النص المفهرس

صفحات 281-300

الجنس، وتأولوه تأولاً رجعوا به إلى الذي من الجنس، وحينئذ فلا خلاف. قال:
لكن النحاة قدَّروه ((بلكن))، وهو غير مشابه لما اختلف فيه الفقهاء؛ بل الذي
أجازه الفقهاء ينبغي القطع بامتناعه، فإنهم مثلوه بنحو: له عشرة إلا ثوباً، وهذا
فاسد من جهة اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فإن اللغة لا تستعمل هذا الضرب من
الاستثناء في المثبت إنما تستعمله في المنفي، وأما المعنى فمستحيل، لأن الاستثناء في
الأصل إنما جىء به مقابلاً للتأكيد. فإذا قلت: جاء القوم كلهم إلا زيداً، حققت
بالاستثناء الإشكال في عموم المجىء لهم، وأنه لم يتخلف منهم من لم يجىء، فإذا
قلت: جاء القوم إلا زيداً حققت بالاستثناء البعض لهم. ولهذا لا يصح تصوره
في: له على عشرة إلا ثوباً، فإن قال: المعنى إلا ثوباً وأكثر لزمه العشرة، فأين
الاستثناء من غير الجنس.
قلت: وقوله: في الأول: لا يجوز في الإثبات ممنوع؛ بل جمهور النحويين
سَوَّغُوه فيه.
الرابع: القائلون بالجواز اختلفوا في تسميته استثناء على مذاهب ثلاثة:
أحدها: أنه يسمى استثناء حقيقة، واختاره القاضي أبو بكر، ونقله ابن الخَبَّز
عن ابن جِني، وقال الإمام: هو ظاهر من كلام النحويين، وعلى هذا فإطلاق
الاستثناء على المتصل والمنقطع هل هو بالاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ قولان.
والثاني: أنه مجاز، وعليه الأكثرون، منهم القاضي أبو الطيب، والشيخ
أبو إسحاق، وابن الصباغ في ((العدة))، وابن الأنباري في ((شرح البرهان))، وسليم
في ((التقريب))، وإمام الحرمين، والغزالي / وابن القَشَيْرِي؛ لأنه ليس فيه معنى ١٦٠/ب
الاستثناء، وليس في اللغة ما يدل على تسميته، واختاره الرُّمَّاني من النحويين في
((شرح الموجز)).
وقال ابن أبي الربيع في ((شرح الإيضاح)): ذهب أكثر الناس إلى أن الاستثناء
المتصل هو الأصل، والمنقطع اتساع، ومنهم من قال: كلاهما أصل. انتهى.
والثالث: أنه لا يسمى استثناء لا حقيقة ولا مجازاً، حكاه القاضي في
٢٨١

((التقريب))، والمازَرِي، وحكى القاضي قولاً آخر أنه بمعنى كلام مبدأ مستأنف.
وقال: قول من قال: منقطع حقيقة، ومن قال: كلام مبتدأ - واحد في المعنى، وإنما
اختلفت العبارة، ثم قال القاضي والمازَرِي: الخلافٍ لفظي. قلت: بل هو
معنوي، فإن من جعله حقيقة جوز التخصيص به، وإلاّ فلا، وأيضاً هو مبني على
أن الاستثناء ما لولاه لوجب دخوله، أو لجاز دخوله.
واحتج في ((المحصول)) على أنه ليس بحقيقة، بأنه لا يصح من اللفظ إذ لم
يتناوله اللفظ، فلا حاجة به إلى صارف عنه، ولا من المعنى وإلا لصح استثناء كلّ
شيء من كل شيء، لوجوب اشتراك كل شيئين في معنى لو حمل اللفظ عليه جاز
الاستثناء منه .
وحكى ابن السَّمْعَاني في ((القواطع)) الخلاف على نمط آخر، فقال: اختلفوا في
الاستثناء من غير الجنس على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه ممنوع من طريق اللفظ والمعنى، وهو قول كثير من أصحاب
الشافعي، وجعلوه لغواً.
والثاني: يجوز لفظاً ومعنى.
والثالث: يصح من طريق المعنى دون اللفظ. قال: وهو الأولى بمذهب
الشافعي، وهو قول المحققين من الأصحاب، ولهذا لو قال: لفلان على ألف
درهم إلا ديناراً أو مائة دينار إلا ثوباً، يكون مثبتاً للدينار والثوب بالتقدير.
قال: وأما إذا استثنى من زيد وجهه. أو من الدار بابها، فاختلف الأصحاب في
أنه استثناء الشيء من جنسه، أو من غير جنسه، والصحيح أنه من جنسه، لأن
وجه زيد جزء منه. انتهى.
قيل: وهذا الخلاف غريب، وقد جزم الأصحاب بدخول باب الدار في بيعها،
ولم يحكوا خلافاً. قلت: يؤخذ من ((المستصفى)) الخلاف، فإنه جزم بأنه من غير
الجنس، وشرط هو قبل ذلك كونه من الجنس. قال: لأن اسم الدار لا ينطلق على
الباب، ولا اسم زيد على وجهه، بخلاف قوله: مائة ثوب إلا ثوباً. قال: وعلى
٢٨٢

هذا قال قوم: ليس من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس، وشرط هو قبل ذلك
كونه من الجنس، فجاء الخلاف المذكور، ويجيء على الثاني قوله: عشرة إلا درهماً،
فمنهم من ألحقه بقولك: رأيت زيداً إلا يده، ومنهم من ألحقه باسم الجملة، وهو
قوله: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، أو إلا زيداً، وهو الأشبه فيه.
وأما الخلاف الأول، فذكره المَاوَرْدِي في ((الحاوي))، إذ قال: فإن عاد إلى غير
جنسه صح عند الشافعي في المعنى دون اللفظ، وأجازه قوم في اللفظ والمعنى،
وأبطله قوم فيهما.
وقال الطبري في ((العُدة)) في باب الإقرار: إذا جاز(١) الاستثناء من غير الجنس
فاختلف أصحابنا: هل هو استثناء من المعنى، أو من اللفظ، على وجهين:
أحدهما: من المعنى، فإذا قال له عليّ مائة دينار إلا مائة درهم، فكأنه استثنى من
قيمة الدنانير مائة درهم. والثاني من اللفظ، وظاهر القرآن يشهد لهذا. انتهى.
تنبيهات
الأول: قال ابن فُورَك في كتابه في ((الأصول)): ليس المراد بالجنس هنا ما
اصطلح عليه المتكلمون، فإن الجواهر كلها عندهم متجانسة؛ بل المراد أن يكون
اللفظ موضوعاً لجنس يستثنى منه بلفظ لم يوضع لذلك الجنس، نحو مالي ابن إلا
بنت، فإن لفظ الابن جنس غير جنس لفظ البنت.
وقال السهْرَ وَردي: لا نعني بالجنس هنا المنطقي، فإن الثور مجانس للإنسان
ومشارك له في الجنس الأقرب، بل نعني به غير المشارك في الدخول تحت المحكوم
عليه .
وقال بعض الحنفية: الأصل كونه من جنسه، ومعنى المجانسة أن لا يقصر
المستثنى منه عن المستثنى في الفعل الذي ورد عليه الاستثناء سواء كان راجحاً عليه
أو لا، وکذلك قال محمد في ((الجامع الکبیر)»: لو قال: إن کان في الدار إلا رجل
فعبدي حر، فكان في الدار شاة لا يحنث، لقصور الشاة عن الآدمي في الكينونة في
(١) في القاهرية: جاء.
٢٨٣

