النص المفهرس
صفحات 21-40
في وضع اللغة صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من
التأكيد .
وقال الإمام في ((البرهان)): ومما زلّ فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتابعيه أن
الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع، بل تبقى على التردد، وهذا إن
صح / النقل فيه فهو مخصوصٍ عندي بالتوابع المؤكّدة لمعنى الجمع، كقول ٩/١٢٤
القائلين: رأيت القوم أجمعين، أَكْتَعِين، أَبْصَعِين، فأما ألفاظ صحيحة صريحة
تفرض مقيدة، فلا يُظَنُّ بذي عقل أن يتوقف فيها. انتهى.
وقد أنكر عليه المازَرِى في إمكان النقل عن الواقفية وإن تقيدت بالقرائن. قال:
وهذا منصوص عليه في كتب أئمتهم، ولو سُلَّم له ذلك فإنما يقتضي إنكار وجود
لفظة تقتضي الاستيعاب على حسب ما ذكروه. وأشار إلى أن تلك الصور إنما
أستفيد العموم منها بإضافة قرائن استشعرت من المتكلم بهذه الألفاظ التابعة
للصيغة(١!
وقال أبو الحسين ابن القَطَّان: شذت طائفة من أصحابنا، فنسبت هذا القول
للشافعي لأشياء يتعلق بها كلامه؛ لأنه قال في مواضع من الآي: يحتمل الخصوص
ويحتمل العموم، ولم يُرد الشافعي ماذهبوا إليه، وإنما احتمل عنده أن تَرِدَ دلالة
تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أن حقه الاحتمال، وكذلك أبو بكر
الصَّيْرَ فَيّ حكى قول الوقف عن الشافعي. قال: ولا يقال له في المسألة قولان.
واختاره أبو الحسين البصري في بعض كتبه، ونقله المَاوَرْدِيُّ والرُّوْيانيُّ في كتاب
((الأقضية)) عن الظاهرية، والذي نقله الصيرفى عن داود القول بالصيغة.
(١) في الأصل: للطبيعة.
٢١
[مَذاهبٌ الواقفيَّة في محَل الوَقف]
واختلفت الواقفية في محل الوقف على ستة أقوال(١)، وفي صفته على قولين.
فأمَّا محله: فالمشهور من مذهب أئمتهم القول به على الإطلاق من غير تفصيل .
والثاني: أن التوقف في أخبار الوعد والوعيد دون الأمر والنهي، وحكاه أبو بكر
الرازي عن الكَرْخِي. قال: وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة، لأنه كان لا
يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين، ويجوّز أن يغفر الله لهم في الآخرة، وليس
ذلك مَدْرَكُه، بل لأن الأدلة الموجبة للوعيد بالتخليد في النار إنما انتهضت في حق
الكفار بدلائل من خارج.
والثالث: عكسه، وهم جمهور المرجئة، فقالوا: بصيغ العموم في الوعد
والوعيد، وتوقفوا فيما عدا ذلك.
والرابع: الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها.
والخامس: الوقف في الوعيد دون الوعد. قال القاضي: وفرقوا بينهما بما يليق
بالشطح والتُّرَّهات دون الحقائق.
والسادسٍ: التفصيل بين أن لا يُسْمَع قبل اتصالها به شيء من أدلة السمع،
وكانت وعداً أو وعيداً، فيُعلم أن المراد بها العموم، وإن كان قد سُمِع قبل اتصالها
به أدلة الشرع، وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص، فلا يعلم حينئذ العموم في
الأخبار التي اتصلت به (٢) حكاه القاضي في ((مختصر التقريب)).
السابع: الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشارع منه بََّ، فأمَّا مَن سمع
منه، وعَرَف تصرفاته فيه ما بين عموم وخصوص، فإنه لا يقف، كذا حكاه
(١) في جميع الأصول: ستة. والصواب: تسعة أقوال، فقد عدها تسعة، لاستة.
(٢) هكذا في الأصول، وفي الكلام اضطراب.
٢٢
المَازَرِيُّ، وهو عكس ما قبله.
