النص المفهرس
صفحات 61-80
ظاهر. وقال إمام الحرمين: الواجب في هذا القسم أنه إذا أُوِّل وَعُضِد بقياس اتباع الأرجح في الظن، فإن استويا وقف القاضي. وقال الغزالي: هي للإجمال أقرب من العموم، ومثّله بقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [سورة الحج / ٧٧] في التمسك به على إيجاب الوتر، وبالآية السابقة على قتل المسلم بالذمى، وكذلك بقوله: ﴿لا يَستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [سورة الحشر / ٢٠]، فإن إيجاب القصاص تسوية. قال: فلفظ الخير والسبيل والاستواء إلى الإجمال أقرب. قال: وليس منه (فيما سقت السماء العشر)، خلافاً لقوم منعوا التمسك بعمومه، لأن المقصود ذكر الفصل بين العشر ونصفه، وهو فاسد لأن صيغته عامة، لأنها من أدوات الشرطِ بخلاف السبيل والخير والاستواء، نعم تردَّدَ الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلّ الله البيْع﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] أنه عام أو مجمل؟ وسنذكره ذيل الكلام في تعميم اسم الجنس المفرد. ٦١ فصْل في تقسيم صيغ العموم الذي يفيد العموم إما أن يفيده من جهة اللغة أو العرق أو العقل. [القسم الأول: صيغ العموم التي تفيد العموم لغة] والأول: على ضربين، لأنه إما أن يفيده بنفسه لكونه موضوعاً له أو بواسطة اقتران قرينة به . والأول: أعني الذي يدل بنفسه نوعان: لأنه إما أن يكون شاملاً لجميع المفهومات كلفظ ((كل، وجميع، وأي)) في حالة الاستفهام والشرط؛ وإما أن لا يكون شاملاً للكل، فإما أن يختص بأولي العلم كلفظ ((مَنْ)) شرطاً أو استفهاماً، فإنها تختص بالعقلاء، وقد تستعمل في غيرهم للتغليب أو غيره؛ وإما أن يختص بغير العالمين، فإما أن يعمهم أو يختص ببعضهم؛ والأول ((ما)) الاسمية، فإنها تفيد العموم إذا كانت معرفة، نحو هات ما رأيت، فتفيد العموم فيما عدا العالمين من الزمان والمكان والجماد والإنسان، وقيل: إنها تتناول العالمين أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ [سورة الشمس / ٥] ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [سورة الكافرون / ٣] ونحوه. والثاني: أن يختص عموم بعضهم، فإما أن يختص بالأمكنه،. نحو: أين تجلس أجلس، ومنه ((حيث))، أو بالأزمنة نحو: متى تقم أقم. الثاني: ما يفيد العموم لغة لا بالوضع، بل بواسطة قرينة، فهو إما في جانب الثبوت كلام التعريف التي ليست للعهد، ولام التعريف إنما تفيد الجنس إذا دخلت على الجموع أو على اسم الجنس المفرد، والجمع المضاف لهذين، نحو عبيدى أحرار وعبدى حُ(١، وإما في جانب العدم، وهي النكرة في سياق النفي . (١) في التمثيل بهذين المثالين المسألة نظر. ٦٢ القسم الثاني: الذي يفيد العموم عرفا كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] فإنه يفيد في العرف تحريم وجوه الاستمتاعات التي تفعل بالزوجة والأمة، وليس ذلك مأخوذاً من مجرد اللغة. القسم الثالث: الذي يفيده بطريق العقل وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون اللفظ مفيداً للحكم ولعلته، إما بصراحته وإما بوجه من وجوه الإيماءات، فيقتضي ثبوت الحكم أينما ثبتت العلة. وثانيها: ما يذكر جواباً عن سؤال السائل، كما إذا سُئِل عمن أفطر، فقيل: من أفطر فعليه الكفارة، فيعلم منه أن كل مفطر عليه مثلها. ثالثها: مفهوم المخالفة عند القائلين به، كقوله عليه السلام: (مَطْل الغنى ظلم)، فإنه يدل بمفهومه على أن مطل غير الغنى ليس بظلم. وهذا التقسيم ذكره الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه، ولا يخلو بعضه عن نزاع، وليس شاملاً لجميع الصيغ كما سيأتي سردها إن شاء الله تعالى. واعترض عليه القَرَافي بأن ((من وما)) لا يفيدان أيضاً العموم إلا باستضافة شيء آخر إليهما، إما الصلة إن كانتا موصولين، أو المستفهم عنهما إن كانتا استفهاميتين، أو الشرط والجزاء إن كانا للشرط، ولو نطق واحد (بمن، وما)) وحدها لم يفد كلامه شيئاً، وكذلك ((كل، وجميع)) فلا بد من إضافة لفظ إليهما حتى يحصل العموم. وهو اعتراض عجيب، لأنه لا يتوقف إفادة العموم عليهما، إنما يتوقف مطلق الإفادة في الجملة، وهذا لا يختص بصيغ العموم، بل بجميع التراكيب. وذكر النَّقْشَواني في ((ملخصه)) أن المفيد للعموم لا يخرج عن ثلاثة أقسام: إما أن يكون بصيغته ((كجميع، وكل، ومتى، وما))، وإما بزيادة متصلة به كالمعرف بلام الجنس من الجموع وأسماء الأجناس، أو بزيادة منفصلة يعني عن الكلمة أو بلا (١) النافية وغيرها من أدوات النفي. (١) في بعض النسخ: ((أو كلا النافية)) ولعل الصواب بحذف: ((أو))، ويكون تمثيلاً للزيادة المنفصلة. ٦٣ وقال بعضهم: هو قسمان: لأنه إما أن يفيد العموم بصيغته ومعناه بأن يكون اللفظ مجموعاً والمعنى مستوعباً، سواء كان له مفرد من لفظه أو لا كالنساء، وإما عام بمعناه فقط، بأن يكون اللفظ مفرداً مستوعباً لكل ما يتناوله، ولا يتصور عام بصيغته فقط، إذ لابد من تعدد