الدار، لأن كينونة الآدمي في الدار بطريق الأصالة والاختيار، وكينونة الشاة بطريق
القصْر والتبعية. ولو قال: إن كان في الدار إلا شاة فعبده حر، فكان فيها آدمي
حنث، لقصور الشاة عن الآدمي في الكينونة.
الثاني: ما ذكرناه من كون الاستثناء مخصصاً يشمل المتصل والمنقطع. وقال
بعضهم: الاستثناء من غير الجنس لا تخصيص فيه ولا بيان، لأنه لا يخرج من
المستثنى شيئاً، وإنما هو جملة مستأنفة، فإن زعم الخصم أنه يخصص به، وأنه مع
المستثنى جملة واحدة، فذلك اعتراف منه بأنه من الجنس لا من غيره، وهو
المطلوب .
وقال ابن عطية: في تفسير الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصاً ما، وليس
كالمتصل، لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع يخصص أجنبياً من
ذلك.
قلت: والتحقيق أن المتصل يخصص المنطوق لأنه مستثنى منه. وأما المنقطع
فيخصص المفهوم، لأنه مستثنى منه، فإذا قيل: قام القوم إلا حماراً، فقيل: ورود
الاستثناء كان يفهم أنه لم يقم غيرهم، فالاستثناء حينئذ من المفهوم المقدر، وحينئذ
فإنما يصح جعله مخصصاً إذا جعلنا للمفهوم عموماً.
مسألة: يشترط لصحَة الاستثناء شروط
أحدها: الاتصال بالمستثنى منه لفظاً، بأن يُعد الكلام واحداً غير منقطع، نحو
له علی عشرة إلا درهماً، أو حكماً بأن يكون انفصاله وتأخره على وجه لايدل على أن
المتكلم قد استوفى غرضه من الكلام كالسكوت، لانقطاع نَّفَسٍ أو بَلْعِ ريقٍ،
فإن انفصل لا على هذا الوجه لغًا.
ونقل عن ابن عباس أنه جوّز الاستثناء المنفصل على نحو ما جوّزه من تأخير
التخصيص عن العموم والبيان عن المجمل، ثم اختلف عنه، فقيل: إلى شهر،
وقيل: إلى سنة، وقيل: أبداً.
٢٨٤
مـ

ثم منهم من ردّه، وقال: لم يصح عنه، كإمام الحرمين والغزالي، لما يلزم منه من
ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق، لإمكان تراخي الاستثناء، ويلزم منه أن لا يصح
يمين قط. ومنهم من أوّلَه، كالقاضي أبي بكر بما إذا نوى الاستثناء متصلاً بالكلام،
ثم أظهر نيته بعده، فإنه يُدَيّنُ، ومن مذهبه أنّ ما يُدَيّنُ فيه العبد يقبل ظاهراً.
وقيل: يجوز بشرط أن يقول عند قوله إلا زيداً: أُرِيدُ الاستثناء، حكاه الغزالي.
وقيل: أراد به استثناءات القرآن، فيجوز في كلام الله خاصة.
وقد / قال بعض الفقهاء: إن التأخير فيه غير قادح. قال إمام الحرمين: وإنما ٢/١٦١
حملهم خَيَالٌ تخيلوه من قول المتكلمين الصائرين إلى أن الكلام الأزلي واحد، وإنما
التركيب في جهات الوصول إلى المخاطبين، لا في كلام رب العالمين.
وقال المُقْتَرحُ: هو باطل لأنهم إن أرادوا المعنى القائم بالنفس، فلا يدخله
الاستثناء، وكذلك المثبت في اللوح المحفوظ، لأنه إنما نزل بلغة العرب، والعرب
لا تجوِّز الاستثناء المنفصل.
وقال القَرَافي: المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى
خاصة، كَمَنْ حلف(١)، وقال: إن شاء الله، وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها.
قال: ونقل العلماء أن مُدركه في ذلك ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً، إلا
أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ [سورة الكهف / ٢٣ - ٢٤] قالوا: المعنى إذا
نسيت قولَ إن شاء الله، فقل بعد ذلك. ولم يخصص.
قلت: وفي مستدرك الحاكم عن ابن عباس قال: إذا حلف الرجل على يمين فله
أن يستثني إلى سنة، وإنما نزلت هذه الآية ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [سورة
الكهف / ٢٤] قال: إذا ذكر استثنى، وقال صحيح على شرط الشيخين، لكن قال
الحافظ أبو موسى المديني: لو صح هذا عنده، لاحتمل رجوعه إذا علم أن ذلك
خاص برسول الله وَّر، ثم أسند ذلك من جهة ابن عباس، وقد ذكرتُ طُرُقَه عن
ابن عباس في ((المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر)).
وحكى ابن النجار في ((تاريخ بغداد)) أن أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة
(١) في القاهرية: كمن حلف إن ساكنته.
٢٨٥

