النص المفهرس

صفحات 361-380

الثالث: الدليل السميعى
وفيه مباحث: الأول في تخصيص المقطوع بالمقطوع
وفيه مسائل : الأولى : يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب
في قول جمهور/ الأمة، خلافا لبعض الظاهرية المتمسكين بأن المخصِّص بيان ١٧١/ ب
للمراد باللفظ، فيمتنع أن يكون بيانه إلا من السنة، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس
ما نزل إليهم﴾ [سورة النحل/٤٤] ولنا أنه وقع، لأن الله تعالى قال: ﴿والمطلقات
يتربصن﴾ الآية [سورة البقرة/ ٢٢٨]، وهي عامة في الحوامل وغيرهن، فخص
أولات الحمل بقوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [سورة
الطلاق/٤] وخص به أيضا المطلقة قبل الدخول بقوله: ﴿فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها﴾ [سورة الأحزاب / ٤٩].
وما قالوه مُعارض بقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيءٍ﴾ [سورة
النحل/٨٩] والجمع بين الآيتين أن البيان تحصَّل من الرسول عليه السلام، وذلك
أعم أن يكون منه أو على لسانه.
وقال الشريف الْمُرْتَضَى في ((الذريعة)): الخلاف يرجع إلى اللفظ، والمخالف
يسمى التخصيص بيانا(١).
الثانية : يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها، والخلاف فيه أيضا، وحكى الشيخ
أبو حامد عن داود أنهما يتعارضان، لا ينبىء أحدهما عن الآخر. وقال القاضي
عبد الوهاب: منع قوم تخصيص السنة بالسنة. لأن الله تعالى جعله مبيِّنا، فلو
احتاجت إلى بيان لم يكن للرد إليه معنى .
(١) لعل الصواب ((لا يسمى الخ))
٣٦١

الثالثة: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة، قولا واحدا بالإجماع، كما حكاه
الأستاذ ابو منصور. وقال الآمدي: لا أعرف فيه خلافا، لكن حكى بعضهم في
الفعلية خلافا. وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: لا خلاف في ذلك، إلا ما
يحكى عن داود في إحدى الروايتين. وقال ابن كُج: لا شك في الجواز، لأن الخبر
المتواتر. يوجب العلم كما أن ظاهر الكتاب يوجبه .
وألحَقَ الأستاذ أبو منصور بالمتواتر الأخبار التي يقطع بصحتها. كتخصيص آية
المواريث بحديث: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) وهو مثال للقولية .
ومثلوا للفعلية بأن قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ [سورة النور / ٢] مخصوص بما تواتر
عندهم من رجم المحصن .
تنبيه
كلام الشافعي في ((الرسالة)) يقتضي أن السنة لا تخص القرآن إلا إذا كان فيه
احتمال التخصيص، فإنه قال فيها: ولا يقال خاص حتى تكون الآية تحتمل أن
يكون أريد بها الخاص، فأما إن لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية،
وهو الثابت في الحديث، أنه يؤخذ من كل حالم دينار(١)، وهو نظير قوله في نسخ السنة
القرآن .
الرابعة: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب عند الجمهور، وعن بعض فقهاء
أصحابنا المنع، وعن أحمد روايتان. قال ابن برهان: وهو قول بعض المتكلمين.
وقال مكحول، ويحيى بن أبي كثير: السنة تقضي على الكتاب، والكتاب لا يقضي
على السنة .
(١) كذا في الأصل ولا يظهر وجه ارتباطه بما قبله. ولعل قلم الناسخ نقله خطأ مما يأتي من كلام ابن
حزم بعد صفحة، بعد قوله ((اراد جزية معلومة)).
٣٦٢

تنبيه
سيأتي في باب النسخ من كلام الشافعي أن السنة لا ينسخها القرآن إلا إذا كان
معها سنة تبين أنها منسوخة، وإلا خرجت السنن عن أيدينا، فيحتمل أن لنا هنا
اشتراطه، ويحتمل خلافه، والفرق أن النسخ رفع فهو أقوى من التخصيص .
الخامسة: يجوز تخصيص عموم الكتاب، وكذا السنة المتواترة بالإجماع لأنه لا
يمكن الخطأ فيه، والعام يتطرق إليه الاحتمال. قال الآمدي: لا أعرف فيه خلافا،
وكذا حكى الإجماع عليه الأستاذ أبو منصور. قال: ومعناه أن يعلم بالإجماع أن
المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ظاهره، وفي الحقيقة يكون التخصيص بدليل
الإجماع، لا بنفس الإجماع، لكن حكى الإمام ابن القشيري الخلاف ههنا،
فقال: يجوز التخصيص بالإجماع على معنى أنه إذا ورد لفظ عام، واتفقت الأمة
على أنه لا يجري على عمومه ، فالإجماع مخصص له كما قلنا في دليل العقل.
والمخالف في تلك المسألة يخالف في هذه، وقد بينًا أن الخلاف لفظي .
وقال أبو الوليد الباجي: يجوز التخصيص بالإجماع، فإذا أجمعوا على أن ما رفع
عن العام خارج منه، وجب القطع بخروجه، وجوّزنا أن يكون تخصيصا، وأن
یکون نسخا. انتهى.
وفيما ذكره من احتمال النسخ نظر .
وقال القَرَافي: الإجماع أقوى من النص الخاص، لأن النص يُحتمل نسخه،
والإجماع لا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي. وجعل الصَّيْرفي من أمثلته
قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا﴾ [سورة الجمعة/٩] قال:
وأجمعوا على أنه لا جمعة على عبد ولا امرأة. ومثّله ابن حزم بقوله تعالى: ﴿حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [سورة التوبة/٢٩] واتفقت الأمة على أنهم إن
بذلوا فلسا أو وسين لم يجز بذلك حقن دمائهم، كما (١) قال: ((الجزية)) بالألف
واللام علمنا أنه أراد جزية معلومة(٢).
(١) لعل الصواب: فلما.
(٢) لعل كماله ((وهو الثابت في الحديث أنه يؤخذ من كل حالم دينار))
٣٦٣