المعنى، وهذا العام معناه: إما أن يتناول مجموع الأفراد ((كالقوم والرهط))، وإما أن يتناول كل واحد نحو ((من، وما)). الصيغة الأولى: كل ومدلولها الإحاطة بكل فرد من الجزئيات إن أضيفت إلى النكرة، أو الأجزاء إن أضيفت إلى معرفة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالوالد والولد، ومعناها التأكيد لمعنى العموم، ولهذا قال القاضي عبد الوهاب: ليس بعدها في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة، تقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وجاءني القوم كلهم، فيفيد أن المؤكد به عام. وهي تشمل العاقل وغيره، والمذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والمجموع، فلذلك كانت أقوى صيغ العموم، وتكون في الجميع(١) بلفظ واحد. تقول: كل الناس، وكل القوم، وكل رجل، وكل امرأة. قال سيبويه: معنى قولهم: كل رجل: كل رجال، فأقاموا رجلاً مقام رجال، لأن رجلاً شائع في الجنس. والرجال الجنس، ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنه ((بكلا، وكلتا))، ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء، فلا يقال: جاء زيد كله، قال أبن السِّرَاج: والضابط أنها إما أن تضاف لفظاً، أو تجرد عن الإضافة، وإذا أضيفت فإما إلى معرفة أو إلى نكرة، فهذه أقسام. الأول: أن تضاف إلى النكرة، فيتعين اعتبار المعنى فيما أضيفت إليه، فيما لها من ضمير وخبر وغيره وإن كان المضاف إليها مفرداً فمفرداً ومثنى فمثنى، وكذلك الجمع والتذكير والتأنيث، قال تعالى: ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ [سورة الطور / ٢١] ﴿وكل شي فعلوه في الزبر﴾ [سورة القمر / ٥٢] ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [سورة الإسراء / ١٣] ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [سورة آل (١) أى جميع ما تقدم من المفرد والمثنى والمجموع ٦٤ د عمران / ١٨٥] ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [سورة الطارق / ٤]. ومعنى العموم في هذا القسم كل فرد فرد لا المجموع، فإذا قيل: كل رجل، فمعناه كل فرد فرد من الرجال، وقد يكون الاستغراق للجزئيات بمعنى أن الحكم ثابت لكل فرد من جزئيات النكرة، وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازماً، كقوله: كل مشرك مقتول، وكل مسكر خمر، وقد لا يلزم، كقولنا: كل رجل / يشبعه رغيف. ١٣٠/ ١ وما ذكرناه من وجوب مراعاة ما أضيفت إليه مشروط بما إذا كان في جملتها، فإن كان في جملة أخرى جاز عود الضمير على لفظها أو على معناها، كقوله: ﴿ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يُصِرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم . وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين﴾ [سورة الجاثية / ٧ -٩]، فراعى المعنى في الجميع(١) لكونه في جملة أخرى، وعلى هذا فلا يرد اعتراض الشيخ أبي حيان على القاعدة ببيت عنترة: جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنِ ثَرَّةٍ فَتَّرَكْنَ كَلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهِمِ حيث قال: فتركن، وقياس ما قالوا: تركت، وجوابه ما سبق، ولأن الضمير يعود على العيون التي دل عليها كل عين، ولا يعود على كل عين ليفيد أن ترك كل حديقة كالدرهم ناشىء عن مجموع العيون، لا عن كل واحدة. الثاني: أن يضاف إلى المعرفة، والأكثر مجيء خبرها مفرداً كقوله تعالى: ﴿وكلهم آتيه يوم القيام فرداً﴾ [سورة مريم / ٩٥]. وقوله عليه السلام حكاية عن ربه: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا مَن كسوته)، وقوله: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ويجوز الجمع حملاً على المعنى. وكلام الأصوليين يقتضي أن الحكم في هذه الحالة كما في التي قبلها من دلالتها على كل فرد، وأن دلالتها فيه كلية، واقتضى كلام بعض الأصوليين وابن مالك أن (١) صوابه: فراعى المعنى في ((أولئك لهم)). ٦٥ مدلولها في هذه الحالة المجموع، فإنه جَوَّز فيها اعتبار اللفظ والمعنى؛ ولهذا جعل صاحب ((البديع)) من الحنفية ((كل الرجال)) كلا مجموعياً. وقال ابن فُورَك: القائل: كل حبة من البر غير متقوّمة، صحيح، لأنه كلي عددي، بخلاف ما إذا قال: كل الحبات منه غير متقوم، فإنه غير صحيح؛ لأن المراد المجموع، وقد استضعف هذا منه، فإن ((كل)) إذا أضيفت إلى معرفةٍ جمعٍ كانت ظاهرة في كل فرد كما دل عليه الأمثلة السابقة. وقد نقل ابن السّرّاج عن المُبَرِّد في قول القائل: أخذت العشرة كلها، أن إضافة ((كل)) إلى العشرة كإضافة بعضها إليها، وأن الكل ليس المعنى الجزئي، وإنما الكل اسم لأجزائه جميعاً المضافة إليه، واستحسن ابن السَّراج هذا الكلام من الْمُبُرِّد، وكأن مراد ابن الساعاتي إذا أريد بها المجموع، بدليل قوله أولا : قولنا كل شيء ليس معناه كل الشيء، فإن الأول كلي عددي، والثاني كلي مجموعي، فالخلل إنما جاء من تمثيله بعد ذلك بكل حبة من