو کالقیاس؛ فإن قلنا: كالنطق، جاز التخصيص به، وإن قلنا: قياس، احتمل أن يكون في التخصيص به الخلاف المذكور في جواز التخصيص بالقياس الخفي. اهـ . وقد صرح ابن كج بالخلاف، فقال: عندنا دليل الخطاب يخص العموم، مثل قوله: (في أربعين شاة شاة)، ثم قال: (في سائمة الغنم الزكاة)، فدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها، فخصصناه بدليل قوله: (في أربعين شاة شاة)(١) وينقل الأوامر (١) صوابه: فخصصناه بدليل قوله (في سائمة الغنم الزكاة) ٣٨٢ من الوجوب إلى الندب . وقال مالك: إن دليل الخطاب لا يخص العموم، بل يكون العموم مقدما، واستدل بأن العموم نطق، ودليل الخطاب مفهوم من النطق، فكان النطق أولى، ولنا إجماعنا نحن وأصحاب مالك على القول بدليل الخطاب، فجاز التخصيص به كغيره من الأدلة. انتهى . قلت: قضية كلام ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) أن الشافعي في التخصيص بمفهوم المخالفة قولين، وأظهرهما: الجواز، لأنه مستفاد من النص، فصار بمنزلة النص، ومثَّلهُ بقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [سورة البقرة/٢٤١] فكان عاما في كل مطلقة، ثم قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن﴾ [سورة البقرة/٢٣٦] فكان مفهومه أن لا متعة لمدخولٍ بها، فخّص بها في - أظهر قوليه - عموم المطلقات، وامتنع من التخصيص [على القول] الآخر. قلت: وذكر أبو الحسين ابن القَطَّان هذه الآية، وجعلها من قبيل مفهوم الموافقة، من باب ذكر بعض أفراد العام. قال: فاختلف فيه قول الشافعي، فكان مرة يذهب إلى أن لكل مطلقة متعة التي فرض لها، أو طلقت قبل الدخول، ويقول: إن قوله: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [سورة البقرة/ ٢٤١] عام، وقوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٦] بعض ما اشتمل عليه العموم، لأنهما لا يتنافيان . والقول الثاني: أنه يقضي بهذه الآية على قوله: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [سورة البقرة / ٢٤١] لأنها أخص . قال: وقد قيل إن آية التخصيص لم ترد في تعريف حكم المتعة، وإنما وردت في الفرق بين الموسر والمعسر، وإنما يخص العام إذا كان في الأخص مراد التخصيص، فأما إذا لم يكن في التخصيص إرادة لم يجز أن يخص به، كقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [سورة المؤمنون/٦]. فليس هو حجة في إباحة كل ملك يمين، لأنه لم يقصد بها تعريف الإباحة وإنما قصد بها المدح. اهـ . ثم قال ٣٨٣ بعد ذلك: ومن المُخصص أن يأتي بدليل الخطاب، وهو ما كان له وصفان، فَتَعَلُّق الحكم بأحد وصفيه دل على أن ما عداه بخلافه، فهذا يخص به العموم قولا واحدا . اهـ . وقال الصَّيْرفي في كتاب ((الدلائل)): العام إن لم يمكن استعماله في جميع أفراده يتوقف على البيان، كقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة/٤٣] فإذا ذكر بعض الأفراد علم أنه المراد بالزكاة المذكورة، كقوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة)، وإن احتمل أن يكون المذكور إنما هو بعض الجنس، فالحكم للعموم. كقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [سورة البقرة/ ٢٤١] فهذا عام، ثم قال بعده: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ الآية. [سورة البقرة / ٢٣٦] فلما احتمل الأول أن يكون خاصا بمَن لم يُمَسَّ، واحتمل أن يكون إنما هو ذكر لبعض الجنس الذي أريد بالمتعة، ولم ينف ـ مع الجمع بينهما - أحدهما صاحبه في لفظ ولا دليل اقتضى الحكم على كل مطلقة. فإن قيل: فقل هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: (الماء لا ينجسه شيء) مع حديث القلتين. وقل : سائمة الغنم والعاملة كاملين هنا. قيل: لما كان مفهوم قوله في سائمة الغنم كذا. دليل على أن العاملة لا شيء فيها، وكما لو رفعنا دلالة ما ورد في القلتين بقوله: (الماء لا ينجسه شيء) أسقطنا أحد الخبرين بالآخر ، صلح أن يكون مرتبا عليه. ثم قال: والحاصل أنك تضم أحدهما إلى الآخر ، فما أوجبه حكمهما فالحكم له، وحق الكلام ما يقيد به، حتى يعلم التوكيد ، فإن كان إذا ثبت العموم سقط دلالة الشرط، فالحكم لما فيه الشرط، وإن