البحث الثاني
في تخصيص المقطوع بالمظنون
وفيه مسائل : الأولى : يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند
الجمهور(١)، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، فإن الخبر يتسلط على فحواه، وفحواه
غير مقطوع به. قال إمام الحرمين: ومَن شك أن الصِّديق لو روى خبرا عن
المصطفى عليه السلام في تخصيص عموم الكتاب لابتّدَرَهُ الصحابة قاطبة بالقبول،
فليس على دراية في قاعدة الأخبار(٢).
واحتج ابن السَّمْعاني في باب الأخبار على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا
قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [سورة النساء/١١] بقوله عليه السلام: (إنا
معشر الأنبياء لا نورث) فإن قالوا: إن فاطمة (رضي الله عنها) طلبت الميراث؟
قلنا: إنما طلبت النحلى(٣) لا الميراث. وخصّ الميراث بالمسلمين عملا بقوله عليه
الصلاة والسلام: (لا يرث المسلم الكافر). وخصوا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع
وحرم الربا﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] [بما ورد] عن أبي سعيد في بيع الدرهم بالدرهمين.
وخصوا قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة/٥] بخبر عبد الرحمن بن عوف
في المجوس: «سنوا [بهم سنة] أهل الكتاب)» والمجوس مشركون . .
(١) ذكر في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ستة أقوال، هذا أولها .
(٢) العبارة في الأصل هكذا: فليس على دراية من قاعدة على الأخبار. والتصويب من البرهان
للجويني.
(٣) النُحْلَى على وزن فُعْلَى العطية كما في اللسان، وقد صحف الكلمة ناسخ الباريسية فكتبها ((المتجلى))
وفي القاهرية ((المنحل)).
٣٦٤

-
وأما قول عمر (رضي الله عنه): لا ندع كتاب الله ولا سنة نبينا لقول امرأة.
فيحتمل أن يكون معناه لا ندع كتاب نبينا نسخا، فإنه لا يقال لمن خص آية من
القرآن: إنه ترك القرآن، وإنما يقال ذلك لمن ادعى النسخ. انتهى .
والقول الثاني: المنع مطلقا، وبه قال بعض الحنابلة، كما حكاه أبو الخطاب.
ونقله الغزالي في ((المنخول)) عن المعتزلة، لأن الخبر لا يقطع بأصله بخلاف
القرآن، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء. ونقله أبو الحسين بن
القَطّان عن طائفة من أهل العراق، وأنهم لأجله منعوا الحكم بالقرعة، وبالشاهد
واليمين. ولنا أن اللّه تعالى أمرنا باتباع نبيه، ولا فرق بين أن يكون مخصصا للظاهر
أو مبتدئاً، ولا معنى لإمكان التخصيص مع القول بحجيّة خبر الواحد.
قال أهل العراق [به] في الجملة وخالفونا في التفصيل، فقالوا: وقوله تعالى:
﴿وأحلّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [سورة النساء / ٢٤] إنه مخصوص بقوله عليه الصلاة
والسلام: (لا تنكح المرأة على عمتها). وهو خبر واحد، وكذا قوله تعالى : ﴿قل
لا أجد فيما / أوحي إليَّ محرما﴾ الآية. [سورة الأنعام / ١٤٥] فقالوا: بتحريم أكل كل ٢/١٧٢
ذي ناب من السباع.
الثالث : التفصيل بين ما دخله التخصيص، وما لم يدخله ، فإن لم يدخله يبقى
على حقيقته، وما دخله بقي مجازا ، وضعفت دلالته، ونقلوه عن عيسى بن أبان.
وهو مشکل بما سبق عنه من أن العام المخصوص ليس بحجة، لأنه إذا كان حجة
لم يبق للقول بتخصيصه فائدة، إذ فائدة التخصيص بيان أن الصورة المخصوصة لا
يتناولها حكم العموم، والتقدير: لم يبق له حكم، أو له حكم مجمل غير معلوم،
فيحتاج إلى البيان، فكيف يجتمع القول بكونه لا يبقى حجة، مع قوله بجواز
تخصيصه بخبر الواحد !!
وقد حكى إمام الحرمين في ((التلخيص من كتاب التقريب)) عنه أنه إن خص
بقطعي جاز تخصيص باقيه بخبر الواحد، وإلا فلا يجوز افتتاح تخصيصه به. ثم
قال: وهذا مبنيّ على أصلٍ له قدمناه، وهو أن العموم إذا خص بعضه صار مجملا
في بقية المسميات لا يسوغ الاستدلال به فيها. فجعل الخبر على التحقيق مُثْبتاً
٣٦٥