من بغداد، فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجُل على رأسه سلة فيها بقلٌ، وهو
يحمله على ثيابه، وهو يقول لآخر معه: مذهب ابن عباس في الاستثناء غير
صحيح، إذ لو كان صحيحاً لما قال تعالى لأيوب عليه الصلاة والسلام: ﴿وخذ
بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث﴾ [سورة ص / ٤٤] بل كان يقول له: استثنٍ، ولا
حاجة إلى هذا التحيّل في البِرَّ. قال: فقال أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل
البقل، وهو يردّ على ابن عباس، لا تستحق أن تُخْرُج منها.
ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
فكفارته﴾ الآية [سورة المائدة / ٨٩] فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن
لشرع الكفارة وإيجابها معنى، لأنه كان يستثني.
وقد حكي أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي وقال له: كيف مذهب ابن
عباس في الاستثناء، فقال له أبو يوسف: إن الاستثناء المنفصل يُلحق بالخطاب
ويغيّر حكمه، ولو بعد زمانٍ. فقال: عزمت عليك أن تفتي به، ولا تخالفه. وكان
أبو يوسف لطيفاً فيما يورده، متأنیّاً فيما يريده؛ فقال له: رأي ابن عباس يفسد
عليك بَيْعتك؛ لأن من حلف لك، وبايَعَك رجع إلى منزله، واستثنى. فانتبه
الرشيد، وقال: إياك أن تعرّف الناس مذهب ابن عباس، فاكتمه.
وقال ابن ظَفَر في ((الينْبوع)): إذا حققت هذه المسألة ضعف أمر الخلاف فيها.
وتحقيقها أنه لا يخلو الحالف التارك للاستثناء من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون
نوى الجزم، وتَرْكَ الاستثناء، فما أظن الخلاف يقع في مثل هذا. أو يكون نوى أن
يستثنى، ولم ينطق بالاستثناء، ثم ذكَرٍ فتلفظ به، فلا يحسن أن يعد استثناؤه لغواً.
وإما أن يكون ذاهلاً عن الأمرين معاً، فهذه الصورة صالحة للاختلاف، ولا يظهر
فيها قول من صحح الاستثناء، لأن الآية لا تشهد له من حيث أن النبي ◌ٍَّ لم
يحلف، ولا تضمنت الآية ذكر يمين. انتهى.
واعلم أن سبب الخلاف في هذه المسألة: أن الاستثناء هل هو حالّ لليمين بعد
انعقادها، أو مانع من الانعقاد لا حالٌ؟ فمن قال: مانع شرط الاتصال. واختلف
القائلون بأنه حالٌ، فقيل: بالقرب، وقيل: مطلقاً من غير تأقيت بالقرب. وفي
٢٨٦

الباب قوله عليه السلام: (إلا الإذخر). وحديث سليمان عليه السلام لما قال:
لأطوفن الحديث، وقوله عليه السلام في صلح الحديبية: (إلا سهل بن بيضاء).
الشرط الثاني: عدم الاستغراق، وإلا لتناقض، فالاستثناء المستغرق باطل،
ويبقى أصل الكلام على حاله، حكوا فيه الإجماع، وفي هذا الإطلاق والنقل نزاع
في المذاهب. أما المالكية فقد رأيت في كتاب ((المدخل)) لابن طلحة من المالكية
حكاية قولين عندهم في: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، وقد حكاه القَرَافي أيضاً عنه،
ونقل اللَّخمي من المالكية عن بعضهم في أنت طالق واحدة إلا واحدة لا يلزمه
طلاق، لأن الندم منتف بإمكان الرجعة، بخلاف أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً،
لظهور الندم.
. وأما الحنفية فقيدوا البطلان بما إذا كان الاستثناء بعين ذلك اللفظ، نحو نسائي
طوالق إلا نسائي، أو أوصيتُ بثلث مالي إلا ثلث مالي، فإن كان بغيره صح، وإن
كان مستغرقاً في الواقع نحو نسائي طوالق إلا هؤلاء، وأشار إليهن، وأوصيت له
بثلث مالي، إلا ألف درهم، وهو ثلث ماله. كذا ذكره صاحب («الهداية» في الباب
الأول من الزيادات، ووجهوه بأن الاستثناء تصرّف لفظي مبني على صحة اللفظ لا
على صحة الحكم، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق عشر طلقات، إلا ثماني
طلقات، تقع طلقتان، ويصح الاستثناء، وإن كانت العشرة لا صحة لها من حيث
الحكم، ومع هذا لا يجعل كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً، ويُلغى ما بعده من
الاستثناء، لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم.
وتحقيقه أن الاستثناء متى وقع بغير اللفظ الأول فهو يصلح لإخراج ما تناوله
صدر الكلام، وإنما امتنع لعدم ملكه، لا لأمر يرجع إلى ذات اللفظ، ومتصوّرٌ أن
يدخل في ملكه أكثر من هذه النسوة بخلاف ما إذا وقع الاستثناء بعين ذلك
اللفظ، فإنه لا يصلح لإخراج بعض ما تناوله، فلم يصح اللفظ، فلم يصح
الاستثناء.
وأما عندنا أي الشافعية فهذا مالم يعقبه باستثناء آخر، فلو عقبه باستثناء آخر،
نحو: له على عشرة، إلا عشرة، إلا ثلاثة، فقيل: يلزمه عشرة، لأن الاستثناء
٢٨٧

الأول لم يصح، فلا يجوز الاستثناء منه؛ وقيل: يلزمه ثلاثة، وقيل سبعة، والأول
لا يصح، وسقط من البَيْن. وأما إذا كان زائداً على المستثنى منه، فالمنع منه أولى.
وعن الفراء جوازه في المنْقَطِع؛ نحو له على ألف إلا ألفين، لأنه مستثنى من
المفهوم .
وفي كتب الحنفية إنما لا يصح استثناء الكل من الكل لفظاً كما لو قال: أنت
طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، أما حالاً وحكماً فيصح كقوله: نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة
وفلانة، وليس له امرأة سواهن، فيصح الاستثناء ولا تطلق واحدة منهن. ولو
قال: أنت طالق أربعاً إلا ثلاثة، صح الاستثناء، وتقع واحدة،
ثم إما أن يستثني / الأقل أو (الأكثر أو المساوى:
١٦١/ب
أما استثناء القليل من الكثير فجائز، وحكى بعضهم فيه الإجماع، وقال المازري
في ((شرح البرهان)) إن كان ليس بواحد فلا خلاف في جوازه، نحو له على عشرة
إلا حبة، أو إلا سدساً. وإن كان جزءاً صحيحاً كالواحد، والثلث فالمشهور
جوازه. ومنهم من استهجنه، وقال: الأحسن في الخطاب أن يقول: له عندي
تسعة، ولا يقول عشرة، إلا واحداً.
وقال في ((شرح التلقين)): عن قوم: إنهم شذوا، فقالوا: لا يجوز إلا لضرورة
إليه، كاستثناء الكسور، كقوله: له عندي مائة درهم إلا ربع درهم، أو إلا نصف
درهم، وقالوا: قولك: مائة درهم إلا عشرة، يعني له عندي تسعون، فنقض
عليهم بقوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ [سورة
العنكبوت / ١٤] وفي هذا استثناء الأقل من الأكثر من غير أن يكون كسْراً في العدد،
فأجابوا بأنه في معنى الكسر، لأن التجزئة المقترحة من النصف إلى العُشر، وهذا
كالكسر لأن الخمسين من الألف كنصف العُشر، فصار في معنى استثناء الكسر.
وهذا مردود عند العلماء، وتكلف فيه لا حاجة إليه.
وأما استثناء الأكثر ففيه قولان للنحاة:
أحدهما: يمتنع، وعليه الزّجَّاج، وقال: لم ترد به اللغة، ولأن الشيء إذا نقص
يسيراً لم يَزُل عنه اسم ذلك الشيء، فلو استثني أكثر لزال الاسم.
٢٨٨
م