كنت إذا أثبته لم تَنفْ دلالة العموم أجريته عاما إلى أن تقوم دلالة تدل على الجمع بين السائمة والعاملة من غير جهة المفهوم المحتمل، لكن ثبت، فيكون الحكم له. قال: وقد يحتمل أيضا أن يكون على جواب الشافعي في المجمل والمفسَّر أن يكون قوله: ﴿ومتعوهن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦] مرتبا على قوله: ﴿لا جناح عليكم﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٦] ما لم تقم دلالة، وقد قامت الدلالة بقوله تعالى: ﴿فتعالين ٣٨٤ أمتعكن وأسرحكن﴾ [سورة الأحزاب / ٢٨] وقد علم أنهن مدخول بهن، فتثبت المتعة للممسوسة وغيرها بهذا الدليل. اهـ . وقال إلْكِيا الطبري: دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق، فإذا قال: أعط زيدا درهما، ثم قال: إن دخل الدار فأعطه درهما، كان الثاني أقوى. والدليلان إذا تعارضا قُضي بأقواهما، وهذا عكس قول الرازي في دعواه ضعف دلالة المفهوم . وقال سليم في ((التقريب)) يجوز التخصيص بدليل الخطاب، يعني بمفهوم المخالفة في قول من يثبته، لأنه دليل مستفاد من الآية فأشبه القياس. تنبيهات الأول : إذا قلنا: بجواز التخصيص بمفهوم المخالفة، فهل هو بمنزلة اللفظ أو القياس؟ فيه وجهان، حكاهما سليم. أحدهما : أنه بمنزلة اللفظ، لأنه مستفاد من تخصيص الوصف بالحكم. قال: وهذا أصح. والثاني: بمنزلة القياس لأن اللفظ لم يدل عليه، فثبت أنه مستفاد من معناه. وينبني عليهما ما اذا عارضه لفظ آية أو خبر. فعلى الأول هو بمنزلة آيتين أو خبرين متعارضين، وعلى الثاني يقدم النطق المحتمل عليه سواء كان أعم منه أو أخص . الثاني: ذكر الشيخ أبو حامد وسليم أن هذا كله إذا عارضه غير النطق الذي هو أصله، فأما إذا عارض نطقَه وأصله، فإما أن يسقطه ويبطله، أو يخصه فقط. فإن اعترض بالإسقاط والإبطال سقط المفهوم، وذلك مثل حديث: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل). نص على البطلان بغير ((إذن))، ومفهومه يقتضي جوازه بالإذن، إلا أنه إذا أثبت سقط النطق، لأن الأمَّة أجمعت على التسوية بين أن تنكح المرأة بغير إذن وليّها، وبين أن تُنكِح نفسها بإذنه، فعندنا يبطل النكاح فيهما، وعند الخصم يصح فيهما، فإذا ثبت بالدليل جواز ذلك بإذنه ثبت بالإجماع جوازه بغير إذنه، وإذا ثبت جوازه بغير إذنه سقط النطق، فيكون هذا المفهوم ٣٨٥ مسقطاً لأصله، ويثبت، فيسقط النطق. وإن كان المفهوم معترضا على أصله بالتخصيص كمفهوم قوله: (إن الله حرم الكلب، وحرَّم ثمنه). فقوله : إن الله حرم الكلب، يقتضي تحريم جهات الانتفاع به من البيع والإجارة والهبة وغيرها. وقوله: حرم ثمنه يقتضي أن غير ١/١٧٥ الثمن ليس بمحرم، فهذا يخص عموم ذلك النطق المحرم. / فالمذهب أن المفهوم سقط، ولا يخصص عموم أصله، وحكي عن أبي الحسين بن القَطَّان أنه جوّز تخصيص أصله به، وليس بشيء. لأنه فرع الأصل فلا يجوز أن يعترض عليه، ويُسقط شيئا من حكمه. وأصحاب أبي حنيفة يجيزون مثل هذا في القياس إذا خص أصله، ولا نُجِيزُه نحن، وقد تكلمنا نحن في مسألة الربا، فأما دليل الخطاب فهم لا يقولون به حتى نتكلم معهم في التخصيص به. اهـ . وقد سبقت المسألة في دليل التخصيص بالقياس . الثالث: قال القاضي أبو الطيب: تخصيص العام بدليل الخطاب واجب إلا أن يمنع منه دليل أقوى من المفهوم، فيسقط حينئذ المفهوم، ويبقى العام على عمومه. مثاله: نهيه عن بيع ما لم يقبض، مع قوله: (من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه)، فإنا لم نقل بالمفهوم، وخصصنا به العام، كما فعل مالك، حيث قصر العموم على الطعام، لأن معَنًا دليلا أقوى من المفهوم، وهو التنبيه، لأن الطعام إذا لم يجز بيعه قبل القبض مع حاجة الناس إليه، فَلَأنَ لا يجوز غيره أولى؛ ولأن القياس يقدم على المفهوم، والقياس يدل على أن غير الطعام بمنزلته؛ لأنه إنما لم يجز بيع الطعام لأنه لم يحصل فيه القبض المستحقُّ بالعقد، وهذا المعنى موجود في غير الطعام . على أن بعضهم أجاب عن هذا بأنه من باب مفهوم اللقب؛ لأن الطعام اسم، وتعلق الحكم بالاسم لا يخصص ما عداه. قال القاضي: وهذا غلط، لأن ذلك في الاسم اللقب؛ أما الاسم المشتق، فإنه يجري مجرى