حكما ابتداء، وليس سبيله سبيل التخصيص إذا حقّقته، فإنه لا يجوز الاستدلال
باللفظ المجمل في عموم ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده. انتهى .
ولم أر ذلك في ((التقريب)) للقاضي، وإنما حكي عنه تجويز تخصيص العام الذي
أجمع على تخصيصه ، أو قام الدليل على تخصيصه بكل وجه، لأنه يصير
بالتخصيص حينئذ مجملا ومجازاً، فيجوز لذلك إعمال خبر الواحد في تخصيص
أشياء أخر منه .
ونحوه قول الشيخ أبي حامد عن أبي حنيفة : إن كانت الآية العامة دخلها
التخصيص جاز تخصيصها بخبر الواحد، لأنها تصير بالتخصيص كالمجملة،
فيكون ذلك كالبيان، وبيان المجمل بخبر الواحد يجوز .
وقال في ((المحصول)): فأما قول عيسى بن أَبَان والكَرْخي فيبنيان على حرف
واحد، وهو أن العام المخصوص عند عيسى مجاز، والمخصوص بالدليل المنفصل
عند الكَرْخِي مجاز، وإذا صار مجازا صارت دلالته مظنونة، ومَتنَه مقطوع، وخبر
الواحد متنه مظنون ودلالته مقطوعة، فيحصل التعادل. فأما قبل ذلك فإنه حقيقة
في العموم، فيكون قاطعا في متنه ودلالته، فلا يرجّح عليه المظنون .
وهذا المأخذ الذي ذكروه تردَّدَ فيه أبو بكر الرازي في أصوله، فقال: إن لم يثبت
خصوصه بالاتفاق، لم يجز تخصيصه، وإلا فإن ثبت واحتمل اللفظ معاني واختلف
السلف فيها، وكان اللفظ يفتقر إلى البيان جاز تخصيصه، وتبيينه بخبر الواحد .
قال: وهذا عندي مذهب أصحابنا، وعليه تدل أصولهم ومسائلهم، واحتج
بكلام عيسى بن أبان ، وذكره. قال: فنص عيسى على أن ظاهر القرآن الذي لم
يثبت خصوصه بالاتفاق لا يخص بخبر الواحد، ثم قال: ويحتمل أن يكون قال
ذلك لأنه كان من مذهبه أن العام إذا خص سقط الاستدلال به فيما عدا
المخصوص على ما كان يذهب إليه الكَرْخي؛ ويحتمل أن يكون مذهبه القول
بعموم اللفظ فيما عدا المخصوص، لأنه أجاز تخصيص الباقي مع ذلك بخبر
الواحد؛ لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق مما سوِّغ الاجتهاد في ترك حكم اللفظ لأنه
٣٦٦
1

٠
صار مجازا، أما إذا كان اللفظ محتملا لمعان فيقبل خبر الواحد في إثبات المراد
به . انتھی .
ونقل الأستاذ أبو منصور عن عيسى أنه لا يجوز أن يخص عموم القرآن بخبر
الواحد إلا أن يكون قد خص بالإجماع فيُزادُ في تخصيصه بخبر الواحد. قال:
وقال: وإن كانت الآية مجملة، واختلف السلف في تأويلها، قُبلَ خبر الواحد في
تفسيرها وتخصيصها.
وقال بعض المحققين من الحنفية: لا خلاف بين أصحابنا في أن العام إذا خص
منه شيء بدليل مقارن جاز تخصيصه بعد ذلك متراخيا، وأما العام الذي لم يخص
منه شيء فلا يجوز تخصيصه ابتداء بدليل يتأخر عنه عند الشيخ أبي الحسن
الكرخي، وعامة المتأخرين من أصحابنا، وعند بعض أصحابنا وأكثر الشافعية
يجوز تخصيصه متراخيا ابتداء ، كما يجوز متصلا.
قال: والمراد بعدم جواز التخصيص بالمتأخر أن المتأخر لا يكون بيانا، فإن المراد
من العام بعضه ابتداء كما هو شأن التخصيص؛ بل يكون ناسخا لبعض أفراد
العام بإخراجه عن حكم العام؛ بل بعد ثبوت الحكم فيه مقتصرا على الحال.
الرابع : إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز، وإن كان بمتصل فلا، قاله
الكَرْخي، لأن تخصيصه بمنفصل يصيّره مجازا على مذهبه، فتضعف دلالته، وهذا
المذهب وما قاله مبني على أن دلالة العام على أفراده قطعية، فإن قلنا: ظنية جاز
التخصيص به، ولهذا قال ابن السمعاني: ما قاله ابن أبان مبني على أصل له لا
نوافقه عليه .
الخامس : يجوز التعبّد بوروده، ويجوز أن يَرِد، لكنه لم يقع، حكاه القاضي في
((التقريب)) وحكى قولا آخر أنه لم يَرِدْ؛ بل ورد المنع منه .
السادس : الوقف . ثم قيل : بمعنى لا أدري. وقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في
ذلك القدر الذي دل العموم على إثباته والخصوص على نفيه، ويجري اللفظ العام
٣٦٧

من الكتاب في بقية مسمياته، لأن الكتاب أصله قطعي، وفحواه مظنون، وخبر
الواحد عكسه، فيتعارضان، فلا رجحان، فيجب الوقف.
وهذا قول القاضي أبي بكر في ((التقريب))، وحكاه عنه إمام الحرمين في
((التلخيص)) وإلكِيا الطبري. وقال: هو متجه جدا، ولكن الصحيح الجواز،
لإجماع الصحابة عليه في مسائل، كنفي ميراث القاتل بقوله: (لا يرث القاتل)، مع
قوله: ﴿يوصيكم الله) [سورة النساء/١١] والنهي عن الجمع بين [المرأة وعمتها] مع
قوله ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [سورة النساء/ ٢٤] إلى غير ذلك. وغاية المخالف أن
يقول: لعل الخبر كان متواترا عندهم، ثم استغنى عنه فصار آحادا، فقيل لهم: قد
روى الصديق؛ (إنا معشر الأنبياء لا نورثٍ) وطَرَحوا به ميراث فاطمة (رضي الله
عنها)، فقالوا: كانوا عَلِمُوا ذلك، وإنما ذكّرهم الصديق. قلنا: لو كان متواترا لم
يَخْفَ على فاطمة. اهـ .
تنبيهان
الأول : يجب على أصل القاضي أن يجزم بالتخصيص، لأن القياس عنده مساو
لعموم الكتاب لوقوفه في تخصيصه له كما سيأتي، فكيف يساوي هو ما دونه؟ .
الثاني : ذكر ابن السمعاني أن الخلاف في أخبار الآحاد التي [لا] تجمع الأمة
على العمل بها، أما ما أجمعوا عليه، كقوله: (لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث)
وكنهيه عن الجمع، فيجوز تخصيص العموم به قطعا، ويصير ذلك كالتخصيص
بالمتواتر لانعقاد الإجماع على حكمها، ولا يضير عدم انعقاده على روايتها. وقد
سبق في كلام الأستاذ أبي منصور ذلك أيضا، فإنه ألحق هذا القسم بالمتواتر. وقال
٣٦٨