وقال ابن جني: لو قال: له عندي مائة إلا سبعة وتسعين، ما كان متكلماً
بالعربية، وكان عبثاً من القول.
وقال ابن قتيبة في كتاب ((المسائل): لا يجرى في اللغة، لأن تأسيس الاستثناء
على تَدارُك قليل من كثيرٍ أَغْفَلْتَهُ أَو نَسِيتَهُ لقَلَّتِهِ، ثم تَدَارَكْتَهُ بالاستثناء، ولأن
الشيء قد ينقص نقصاناً يسيراً، فلا يزول عنه اسم الشيء، وأما مع الكثرة
فیزول.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب البصريين من النحاة، وأجازه أكثر أهل
الكوفة منهم، وأجازه أكثر الأصوليين، نحو: له عندي عشرة إلا تسعة. فيلزمه
درهم. وهو قول السِّيرافي وأبو عبيد من النحاة محتجين بقوله تعالى: ﴿إن عبادي
ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [سورة الحجر / ٤٢] والمتبعون له
هم الأكثر، بدليل: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سورة سبأ / ١٣].
وأجيب بوجهين: أحدهما: أن الاستثناء منقطع، والعباد المضافون إلى الله
تعالى هم المؤمنون، لأن الإضافة لتشريف المضاف، لكنه يدخل الغاوون تحت
المستثنى منه لولا الاستثناء.
والثاني: أنه متصل، وقوله: ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [سورة الحجر / ٤٢]
أقل من المستثنى منه. لأن قوله يتناول الملَك والإنس والجن، وكل الغاوين أقل من
الملائكة. وفي الحديث: (الملائكة يطوفون بالمحشر سبعة أدوار) وذلك أعظم مَنْ في
المحشر. وقال الشيخ أبو إسحاق: القاطع في هذه المسألة أن الله تعالى استثنى
الغاوين من المخلصين في هذه الآية، واستثنى المخلصين من الغاوين في قوله
حكاية عن إبليس: ﴿لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [سورة
ص / ٨٢ - ٨٣] ، فلو كان المستثنی أقل من المستثنى منه، لزم أن یکون كل واحد من
الغاوين والمخلصين أقل من الآخر. وفيه نظر. لأن الضمير في قوله: ((منهم)) عائد
لبني آدم، والمخلص منهم قليل، وانفصل بعضهم عنه، فقال: ((المخلصون)) هنا
هم الأنبياء، والملائكة وسكّان السموات، وهم أكثر من الغاوین فیکون من باب
استثناء الأقل من الأكثر.
٢٨٩

وذكر المَازَرِي وجهاً آخر: وهو أنه إذا لم يعلم السامع الأقل من الأكثر جاز
ذلك، وإنما يقبح إذا استثنى ما يعلم السامع أنه أكثر مما أبقاه. ونقل ابن السَّمْعاني
عن بعض أهل اللغة منع استثناء الأكثر، ثم قال: واختاره الأشعرى، وهو قول
أحمد بن حنبل، ونقله المَازَري في ((شرح التلقين)) عن ابن دُرُسْتُوَيْه، قال: وذكر
أنه نَاظَرَ في ذلك أبا علي بن أبي هريرة، وذكر في ((شرح البرهان)) أن للشافعي فيه
قولين، وكذا قال عبد الوهاب في ((الإفادة))، وهو غريب.
ومن شُبَهِ المجوِّزين القياسُ على المخصّص، فإنه يجوز وإن كان ما خصَّصَ أكثر
مما بقي في العموم، فكذلك الاستثناء، وهذا إنما يصح الاحتجاج به إذا قلنا إن
اللغة تثبت قياساً، فإن مَنَّعْناهُ لم يتم، وكثيراً ما يتحد المعنى، وتختلف أحكام
إعرابه عند العرب، فلا يبعد أن يكون عندهم يحسن إخراج أكثر العموم بغير
حرف الاستثناء، ويصح به، ثم المانعون للأكثر اختلفوا في حد القليل الذي
يستثنى، فقال ابن مغيث من المالكية: هو الثلث فما دونه، هذا مذهب مالك
وأصحابه.
وأما المساوي، فمن جوّز الأكثر فهو هنا أجوز، ومَن منعه اختلفوا على قولين.
وطرد ابن دُرُسْتَويَه فألحقه بالأكثر في المنع، والجمهور على الجواز، واحتج على
استثناء النصف بقوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلاً. نصفه﴾ [سورة المزمل / ٢ -٣]
فالضمير في نصفه عائد على الليل قطعاً، ونصفه بدل، فإما من الليل بعد
الاستثناء، فيكون إلا قليلاً نصفاً، وإما من قليل، فتبين أنه إنما أراد بالليل نصف
الليل، وربما تمسك به القائلون بالأكثر من جهة قوله: أو زِدْ عليه.
وأجيب بأن نصفه مفعول بفعل مضمر، أي: قم نصفه، لا بدل، لأن النصف
لا يقال فيه: قليلٍ. ورد بأنه يلزم على هذا أن يكون أمرَه أولاً بقيام الليل إلا
قليلاً، فيكون أمراً بقيام الأكثر، فقوله بعده: نصفه مخالف له، فيلزم أن يكون
ناسخاً، وليس كذلك، لأنه متصل، وشرط الناسخ أن يكون متراخياً. وقال ابن
عصفور: بل ضمير نصفه يعود على القليل، وهو بدل منه، بدل البعض من
٢٩٠