الصفة، كالفاسق والنائم . واعترض أصحاب أبي حنيفة على هذا، وقالوا: ترك الشافعي أصله في قوله ﴿ل *: (إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، فالقول قول البائع، والمبتاعُ بالخيار) ٣٨٦ وكان يجب أن يقضي بمفهومه على عموم قوله: (إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع). والجواب ما ذكرناه، وهو أن التنبيه مقدم على المفهوم، لأنه متفق عليه. ووجه التنبيه أنه إذا أمر بالتحالف، وهناك سلعة قائمة يمكن أن يستدل بها على صدق أحدهما، فإذا كانت تالفة لا يمكن أن يستدل بها، فهذه أولى بذلك، ولأن القياس يوجب ترك دليل الخطاب للأمر بالتحالف، وكل منهما مدع، ومدعى عليه. وهذا المعنى موجود مع التلف، والقياس يترك له المفهوم، لأنه يجري مجرى التخصيص، لأنه إسقاط بعض حكم اللفظ، فإن اللفظ يوجب إثباتا ونفيا، فإسقاط أحدهما بالقياس يمكن له التخصيص به . مسألة [التخصيص بفعل الرَسَولِوَّه عَلَى القَول بأنه شَرع لامَته] إذا قلنا بأن فعل الرسول # شرع لأمته، فذهب الأكثرون من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى التخصيص به. قال الشيخ أبو حامد هذا إذا قلنا: إنها على الوجوب أو الندب. فإن قلنا: بالتوقف، فلا يتصور التخصيص، لأنها غير دالة على شيء. انتهى. ونفاه الأقلون منهم الكَرْخي، واختاره ابن برهان، وحكاه الشيخ في ((اللمع)) عن بعض أصحابنا، ونقل صاحب ((الكبريت الأحمر)» عن الكَرْخي وغيره من الحنفية المنع إذا فعله مرة، لاحتمال أنه من خصائصه. ثم قال: أما إذا تكرر الفعل، فإنه يخص به العام بالإجماع. والثالث(١): وحكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) التفصيل بين الفعل الظاهر فيخص به العموم، وبين الفعل المستتر فلا يخص به . (١) الأول والثاني مفهومان من كلامه وهما: الجواز والمنع . ٣٨٧ والرابع: التفصيل بين أن لا يظهر كون الفعل من خصائصه، فيخص به العموم، فإن اشتهر كونه من خصائصه فلا يخص به العموم، وجزم به سليم في ((التقريب)). وقال إلْكِيا الطبري: إنه الأصح. قال. ولهذا حمل الشافعي تزويج ميمونة، وهو مُحْرم على أنه كان من خصائصه . والخامس: الوقف ونقل عن عبد الجبار. وشرط أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه لجواز التخصيص به كونه منافيا للظاهر. قال: فأما الفعل الموافق للظاهر فإنه لا يجوز التخصيص به، كقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [سورة المائدة/ ٣٨] فلو أتي النبي وَ له بسارق مَجَنّ أو رداء فقطعه، لم يدل على تخصيص القطع بذلك المسروق، لأنه بعض ما اشتملت عليه الآية. قلت: وينبغي لأبي ثور أن يخالف في هذا كما سبق . وقال الغزالي: إنما يُخُصُّ الفعلُ إذا عُرف من قوله أنه قصد به بيان الأحكام، کقوله : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، و(خذوا عني مناسککم)، فإن لم یبین أنه أراد به البيان فلا يرتفع أصل الحكم بفعله المخالف، ولكنه قد يدل على التخصيص، كنهيه عن الوصال، ثم واصل. وقال: (إني لست كأحدكم). فبين أنه لم يرد بفعله بيان الحكم. وكذلك نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم رآه ابن عمر مستدبرا للكعبة، فيحتمل أنه تخصيص، لأنه كان عل ... (١) والنهي مطلقا، ويحتمل أنه كان مخصوصا به . وفصّل الآمدي بین أن یکون العام شاملا له، كما لو قال: تَرْك الوصال واجب على كل مسلم، ثم رأيناه قد واصل، فلا خلاف أن فعله يدل على إباحته في حقه، ويكون مخصصا له؛ وأما بالنسبة إلى غيره، فإن قلنا: التأسي به واجب ارتفع العموم، وصار نسخا؛ وإن قلنا: ليس بواجب بقي العموم في حق الأمة، وإن كان عاما للأمة دونه ففعله لا يكون تخصيصا، لعدم دخوله فيه، وإن قيل أيضا بوجوب المتابعة على الأمة كان نسخا في حق الأمة لا تخصيصا، ثم قال: وهذا (١) بياض في جميع النسخ، وكتب ناسخ القاهرية على الهامش: هنا بياض في الأصل، وفي نسخة: لأنه كان بيانا للحكم والنهي . ٣٨٨ [هو] التفصيل، ولا أرى للخلاف في التخصيص بفعله وجها. قال: فإن كان المراد تخصيصه وحده فلا يتأتى فيه خلاف، أو تخصيص غيره فلا تخصيص؛ بل نسخ، مع أنهم فرضوا المسألة في التخصيص. ثم قال: والأظهر عندي