الثامن: التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد فيكون للعموم، دون ما إذا
لم يتقيد، فلفظ الناس مثلاً، إذا قلنا: إنه لا يعم حالة الإطلاق سُلَّمَ أنه عام في
مثل قولك: الناس أجمعون عن آخرهم، صغيرهم وكبيرهم، لا يَشِذّ منهم أحد،
إلى غير ذلك، حكاه القاضي. قال: والمحققون من الواقفية يقولون: وإن قيدت
بهذه القيود، فليست موضوعة للاستغراق في اللغة، ولكن قد يعرف عمومها
بقرائن الأحوال المتقربة بالمقال، وهي مما ينحصر بالعبارة، كما يعرف بالقرائن وَجَلُ
الوَجِل، وإن كانت القرائن لا توجب معرفتها، ولكن أجرى الله العادة بخلق
العلم الضروري عندنا.
والتاسع: إن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم دون
غيرها، حكاه المازري عن بعض المتأخرين. قال: ويمكن أن يكون هذا من أحكام
الشرع في الأحكام اللغوية كأحكامه في الصلاة والحج والصوم.
[مَذاهبٌ الواقفيَّة في صفَة الوَقف]
وأما صفة الوقف: فقد اختلف النقل فيه عن الشيخ وأصحابه، فنقل عنهم
مذهبان :
أحدهما: أن اللفظ مشترك بين الواحد اقتصاراً عليه، وبين أقلِ الجمعِ فما فوقه
اشتراكاً لفظياً، كالقرء والعين ونحوهما، أي أنه موضوع لهما وضعاً متساوياً، حكاه
المَازَرِيُّ والأصْفَهَانيُّ، وهذا فيما يحمل من الصيغ على الواحد ((كمن، وما، وأي))،
ونحوها، وأما ألفاظ الجموع فهي مشتركة بين أقل الجمع وبين ما فوقه اشتراكاً
لفظياً.
والثاني: نفي العلم بكيفية الوضع من أصله، ويقولون: هي مستعملة للعموم
والخصوص، ولكن لا ندري هل ذلك على وجه الحقيقة أو المجاز.
٢٣
وحكى ابن الحاجب هذين القولين على وجه آخر:
أحدها: أنا لا ندري هل وضعت هذه الصيغة للعموم أم لا؟
والثاني: أنا ندري أنها استعملت للعموم، ولكن لا ندري أذلك على وجه
الحقيقة أم لا. ونقل قول الاشتراك في أصل المسألة مبايناً لقول الوقف.
واعلم أن الواقفية وإن قالوا: بأن اللفظ لم يوضع لخصوص ولا عموم، فقالوا:
إنا نعلم أن أقل الجمع لابد منه ليجوز إطلاقه؛ وجعل إمام الحرمين الخلاف في
غير الصيغ المؤكدة، أمّا هي فلا خلاف في اقتضائها العموم.
وحكى القاضي في ((التقريب))، وتبعه هو في ((التلخيص)) الخلاف مع التأكيد
أيضاً. نعم؛ قال بعضهم: ما يدل على العموم من الصيغ بحكم القرائن المنفصلة
إمّا عرفاً أو عقلاً أو غير ذلك لا خلاف فيه، فإن المخالف في العموم لم ينكر أن في
الكلام ما يدل على العموم، فإن العموم وقصدَ إفادته ضروري.
وأما المنكرون فأنكروا أن يكون للعموم صيغة خاصة موضوعة للدلالة عليه.
وجعل غيره منشأ الخلاف أمرين:
أحدهما: أن التأكيد بالجمع في لفظ الجمع هل إنما حسُن لمكان احتمال إرادة
الخصوص، أو لكون اللفظ صالحاً للاستيعاب؟
والثاني: هو أن الاستثناء هل هو استخراج ما تتناوله الصيغة؟ أو ما يجب دخوله
تحت الصيغة؟ أم هو استخراج ما اللفظ صالح لتناوله؟
ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات
الوعيد الواردة في الكتاب والسنة كقوله: ﴿وإنّ الفجار لفي جحيم﴾ [سورة
الانفطار / ١٤] وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها﴾
[سورة الجن / ٢٣] ونحوه، ومع المرجئة في عموم الوعد نفى أن تكون هذه الصيغ
موضوعة للعموم، وتوقف فيها، وتبعه جمهور أصحابه.