الكل، وجاز وإن كان القليل مبهماً، لأنه قد تعيّنّ بالعادة، أي ما يسمى قليلاً في
العادة .
ونقل الإمام في ((المحصول) مَنْع استثناء الأكثر. قال: وله في المساوی وجهان،
ونقل المَازَرِي والباجي عن القاضي قولين في الأكثر. ونقل القاضي أبو الطيب
والشيخ أبو إسحاق والمازَرِي والآمدي عن الحنابلة أنه لا يصح الأكثر والمساوي.
وشرطوا أن ينقص عن النصف، وحكاه الآمدي في ((شرح الجزولية)) عن
البصريين.
والذي في ((التقريب)) للقاضي: يمتنع استثناء الأكثر في الأشبه عندنا، وإن كنا قد
نصرْنا في غير هذا الموضع جوازه، ولهذا قال المازَرِي: آخر قولي القاضي المنع، ولم
يتعرض القاضي للمساوي. وقال إلْكِيَا الطبري: كان القاضي أولاً يجوّز استثناء
الأكثر، ثم رجع عنه آخراً في ((التقريب والإرشاد)) وقال: لا يجوز ذلك، وهو
مخالف لإجماع الفقهاء، فإنهم قالوا: لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين
صح، والذي في كتب الحنابلة تخصيص ذلك بالعقود، قالوا: ولا خلاف في جوازه
إذا كانت الكثرة من دليل خارج لا من اللفظ، وعلى هذا فلا يحسن الاحتجاج
عليهم بالآية السابقة، لأنه / ليس فيها عدد محصور، وفرقوا بورود اللغة في هذا ١/١٦٢
دون ذلك، ولأن حمل الجنس على العموم إنما هو من طريق الاحتمال لا من
جهة القطع على جميع الجنس، بخلاف الأعْداد فإن جميعها منطوق بها فصار
صريحاً.
وقد صرحوا بحكاية هذا مذهباً آخر، وهو التفصيل بين أن يكون العدد
صريحاً، فلا يجوز استثناء الأكثر نحو عشرة إلا تسعة، وبين غيره فيجوز نحو: خذ
الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني، وكان ما في الكيس أكثر من الباقي.
وحكى ابن العارض المعتزلي في كتاب ((النكت)) له قولاً رابعاً عن بعض
النحويين من أهل عصره، وهو التفصيل بين أن يكون المستثنى جملة فيمتنع، نحو
جاء إخوتك العشرة إلا تسعة، وبين أن يكون مفصّلاً ومعدَّداً فيجوز، نحو إلا
٢٩١

زيداً وبكراً وخالداً إلى أن يأتي إلى التسعة.
ويخرَّج من كلام المَازَري السابق خامسٌ، وهو التفصيل بين أن يعلم السامع
الأكثر من الأقل فيمتنع، وإلا جاز.
ويخرَّج أيضاً من كلام الحنابلة قول آخَرُ وهو جوازه في المنقطع دون المتصل،
فحصل ستة مذاهب، ثم يضاف إليها القول الآتي: أنه يصح ولكن لم ترد به
اللغة .
وقال ابن قتيبة: القليل الذي يجوز استثناؤه الثلث فما دونه.
وههنا فوائد:
إحداها: أشار المازري إلى أن الخلاف لفظي، وأن بعضهم اعتذر عن المانع في
الأكثر بأنه لم يخالف في الحكم، وإنما خالف في استعمال العرب في ذلك، فرأى أنها
لم تَسْتَعْمِل استثناء الأكثر من الأقل، وما تمسك به الخصوم قابل للتأويل، فلا يثبت
به حكم لغة العرب، لكن العرب وإن لم تستعمله فلا يسقط حكم الاستثناء في
الإقرار وغيره. وبذلك صرح إلكِيا الهراسي، فقال: يصح ذلك، ولكن لم يقع في
اللغة، وكذا قال ابن الخشاب من أئمة النحاة: أجاز قوم استثناء أكثر الجملة،
ومنع آخرون فلم يجيزوا أن يستثنى إلا ما كان دون النصف منها، ولهذا القول
يشهد قياس العربية(١)، وبه جاء السماع، وقد وقع الاتفاق عليه، والأول ليس
بمستحيل في المعقول، ولكن الآخر يمنعه، ومن ادعى فيه سماعاً أو استنبط منه فقد
أخطأ، وادعى مالا أصل له.
الثانية: قال ابن فارس في كتاب ((فقه العربية)): الصحيح في العبارة أن يقال:
يستثنى القليل من الكثير، ويستثنى الكثير مما هو أكثر منه، فأما قول من قال يستثنى
الكثير من القليل، فليس بجيد، فيقال: عشرة إلا خمسة حتى يبلغ تسعة.
الثالثة: أن الكلام في الاستثناء من العدد مبني على صحته، وللنحاة فيه
مذاهب :
أحدها: وهو المشهور الجواز، وعليه بنى الفقهاء مذاهبهم في الأقارير وغيرها .
(١) في النسخة القاهرية: يشهد قياس المعربين.
٢٩٢
١
٠

والثاني: المنع واختاره ابن عصفور محتجاً بأنها نصوص، فالإخراج منها يخرجها
عن النصيَّة، ألا ترى أنك إذا قلت: ثلاثة إلا واحداً كنت قد أوقعت الثلاثة على
الاثنين وذلك لا يجوز، بخلاف قولك: جاء القوم إلا عشرة. وأجاب عن قوله
تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين﴾ [سورة العنكبوت / ١٤] بأن الألف لما
كان يستعمل للتكثير. كقولك: اقعد ألف سنة، تريد بها زمناً طويلاً، دخل
الاحتمال فجاز أن يُبَيْنْ بالاستثناء أنه لم يستعمل للتكثير، قال أبو حيان: وهذا هو
الصحيح .
والثالث: أنه يمنع استثناء العِقْد نحو عشرون إلا عشرة، ويجوز استثناء ما دونه
نحو عشرة إلا ثلاثة.
الشرط الثالث: (١): أن يقترن قصده بأول الكلام، فلو بَدَا له عقب الفراغ؛
فالأصح في كتاب الطلاق - وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه - المنعُ لإنشائه
بعد الوقوع. وإن بدا له في الأثناء فوجهان: أصحهما - وهو نص البويطي -
صحته .
الشرط الرابع: أن يلي الكلام بلا عاطفٍ، فلو ولي الجملة بحرف العطف كان
لغواً باتفاق، قاله الأستاذ أبو إسحاق. ومثّله: بنحو له عندي عشرة دراهم، وإلا
درهماً أو فإلّ درهماً.
وشرط إمام الحرمين في ((النهاية)) أن يكون مسترسلاً، فإن كان في معين لم يصح
استثناؤه، كما لو أشار إلى عشرة دراهم، فقال: هذه الدراهم لفلان إلا هذا
وهذا، فلا يصح استثناؤه على الأصح، لأنه إذا أضاف الإقرار إلى معين اقتضى
الإقرار الملك المطلق فيها. فإذا أراد الاستثناء في البعض كان راجحاً، لكن المُرَجَّح
عند الأصحاب الصحة.
وشرط الماوردي وغيره کون الاستثناء من جنس الأصل ليصح خروج بعضه،
فإن عاد إلى غير جنسه صح عند الشافعي في المعنى دون اللفظ، وقد سبق الخلاف
فيه .
(١) أي من شروط صحة الاستثناء.
٢٩٣