الوقف، لأن دليل التأسي عام، فليس مراعاة أحد العمومين أولى من مراعاة الآخر، وذكر الهندي في ((النهاية)) هذا التفصيل. وحكى فيما إذا كان عاما للأمة دونه، فالفعل لا يكون مُخَصِّصا له، لعدم دخوله. وهل يكون تخصيصا أو نسخا في حق الأمة، فيه التفصيل. وقد احتج أصحابنا بأن الصحابة خصت قوله عليه السلام في الجمع بين الجلد والرجم بفعله في رَجم ماعز والغامدية. قال ابن السَّمْعاني: وعندي أن هذا بالنسخ أشبه، وهو كما قال. ومثّله القفال الشاشي برجمه، ثم قال: فهو يدل على تخصيص آية الجلد بالأبكار. مسألة تقرير النبي ◌َّر واحدا من المكلفين على خلاف مقتضى العام، هل يكون مخصصا إذا وجدت شرائط التقرير بعد الإنكار في حق ذلك الفاعل؟ قاطع في تخصيص العام في حقه إذ لا يقر على باطل، فإن كان بعد وقت العمل به كان نسخا في حقه. وأما في حق غيره، فإن ثبتت مساواته له بقوله: (حكمي على الواحد) ونحوه ارتفع حكم العام عن الباقي أيضا، وعلى هذا يكون نسخا لا ١٧٥٠ / ب تخصيصا، إن خالف ذلك جميع ما دل عليه العام، ويكون تخصيصا / إن خالف في فرد، كما لو قال: لا تقتلوا المسلمين، وقد رأينا أن شخصا قَتَلَ مسلما، وأقره عليه السلام على ذلك. فيعلم أن ذلك المقتول كان يجوز لكل أحد قتله . ومثله الأستاذ أبو منصور بأن قوله: (فیما سقَتِ السماء العُشر) مخصوص بتركه: ٦٠ ١٧ أخذ الزكاة من الخضروات. قال ابن القطان: وكذا تركه أخذ الزكاة في النواضح، وإقراره ترك الوضوء من النوم قاعدا. وإذا قلنا بالتخصيص بالتقرير، فهل نقول: وقع التخصيص بنفس التقرير، أم يستدل بذلك على أنه قد خص بقول سابق؟ ٣٨٩ فيه وجهان، حكاهما ابن القَطَّان وابن فُورَك وإلْكِيا، أحدهما: أنه يستدل بذلك على أنه عليه السلام قال لهم، إذ لا يجوز عليهم أن يتركوا ذلك إلا بأمر. والثاني: أن التقرير وقع به التخصيص. قال ابن فُورَك والطبري: وهو الظاهر من الحال، وظاهر كلام ابن القَطَّان يقتضي ترجيحه. قالا: وعلى هذا يكون ما قاله الشافعي في صلاة النبي عليه السلام قاعدا مع صلاة الصحابة خلفه قياما، دليل على أنه كان نسخ قوله: (إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا) على أنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك، وينتقلوا عن الحالة الأولى إلا لشيء متقدم، وليس ذلك نقلا عن الحال إنما هو بناء على ما كانوا عليه، ويتوصل بالحال إلى العلم به . مسألة الخطاب إذا علم خصوصه، ولم يُدْرَ ما خصه كيف يعمل به؟ قال ابن فُورَك من أصحابنا: مَن يقول: البيان لا يتأخر، فيُحيل هذا، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان. ومن أصحابنا مَن يقول: يجوز هذا، ويعتبر فيه العموم إلا موضعا خص، غير أنه إذا جاء بأمر يشتمل على العموم أمضيناه فيه، لأنه لو كان فيه خصوص لخصه، ومن أصحابنا من يقف في هذا . ٣٩٠ فصْل فيما ظُنّ أنه من مخصصات العموم [التخصيص بالعادة] وفيه مسائل : الأولى : أطلق جمع من أئمتنا، كالشيخ أبي إسحق الشيرازي وابن السَّمعاني وغيرهما بأن العادة لا تخصص، ونقله في ((القواطع)) عن الأصحاب، وحكوا الخلاف فيه عن الحنفية. وقال الصفي الهندي: هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون النبي عليه السلام أوجب شيئا أو أخبر به بلفظ عام، ثم رأينا العادة جارية بترك بعضها أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص العام، حتى يقال: المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه أو بفعله أم لا تؤثر في ذلك، بل هو باق على عمومه متناول لذلك الفعل ولغيره؟ انتهى. وهذه الحالة هي التي تكلم فيها صاحب ((المحصول)) وأتباعه، واختار فيها التفصيل، ،وهو إنه إن عُلم جريان العادة في زمن النبي عليه السلام، مع عدم منعه عنها، فيخص، والمخصص في الحقيقة تقريره عليه السلام. وإن علم عدم جريانها لم يخص إلا أن يُجمَع على فعلها، فيكون تخصيصا بالإجماع الفعلي، وإن جهل فاحتمالات . الثاني: أن تكون العادة جارية بفعل معين، كأكل طعام معين مثلا، ثم إنه عليه السلام نهاهم عن تناوله بلفظ متناول له ولغيره، كما لو قال: نهيتكم عن أكل الطعام، فهل يكون النهي مقتصراً على ذلك الطعام بخصوصه أم لا، بل يجري ٣٩١ ٠ على عمومه، ولا تؤثر عاداتهم؟ قال الصفي: والحق أنها لا تخصص، لأن الحجة في لفظ الشارع، وهو عام، والعادة ليست بحجة، حتى تكون معارضة له. انتھی . وهذه الحالة هي التي تكلم فيها الآمدي وابن الحاجب، وهما مسألتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فتفطن لذلك، فان بعض من لا خبرة له حاول الجمع بين كلام الإمام والآمدي ظناً منه أنهما تواردا على محل واحد، وليس كذلك. وممن ذكر أنهما حالتان القَرَافي في ((شرح التنقيح)) وفرق بأن العادة السابقة على العموم يجعلها مخصصة، والطارئة بعد العموم لا يقضي بها على العموم، قال: ونظيره أن العَقْد إذا وقع في البيع فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة في النقد، لا على ما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النقود، وإنما يعتبر من العوائد ما كان مقارنا لها، وكذا نصوص الشارع لا يؤثر في تخصيصها إلا المقارن . ومن اقتصر على إيراد هذه الحالة من كبار أصحابنا الشيخ أبو حامد في تعليقه في الأصول، وسليم في ((التقريب)) وأبو بكر الصَّيْر في وابن القُشَيْري، وقال: العادة لا تخص العام من الشارع، فلو عم في الناس طعام وشراب وكانوا لا يعتادون تناول غيرهما، فإذا ورد نهي مطلق عن الطعام لم يختص بالمعتاد دون غيره. وقال أبو حنيفة: العرف من المخصصات، وحمل الطعام على البر، لأنه في عرف أهل الحجاز كذلك . وقال الشيخ أبو حامد: لا يجوز التخصيص به. قال: وذلك مثل أن يَرِدَ عن النبي عليه السلام خبر في بيع أو غيره، وعادة الناس تخالفه، فيجب الأخذ بالخبر، واطَراح تلك العادة. قال: وليس في هذا خلاف . قال: فإن قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليمين بالعادة، فقلتم: إذا حلف لا يأكل بيضا، أوْ لا يأكل الرؤوس فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرؤوس والبيض؟ فهلا قلتم في ألفاظ الشارع مثل ذلك؟ قيل: نحن لا نخص اليمين بعرف العادة، وإنما نخصه بعرف الشرع، مثل : لا يصلي أو لا يصوم، فيحنث بالشرعيّ، أو بعُرف قائم بالاسم مثل: لا يأكل ٣٩٢ البيض أو الرؤوس الذي يقصد بالأكل، فيخص اليمين بعرف قائم في الاسم(١). فأما بُعُرف العادة فلا يخص، فإنه لو حلف لا يأكل خبزا ببلد لا يؤكل فيه إلا خبز الأرز، حيث به، وإن كان لا يعتاد أكله. وقال أبو بكر الصَّيْرفي: الاعتبار بعموم اللسان، ولا اعتبار بعموم ذلك الاسم على ما اعتادوه، لأن الخطاب إنما يقع بلسان العرب على حقيقة لغتها، فلو خصصناه بالعادة للزم تناوله بعض ما وضع له، وحق الكلام العموم، ولسنا ندري: هل أراد الله ذلك أم لا؟ فالحكم للاسم، حتى يأتي دليل يدل على التخصيص. قال: وهذا كله بالنسبة إلى خطاب الله وخطاب رسوله، فأما خطاب الناس فيما بينهم في المعاملات وغيرها، فينزل على موضوعاتهم كنقد البلد في الشراء والبيع، وغيره، إذا أرادوه، وإلا عمل بالعام. ولا يحال اللفظ عن حقه إلا بدلیل. انتھی . وقال سليم: لا يجوز التخصيص بالعادة، مثل أن يرد خبر عن النبي عليه السلام في بيع أو غيره، وعادة الناس تخالفه، فيجب الأخذ بالخبر، واطَراح تلك العادة ، لأن الخبر إنما يرد لنقل الناس عن عادتهم، فلا يُترك بها. انتهى . وقال إمام الحرمين في باب الزكاة من ((النهاية)): يجب في خَمْسٍ شاة، أنه يتخير بين غنم غالب البلد وغيره. لأنه وَ لّر قال: (في خمس شاة)، واسم الشاة يقع عليهما جميعا، ولفظ الشارع لا يتخصص بالعرف عند / المحققين من أهل ٢/١٧٦ الأصول. ثم هنا أمران: أحدهما: أن العادة التي تخصص إنما هي السابقة لوقت اللفظ المستقر، وقارنته حتى تجعل كالملفوظ بها، فإن العادة الطارئة بعد العام لا أثر لها، ولا ينزل اللفظ السابق عليها قطعا؛ وأغربَ بعض المتأخرين فحكى خلافا في أن العرف الطارىء، هل يخصص الألفاظ المتقدمة؟ (١) كذا في الأصل، وفي النص تكرار ولعل فيه سقطاً. ٣٩٣ الثاني: أطلق كثيرون التخصيص بالعادة، وخصها المحققون بالقولية دون الفعلية . قال أبو الحسين في ((المعتمد)): العادة التي تخالف العموم ضربان: أحدهما: عادة في الفعل والآخر عادة في استعمال العموم؛ أما الأول فبأن يعتاد الناس شرب بعض الدماء، فيحرم الله سبحانه وتعالى الدماء بكلام يعمها، فلا يجوز تخصيص هذا العموم. بل يجب تحريم ما جرت به العادة وغيره. وأما الثاني: فيجوز أن يكون العموم مستغرقا في اللغة، ويتعارف الناس الاستعمال في بعض تلك الاشياء فقط، كاسم الدابة، فإنه في اللغة لكل ما دبَّ وقد تعورف استعماله في الخيل فقط؛ فمتى أمرنا الله بالدابة لشيء حمل على العرف، لأنه به أحق، وليس ذلك بتخصيص على الحقيقة، وإنما هو تخصيص بالنسبة الى اللغة، وفرق بين أن لا يعتاد الفعل أو لا يعتاد إطلاق الاسم على المسمى. وذكر الغزالي مثله. قال المازري: إن كانت العادة فعلية لم تخص العموم، كغَسل الإناء من ولوغ الكلب، هل يحمل على إناء فيه ماء، لأنه لم تجر عادتهم إلا به، أو يعم الماء والطعام وغيره؟ وفيه خلاف في مذهب مالك. وإن كانت قولية، كأن يعتاد المخاطبون إطلاق لحم بهيمة الأنعام على الضأن دون ما سواه، فهذا موضع الخلاف. فالشافعي لا يخصص بهذه العادة، وأبو حنيفة يخصص بها . قال: وهذا فيما إذا كان التعارف بين غير أهل اللغة، فأما تعارف أهل اللغة على تسمية، فإنه يُرجع إليه إذا وجب التمسك بلغتهم، وإنما الخلاف في تعارف مَن سواهم على قصر مسمياتهم على بعض ما وضعت له، هل يُقدّم العرفي أو اللغوي؟ وقال القاضي عبد الوهاب: العادة إن كانت فعلية لم يخص بها، مثل أن يقول: حَرَّمت عليكم أكل اللحوم، وعادتهم أكل لحوم الغنم، فيجري العام على عمومه، وإن كانت عادة في التخاطب خص بها العموم، مثل أن يقول : لا تركبوا ٣٩٤ دابة، فيخص بها الخيل دون غيرها من الإبل والحمير، لأن ذلك هو المفهوم في عادة التخاطب. وقال القرطبي: اختلف أصحابنا في تخصيص العموم بالعادة الغالبة، كقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [سورة النساء/٤٣] فإنه كناية عن الخارج من الْمَخْرَجين، وهو عام غير أن أكثر أصحابنا خصوه بالأحداث المعتادة، فلو خرج ما لا يعتاد كالحصى والدود لم يكن ناقضا، وإنما صار إلى ذلك لأن اللفظ إذا أطلق لم يتبادر الذهن إلى غير المعتاد نصًا، وكان غيره غير مراد . قال: وعلى هذا الخلاف في الأصل ابتنى الخلاف في مسائل الأيمان، فإذا حلف بلفظ له عرفُ فعليّ، ووضع لغوي، فهل يحمل على الوضعي أو اللغوي؟(١) قولان. وقال القَرَافي: شذ الآمدي بحكاية الخلاف في العادة الفعلية، ووقع في كلام المازَري حكاية خلاف في ذلك عن المالكية. ولعله مما التبس عليه القولية بالفعلية. وأظن أني سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي الإجماع على أنها لا تخصص، أعني الفعلية . وقال العَالمي من الحنفية: العادة الفعلية لا تكون مخصصة إلا أن تُجْمِعَ الأمة على استحسانها، ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع لا بالعادة. انتھی. وقال إلْكِيا: الخلاف في تخصيص العموم بالعادة لا يُعنى بها الفعلية، فإن الواجب على المخاطبين أن يتحولوا عن تلك العادة، وإنما المعنيُّ بها استعمال العرف في بعض ما يتناوله، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يعلم موافقة الرسول عليه السلام لهم في محاوراتهم، فيبتني عليها. والثاني: أن لا يظهر ذلك، ويحتمل، فيتبع موضوع اللغة . وقال الشيخ تمي الدين في ((شرح العنوان)): هذه المسألة تحتاج إلى تحرير، لأنه قد أطلق القول بالخلاف فيها، وترجيح القول بالعموم فيها. والصواب أن يفصّل بين عادة ترجع إلى الفعل، وعادة ترجع إلى القول؛ فما يرجع إلى الفعل يمكن أن (١) كذا في الأصل وصوابه ((هل يحمل على العرفي أو اللغوي؟)) ٣٩٥ يرجح فيه العموم على العادة، مثل أن يحرِّم بيع الطعام بالطعام، ويكون العادة بيع البَرِّ منه، فلا يخصص عموم اللفظ بهذه العادة الفعلية. وأما ما يرجع إلى القول مثل أن يكون أهل العرف اعتادوا تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتبارا بما سبق الذهن بسببه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق اللفظ العام فيقوى تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر أنه إنما يدل باللفظ على ما شاع استعماله فيه، لأنه المتبادر إلى الذهن. اهـ . وقال صاحب ((الواضح)) المعتزلي: أطلق المصنفون في الأصول أن العموم يخص بالعادات، والصحيح