وقال أبو نصر ابن القُشَيْرِي في كتابه في باب المفهوم: لم يصح عندنا عن الشيخ
٢٤
إنكار الصيغ، بل الذي صح عنه أنه لا ينكرها، ولكن قال في معارضاته في
أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ. قال: سِرُّ مذهبه إلى إنكار التعلّق بالظواهر فيما
يطلب فيه القطع، وهذا هو الحق المبين، ولم يمنع من العمل بالظواهر في مظان
الظنون، وقد سبق أن الصَّيْرَفيَّ حكى عن الشيخ القول بالصيغ كالشافعي.
تنبيه
٤ ٠
زعم الشريف المرتضى / في ((الذريعة)) أن الخلاف في هذه المسألة بالنسبة إلى ١٢٤/ب
وضع اللغة أنه هل يقتضي الاستغراق؟ ولا خلاف في أن الشرع يقتضيه.
مسألة
مدلول الصيغة العامة ليس أمراً كلياً، وإلا لما دل على جزئياته، لأن الدال على
القدر المشترك لا يدل على شيء من جزئياته ألبتة، وليس كلا مجموعاً، وإلّ لحصل
الامتثال بترك قتل مسلم واحد، إذا قيل: لا تقتلوا المسلمين، بل مدلولها كلية،
أي محكوم فيه على كل فرد فرد مطابقة سلباً أو إيجاباً عند المحققين. منهم الشيخ
الأصفهاني، خلافاً للسّهرَ وَرْدِى والْقَرَافيِّ حيث أخرجاه من أقسام الدلالة.
ومنهم من قال: إنما هي كلية في غير جانب النهي والنفي عند تأخر ((كل))
ونحوها عن أدوات النهي أو النفي، نحو ما جاء كل الرجال، ولا يعرف كل
الرجال، فإنها لنفي المجموع لا الأفراد.
قال الْقَرَافيُّ: دلالة العموم على الفرد الواحد كالمشركين على زيد لا يمكن أن
يكون بالمطابقة، لأنه ليس تمام مسمى المشركين، ولا بالالتزام؛ لأنه ليس خارجاً؛
ولا بالتضمن؛ لأنه ليس جزء المسمى، إذ الجزء مقابل الكل، والعموم كلي لا كل
كما عرفت، فإذن لا يدل لفظ ((المشركين)) على زيد، لانتفاء الدلالات الثلاث.
وإذا لم يدل بذلك بطل أن يدل لفظ العموم مطلقاً، لانحصار الدلالة في الأقسام
الثلاثة .
٢٥
وأجاب عنه الأصْفَهَانيُّ برجوعه إلى المطابقة، وقال: نحن حيث قلنا: اللفظ إما
أن يدل مطابقة أو تضمناً أو التزاماً، فذلك في لفظ متردد دال على معنی، لیس
ذلك المعنى نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى هنا، فلا ينبغي أن يطلب.
وإذا عرف هذا، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] في
قوة جمل من القضايا، وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك، وهذا، وهذا، إلى
آخر الأفراد، وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على زيد المشرك،
ولكنها تتضمن ما يدل على مثله لا بخصوص كونه زيداً، بل بعموم كونه فرداً،
ضرورة تضمنه: اقتل زيداً المشرك، فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من
مجموع تلك القضايا، فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين: قتل زيد المشرك،
لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب، والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال
على ذلك مطابقة، قال: فافهم ذلك، فإنه من دقيق الكلام.