وشرط أيضاً أن يعلق على الاستثناء ضد حكم الأصل، فإن كان الأصل إثباتاً
جاء الاستثناء نفياً، وإن كان الأصل نفياً جاز الاستثناء إثباتاً، وسيأتي.
مسألة
[وجود الإستثناء في لغَة العَربْ]
قيل: الاستثناء في لغة العرب متعذر، لأنه إذا قيل: قام القوم إلا زيداً، فلا
يخلو إما أن يكون داخلاً في العموم أو غير داخل. والقسمان بَاطِلَانِ، أما الأول:
فلأن الفعل لما نُسب إليه مع القوم امتنع إخراجه من النسبة، وإلا لزم توارد
الإثبات والنفي على موضوع واحد، وهو محال، ولهذا قال بعض الحنابلة: إن
الاستثناء في الطلاق لا يصح، لأن الطلاق إذا وقع لا يرتفع. وأما الثاني: فلأن
مالا يدخل لا يصح إخراجه.
وأجيب بأنه إنما يلزم توارد النفي والإثبات على محل واحد لو لم يكن الحكم
بالنسبة بعد الإخراج، وهو ممنوع، لأنه إذا قيل: قام القوم إلا زيداً فهِمَ منه القيام
بمفرده، والقوم بمفرده، وأن منهم زيداً، وفُهِمَ إخراج زيْد من القوم بقوله: إلا
زيداً، ثم حكم بنسبة القيام بعد إخراج زيد.
وعلى هذا يندفع الإشكال الذي يُورَد على قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة
إلا خمسين عاماً﴾ [سورة العنكبوت / ١٤] لأن العالِمَ بلغة العرب لا يحكم على كلام
المتكلم بالإسناد إلا بعد تمامه.
[المذاهب في تقدير دلالة الاستثناء]
ولقوة هذا الإشكال اختلف الأصوليون في تقدير الدلالة في الاستثناء، وهل هو
إخراج قبل الحكم؟ على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ونسبه ابن الحاجب للأكثرين، أن المراد بقوله: عشرة، في قوله: علىّ
عشرة إلا ثلاثة: سبعة. وقوله إلا ثلاثة قرينة مبينة، لأن الكل استعمل وأريد به
الجزء مجازاً، كالتخصيص بغير الاستثناء. ورده ابن الحاجب بالإجماع على أن
٢٩٤

الاستثناء المتصل إخراج، ولأن العشرة نصٌّ في مدلولها، والنص لا يتطرق إليه
تخصيص. وإنما التخصيص في الظاهر. وما قاله من الإجماع مردود، فإن الكوفيين
على أن الاستثناء لا يُخْرِج شيئاً. فإذا قلت: قام القوم إلا زيداً، فإنك أخبرت
بالقيام عن القوم الذين ليس فيهم زيد، وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بقيام ولا
بنفيه. وما قاله من أن العشرة نص فسيأتي في كلام المَاوَرْدِي الخلاف فيه.
وقد / قال بعض الأئمة لا يستقيم غير هذا المذهب لأن الله تعالى قال: ١٦٢/ب
﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ [سورة العنكبوت / ١٤] فلو أراد الألف من
لفظ الألف لما تخلّف مراده عن إرادته، فعلم أنه ما أراد إلا تسعمائة وخمسين من
الألف، كما أن المتكلم بالعشرة مع استثناء الواحد لم يرد منها إلا التسعة.
والثاني: وهو قول القاضي أبي بكر، أن عشرة إلا ثلاثة بمنزلة سبعة من غير
إخراج، كاسمين وُضِعًا لمسمى واحد، أحدهما: مفرد والآخر مركب، وجرى
عليه في ((المحصول))، واختاره إمام الحرمين. واستنكر قول الأولين، وقال: إنه
محال، لا يعتقده لبيبٌ. قال ابن الحاجب: وهذا المذهب خارج عن قانون اللغة إذ
لم يُعْهَد فيها لفظ مركب من ثلاثة ألفاظ وضع لمعنى واحد، ولأنا نقطع بدلالة
الاستثناء بطريق الإخراج.
وقال في ((شرح المقدمة)): إنه غير مستقيم أيضاً، لأنا قاطعون بأن المتكلم
بالعشرة يعبر بها عن مدلولها، وهو خمستان، وبإلّاً عن معنى الإخراج، وبالواحد
أنه مخرج، ولو كان كما قالوا، لم يستقم فهم هذه المعاني منها، كما لا يستقيم أن
يُفهم من بعض حروف التسعة عند إطلاقها على مدلولها معنى آخر.
وهذا الذي قاله مصادرة، ولا نسلم أنه يفهم من العشرة خمستان مع استثناء
الدرهم منها، بل المفهوم من ذلك تسعة لا غير، ولا ((بإلا)) معنى الإخراج، لأن
الاستثناء لُغَةً: الصرف والرد. وقوله: كما لا يستقيم ليس بنظير ما نحن فيه، إذ
عدم فهم ما ذكر لعدم الوضع والاستعمال في غيرها، والاستثناء مستعمل فيما ذكر
لغة وعرفاً.
واعلم أن قصد الباجي بهذا القول أن يفرق بين التخصيص بدليل متصل أو
٢٩٥