أن اللفظ العام يخص بالعرف في الأقوال، ولا يخص به في الأفعال، فإذا قال لغيره: اشتر دابة، فاشترى كلبا، كان مخالفا، لأن اللفظ وإن کان عاما في کل مادَبَّ إلا أن العرف قد قیده بالخیل، ولو قال اشتر لحما، فاشترى لحم كلب لم يكن مخالفا، لأن الاسم عام في كل لحم، والعرف في الفعل خاص في بعض اللحمان، فلم يخص العام بالعرف في الفعل. وقال الأبْياري: للمسألة أحوال : أحدها: أن يكون العرف عرف أهل اللسان كالدابة والغائط، فهذا لا يخص به العموم قطعا، إن قلنا: إن الشرع لم يتصرف في اللغة. وإن قلنا: إنه يتصرف ينزل منزلة عرفه، ووجب التخصيص به. الثاني: أن يكون العرف لغير أهل اللغة، ولم يكن الشرع يعرف غير عرفهم في الاختصاص، فهذا يجب أن تنزل ألفاظ الشارع على مقتضاها، إما في اللغة أو في عرف السامع، وهذا لا يتجه فيه خلاف، إذ کیف یتصور أن یکون قصد خطابهم على حسب عرفهم، وهو لا يعرفه؟ الثالث : أن يكون المخاطبون ليسوا أهل لغة ، والشارع يعرف عرفهم، ولكن لم يظهر منه خطابهم على مقتضى عرفهم، ولا يظهر منه الإضراب عن ذلك، فهذا موضع الخلاف في أنه ينزل على مقتضى عرفهم أم لا؟ الرابع: أن المخاطبين اعتادوا بعض ما يدل عليه العموم، كما لو نهى عن أكل ٣٩٦ اللحم مثلا، وكانت عادتهم أكل لحم مخصوص، فهل يكون النهي مقصورا على ما اعتادها أكله أم لا؟ هذا موضع الخلاف عند الأصوليين والفقهاء، وعليه يخرج تخصص الأيمانِ بالعرف الفعلي . تنبيهان الأول /: ادعى بعضهم أن مذهب الشافعي تخصيص العموم بالعادة الفعلية . ١٧٦/ب خلافا لما سبق عن الأصوليين، فإنه لما حمل الأمر في قوله ◌َ# في الرقيق: (وأطعمُوهم مما تأكلون، وألبسُوهم مما تلبسون) الحديث، على الاستحباب، دون الوجوب، حمل الحديث على أن الخطاب للعرب الذين كانت مطاعمهم وملابسهم متفاوتة، وكان عيشهم ضيّقا؛ فأما من لم يكن حاله كذلك، وخالف معاشه معاش السلف والعرب في أكل رقيق الطعام، ولبس جید الثياب، فلر واسی رقيقه کان أكرم وأحسن، وإن لم يفعل، فله ما قال النبي وَله: (نفقته وكسوته بالمعروف)، وهو عندنا ما عُرف لمثله في بلده الذي يكون فيه، هذا لفظ الشافعي رحمه الله. قال: فأنت تراه كيف خصص عموم لفظ النبي ◌ّير بما كانت عادتهم فعله في تلك الأزمان. قلت: إنما خصصه بقوله: نفقته وكسوته بالمعروف، وفسر المعروف بالعرف، وجَمَعَ بين الحديثين بذلك، وساعَدَه في حمل الأول عادة المخاطبين، وكلامنا في التخصيص بمجرد العادة لا بدليل خارجي، فليس في نص الشافعي ما ذكر. الثاني: التحقيق أن المخصص هو تقرير الرسول وَليل ، والعادة كاشفة عنه، وكذلك لو لم تكن العادة موجودة في عهده أو كانت، ولم يعلمها، أو علم بها ولكن لم يخص بها بالإجماع، لأن المثال السائر لا يكون دليلا من الشرع إلا مع الإجماع، وحينئذ يكون الإجماع هو المخصص لا العادة، ولا يعكر على هذا إفرادُها بمسألة التخصص بتقريره وَل عنها . ٣٩٧ [التخصيص بقَوَل الصحابي] المسألة الثانية: أن يكون الخبر عاما فيخصه الصحابي بأحد أفراده، فإما أن یکون هو الراوي له أولا . الضرب الأول: أن لا يكون هو راويه، كحديث أبي هريرة: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة). وحديث علي: (قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) وقد روي عن ابن عباس تخصيص الخيل بما يُغزى عليها في سبيل الله، فأما غيرها ففيها الزكاة، وعن عثمان تخصيصه بالسائمة، وأَخَذ من المعلوفة الزكاة، وعن عمر نحوه. فقال الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد الأسفرايني، وسليم، والشيخ في ((اللمع)): يجوز التخصيص به إذا انتشر، ولم يعرف له مخالف، وانقرض العصر عليه، لأن ذلك إما إجماع أو حجة مقطوع به على الخلاف. وأما إذا لم ينتشر في الباقين، فإن خالفه غيره فليس بحجة قطعا، وإن لم يعرف له مخالف فعلى قوله في الجديد، ليس بحجة، فلا يخص به، وعلى قوله القديم: هو حجة، تُقَدَّمُ على القياس، وهل يخص به العموم؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يخص به، لأنه على هذا القول أقوى من القیاس، وقد ثبت جواز التخصيص بالقياس، فكان بما هو أقوى منه أولى. والثاني: لا يخص، لأن الصحابة كانت