ثم استشكل نحو قوله: ﴿فاقتلوا المشركين) {سورة التوبة / ٥] فإن فيه
عمومات: أحدها: في المشركين. والثاني: في المأمور بقتلهم، ودلالة العمومٍ
كلية، فيكون أمر كل فرد بقتل كل فرد فرد من المشركين، فيكون ذلك تكليفاً
بالمستحيلٍ، وهو غير واقع. وأجاب عنه بأنه وإن كان ظاهر اللفظ إلا أن
العقل دل على خلافه، فيحمِل على الممكن دون المستحيل؛ قال بعضهم:
هذا السؤال لا يستحق جواباً؛ لأن الفرد الواحد من المسلمين يستحيل أن
يقتل جميع المشركين.
مسألة
[دلالَة العموم عَلَى الأُفْرَاد، هَل هِيَ قطعيَّة ؟]
إذا ثبت دلالة العموم على الأفراد، فاختلفوا: هل هي قطعية أو ظنية؟
والثاني هو المشهور عند أصحابنا والأول قول جمهور الحنفية. قال صاحب
((اللباب)) منهم، وأبو زيد الدَّبوسي في ((التقويم)): دلالة العامّ على أفراده
٢٦
قطعية توجب الحكم بعمومه قطعاً وإحاطته كالخاص إن كان النص مقطوعاً
به. وقال الشافعي: ((لا توجب العلم))، ولهذا قلنا: إن الخاص ينسخ العام،
والعام الخاص، لاستوائهما رتبة، وعنده يجوز نسخ العام بالخاص، ويمتنع نسخ
الخاص بالعام، ولهذا قال أصحابنا فيمن أوصى لزيد بخاتم، ثم لعمرو بفصِّه في
كلام مفصول: بالحلقة للأول على الخصوص، والفص بينهما، لأن الأول استحق
الفصّ بوصيّة عامة للفص والخاتم. والثاني استحق الفصّ بوصية خاصة، فزاحمه
بالمشاركة معه. انتهى.
وأطلق الأستاذ أبو منصور النقل عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، بأن
دلالته على أفراده قطعية، وكذا نقله الغزالي في ((المنخول)) عن الشافعي
أيضاً.
قال إمام الحرمين وابن القُشَيْرِي: الذي صح عندنا من مذهب الشافعي
أن الصيغة إن تجردت عن القرائن فهي نص في الاستغراق، وإن لم يقطع
بانتفاء القرائن، فالتردد باق. وجرى عليه الأبيارى في ((شرح البرهان))، وزاد
حكايته عن المعتزلة.
قال: والمأخذ مختلف، فالمعتزلة تلقّوه من استحالة تأخير البيان عن
الخطاب، فلو كان المراد به غير ما هو ظاهر، لكان تأخير البيان، وهو محال.
والشافعي كأنه يرى أن التخصيص إنما يكون وارداً على كلام المتكلم لاقتران
اللفظة المختصة به عند الإطلاق.
قال: وهذا بحث لغوي يفتقر إلى النقل، وقد رأيت من ينكر على
الأبْيَارِي هذا النقل عن الشافعي ظناً منه تفرده بهذا. نعم، قد أنكره الإمام
أبو الحسن الطبري المعروف بإلكِيا، فقال في كتابه ((التلويح)»: نَقِلٍ عن
الشافعي أن الألفاظ إذا تعرّت عن القرائن المُخَصِّصةِ كانت نصاً في
الاستغراق، لا يتطرق إليها احتمال، وهذا لم يصح عنه، وإن صح عنه
فالحق غيره، فإن المسميات النادرة يجوز أن لا تراد بلفظ العام، ويجب(١) منه
(١) لعل الصواب يفهم منه.
٢٧
أنّ التخصيص إذا ورد في موضع آخر كان نسخاً، وذلك خلاف رأي
الشافعي. انتهى.
ولعل إمام الحرمين في نقله عن الشافعي كونها قطعية أخذه من قوله: إنها
نص، وفيه نظر، فإن الشافعي يسمي الظواهر نصوصاً كما نقله الإمام في
((البرهان)) عنه في موضع آخر، وهذا هو الحق، وإليه يشير كلام ابن
السَّمعاني في ((القواطع)) فإنه قال: وعن بعض الحنفية أن العموم نص فيما
تناوله من المسميات، وقد سمى الشافعي الظواهر نصوصاً في مجاري كلامه،
والأولى أن [لا] يسمي العموم نصاً لأنه يحتمل الخصوص، ولأن العموم فيما
يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه البيان، ولكن العموم ظاهر في
الاستيعاب، لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره، وهو الخصوص.