ابن كُج في كتابه: خبر الواحد يخص به ظاهر الكتاب عندنا، إذا كان لم يُجْمَعْ .
تخصيصه كآية الرضاع، فإن أجمع على تخصيصه جاز أن يقضي عليه بخبر الواحد
فيما عدا ما أجمعوا عليه. كآية السرقة. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز .
الثانية(١): يجوز تخصيص السنة المتواترة بخبر الواحد/، ويجرى فيه الخلاف ١٧٢/ب
السابق، كما صرح به القاضي في ((التقريب)) وإمام الحرمين في ((البرهان)) وغيرهما،
فإنكار مَن أنكر على البيضاوي ذلك غلط .
فرع :
هل يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقراءة الشاذة ؟ لم أر فيه نصا،
وينبغي تخريجه على الخلاف في حجيّتها، فإن قلنا: ليست بحجة امتنع، أو حجة
فكخبر الواحد. ثم رأيت في كتاب أبي بكر الرازي تجويزه إذا اشتهرت
واستفاضت. قال: ولهذا أخذنا بقراءة ابن مسعود متتابعات، ومنَعْنَا به إطلاق ما
في باقي الآية. فإن لم يكن كذلك لم يجز كالخبر سواء .
الثالثة : يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس عند الأئمة
الأربعة. وقال ابن داود في ((شرح المختصر)): إن كلام الشافعي يصرح بالجواز.
وحكى القاضي من الحنابلة عن أحمد روايتين. وبه قال أبو الحسين البصري،
وأبو هاشم آخرا. وحكاه الشيخ أبو حامد، وسليم عن ابن سُرَيْج أنه يجوز من
طريق العموم لا القياس، بناء على رأيه في جواز القياس في اللغة. وبهذا كله يعلم
أن ما نقله المتأخرون عن ابن سُرَيْج ليس بصحيح .
وكذلك حكوا القول بالجواز مطلقا عن الأشعري، وأنكره بعضهم، وليس
كذلك. فإن إمام الحرمين في ((مختصر التقريب)) حكاه هكذا عن الأشعري ،
وحكى القاضي في ((التقريب)) عن الأشعري قولين في المسألة .
وقال سليم الرازي: لا يتصور التخصيص على مذهب الأشعرية، لأن اللفظ
غير موضوع للعموم، وإنما هو مشترك كما تقرر، فإذا دل الدليل على أنه أريد به
(١) أي المسألة الثانية من مسائل تخصيص المقطوع بالمظنون .
٣٦٩

أحد الأمرين لم يكن تخصيصا، وإنما هو بيان ما أريد به اللفظ. انتهى .
وكذا نقله القاضي في ((التقريب)) عن القائلين بإنكار الصيغ، واختاره الإمام
فخر الدين في ((المحصول))، ولذلك استدل على ترجيحه حيث قال: لنا أن العموم
والقياس ... الخ، لكنه اختار في ((المعالم)) المنعَ، وأطنب في نصرته، وهذا الكتاب
موضوع الاختياراته، بخلاف ((المحصول)) فإنه موضوع لنقل المذاهب، وتحرير
الأدلة؛ ثم إنه صرح في ((المحصول)) في أثناء المسألة بأن الحق ما قاله الغزالي فيها
سيأتي في السادس.
والثالث(١): المنع مطلقا. قاله أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم ثم رجع ابنه
ووافق الجمهور. ونقله الشيخ أبو حامد وسليم عن أحمد بن حنبل، وإنما هي
رواية عنه، قال بها طائفة من أصحابه؛ ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين،
قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): منهم ابن مجاهد من أصحابنا. ونقله القاضي في
((التقريب)) عن الشيخ أبي الحسن أيضا، ونقله الشيخ أبو إسحق في ((اللمع)) عن
اختيار القاضي أبي بكر الأشعري، وليس كذلك لما سيأتي.
وقال بعض المتأخرين: إنه ظاهر نص الشافعي في ((الأم)). وقال الشيخ
أبو حامد: زعموا أن الشافعي نص عليه في ((أحكام القرآن))؛ فإنه قال: إنما
القياس الجائز أن يشبَّه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم، فأما أن يعمد إلى
حديث عام فيحمل على القياس، فأين القياس في هذا الموضع؟ إن كان الحديث
قياسا فأين المسمى؟
قال: فقد ذكر الشافعي أن القياس لا يعمل في الحديث العام، وإنما يعمل في
أنه يبتدأ به الحكم في موضع لا يكون فيه حديث ، أو قياس على موضع فيه
حديث. فدل على أن مذهبه منع التخصيص بالقياس .
ورده الشيخ أبو حامد، وقال: قد ذكر الشافعي في ((الأمّ)) قول الله تعالى:
(١) الصواب أن هذا هو الثاني لا الثالث. فالمذهب الأول هو الجواز مطلقا، والثاني هو هذا، وهو المنع
مطلقا .
٣٧٠

فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [سورة
الطلاق/٢] واحتمل أمره تعالى في الإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب، كقوله
عليه الصلاة والسلام: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) واحتمل أن يكون على
الندب، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾. [سورة البقرة/٢٨٢]. وقال
الشافعي: لما جمع الله بين الطلاق وبين الرجعة ، وأمر بالإشهاد فيهما، ثم كان
الإشهاد على الطلاق غير واجب، كذلك الإشهاد على الرجعة .
قال الشيخ أبو حامد: قد قاس الشافعي الإشهاد على الرجعة على الإشهاد على
الطلاق، وخص به ظاهر الأمر بالإشهاد إذا ظاهر الأمر الوجوب.
قال: وأما الكلام الذي تعلق به ذلك القائل ، فلم يقصد الشافعي منع
التخصيص بالقياس ، وإنما قصد أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس. وذلك أنه ذكر
هذا في مسألة النكاح بلا وليّ ، فَرَوَى حديث: (أيما امرأة نكحت)، ثم حكى عن
أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: العلة في طلب الولي أنه يطلب الحظ للمنكوحة،
ويضعها في كفء، فإذا تولت هي ذلك لم يُحتَج إلى الولي. فقال الشافعي: هذا
القياس غير جائز، لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث فيسقطه، فإن ما ذكروه يُفضي إلى
سقوط اعتبار الوليّ . وذلك يسقط نص الخبر، واستعمال القياس هنا لا يجوز،
وإنما يجوز حيث يخص العموم . انتهى .
وحاصله أن استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال لا يجوز، وهو ما ذكره
الشافعي، وليس مراده تخصيص العموم بالقياس ، فإن ذلك لا يبطل العموم.
المذهب الثالث : إن تطرق إليه التخصيص بدليل قطعي خص به وإلا فلا.
وحكاه القاضي في ((التقريب)) عن عيسى بن أبان، وكذا الشيخ أبو إسحق في
(اللمع))، وحكى الإمام عنه إن تطرق إليه التخصيص بغير القياس جاز، وإلا
فلا، وكذا حكاه الشيخ في ((اللمع)) عن بعض العراقيين .
الرابع : إن تطرق إليه التخصيص بمنفصل جاز ، وإلا فلا، قاله الكرخي. وقال
أبو بكر الرازي: كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، لا يجوز تخصيصه بالقياس
لأن خبر الواحد مقدم على القياس، فما لا يخصه أولى أن لا يُخَصَّ بالقياس. وقال:
٣٧١

هذا مذهب أصحابنا، ونقله عن محمد بن الحسن، لأن كل ما ثبت بوجه قطعي لا
يرتفع إلا بمثله.
وقال أبو زيد في (التقويم)): لا يجوز عندنا تخصيص العام ابتداء بالقياس،
وإنما يجوز إذا ثبت خصوصه بدليل يجوِّز رفع الكل لها من خبر تأيد بالإجماع أو
الاستفاضة، لم يقع الإشكال في صارفه أنها من جنس دخل تحت الخصوص، أو
من جنس ما بقي تحت العموم، فيتعرَّف ذلك بالقياس.
الخامس: إن كان القياس جليًّا جاز التخصيص به، وإن كان قياس شبّهٍ أو علّة
فلا، نقله الشيخ أبو حامد وسليم في ((التقريب)) عن الإصْطَّخْرِي، زاد الشيخ
أبو حامد: وإسماعيل بن مروان من أصحابنا. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي
القاسم الأنماطي، ومبارك بن أبان وابن علي الطبري .
وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني القياس إن كان جليا مثل: ﴿فلا تقل لهما
أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء/٢٣] جاز التخصيص به بالإجماع. وإن كان واضحا، وهو
١/١٧٣ المشتمل على جميع معنى الأصل، كقياس الربا، فالتخصيص به جائز في قول/
عامة أصحابنا، إلا طائفة شذت لا يعتد بقولهم. وإن كان خفيًّا وهو قياس علة
الشبه فأكثر أصحابنا أنه لا يجوز التخصيص به. ومنهم من شذ فجوّزه.
وقال ابن كج: قياس الأصل وقياس العلة لا يختلف المذهب أن التخصيص
بهما سائغ جائز، وعليه عامة الفقهاء، ومنعه داود؛ وأما قياس الشبه فاختلف فيه
أصحابنا على وجهينٍ، ثم نبّه على أن المراد بالتخصيص بالقياس أنّ ما دخل تحت
العموم في اللفظ بين القياس أن ذلك لم يكن داخلا في اللفظ، لا أنه دخل في
المراد، ثم أخرجه القياس؛ لأن ذلك يكون نسخا، ولا يجوز نسخ القرآن
بالقياس .
وقال الأستاذ أبو إسحاق وأبو منصور : أجمع أصحابنا على جواز التخصيص
بالقياس الجلي، واختلفوا في الخفي على وجهين؛ والصحيح الذي عليه الأكثرون
جوازه أيضا. وكذا قال أبو الحسين بن القطان والماوَرْدي والرُّؤْياني في باب
القضاء. وذكر الشيخ أبو إسحق أن الشافعي نص على جواز التخصيص بالخفي
٣٧٢

في مواضع، ثم اختلفوا في الجلي وهو الذي قضى القاضي بخلافه. وقيل: هو
قياس المعنى، والخفي قياس الشبه. وقيل: ما تتبادَرُ علّته إلى الفهم مثل: (لا
يقضي القاضي وهو غضبان) .
السادس : إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى، فيرجح العام
بظهور قصد التعميم فيه، ويكون القياس المعارض له قياس شبه، ويرجح القياس
بالعكس من ذلك. فإن تعادَلا فالوقف، وهو مذهب الغزالي، واختاره المُطَرِّزِي في
((العنوان))، واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حقٍ، وكذا قال الشيخ
الأصفهاني شارح ((المحصول))، وابن الَأَنْباري، وابن التِّلْمِسَاني، واستحسنه
القَرَافي والقرطبي، وقال: لقد أَحْسَنَ في هذا الاختيار أبو حامد، فكم له عليه من
شاکر وحامد .
وقال الشيخ في ((شرح العنوان)): إنه مذهب جيّد، فإن العموم قد تضعُفُ
دلالته لبعد قرينته، فيكون الظن المستفاد من القياس الجلي راجحا على الظن
المستفاد من العموم الذي وصفناه، وقد يكون الأمر بالعكس، بأن يكون العموم
قوي الرتبة، ويكون القياس قياس شبه، والقاعدة الشرعية: أن العمل بأرجح
الظنين واجب .
واعلم أن هذا الذي قاله الغزالي ليس مذهبا، ولم يقله الرجل على أنه مذهب
مستقل، فتأمل ((المستصفى)) تجد ذلك. ولا يقول أحد: إن الظن المستفاد من
العموم أقوى، ثم يقول: القياس تخصيص أو بالعكس، ولا خلاف بين العقلاء
أن أرجح الظنين عند التعارض معتبر، والوقوف عند الْمُسْتوي ضروري، إنما
الشأن في بيان الأرجح ما هو؟ ففريق قالوا: إن الأرجح العموم، فلا يخص
بالقياس، وهو الإمام في ((المعالم))، وقوم قالوا: الأرجح القياس، فيخص العموم.
والقولان عن الأشعري، كما حكاه القاضي في التقريب .
السابع : الوقف في القدر الذي تعارضا فيه، والرجوع إلى دليل آخر سواها، وهو
مذهب الغزالي، واختاره إمام الحرمين، والغزالي في ((المنخول))، وإلْكِيا الطبري.
قال: ولا يظهر فيه دعوى القطع من الصحابة بخلافه في خبر الواحد. وهذا
٣٧٣