منفصل، فإن كان بدليل متصل فإن الباقي حقيقة، أو منفصل فإن الباقي مجاز،
ولذلك قال في الاستثناء: إن الكلام بجملته يَصير عبارة عن أمر آخر.
والثالث: وهو الصحيح عند ابن الحاجب، أن المستثنى منه مراد بتمامه، ثم
أخرج المستثنى، ثم حكم بالإسناد بعْده تقديراً، وإن كان قبله ذكراً. فالمراد
بقولك: عشرة إلا ثلاثة، عشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة، ثم أسند إلى
الباقي تقديراً، فالمراد بالإسناد ما يبقى بعد الإخراج، ورجحه الهندي وغيره.
ولذلك لا يحكم عالم بلغة العرب بالإسناد قبل تمامه لِتَوَقع التغيير قبله بالاستثناء أو
غيره، وبه يندفع ما أورد على حقيقة الاستثناء من كونه إنكاراً بعد الإقرار
وتناقضاً. والفرق بين هذا المذهب والأول، أن الأفراد بكمالها غير مرادة في
المستثنى منه في الأول لدلالة الاستثناء عليه، وفي الثالث مرادة، والاستثناء إنما هو
لتغيَّر النسبة، لا للدلالة على عدم المراد.
ويتفرع على المذاهب أنه هل هو تخصيص أم لا؟ فعلى قول القاضي ليس
تخصيصاً، وعلى الأول تخصيص قطعاً، وعلى الثالث يحتمل. والظاهر أنه تخصيص
خاص لعدِّهم إيّاهُ من التخصيص المتصل، وتطرقه إلى النصوص. وقيل: ليس
بتخصيص لأن التخصيص شرطه الإرادة والمقارنة، وهي منتفية إلا في قصد
الاستثناء.
وقال الهندي في ((الرسالة السيفية)): الجمع بين احتمال كون الاستثناء تخصيصاً
على هذا الرأي مع أن الأفراد مرادة بكمالها فيه مشكل، فإنهم أطبقوا على أن
المخصوص غير مراد من الذي خص عنه مع وجود التناول، فإن قلت: يخص
قولهم ذلك بالاستثناء من غير النصوص.
قلت: الذي قال بالمذهب الثالث لافرق عنده بين أن يكون الاستثناء من ألفاذ
العدد أو غيرها، فإن الكلام في تقدير دلالة الاستثناء مطلق، وحينئذ يلزم أن
يكون هذا المذهب مخالفاً لإجماعهم على أن الفرد المخصوص من العام ليس مرادا
مِنْه.
وقال المَازَرِي: أصل هذا الخلاف في الاستثناء من العدد، هل يكون الاستثناء
٢٩٦

كقرينة غيّرت وضع الصيغة، أو لم تغيره، وإنما كشفت عن المراد بها؟ فمن رأى أن
أسماء العدد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها قال بالأول، وينزل
المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدالة على عددٍ ما، ويكون المستثنى كجزء
من أجزاء هذه الكلمة لمجموع هو الدال على العدد المبقى.
ومن رأى أن أسماء العدد ليست نصاً فإن العشرة ربما استعملت في عشرة
ناقصة، رأى أن الاستثناء قرينة لفظية دلت على المراد بالمستثنى منه، کما دل قوله :
لا تقتلوا الرهبان على المراد بقوله: اقتلوا المشركين. قال: وهذا ظاهر على القول
بأن دلالة العام على أفراده ظاهرة. فإن قلنا نص فلا يستقيم، ثم ذكر من الفرق
بين التخصيص والاستثناء أن الاستثناء يدخل على النصوص والتخصيص لا
يدخل عليها.
والحاصل أن مذهب الأكثرين أنك إذا استعملت العشرة في سبعة مجازاً دل
عليه قولك إلا ثلاثة، والقاضي وإمام الحرمين عندهما (١) أن المجموع يستعمل في
السبعة، وابن الحاجب عنده أنك تصورت ماهية العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة،
ثم حكمتَ بالسبعة، فكأنه قال: له عليّ الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، أو
عشرة إلا ثلاثة له عندي. وكل من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في
ذهنه، فهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة، ثم حکم،
كما أنك تخرج عشرة دراهم من الكيس، ثم ترد منها إليه ثلاثة، ثم تَهَبَ الباقي
وهو السبعة .
هذا تقرير مذهب ابن الحاجب، لكن تصريحه بأن الإسناد بعد الإخراج مخالف
لمذهب سيبويه أن ((إلا)) أداة أخرجت من الاسم والحكم، وهذا إنما يأتي على القول
المرجوح أن الإخراج من الاسم فقط.
ويرد عليه أيضاً أن المفرد لا يستثنى منه، ولو استثني منه لم ينتظم أن يقال:
العامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه، كما هو مذهب كثير من النحاة.
والتحقيق أن المراد بالإسناد ما يبقى بعد الإخراج، لأن الإسناد للجملة إنما يتبين
(١) في القاهرية: وغيرهما.
٢٩٧

معناه بآخر الكلام، فإن عطف عليها ((بأو)) كان ثابتاً لأحد الأمرين، وإن عطف
عليها بالواو كان ثابتاً للمجموع. وإن استثنى منه كان ثابتاً لبعض مدلولها وليس
الاستثناء مبيناً للمراد بالأول؛ بل يحصِّل الإخراج.
والحاصل قبله قصْدُ أن يستثنى لا بقصد المعنى، حتى لو قال: أنت طالق ثلاثاً
إلا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها، طلقت ثلاثاً، ولو كان / مبيناً لزمه ثنتان
وعلى هذا لا يسمى تخصيصاً.
مسألة
{هَل يَعَمْل الاستثناء بطريق المعارضَة أو البَيَان]
تتفرع على ما سبق وتتأصل على الخلاف الآتي في أن الاستثناء من الإثبات
نفي، وبالعكس؛ وهي أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة أو بطريق البيان،
فقال الحنفية بالثاني، وهو عندهم بيان معنوي، أي إن المستثنى لم يكن مراداً
للمتكلم من الأصل، لأنه مَنَع دخوله تحت المستثنى منه، وأما بالنظر إلى صورة
اللفظ فهو استخراج صوري. ونسبوا لأصحابنا الأول، وهو أنه يمنع الحكم بطريق
المعارضة، مثل دليل الخصوص. والمراد بالمعارضة أن يثبت حكماً مخالفاً لحكم
صدر الكلام، فإن صدر الكلام يدل على إرادة المجموع، وآخره يدل على إرادة
إخراج البعض عن الإرادة، فتعارضا في ذلك البعض، فتعين خروجه عن المراد
دفعاً للتعارض، كتخصيص العام، وعلى مذهب الآخرين هو متكلم بالباقي في
صدر الكلام بعد المستثنى. قلت: هو نظير الخلاف في أن النسخ رفعٌ أو بيان،
وقال صاحب ((المحيط)): الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثّنيا، أى تكلم بالمستثنى منه
بعد صرف الكلام عن المستثنى.
وقال شمس الأئمة: لو قال: عبيدي أحرار إلا سالماً أو غائماً، لا يعتق واحد
منهما؛ وإن كان المستثنى أحدهما، لأنه فيه(١)، فثبت حكم الشك فيهما، ويصير
الكلام عبارة عما وراء المستثنى بطريق أنه لا بعض(٢). ويصح الاستثناء وإن كان
(١) كذا في الأصل ولعل في الكلام سقطاً تقديره ((لأنه مشكوك فيه))
(٢) كذا بالأصل.
٢٩٨