انتھی .
وقال ابن برهان في الكلام على أن السبب لا يُخَصِّص: يجوز أن يكون
العام نصاً في بعض المسميات دون بعض، ولهذا المعنى قال أصحابنا: يجوز
أن يكون اللفظ الواحد نصاً في بعض المسميات، وهي الظاهرة التي يُقطع
بكونها مقصودة صاحب الشرع، ولا يجوز تخصيصها واستخراجها عن مقتضى
العام، ويكون ظاهراً في البعض، فيحتمل أن يكون مقصود الشرع، ويحتمل
أن لا يقصده، فحينئذ تقول: شمله العام ويدخله التخصيص.
وفَرَّقَ إمام الحرمين بين أدوات الشرط وغيرها، فرأى أن أدوات الشرط
تدل دلالة قطعية، وإنما نقل التخصيص بناء على القرائن، ورأى أن جمع
الكثرة يدل ظاهراً لا قطعاً. واختار الغزالي في ((المنخول)) أنه نص في أقل
الجمع ظاهر فيما وراءه؛ وخص المازَرِي الخلاف بما زاد على أقل الجمع، أما
ما دونه فدلالته عليه قطعية.
والمختار الذي عليه أكثر أصحابنا أن دلالته عليه بطريق الظهور، وإلا لما
جاز تأكيد الصيغ العامة إذ لا فائدة فيه، وقد قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة
كلهم أجمعون﴾ [سورة الحجر / ٣٠]
٢٨
وَيَبنى عَلى هَذا الأصل مسائل
منها: وجوب اعتقاد عمومه قبل البحث عن المخصّص. ومنها: تخصيص
العموم بالقياس وخبر الواحد / الظنيين ابتداء، والعام بالخاص، وأن الخاص لا ١٢٥/ ٩
يصير منسوخاً بالعام، خلافاً لأبي حنيفة، ومن ثَم رجح الشافعي خبر العَرايا على
خبر التمر كيْلا بكيْل.
تنبيه
قولهم العام ظني الدلالة، والخاص مقطوع الدلالة، لا يريدون به أن دلالة
اللفظ فيه قطعية، بل إن العام يحتمل التخصيص، والخاص لا يحتمله.
فرع
لو قال في الإقرار: له عندي خاتم، ثم قال: ما أردت الفص، ففي قوله
وجهان: أصحهما لا؛ لأن الفص متناوَلٌ لاسم الخاتم، فهو رجوع عن بعض ما
أقر به فلا يقبل. وهذا يقتضي أن دلالة العام على أفراده قطعية عندنا، وقد قال
اللغويون: الخاتم في اللغة: اسم للحلقة مع الفص، وإلا فهو حلقة. وقيل:
فتخ .
مسألة
في أن العام في الأشخاص: هل هو عام في الأحوال والأزمنة؟ ويظن كثير من
الناس أن البحث في هذه المسألة ممّا أثاره المتأخرون، وليس كذلك، بل وقع في
كلام مَن قبلهم. والمشهور: نعم، وممن صرح به الإمام أبو المُظَفّر في ((القواطع)) في
الكلام على استصحاب الحال، فقال: لأن لفظ العموم دال على استغراق جميع ما
يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفي الأزمان، وفي أي عين وجد ثبت
الحكم فيها بعموم اللفظ، هذا كلامه. وكذلك الإمام فخر الدين في ((المحصول))
٢٩
في كتاب القياس حيث قال جواباً عن سؤال: قلنا: لما كان أمراً بجميع الأقيسة
كان متناولاً لا محالة لجميع الأوقات، وإلّ قَدَحَ ذلك في كونه متناولاً لكل الأقيسة .
انتھی .