المذهب شارَك القول بالتخصيص من وجه، وباينه من وجه، أما المشاركة فلأن
المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج، والواقف يقول به؛ وأما
المباينة، فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس، والواقف لا يحكم به.
الثامن: إن كانت العلة منصوصة ومجمعا عليها جاز التخصيص به وإلا فلا، قاله
الآمدي .
التاسع: إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من عام، جاز التخصيص به، وإلا
فلا .
العاشر : إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من غير ذلك العموم جاز التخصيص
به. وإلا فلا. وهذا يخرج من كلام إمام الحرمين، فإنه قال في ((النهاية)) في باب بيع
اللحم بالحيوان: لا يمتنع التصرف في ظاهر القرآن بالأقيسة الجلية، إذا كان
التأويل مساغا لا ينبو نظر المنتصب عنه، والشرط في ذلك أن يكون القياس صَدَر
عن غير الأصل الذي فيه ورد الظاهر، فإن لم يتجه قياس من غير مورد الظاهر لم
يجز إزالة الظاهر بمعنى يستنبط منه، يتضمن تخصيصه وقصره على بعض
المسميات، كما في جواز الأبدال في الزكوات. قلت: وهو معنى قولهم لا يستنبط
من النص معنى يخصصه، وهذا يصلح تقييدا للجواز، لا مذهبا آخر.
وعبارة الماوَرْدي والرُّوياني في المسألة أن القياس الجلي، وهو ما يعرف من ظاهر
النص بغير استدلال، كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء/٢٣] يدل
على تحريم الضرب قياسا على الأصح، فيجوز تخصيص العموم به قطعا، والقياس
الظاهر كالمعروف بالاستدلال كقياس الأمة على العبد في السِّراية وفي العتق،
فيجوز التخصيص به عند أكثر أصحابنا، ومنعه بعضهم، لخروجه عن الخلاف
بالإشكال .
وقال شارح ((اللمع)): الجلي يجوز التخصيص به قطعا، وأما الخفي فإن كان
مستنبطا من الأصل لم يجز تخصيصه به قطعا، كعلة الحنفية في الربا أنه الكيل،
فإنهم استنبطوها من حديث عُبَادَةَ، وهو عام في القليل والكثير، والعلة التي
استنبطوها توجب التخصيص فيما لا يمكن كيله، فلا يجوز، لأنه يعترض الفرع
٣٧٤

على أصله، وهو لا يصح، وإن كان غير مستنبط من الأصل جاز .
تنبيهات
الأول : أطلق أكثر الأصوليين ترجمة المسألة، لكن محل الخلاف ليس القياس
المعارض للنص العام مطلقا، فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على عموم
النص، وهو ما إذا كان حكم الأصل الذي يستند إليه حكم الفرع مقطوعا به،
وعلته منصوصة أو مجمعا عليها مع تصادقهما في الشرع من غير صارف قطعا، فهذا
النوع من القياس لا يتصور الخلاف فيه في أنه يُخَصَّصُ به عموم النص، فيجب
استثناء هذه الصورة من ترجمة المسألة، وقد أشار إلى ذلك الأبْياري شارح
((البرهان)) وغيره.
وجعل الغزالي محل الخلاف في قياس النص الخاص، وقضيته أنه لو كان قياس
نص عام لم يُخَصَّ به، بل يتعارضان، كالعمومين، ويشكل عليه المذهب الثاني .
وقال الصفي الهندي: هذا كله في القياس المستنبط من الكتاب، أو من السنة
المتواترة بالنسبة إلى عموم الكتاب، أو عموم السنة المتواترة، أو عموم خبر الواحد؛
فأما القياس المستنبط من خبر الواحد بالنسبة إلى عموم خبر الواحد فعلى الخلاف
السابق أيضا، وأما بالنسبة إلى عموم الكتاب، فيترتب على جواز تخصيصه بخبر
الواحد، فمن لا يجوِّز ذلك لا يُجُوِّز تخصيصه بالقياس / المستنبط منه بطريق ١٧٣/ب
الأولى؛ وأما من يُجُوِّز ذلك، فيحتمل أن لا يُجُوِّز ذلك لزيادة الضَّعْف، ويحتمل أن
يُوِّز ذلك أيضا كما في القياس المستنبط من الكتاب، إذ قد يكون قياسه أقوى من
عموم الكتاب، بأن يكون قد تطرق إليه تخصيصات كثيرة، ويحتمل أن يتوقف فيه
لتعادلهما، إذ قد يظهر له ذلك.
الثاني: مَثَّل القَفَّل الشاشي للتخصيص بالقياس بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني
فاجْلدُوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾[سورة النور/ ٢]، وقوله في الإماء: ﴿فإذا
أُحْصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [سورة
٣٧٥