المستثنى مجهولاً، لأن الكلام لم يتناول المستثنى أصلاً، فلا أثر للجهالة فيه. وفي
((المغنى)) لابن قدامة: الاستثناء إنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام، وهو أن
يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، وقوله تعالى: ﴿إلا خمسين عاماً﴾ [سورة
العنكبوت / ١٤] عبارة عن تسعمائة وخمسين سنة، فخرج الخمسين المستثنى، وقوله
تعالى: ﴿إِنني براءٌ مما تعبدون، إلا الذي فطرني﴾ [سورة الزخرف / ٢٦ - ٢٧] فقد تبرأ
من غير الله لا أنه تبرأ منه أولاً ثم رجع عنه.
وفصّل جماعة من الحنفية بين الاستثناء العددي وغيره، وقالوا في غير العددي :
إنه إخراج قبل الحكم، ثم حكمه على الباقي، وقالوا في العددى: لا إخراج،
حتى قالوا في إن كان لي إلا مائة وكذا، ولم(١) يملك إلا خمسين لا يحنث.
قلت: وما نسبوه لأصحابنا ممنوع، وقد قال النووي في ((الروضة)): المختار أن
الاستثناء بيان مالم يُرَدْ بأول الكلام، لا أنه إبطال ما ثبت، ولهذا لو قال: له على
عشرة إلا خمسة أو ستة، يلزمه أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار
كقوله: عليَّ خمسة أوستة، فإنه يلزمه خمسة. واحتمل الرافعي أنه يلزمه خمسة،
لأنه أثبت العشرة، والشك في المنفي. قلت: ويؤيده قول أصحابنا أنه يشترط في
الاستثناء أن ینویه من أول الكلام، فکیف یکون مراداً بالكلام الأول وهو یرید أن
لا یکون؟
وكذا قال صاحب الميزان من الحنفية: لو لم يكن الاستثناء بياناً لأدى إلى النسخ
في كلام واحد، فيؤدي إلى التناقض في كلام الله تعالى. قال: ومسائل الشافعي
كلها تخرج على البيان، ولا يمكن حمله على التعارض، لأن التعارض إنما يكون بين
المثلين، ولا مماثلة بين المستثنى منه والمستثنى، لأن المستثنى منه مستقل، والمستثنى
ناقص، ولهذا لا يبتدأ به.
ويدل على بطلان دعوى الإخراج قوله تعالى في حق نوح: ﴿فلبث فيهم ألف
سنة إلا خمسين عاماً﴾ [سورة العنكبوت / ١٤] إذ لا يتصور أن يكون لبث فيهم ألف
سنة، ثم يخرج الخمسين من الألف بعد الإخبار بلبثه الألف بكماله، فلم يبق إلا
أنه لولا الاستثناء لكان صالحاً لدخول الخمسين تحت الألف، وإنما أخرجه من
(١) نص العبارة في القاهرية: إن كان لي مائة وكان لم يملك إلا خمسين والنص مضطرب.
٢٩٩

الصلاحية الاستثناء، ولا يجوز أن يقال: إنه مريد للألف، ثم أخرجه، لأن الله
علم أنه مالبث الخمسين، فكيف يريدها؟
ومثله قول القاضي عبد الوهاب: وضع الاستثناء أن يخرج ما لولاه لانتظمه،
وذكر الإخراج باعتبار الصلاحية في اللفظ، وبهذا كله تبطل دعوى القرافي أن
الاستثناء لا إخراج فيه أصلاً، لأن الإخراج حقيقة فيمن اتصف بالدخول، ولا
يقال: خرج زيد من الدار إذا لم يكن دخلها إلا مجازاً، وقد بينا المراد بالإخراج من
الصلاحية للدخول، لولا الاستثناء، وهو كالتخصيص بالمقارن يوجب الحكم فيما
وراء الخصوص من الأصل، ولا يتناول المخصوص. وصار كما لو قال: اقتلوا
المشركين المحاربين، فلم يكن غير المحاربين مراداً من المشركين من الابتداء.
ونظير هذا الخلاف في الاستثناء خلاف أصحابنا فيما لو قال: أنت طالق ثلاثاً،
هل يقع الثلاث عند الفراغ من قوله ثلاثاً، أو نقول: إذا فرغ من قوله ثلاثاً تبيّنًّا
وقوع الثلاث بقوله: أنتِ طالق؟ والمذهب الأول. وفائدته: إذا قال: أنت طالق
فماتت، ثم قال: ثلاثاً، فعلى الأول لا يقع شيء.
تنبيه
جَعْل الاستثناء من المخصصات المتصلة واضح في الكلام الواحد، أما لو قال
الله: اقتلوا المشركين، فقال عليه السلام على الاتصال: لا الحربيّين، فاختلفوا
فيه. فقال قوم: ينزل منزلة الاستثناء في كلام الله. وقال القاضي: الذي أرتضيه
أنه إن أبدى من تلقاء نفسه كلاماً، ولم يُضِفْه إلى الله تعالى التحق بالتخصيص
بالمنفصل، ولم يجعل استثناء حقيقياً؛ بل هو تخصيص، سواء قدر متصلاً أو
منفصلاً. كذا حكاه عنه ابن القُشَيْرِي في أصوله، وأطلق الهندي ترجيح كونه
منفصلًا.
ومن فروعه لو قال: لي عليك ألف فقال المدعى عليه. إلا عشرة، فهل يكون
مقرّاً بباقي الألف؟ قال في ((التتمة)): المذهب المنع، لأنه لا يوجد منه إلا نفي ما
فاله خصمه، ونفي الشيء لا يدل على ثبوت غيره.
٣٠٠