البُرِّ غير متقوّمة، وكل الحبات غير متقوم، وهذا ◌َمعٌ مُعَرَّفٌ بخلاف كل الشيء فإنه مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ، والفرق بينهما ظاهر. وقال بعض المتأخرين: الظاهر التفصيل بين أن يكون المعرفة مفرداً أو جمعاً، فإن كان مفرداً كانت لاستغراق أجزائه، ويلزم منه المجموع، ولذلك يصدق قولنا: كل رمان مأكول. ولا يصدُق: كل الرمان مأكول لدخول قشره، وإن كان جمعاً احتمل أن يراد المجموع، كما في قولنا: كلكم يكفيكم درهم، وأن يراد كل فرد كقوله عليه الصلاة والسلام: (كلكم راع)، ولذلك فصّله بعد، فقال: (السلطان راع، والرجل راع، والمرأة راعية) والاحتمال الثاني أكثر، فيحمل عليه عند الإمكان، ولا يعدل إلى الأول إلا بقرينة. ددہی وإذا دخلت ((كل)) على ما فيه الألف واللام وأريد كل فرد لأن ذلك جمع أو اسم جمع كالقوم والرهط، فهل نقول الألف واللام هنا تفيد العموم على بابها، و«كل» تأكيد لها، أو أنها لبيان الحقيقة، حتى تكون ((كل)) تأسيساً للعموم؟ فيه نظر. والثاني أقرب من جهة أن ((كل)) إنما تكون تأكيداً إذا كانت تابعة، دونها إذا كانت مضافة . ٦٦ وقد يقال: بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، و (كل)) تفيد العموم في أجزاء ((كل)) من المراتب. فإذا قلت: كل الرجال، أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب جمع الرجل، وأفادت ((كل)) استغراق الآحاد، فيصير لكل منهما معنى وهو أوْلى من التأكيد. ومن هنا يظهر أنها لا تدخل في المفرد، والمعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم. وقد نصّ عليه ابن السَّراج في الأصول. قلت: ولهذا مَنَع دخول الألف واللام على ((كل))، واعترض قول النحويين: بدل الكل من الكل، ولك أن تقول: لم لا يجوز الدخول على أن ((كل)) مؤكدة، كما هو أحد الاحتمالين عنده في المجموع المعرف. قيل: ومِن دخولها على المفرد المعرفة قوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلّ لبني إسرائيل﴾ [سورة آل عمران / ٩٣]، وقوله عليه السلام: (كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه) [رواه البخاري في صحيحه موقوفاً على ابن عباس](١) والظاهر أن هذا من قسم المعرف المجموع، لأن المقصود به الجنس، فهو جمع في المعنى، ومثله قوله علیه السلام: (کل الناس يغدو فبائع نفسه). نعم، إن أريد بالناس واحد صح تمثیله. الثالث: أن تقطع عن الإضافة لفظاً فيجوز فيها الوجهان: الإفراد والجمع، قال الله تعالى: ﴿كلّ له أَوَّابِ﴾ [سورة ص / ١٩]. ﴿كلّ آمن بالله﴾ [سورة البقرة / ٢٨٥] ﴿كُلّ لَه قانتون﴾ [سورة البقرة / ١١٦]. وهذا كله إذا لم تَكُن في حيز النفي، فإن كانت في حيزه كان الكلام منفياً، واختلف حكمها بين أن يتقدم النفي عليها وبين أن تتقدم هي على النفي، فإذا تقدمت على حرف النفي نحو ((كل)) القوم لم يقم، أفادت التنصيص على انتفاء كل فرد فرد كما تقدم، وإن تقدم النفي عليها مثل: لم يقم كل القوم لم يدل إلا على نفي المجموع، وذلك يصدق بانتفاء القيام عن بعضهم، ويسمى الأول عموم السلب، والثاني سلب العموم من جهة أن الأول يحكم فيه بالسلب عن كل فرد، والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد، بل إنما أفاد نفي الحكم عن بعضهم، قال (١) بيضت جميع النسخ لمخرج الحديث وروايه والصواب ما أثبتناه. ٦٧ 1 القَرَافيُّ: وهذا شيء اختصت به ((كل)) من بين سائر صيغ العموم. وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله عليه السلام: (كل ذلك لم يكن)، لمّا قال له ذو اليدين: (أَقُصِرّت الصلاة أم نسيتَ؟ وقول ذي اليدين له: قد كان بعض ذلك)، ووجهه أن السؤال بِأَمْ عن أحد الأمرين لطلب التعيين عند ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، وإذا كان السؤال عن أحدهما فالجواب إما بتعيين أحدهما أو بنفي كل منهما، فكان قوله: (كل ذلك لم يكن)، لنفي كل واحد منهما، ولكن بالنسبة إلى ظنه وَ طير، فلو كان يفيد نفي المجموع، لا نفي كل واحد منهما، لكان قوله: (كل ذلك لم يكن) غير مطابق للسؤال، ولم يكن في قول ذي اليدين قد كان بعض ذلك جواب له، فإن السلب الكلي يناقضه الإيجاب الجزئي. وقد ذكروا في سبب ذلك طرقاً منها: أن النفي مع تأخر ((كل)) متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، بخلاف ما إذا تقدمت فإن النفي حينئذ يتوجه إلى أصل الفعل. قال الجُرْجَاني: من حكم النفي إذا دخل على كلام، وكان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه النفي إلى ذلك التقييد دون أصل الفعل، فإذا قيل: لم يأت القوم مجتمعين، كان النفي متوجهاً إلى الاجتماع الذي هو قيد في الإتيان دون أصل الإتيان، ولو قال قائل: لم يأت القوم مجتمعين، وكان لم يأته أحد منهم، لقيل له: لم يأتوك أصلاً، فما معنى قولك: مجتمعين، فهذا مما لا يشك فيه عاقل، والتأكيد ضرب من التقييد. وههنا / تنبيهات ١٣٠ / ب الأول: أورد على قولهم: إن تقدم النفي على ((كل)) لسلب العموم، ولا يفيد الاستغراق - قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾. [سورة مريم / ٩٣] فينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم ينتقض النفي، فإن انتقض فالاستغراق باق كالآية، ويكون لعموم السلب. ومنه: ما كل رجل إلا قائم، وسببه أن النفي للمجهول، وما بعد ((إلا)) لا تسلط للنفي عليه؛ لأنه مثبت، وهو في المُفَرَّغ مستند لما قبلها، وهو كل فرد كما ٦٨ كان قبل دخول النفي والاستثناء. الثاني: أن حکم النهي فيما سبق حكم النفي، فإذا قلت: لا تضرب كل رجل أو كل الرجال، كان النهي عن المجموع لا عن كل واحد. ولو قلت: كل الرجال لا تضرب كان عموماً في السلب بالنسبة إلى كل فرد، ولذلك قال الفقهاء: لو قال: والله لا كلمت كل رجلٍ، إنما يحنث بكلامهم كلهم، فلو كلم واحداً لم يحنث، وهذا وإن لم يكن نهياً فهو في حكمه. وقد رد بعضهم هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ [سورة الأنعام / ١٥١] ﴿ولا تقتلوا النفس﴾ [سورة الأنعام / ١٥١] ونظائره، فإنه لم يزل العلماء يستدلون به على ثبوت الحكم لكل فرد، وكذلك قال الفقهاء فيما لو قال: والله لا أطأ كل واحدة منكن يكون مُولياً من كل واحدة، ويتعلق بوطء كل واحدة الحنث، ولزوم الكفارة. وهذا يدل على أنه لا فرق بين تقدم النفي وتأخره. وهذا الاعتراض مبني على أن الحكم السابق لا يختص ((بكل))، بل يتعدى إلى سائر صيغ العموم، كقولك: لا تضرب الرجال، وبه صرح بعضهم. قال: إلا أن يكون هناك قرينة تقتضي ثبوت النهي لكل فرد، وجعل هذا وارداً على قول الأصوليين: إن دلالة العموم كُلَّة، ولم يفصلوا في النفي والنهي بين تقديمها وتأخيرها، وجَعَل مثْل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ [سورة الأنعام / ١٥١] إنما ثبت العموم فيه لكل فرد بقرينة، أو بجعل الألف واللام والإضافة في مثل ذلك لمجرد الجنس لا العموم للقرينة ونحوه. ذكره صاحب ((التّبيان في علم البيان)) في صيغة التثنية والجمع مع ((كل)) فقال: إذا قلت: لا تضرب الرجلين كليهما كان النهيٍ ليس بشامل، ومن ثمٍ قالوا: ولكن اضرب أحدهما، وكذلك لا تأخدهما جميعاً، ولكن خُذّ واحداً منهما. لكن تقدم عن القَرَافيِّ التصريح بأن هذا الفرق بين تقدم النفي وعدمه من خصائص ((كل))، والظاهر أنه لا يختص، بل كل ما دل على متعدد أو مفرد ذي أجزاء كذلك، فإذا قلتَ: ما رأيت رجالاً، أو ما رأيت رجليْ، أو ما أكلت ٦٩ رغيفاً، أو ما رأيت رجلاً وعمرا، كل ذلك سلب المجموع، لا لكل واحد بخلاف مالو تقدم السلب. الثالث: قولهم: إن السالبة الكلية تقتضي نفي الحكم عن كل فرد، وقد منعه بعضهم مدعياً أنها اقتضت نفي الحقيقة من حيث هي هي، والمستلزم ذلك نفي الحكم عن كل واحد، وعن الجملة، وقد صرح بذلك جماعة من الأصوليين، وحينئذ فلا يكون ((كل)) تأكيداً، بل دلّ على معنى آخر، وهو نفي الحقيقة المستلزم لنفي الأفراد، وهو مردود، لأن ((كلا، وكلما، ولا شيئاً، ولا واحداً))، وسائر كلمات السُّور، إنما يستعمل باعتبار الأفراد لا باعتبار الحقيقة، لأن اعتبار الحقيقة إنما يتأتى في الطبيعية لا في المسوّرة. الرابع: هذا حكمها في النفي، وسكتوا عن حكمها في الشرط، والظاهر أن تقدمها عليه كتقدمها على النهي، فيكون الشرط عاماً لكل فرد، فإذا قلت: كل رجل إن قام فاضربه، وكل عبد لي إن حجّ فهو حر، فمن حجّ منهم عتق، فلو قدمت الشرط، فقلت: إن حج كل عبد من عبيدي فهم أحرار، لا يعتق أحد منهم حتى يحجّ جميعهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾ [سورة الأنعام / ٢٥]. الخامس: جميع ما تقدم في ((كل)) من إفادتها استيعاب جزئيات ما دخلت عليه إن كان نكرة أو جمعاً معرفاً، وأجزائه إن كان مفرداً معرفة، لا فرق فيه بينه وبين أن تكون مستقلة أو تابعة مؤكدة، مثل أخذت العشرة كلها، وجاء القوم كلهم ونحوه مما يدخل فيه التأكيد، لكن العموم فيها مستفاد من الصيغة المؤكدة، و((كلّ)) جاءت للتنصيص على الأفراد، وعدم احتمال التخصيص، وهل يفترق الحال إذا وقعت مؤكدة بين تقديمها على النفي أو تقديم النفي عليها، نحو لم أر القوم كلهم، والقوم كلهم لم أرهم، فيكون الأول لسلب العموم، والثاني لعموم لسلب كما إذا. تقدم في المضافة ؟ قال القَرَافَيُّ: لم أرفيه نقلًا، ويحتمل طرد الحكم في البابين، ويحتمل أن التفرقة من حقائق المستقلة دون التابعة، ورجح هذا لأن وضع التأكيد تقرير السابق، فلو ٧٠ تقدم النفي عليه لا يعم، فيبطل حكم العموم. قلت: لكن صرح ابن الزَّمَلْكَاني في ((البرهان)» بالاحتمال الأول، وهو التسوية. اللفظ الثاني : جميع وما يتصرف منها كأجمع وأجمعون، وهي مثل ((كل)) إذا أضيفت، ولا تضاف إلا إلى معرفة، وتكون لإحاطة الأجزاء؛ لكن يفترقان من جهة أن دلالة ((كل)) على كل فرد بطريق النصوصيّة، بخلاف ((جميع)). وفرق الحنفية بينهما بأن ((كلا)) تعم الأشياء على سبيل الانفراد، و((جميعاً)) تعمها على سبيل الإجتماع، وذكر ابن العارض المعتزلي في كتابه ((النكت)) أن الزجاج حكاه عن الُبُرِّد. قلت: وإنما نقل عنه بالنسبة إلى أجمعين في نحو قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [سورة ص / ٧٣] وكذا حكاه ابن الخَشَّاب، وابن إياز، ونقل ابن بابْشَاذ عنه خلافه. والصحيح أن ((أجمعين)) لا يقتضي الاتحاد في الزمان، بدليل قوله تعالى: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ [سورة ص / ٨٢] ولذلك اختلفوا في أنه إذا جمع في التأكيد بين ((كل)) و((أجمع) في أن التأكيد حاصل بهما معاً، أو بكل واحد منهما على حدته، وحينئذ فما الذي أفاده الثاني وَرَفْع توهم المجاز حصل بالأول؟ وإن حصل بهما جميعاً، فكيف ذلك من الواحد إذا اقتصر عليه؟ والظاهر أن المقصود زيادة التأكيد وتقويته كما في التوابع الآتية بعد ((أجمع)) إنما تفيد تمكينه في النفس. ومنع ابن مالك والسهيلى جواز تثنية ((أجمع))، زاد السهيلي: وَمْعَه، لأنه في معنى ((كل))، وهي لا تثنى، ولا تجمع، لكن صرح ابن سيده والجوهري بأن (أجمعين)) جمع ((أجمع))، ومنع ذلك الزَّوْزَني في شرح ((المفصل))، وقال: أجمعون ليس جمعاً لأجمع، وإلا لتنكر بالجمع، كما يتنكر الزيدون؛ بل هو مرتجل كذلك علم معناه . واستشكل بعضهم إفادة العموم من ((جميع))، لأنها لا تضاف إلا إلى معرفة، تقول: جميع القوم قومك، ولا تقول: جميع قوم، ومع التعريف بالألف واللام أو ٧١ الإضافة يكون العموم مستفاداً منهما لامن لفظة جميع، وقد يقال: إن العموم مستفاد من ((جميع)) والألف واللام لبيان الحقيقة، أو هو مستفاد من الألف واللام و((جميع)) للتأكيد. فائدة يقال جاء القوم بأجمعهم بضم الميم، لأن: أجمع جمع جمع، كعبد وأعبد، ولا يقال بفتح الميم؛ لئلا يوهم أنه ((أجمع)) الذي يؤكد به لإضافته إلى الضمير وإدخال ١/١٣١ حرف / الجر عليه، و((أجمع)) الموضوع للتأكيد لا يضاف، ولا يدخل حرف الجر عليه. قاله الحريري في ((الدرة))، لكن حكى ابن السِّكّيت الضم والفتح، والأول آقيس. اللفظ الثالث : سائر إن كانت من سور المدينة وهو المحيط بها كما جزم به الجوهرى، وقد عدّها القاضيان: أبوبكر في ((مختصر التقريب)) وعبد الوهاب في ((الإفادة)) كما نقله الأصفهاني في ((شرح المحصول)). قلت: والذي رأيته فيها حكاية ذلك، ثم تغليطه بأنها من ((أسأر)) أي أبقى، فإن كانت مأخوذة من ((السؤر)) بالهمز وهو البقية، فلا تعم، وذلك هو المشهور. وحكى الأزهري فيه الاتفاق، وغلطوا الجوهري، وليس كذلك، فقد ذكره السِّيرافى في ((شرح سيبويه))، وأبو منصور الجَوالِيقى في ((شرح أدب الكاتب))، وابن بَرِّي وغيرهم، وأوردوا فيه شواهد كثيرة، فيكون فيها اللغتان. وقد منع ابن ولاد والفارسي من النحاة كونه من السؤر، لأن البقية تقال لما فضل من الشيء سواء قل أو كثر، والسؤر لا يقال [إلا] للقليل الفاضل، وسائر لا يقال إلا للأكثر، تقول: أخذت من الكتاب ورقة، وتركت سائره، ولا تقول: بقيته (!) قال: ولا يوجد شاهد يدل على أن سائر بمعنى الباقي، قل أو كثر؛ بل إنما يستعمل في الأكثر. والظاهر أنها للعموم، وإن كانت بمعنى الباقي خلافاً للقاضي (١) الصواب: وتقول ((بقيته))، وهو مقتضى ما تقدم من كلام المؤلف. ٧٢ ٠ عبد الوهاب والقَرَافي، لأن وإما بها شمول ما دلت عليه، سواء كان بمعنى الجميع والباقي، تقول: اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين، تريد تعميمهم. الرابع والخامس والسادس والسابع: ((معشر، ومعاشر، وعامة، وكافة، وقاطبة)) : قال تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [سورة الرحمن / ٣٣] ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [سورة التوبة / ٣٦] وفي الحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، وقالت عائشة: (لما مات عليه السلام ارتدت العرب قاطبة). قال ابن الأثير: ((أي جميعهم))، لكن ((معشر)) لا يستعمل إلا مضافاً، و((قاطبة)) لا يضاف، و((عامة)) و((كافة)) يستعملان مضافين وخاليين. الثامن والتاسع: ((من، وما)) الشرطيتين أو الاستفهاميتين. كقوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾ [سورة فصلت / ٤٦] ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ [سورة الحجر / ٥٦] وقوله: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ [سورة فاطر / ٢] ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [سورة طه / ١٧] وهما من صيغ العموم، بل هما عند الإمام في أعلى صيغة. قال صاحب المحكم: ((من)) اسم يغنى عن الكلام الكثير المتناهي في التضاد والطول، فإذا قلت: من يقم أقم معه، كان كافياً عن ذكر جميع الناس، ولولا ((مَنْ)) لاحتجت إلى ذكر الأفراد، ثم لا تجد إلى ذلك سبيلاً. أما الشرطيتان فبالاتفاق، وأما الاستفهاميتان فكذلك عند الجمهور، منهم الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي، وسليم الرَّازِي في ((التقريب)) وابن السَّمْعَاني وابن الصبَّاغ وغيرهم من أصحابنا، وأبو بكر