تترك أقوالها لظاهر السنة. قال الشيخ أبو إسحق: والمذهب أنه لا يجوز التخصيص به . وما ذكروه من حكاية الوجهين تفريعا على القول بحجيته، حكاه القَفَّال الشاشي في كتابه أيضا، والقاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية))، ونقلهما عن ٣٩٨ أبي علي الطبري في ((الإيضاح)). وما ذكروه من تخريج القول بكونه تخصيصا على القديم فهو مبني على المشهور من مذهب الشافعي في الجديد: أن قول الصحابي ليس بحجة، لكن سيأتي - إن شاء الله تعالى - أنه منصوص للشافعي في الجديد أيضا، ولذلك اعتَقَد مذهب معمر بن نضلة في تخصيصه الاحتكار بالطعام حالة الضيق على الناس، ولم يعتقد قول ابن عباس في تخصيص المرتد بالرجل دون المرأة، ولا قول من خص نفي الزكاة عن الخيل ببعض أصنافها . اما على القول المشهور في الجديد من أن قول الصحابي ليس بحجة أو لأن غيرهم من الصحابة قد خالفوهم، فقد روي عن علي أنه قتل المرتدة، وعن عمر أنه امتنع من أخذ الزكاة عن الخيل، لما سأله أربابها ذلك، وإذا اختلفت الصحابة تعارضت أقوالهم، فبقى العام على عمومه، وما جزموا به من التخصيص إذا لم يعلم مخالف فليس كذلك، فقد ذكر القَفَّال الشاشي في هذه الحالة خلافا مَبْنِيا على الخلاف في وجوب تقليده، وفيه نظر، لأن هذه محل وفاق كما سيأتي . وقال أبو الحسين بن القَطَّان: ذهب عامة أصحابنا إلى أن تخصيص الظاهر بقول الصحابي لا يقع. وقال بعضهم: يجب أن يخص الظاهِّر به إذا قلنا بوجوب قبول قوله إذا انتشر، وإن لم يصادمه قياس، لأنا نقدمه على القياس، فإذا خص بالقياس كان بأن يخص بقوله الذي هو مقدم على القياس أولى، ثم قال الشيخ أبو حامد: فأما إذا كان الخبر غير محتمل أو عارضه قول صحابي فإنه يعمل بالخبر، ويُترك قول الصحابي. وقال أبو حنيفة: إن كان الصحابي ممن يخفى عليه الخبر عمل بالخبر، وإن كان ممن لا يخفى عليه فالعمل بقول الصحابي، ولهذا يقولون: من شرط صحة خبر الواحد أن لا يعترض عليه بعض السلف . [تخصيص الحديث بمذهب راويه من الصحابة] الضرب الثاني: أن يكون هو الراوي، كحديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن لفظة: ((مَنْ)) عامة في المذكر والمؤنث، وقد روي عن ابن عباس أن ٣٩٩ المرأة إذا ارتدت تحبس ولا تقتل، فخص الحديث بالرجال، فإن قلنا: قول الصحابي حجة، خص على المختار . وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): وقد نُسِبَ ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه، ونقل عنه أنه لا يخصَّصُ به، إلا إذا انتشر في هذا العصر، ولم ينكره، وجعل ذلك نازلا منزلة الإجماع. وإن قلنا: قوله: غير حجة فهو موضع الخلاف . والصحيح: أنه لا يخص به، خلافا للحنفية والحنابلة. وشبهتهم أن الصحابي العدل لا يترك ما سمعه من النبي ◌َّي ، ويعمل بخلافه إلا لنسخٍ ثبت عنده، ولنا أن الحجة في اللفظ وهو عام. وتخصيص الراوي لا يصلح أن يكون معارضا، لأنه يجوز أن يكون خصه بدليل لا يوافق عليه لو ظهر، فلا يترك الدلالة اللفظية المحققة لمحتمل . قال ابن دقيق العيد: وقد يخالف في هذا ويقول: إن القرائن تخصص العموم، والراوي يشاهد من القرائن ما لا يشاهده غيره، وعدالته وتيقظه مع علمه بأن العموم مما لا يخص إلا بموجب مما يمنعه أن يحكم بالتخصيص إلا بمستند، وجهالته دلالة ما ظنه مخصصا على التخصيص يمنع منه معرفته باللسان، وتيقظه. اهـ . وجزم الأستاذ أبو منصور، والشيخ في ((شرح اللمع)) في هذا الضرب بأن مذهبه لا يخصص عموم الحديث. وقال سليم: لا يخصه على القول الجديد، وكلام من ١/١٧٧ جزم محمول على التفريع على هذا القول، فإن تخريج المسألة / على أن قول الصحابي حجة أم لا؟ لا فرق فيه بين أن يكون هو الراوي له أم لا ، لأن تخصيصه يدل على أنه اطلع من النبي عليه السلام على قرائن حالية تقتضي التخصيص؛ فهو أقوى من التخصيص بمذهب صحابي آخر لم يَرْوِ الخبر، ولعله لم يبلغه، ولو بلغه لم يخالفه بإخراج بعضه . وإلى هذه الأولوية يرشد كلام ابن الحاجب في ((المختصر)) بقوله: مذهب الصحابي لا يخصص، ولو كان الراوي، خلافا للحنفية والحنابلة. واختاره الآمدي والرازي، وفَصَّل بعضهم، فقال : إن وجد ما يقتضي تخصيصه به، لم ٤٠٠