وهو ظاهر كلام الغزالي في ((فتاويه)) فإنه قال فيما إذا قال لأمته الحامل: كلّ ولد
تَلِدِينَه فهو حرُّ، أنه كما يشمل الذكر والأنثى يشمل اختلاف الوقت، فينبغي أن
يعم، ويتكرر. هذا لفظه.
وقد نص الشافعي فيما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار،
إنه لا يُدِيَّن، وإذا نوى إلى شهرين يُديّن، ففرق بين الزمان والمكان.
وظاهر كلام مجلّي في ((الذخائر)» والرافعي وغيرهما أنه لا فرق، فإنهما حكيا
وجهين في التديين في ((إن دخلت الدار))، وقال الإمام: وللفقيه نظر في هذا، فإن
قول القائل: إن كلمت زيداً يتعلق بالأزمان ظاهراً على العموم، بخلاف إن
دخلت الدار، فإن اللفظ لا يدل على التقييد، وتبعه الغزالي حيث قال: اللفظ عام
في الأزمان، فإذا قال: أردت شهراً، فكأنه خصص العام؛ قال الرافعي: وقد
تقابل هذه المسألة، فيقال: اللفظ عام في الأحوال، إلا أنه خصصه بحال دخول
الدار. انتهى.
لكن الإمام قائل بأن اللفظ لا ينبىء عن الأحوال، وإنما يدل على الأزمان على
أن هذا اللفظ لا عموم له ألبَتّة، وإنما هو مطلق، وزعم القَرَافى أن العام في
الأشخاص مطلق في الأزمان والبقاع والأحوال والتعلقات. فلا تعم الضيغة في
شيء من هذه الأربع من جهة ثبوت العموم في غيرها، حتى يوجد لفظ يقتضي فيها
العموم؛ لأن العام في الأشخاص لا دلالة له على خصوص يوم معين ولا مكان
معين ولا حالة مخصوصة، فإذا قال: اقتلوا المشركين، عم كل مشرك بحيث لا
یبقی فرد، ولا یعم الأحوال، حتى لا يقتل في حال الهدنة والذمة، ولا خصوص
المكان، حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلاً، ولا الأزمان حتى يدل على يوم
السبت مثلاً، ويستعمل كذلك في دفع كثير من الاستدلالات بالألفاظ من الكتاب
والسنة، فيؤدي إلى بعض الأحوال التي اتفق عليها الخصمان، فيقال: إن اللفظ
٣٠
مطلق في الأحوال، وقد عملت به في الصورة الفلانية، والمطلق يكفي في العمل به
مرة واحدة، فلا يلزم العمل به في صورة النزاع. وقد ارتضاه الأصفهاني ((في شرح
المحصول)) وفي كلام الآمدى في مسألة الاحتجاج بقول الصحابي ما يشير إلى القول
بهذه القاعدة.
وقد ردها جماعة، منهم الشيخ تقي الدين في ((شرح العمدة)) فقال: وهذا
عندي باطل؛ بل الواجب أن ما دل عليه العموم في الذوات مثلاً يكون دالاً على
ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه، فمن
أخرج شيئاً من ذلك فقد خالف مقتضى العموم، نعم يكفي في العمل بالمطلق مرة
كما قالوا، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا
به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق
لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم، قلنا بالعموم، محافظة على
مقتضى صيغته، لا من حيث أن المطلق يعمّ.
مثال ذلك إذا قال: من دخل داري فأعطه درهماً، فمقتضى الصيغة العموم في
كل ذات صدق عليها أنها داخلة، فإذا قال قائل: هو مطلق في الأزمان، وقد
عَملتُ به مرة، فلا يلزم أن أعمل به أخرى لعدم عموم المطلق. قلنا له: لما دلت
الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار، ومن جملتها الذوات الداخلة في
آخر النهار، فإذا أخرجْتَ تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلت الصيغة على
دخوله، وهي کل ذات.