النساء/٢٥] فدلت هذه الآية على أن الأمّةَ لم تدخل في عموم من أمر بجلدها مائةً من
النساء، ثم قيس العبد على الأمّة، فجعل حَدُّهُ خمسين جلدة. فكانت الأمة
مخصوصة، والعبد مخصوص من جملة قوله: ﴿والزاني﴾ بالقياس على الأمة.
قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها
خير﴾ [سورة الحج/ ٣٦] إلى قوله: ﴿فكلوا منها﴾ [سورة الحج / ٣٦] فاحتملت إباحة
الأكل في جميع الهَدْى، واحتمل في البعض، وأجمعوا على أن هدْىَ جزاءِ الصيد لا
يجوز الأكل منه؛ فكان هذا مخصوصا بالإجماع، واختلفوا في هَدى المتعة، فذهب
أصحابنا إلى تحريم الأكل، وخالفهم غيرهم، فكأن الوجه عندنا في ذلك أنه
واجب، كوجوب جزاء الصيد، ووجوب ما ينذر المرء إخراجه من ماله، فقيس
المختلف فيه من ذلك على المجمع عليه، لاجتماعهما في المعنى، وهو الوجوب،
وكان جزاء الصيد خارجا من العموم بالإجماع، وهَدى المتعة والقِرَان مخصوص
بالقياس على ذلك، وتبعه ابن السَّمعاني في ذلك.
ومثّله القاضي أبو الطيب الطبري بأن الصبي الذي لا يجامع مِثْلُهُ إذا مات،
والمرأة حامل لا تعتد منه، لأنه حَمْل لا يمكن أن يكون من زوجها، ومنفي عنه
قطعا، فلا تعتد منه، قياسا على الحمل الحادث بعد وفاته، فيخصص بهذا القياس
عموم: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [سورة الطلاق/٤].
الثالث: أن الخلاف في أصل هذه المسألة اختلفوا فيه، هل هو من جنس
الخلاف في القطعيات، أو من المجتهدات؟ قال الغزالي: يدل كلام القاضي على
أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم
مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف، لأنه من مسائل الأصول. قال: وعندي أن
إلحاق هذا بالمجتهدات أولى، فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة، غير بالغة مبلغ
القطع. انتهى. وحينئذ فتوقف القاضي إنما هو عن القطع، ولا ينكر أن الأرجح
التخصيص، ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة، لأن مسائل هذا
الفن عنده قطعية لا ظنية، وحينئذ فنحن نوافقه على انتفاء القطع، وإنما ندّعي أن
الظن كاف في العمل، فلا نتوقف؛ وهو لا يكتفي بالظن، فيتوقف.
٣٧٦
٠

الرابع: أن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى ، فإن تلك للشافعي
فيها قولان، ولهذا تردد في نقض الوضوء بالمحارم، لأجل عموم: ﴿أو لا مستم
النساء﴾ [سورة النساء/٤٣] والتخصيص بالمعنى، وهو الشهوة منتفية فيهم، وكذا في
القاتل بحق مع حديث: (القاتل لا يرث). وقوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)
استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير.
وقد نقح إمام الحرمين في ((النهاية)) الفارق بين المسائل، فقال بعد تجويزه
التخصيص بالقياس: هذا فيما يتطرق إليه المعنى، وأما ما لا يتطرق إليه معنى
مستمر جائز على السير، فالأصل فيه التعلق بالظاهر، وتنزيله منزلة النص، ولكن
قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات، فيتعين النظر إليه.
وهذا له أمثلة: منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله: ﴿أو لا مستم
النساء﴾ [سورة النساء/٤٣]، فحملها الشافعي على الجسّ باليد، ثم تردّد نصُّه في
لمس المحارم من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة، وما لا يجرى
القياس في إثباته، فلا يكاد يجرى في نفيه. فَمَالَ الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم
النساء، وأصح قوليه: أن الطهارة لا تنتقضُ بمسهن، لأن ذكر الملامسة المضافة إلى
أن يقع شيء من الأحداث يشعر بلمس اللاتي يُقصَدْنَ باللمس.
قال: فإن لم يتجه معنى صحيح دلت القرينة على التخصيص، كقوله عليه
السلام: (ليس للقاتل من الميراث شيء)، فالحرمان لا ينسد فيه تعليل، فإذا انسد
مسلك التعليل اقتضى الحال التعلّق بلفظ الشارع: تردد الشافعي في أن
القتل قصاصا أو حدًّا إذا صدر من الوارث فهل يقتضي حرمانه؟ فوّجهُ تعلق
الحرمان بكل قتل، التعلق بالظاهر مع حسم التعليل، ووجه إثبات الإرث التطلع
إلى مقصود الشارع، وليس بخفيِّ أن قصده مضادة غرض المستعجل، وهذا لا
يتحقق في القتل الحق؛ وكذلك النهي عن بيع اللحم بالحيوان، فمن عمم تعلق
بالظاهر، ومن فصَّل بين الربوي وغيره تشوَّف إلى دَرك مقصوده. وهو أن في
الحيوان كما نبيع الشاة به نبيع الشاة بلحمه .
واعلم أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يعممه قطعا، كاستنباط ما يشوش
٣٧٧