الرَّازِي والبَزْدَوِي من الحنفية، والقرطبي والأبياري من المالكية، واختاره الآمدي والإمام فخر الدين والهندي. وظاهر كلام إمام الحرمين أنهما ليسا من العموم، فإنه قيد ((مَن)) بالشرطية، ذكره في مسألة عمومها للمذكر والمؤنث، ومقتضى كلام الجميع أنهما إذا كانتا موصولتين فليستا للعموم، وبه صرح الأستاذ أبو منصور البغدادي، فقال: وإن كانتا بمعنى ((الذي والتي)) فهما حينئذ معرفة، وليستا للجنس، ولكن ربما تناولا في ٧٣ المعرفة واحداً وربما تناولا جمعاً، كقوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [سورة يونس / ٤٢] وكذلك قال سليم الرَّازِي في ((التقريب)) فإن وردا معرفتين بمعنى الذي ثم يدلا على العموم، هذا لفظه، وهو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب في ((الملخص))، والقاضي أبي بكر في ((التقريب))، فإنهما قيدا العموم بالشرطيتين والاستفهاميتين فقط. لكن مثل الغزالي في (المستصفى)) لعموم ((مَن)) بقوله عليه السلام: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، وهو تصريح بعموم الموصولة، وهو لازم للجميع في مسألة تأخير البيان في قوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ [سورة الأنبياء / ٩٨] وسؤال ابن الزِّبَعْرَى، وعليه جرى القَرَافى وابن الحاجب وابن السَّاعاتي والصفيُّ الهندي، ونقله القَرَافي عن صاحب ((التلخيص)) يعني النَّقْشَواني، وأنكر ذلك الأصفهاني، وقال: وجدت كتاب ((التلخيص)) مصرحاً بخلاف ذلك، وإنهما إذا كانتا موصولتين ليستا للعموم. وقال بعض الحنفية: ((مَنْ)) تعم في الشرط والاستفهام عموم الأفراد، وفي الخبر بمعنى الموصولة عموم الشمول، فإذا قلت: من زارنى فأعطه درهماً استحقٍ كل من زاره العطية؛ وإذا قال: أعط من في هذه الدار درهماً، استحق الكل درهماً واحداً. وقد استشكل قولنا: ((من)) للعموم بأمرين: أحدهما: بقولنا: من في الدار؟ فإنه يحسن الجواب بزيد، وحينئذ فالعموم كيف ينطبق عليه زيد؟ وذلك يقتضي أن الصيغة ليست للعموم، وكذلك: ما عندك؟ فتقول: درهم. وأجاب القَرافي بأن العموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام، لا باعتبار الكون في الدار، والاستفهام عمَّ جميع المراتب، وكأن الْمُسْتَفْهِم قال: سألتك عن كل أحد يتصور أن يكون في الدار لا أخصُّ سؤالي بنوع دون نوع، والواقع من ذلك قد يكون فرداً أو أكثر، فالعموم ليس باعتبار الوقوع؛ بل باعتبار الاستفهام. الأمر الثاني: قول الفقهاء في كتاب الطلاق: إذا علق الحكم بلفظ ((مَنْ)) اقتضى مشروطه مرة، ولم يتكرر الحكم بتكرر الفعل، كما لو قال: من دخل داري فله ٧٤ درهم، ودخلها مرة واحدة استحقه، ولم يستحق شيئاً آخر بدخوله بعده، وكذا لو قال لنسائه: مَنْ دخلت منكن فهي طالق، فدخلت واحدة منهن مرة طلقت واحدة، ولم تطلق بِدُخُولٍ آخر. والجواب: أن (مَنْ)) وغيرها من أدوات الشرط إنما تقتضي عموم الأشخاص، لا عموم الأفعال، فلهذا لم يتعدد الطلاق لتعدد الدخول، فإنها تقتضي وجود الجزاء عند وجود الشرط، أما التكرار فلا تقتضيه، إلا أنه قد يتحقق التكرار في بعض المواضع بواسطة قياس، أو فَهْمِ أن الشرط علة، فإن الأصل ترتيب الحكم على علته، فلزم التكرار كقوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾ [سورة فصلت / ٤٦] ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [سورة الزلزلة / ٧- أما الألفاظ الموضوعة لعموم الأفعال فهي: ((كلما، ومتى، وما، ومهما))، فإذا علق بشيء منها اقتضى التكرار. وقد قال الأصحاب: لو قتل المحرم صيداً بعد صيد وجب لكل منهما جزاء، وأورد عليه أن الله تعالى ذكر الجزاء في قتل الصيد، وعلقه بلفظ ((مَنْ)) بقوله: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [سورة المائدة / ٩٥] والمعلق بلفظ ((مَن)) لا يتكرر فيه الجزاء بتکرر الشرط، نحو من دخل داري فله درهم، لا يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول. وأجاب جماعة منهم المَاوَرْدِي، والمحَامِلي، والجُرْجَاني، في باب الحِج من المعاياة، فقالوا: إنما لم يتكرر الحكم بتكرر الفعل إذا كان الفعل الثاني واقعاً في محل الفعل الأول، كالمثال السابق، فأما إذا كان الفعل الثاني في غير محل الفعل الأول فیتکرر، کما لو قال من دخل داري فله درهم، وله عدة دور، فدخل داراً له استحق درهماً، ثم لو دخل داراً أخرى استحق درهماً آخر لما كانت الدار الثانية غير الأولى، كذلك / ههنا، لما كان الصيد الثاني غير الأول تعلق به ما تعلق بالأول، ١٣١ /ب يريد في قوله تعالى: ﴿ومَن قتله منكم متعمداً فجزاء مِثل ما قتل من النعم﴾ [سورة المائدة / ٩٥] ووقع في كلام المحَامِلي وبعض نسخ ((الحاوي)) تمثيل تعدد المحل بقوله: من دخل دوري، وهو أقرب، وفيما قالوه نظر؛ بل ينبغي في هذا أنه لا يستحق إلا ٧٥ عند دخوله جميع الدور؛ لأن الجزاء تعلق بالجميع، وقال المَاوَرْدِي في ((الحاوي)): إذا اشترك جمعٌ في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد. وقال مالك وأبو حنيفة على كلِّ منهم جزاء، لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء﴾ [سورة المائدة / ٩٥] ولفظة ((مَنْ)) إذا علق عليها الجزاء استوى حال الجماعة والواحد في استحقاقه، کقوله: من دخل داري فله درهم، فدخلها واحد استحقه، أو جماعة استحق كل واحد منهم درهماً. قال الْمَاوَرْدِي: وأما عندنا فالشرط إذا علق عليه الجزاء بلفظ ((مَنْ)) إذا كان موجوداً من كل واحد من الجماعة استحق كل واحد منهم جزاء كاملاً، نحو من دخل داري فله درهم، فلكل واحدٍ منهم درهم، لأن الدخول موجود من كل واحد منهم. وإن كان الشرط موجوداً من جماعتهم، فالجزاء يستحق من جماعتهم دون كل واحد منهم، كقوله: من جاء بعبدي الآبق فله درهم، ومن شال الحجر فله درهم، فإذا اشترك جماعة في المجىء بالآبق وشَيْل الحجر، وجب أن يكون الجزاء مستحقاً بين جماعتهم دون كل واحد منهم. واعلم أن ((مَنْ)) تصلح للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع؛ لكن هل العموم في جميع هذه المراتب أو في الآحاد؟ فيه نظر لبعض المتأخرين، قال: ويظهر فيما إذا قال: مَنْ دخل داري من هؤلاء فأعطه درهماً، فإن قلنا بالأول أخذ كل واحد درهماً، وإن قلنا بالثاني أخذ كل واحد درهماً بدخوله وحده، ونصف درهم بدخوله مع الآخر، وإن دخل ثلاثة، فعلى الأول يعطيهم ثلاثة، لكل واحد درهمٌ، وعلى الثاني يعطيهم ثلاثة إلى الآحاد كل واحد درهم، ودرهم بدخول الثلاثة، لكل واحد ثلاثة، وثلاثة لأن(١) صفة الاثنينية ثلاث مرات، فيستحقون بها ثلاثة، لكلِّ درهم، فمجموع ما يستحقونه سبعة، وعلى هذا القياس. (١) صوابه: لكل واحدٍ ثُلُثُه، وثلاثة بصفة الاثنيية .. الخ. ٧٦ تنبيه أطلقوا أن ((مَنْ)) للعموم في العقلاء، وينبغي تقييده بشيئين: أحدهما: أن يكون الفعل الذي دخلت عليه صالحاً لكل فرد، ليخرج ما لو قال الأمير: من غزا معي فله دينار، قال في ((الكفاية)) في باب السّيرَ: خرج منه أهل الفيء. قال المَاوَرْدِي: ويخرج النساء، بخلاف قوله: من قاتل معي فله دينار، لأنّ الغَزْوَ حُكْمٌ لا فعل يتوجه لأهله، ويخرج الصبيان منها، لأن الجعالة عقد وهي لا تصح منهم، وكذا العبد بلا إذن السيد، لوجود الحَجْر. الثاني: أن لا يكون الفعل المسند إليها لواحد، ليخرج مالو قال الموكل لوكيله : طلّق من نسائي من شئت. قال القاضي في تعليقه: لا يطلّق الوكيل إلا واحدة في أصح القولين، بخلاف ما إذا قال: طلّق من نسائي من شاءت، فله أن يطلق من شاءت الطلاق، وجرى عليه النووي في ((زوائده)) في كتاب الوكالة، والفرْق أن التخصيص بالمشيئة مضاف إلى واحد، فإذا اختار واحدة سقط اختياره، وفي الثانية الاختيار مضاف إلى جماعة، فكل من اختارت طلقت. وقولهم: ((مَنْ)) للعموم في العقلاء، إن أرادوا أصل وضع اللغة فصحيح، وإلا فيجوز استعمال ((مَنْ)) لغير العقلاء، وحينئذ فالعموم مراد فيها، كقوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾ [سورة الرعد / ١٥]. العاشر: أي بشرط أن تكون شرطية أو استفهامية، كقوله تعالى: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [سورة الإسراء / ١١٠] وقوله: ﴿أَيُّكم يأتيني بعرشها﴾ [سورة النمل / ٣٨] ولهذا أجابه الكل عن نفسه بأنه يأتيه، وقد ذكرها في صيغ العموم الأستاذ أبو منصور البغدادي، والشيخ أبو إسحق وإمام الحرمين في باب التأويلات من ((البرهان)) في قوله: (أيما امرأة أنكحت نفسها)، وابن الصبَّاغ وسليم الرَّازِي والقاضيان أبو بكر وعبد الوهاب والإمام الرَّازي والآمدى والهندي وغيرهم، قالوا: ويصلح للعاقل وغيره. ٧٧ قال القاضي عبد الوهاب في ((التلخيص)): إلا أنها تتناول على وجه الإفراد دون الاستغراق، ولهذا إذا قلت: أي الرجلين عندك؟ لم يُجَبْ إلا بذكر واحد. وقال ابنِ السَّمْعانى في ((القواطع)): وأما كلمة ((أي)) فقيل: كالنكرة، لأنها تصحبها لفظاً ومعنى، تقول: أي رجل فعل هذا، وأي دار؟ قال تعالى: ﴿أَيّكم يأتيني بعرشها﴾ [سورة النمل / ٣٨] وهي في المعنى نكرة، لأن المراد بها واحد منهم. انتھی . وحاصل كلامهم أنها للاستغراق البدلي لا الشمولي؛ لكن ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق أنها للعموم الشمولي، فإنه قال فيما إذا قال لأربع نسوة: أیتکن حاضت فصواحباتها طوالق، فقلن: حِصْن، وصدَّقهن، أنه تطلق كل واحدة منهن ثلاثاً، وذكره غيره من العراقيين. وخرج لنا من هذا أنا إذا قلنا: إنها للعموم، فهل هو عموم شمول أم بدل؟ وجهان، وتوسع القَرَافي فعدى عمومها إلى الموصولة والموصوفة في النداء. ومنهم من لم يَعُدَّها في الصيغ كالغزالي وابن القُشَيْرِي، لأجل قول النحاة: إنها بمعنى ((بعض)) إن أضيفت إلى معرفة، وقول الفقهاء: أي وقت دخلت الدار فأنت طالق، لا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول كما في ((كلما)). والحق أن عدم التكرار لا ينافى العموم، وكون مدلولها أحد الشيئين قدر مشترك بينها وبين بقية الصيغ في الاستفهام، وقد سبق أن ((من، وما)) الاستفهاميتين للعموم فلتكن ((أي)) كذلك. وقال صاحب ((اللباب)) من الحنفية وأبو زيد في ((التقويم)): كلمة ((أي)) نكرة، لاتقتضي العموم بنفسها إلا بقرينة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ [سورة النمل / ٣٨] ولم يقل يأتوني، ولو قال لغيره: أيّ عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم لا يعتق إلا واحد، فإن وصفها بصفة عامة كانت للعموم، كقوله: أيّ عبيدي ضربَكَ فهو حرّ، فضربوه جميعاً عتقوا، لعُموم فعل الضرب. وصرح إلكِيا الطبرى بأنها ليست من صيغ العموم، فقال: وأما (أي)) فهو اسم فرد يتناول جزءاً من الجملة المضافة، قال تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ [سورة النمل / ٣٨] وإنما جاء به واحد، وقال: ﴿أيكم أحسن عملا﴾ [سورة الملك / ٢] ٧٨ والعرب تقول: أي الرجل أتاك؟ ولا تقول: أيّ الرجال أتاك؟(١) إذ لاعموم في الصيغة. انتهى. وكذلك قال الغزالي في ((فتاويه)): لو قال: أي عبيدي حج فهو حر، فحَجُوا كلهم لا يعتق إلا واحد، وكذلك قال: أى رجل دخل المسجد فله درهم، فإنه يقصر على الواحد، وهذا بناه على أنها ليست للعموم. وقال محمد بن الحسن: إذا قال أيّ عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه كلهم عتقوا جميعاً، وإن قال: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضرب جماعةً لا يعتق إلا واحد. وصرح به القاضي الحسين في ((فتاويِه))، وفي فتاوي الشّاشي أنه لا فرق عندنا بين الصورتين، / وأنهم يعتقون جميعاً عملاً بعموم ((أي))، وبذلك صرح ١/١٣٢ الأستاذ أبو منصور. فقال: ((أيّ)) أعم المبهمات، وزعم أصحاب الرأي أنه على الواحد غالباً، ولذلك قال أبو حنيفية: أي عبيدي ضربت فهو حر، أن ذلك يحمل على الواحد، وأي عبيدي ضربك فهو حر، أنه يحمل على الجميع، لأنه أضاف الفعل الذي علق به الحرية إلى الجماعة. قال الأستاذ: وقلنا بعموم هذا اللفظ في الموضعين. انتهى . ووجَّه ابن يَعِيش وغيره من النحاة مسألتي محمد بن الحسن بأن الفعل في المسألة الأولى عام وفي الثانية خاص، فإنه في الأولى مسند إلى ضمير عبيدى، وهي كلمة عموم، وفي الثانية مسند إلى ضمير المخاطب وهو خاص، ثم قرروا أن الفعل يعم بعموم فاعله لا بعموم مفعوله من جهة أن الفاعل كالجزء من الفعل، وهو لا يستغنى عنه، ولا كذلك الفعل والمفعول، لأن المفعول قد يستغني عنه الفعل، فيلزم أن يسري عموم الفاعل إلى الفعل. ولا يلزم أن يسري عموم المفعول إلى الفعل . وهذا هو الذي وجَّه به القاضي الحسين الفرق بينهما، فإنه قال: فرع إذا قال: طلّق من نسائي من شئت، لا يطلق الكل في أصح الوجهين، وإذا قال: طلّق من نسائي من شاءت، فله أن يطلق كل من اختارت الطلاق، والفرق أن التخصيص (١) صوابه: والعرب تقول أى الرجال أتاك، ولا تقول: أى الرجال أتوك. ٧٩ والمشيئة مضاف بمعنى في الأولى إلى واحد، فإذا اختار واحدة سقط اختياره، وفي الثانية الاختيار مضاف إلى جماعة، فكل من اختارت طلقت. نظيره ما إذا قال: أيّ عبد من عبيدي ضربته فهو حر، فضرب عبداً ثم عبداً، لا يعتق الثاني، لأن حرف ((أيّ)) وإن كان حرف تعميم فالمضاف إليه الضرب واحد، وإذا قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فَضربه عبد ثم عبد عتقوا؛ لأن الضرب مضاف إلى جماعة. انتهى. وقد اعترض الإمام جمال الدين بن عَمْرُون النحوي الحلبي وقال: لا فرق بين الصورتين والفعل عام فيهما، وضمير الفاعل والمفعول في ذلك على حد سواء، واستدل بقول العَبَّاس بن مِرْدَاس يخاطب النبي عليه السلام: وما كنتُ دون امرىء منهما ومَنْ تَخْفِضٍ (١) اليومَ لا يُرْفَعِ فإن ((مَنْ)) الشرطية عامة باتفاق، والمراد عموم الفعل مطلقاً، مع أن الاسم العام هنا إنما هو ضمير المفعول المحذوف، إذ التقدير: ومن تَخْفِضْهُ اليومَ وهو عائد على ((مَنْ))، وهو الاسم العام، وأما ضمير الفاعل فخاص، وهو ضمير النبي عليه السلام، وهذا وِزان قوله: أي عبيدى ضربته التي ادّعى فيها عدم عموم الفعل. واختار ابن الحاجب أيضاً التعميم فيهما، وقال: نسبة فعل الشرط إلى الفاعل وإلى المفعول في اقتضاء التعميم في المشروط عند حصول الشرط وعدمه سواء، وأن التعميم فيما وقع النزاع فيه ليس من قبيل إثبات المشروط بتكرير الشرط، وأنه لا فرق بين: أي عبيدي ضربته فهو حر، وأي عبيدي ضربك فهو حر، في أنه يعتق المضروبون للمخاطب كلهم، كما يعتق الضاربون للمخاطب كلهم، واستشهد على ذلك ((بمن))، فإنه قد تساوى فيها الأمران، قال الله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدى، ومَن يضلل فأولئك هم الخاسرون﴾ [سورة الأعراف / ١٧٨] فإنه مساو في الدلالة على التعميم لنحو قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [سورة النساء / ٨٠] والأول: منسوب في شرطه إلى عموم المفعول وهو المصدر منازعاً فيه. (١) الذي في سيرة ابن هشام ((ومن تَضِعِ)). ٨٠