الفكر من قوله عليه السلام : (لا يَقْضي القاضي وهو غضبان)، وكاستنباط
الاستنجاء بالجامد الطاهر القالع من الأمر بالأحجار، وهو غالب الأقيسة.
ولا يجوز أن يستنبط منه معنى يعود عليه بالبطلان، ولهذا ضعف قول الحنفية في
قوله: (في أربعين شاة شاة)، أي قيمة شاة، لأن القصد دفع الحاجة بالشاة أو
القيمة، ويلزم منه أن لا تجب الشاة أصلا، لأنه إذ أوجبت القيمة لم تجب الشاة،
فلا تكون مجزئة، وهي مجزئة بالاتفاق، فقد عاد الاستنباط على أصله بالبطلان،
واعتراض بعضهم بأن هذا كالذي قبله، لأن الحنفي كما يجوّز القيمة يجوز الشاة -
مردود بما سأذكره في كتاب القياس.
وهل يجوز أن يستنبط منه معنی نخصصه؟ فيه قولان. تردد فيهما الترجيح. وقال
إلكِيا في ((المدارك)): المنقول عن الشافعي أنه لا يجوز تخصيص العموم بالمعنى، لأن
العموم ينبغي أن يفهم، ثم يبحث عن دليله، فإنّ فهْمَ معنى اللفظ سابق على فهم
معناه المستنبط، وإذا فهم عمومه، فكيف يتجه بناء علة على خلاف ما فهم منه؟
قال : ويتجه للمخالف أن يقول: المعنى الذي يفهم من العموم في النظر الثاني
ربما نراه أوفق لموضوع اللفظ ومنهاج الشرع، وذلك تنبيه إما بفحوى الخطاب
ومخرج الكلام، وإما بأمارة أخرى تفصل بالكلام، وذلك راجح على ما ظهر من
اللفظ، وهذا المعنى لا يُقَدَّر مخالفا للفظ، ولكن يقدَّر بيانا له، فالذي فهمناه أولا
العموم، ثم النظر الثاني يُبين أن المراد به الخصوص، فغلّب معهود الشرع على
معنى ظاهر اللفظ.
فرع ولَّدْتُهُ (١):
هل يجوز أن يستنبط من المقيد معنى / يعود عليه بالإطلاق؟ فيه نظر، وقد جوَّز ١/١٧٤
جمهور أصحابنا الاستنجاء بحجر واحد له ثلاثة أحرف نظراً للمعنى، وهو الإزالة
بطاهر، وفيه رفعُ قيد العدد في قوله عليه السلام: (فليستنج بثلاثة أحجار).
(١) لعل مراده: ولده هو، أى المصنف، من المسألة السابقة.
٣٧٨

البحث الثالث: في تخصيص المظنون بالمَقَطوع
يجوز تخصيص خبر الواحد بالقرآن، وفي كلام بعضهم مجيء الخلاف فيما إذا
كان الخبر متواترا ههنا، وأمثلته عزيزة، ومن أمثلته قوله عليه السلام: (ما أبِينَ من
حي فهو ميت) فإنه خص منه الصوف والشعر والوبر بقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها
وأوبارها وأشعارها﴾ [سورة النحل/ ٨٠]. قلت: هذا إن جعلنا العبرة بعموم اللفظ،
فإن الحديث ورد على سبب، وهو: ((حبب إليه الغنم والإبل))، فإن اعتبرنا
خصوص السبب فليس الحديث عاما، وكذا قوله: (أمرت ان أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا الله) فإنه خص منه أهل الذمة بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية
عن يَدٍ﴾ [سورة التوبة/٢٩] وكذا قوله وَله: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها
ما لم تتكلم أو تعمل) فإنه خص من الكلام سبق اللسان باليمين بقوله تعالى: ﴿لا
يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [سورة البقرة/ ٢٢٥] وكذا قوله وخطير: (البكر بالبكر
جلد مائة وتغريب عام) مخصص بقوله تعالى: ﴿فإذا أُحصِنّ فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [سورة النساء/٢٥].
مسألة
يجوز تخصيص عموم خبر الواحد بالقياس ، وفي هذا الخلاف أيضا، كما قاله
الإمام في ((البرهان)) وابن القُشَيْري. قالا: ولكن المختار هنا التوقف .
مسألة
منَعَ بعض الحنابلة تخصيص الإجماع بخبر الواحد، وهو يشبه الخلاف في
تخصيص السنة بالكتاب، فإن جوزناه كما هو المشهور فكذا هنا .
٣٧٩

مسألة
هل يترك العموم لأجل السياق؟ يخرج من كلام الشافعي في هذه المسألة
قولان، فإنه تردد قوله في الأمّة الحامل إذا طلقها بائنا: هل تجب لها النفقة أم لا؟
على قولين: أحدهما: نعم، لعموم قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ [سورة
الطلاق/٦]. والثاني: لا، لأن سياق الآية يشعر بإرادة الحرائر، لقوله: ﴿فأنفقوا
عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [سورة الطلاق/٦] فضرب أجلا تعُودُ المرأةُ بعد مضيِّه إلى
الاستقلال بنفسها، والأمة لا تستقل.
وأطلق الصير في جواز التخصيص بالسياق، ومثّله بقوله تعالى: ﴿الذين قال
لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [سورة آل عمران/ ١٧٣] وكلام الشافعي في
((الرسالة)) يقتضيه، بل بَوَّبَ على ذلك باباً، فقال: باب الذي یبین سياقه معناه،
وذكر قوله تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ [سورة
الأعراف / ١٦٣] فإن السياق أرشَدَ إلى أن المراد أهلها، وهو قوله: ﴿إِذ يعدون في
السبت﴾ [سورة الأعراف / ١٦٣].
وقال الشيخ تقي الدين في ((شرح الإلمام)): نص بعض أكابر الأصوليين على أن
العموم يُخَصُّ بالقرائن. قال: ويشهد له مخاطبات الناس بعضهم بعضا، حيث
يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناء على القرينة، والشرع يخاطب
الناس بحسب تعارفهم .
[الفرق بين التخصيص بالقرائن والتخصيص بالسبب]
قال: ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن بالتخصيص بالسبب، كما اشتبه
على كثير من الناس، فإن التخصيص بالسبب غير مختار، فإن السبب وإن كان.
خاصا فلا يمتنع أن يورد لفظ عام يتناوله وغيره، كما في قوله: ﴿والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديهما﴾ [سورة المائدة / ٣٨] ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا،
بخلاف السياق فإن به يقع التبيين والتعيين، أما التبيين ففي المجملات، وأما
٣٨٠