ثم استدل الشيخ على ذلك بحديث أبي أيوب، فإنه لما روى قوله عليه الصلاة
والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ... ) الحديث، أتبعه بأن قال:
((فقدِمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر
الله عز وجل))، قال: فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله:
(ولا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ... ) عاماً في الأماكن، وهو مطلق فيها،
وعلى ما قاله هؤلاء لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعم بمعنى، فيكون العام في
الأشخاص عاماً في الأمكنة.
٣١
وقد رد بعضهم هذا الاستدلال من جهة أن في اللفظ هنا ما يدل على العموم،
وهو وقوع الاستقبال نكرة في سياق النهي، فيعم جميع الأماكن في الشام وغيره،
والنزاع إنما هو فيما إذا لم يكن هناك قرينة تدل على العموم، فالحديث حجة
للقَرَافي؛ فإنه لو كان عموم الفعل في سياق النهي يقتضي العموم في المكان لما كان
لتعريف المكان بالألف واللام فائدة.
وتمسك آخرون في رد هذه القاعدة بحديث أبي سعيد بن المُعلَّى حيث دعاه
النبي بَّوهو في الصلاة فلم يجبه، فقال عليه السلام: (ألم يقل الله) الحديث.
فقد جعله رسول الله وَ ر عاماً في الأحوال، لأنه احتج عليه بالآية وهو في
الصلاة. ورد بأن ذلك جاء من صيغة ((إذا)) المقتضية للتكرار في جميع الأزمان
والأحوال.
وقد خالف الشيخ تَقِيُّ الدين في ((شرح العمدة)) في موضع آخر هذه القاعدة،
فقال في حديث بيع الخيار: إن الخيار عام، ومتعلقه وهو ما يكون فيه الخيار
مطلق، فيحمل على خيار الفسخ، وهذا اعتراف بمقالة القَرَافيّ، وربما أيده بعضهم
بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهِم﴾ [سورة التوبة / ٥] قال: فلو كان
العام في المشركين لكان ((وجدتموهم)) تكراراً و ((حيث)) من صيغ العموم في
١٢٥ / ب المكان. / قاله القاضي عبد الوهاب.
وقد توسط الشيخ علاء الدين البَاجِي بين هذين القولين: فقال ما معناه: إن
معنى كون العام في الأشخاص مطلقاً في الأحوال والأزمان والبقاع - أنه إذا عُمل به
في الأشخاص في زمان ما ومكان ما وحالةٍ ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة
أخرى في زمان آخر ونحوه، أما في أشخاص أخرى مما يتناوله ذلك اللفظ العام
فيعمل به؛ لأنه لو لم يُعمل به لزم التخصيص في الأشخاص كما قال الشيخ تَقِيُّ
الدین، فالتوفیة بعموم الأشخاص أن لا یبقی شخص ما في أي زمان ومكان وحال
إلا حكم عليه، والتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم، فكل زانٍ مثلاً يجلد
بعموم الآية، وإذا جلد مرة ولم يتكرر زناه بعد ذلك لا يجلد ثانية في زمان آخر
ومكان آخر، فإن المحكوم عليه، وهو الزاني والمشرك وما أشبه ذلك، فيه أمران:
٣٢
أحدهما الشخص، والثاني الصفة، كالزنى والشرك لما دخلت عليهما أداة العموم
أفادت عموم الشخص لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى
قولهم: العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع، فبمطلق زنی حُدّ،
وكل شخص حصل منه مطلق شرك قتل بشرطه، فرجع العموم والإطلاق إلى
لفظة واحدة باعتبار مدلولها.
واعترض على هذا بأن عدم التكرار جاء من أن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار،
فلا حاجة إلى أخذ ذلك من الإطلاق. ورد بأن إطلاق الأمر أحد المقتضيات
للإطلاق في الأزمان وغيرها، فلا تنافي بينهما.
قلت: وهذا مستمد ممّا ذكره الشيخٍ في ((شرح الإلمام)) حيث قال: إنا نقول: أمَّا
كون اللفظ العام في الأشخاص مطلقاً في الأحوال وغيرها مما ذكر فصحيح؛ وأما
الطريقة المذكورة في الاستدلال، فيلزم منها عود التخصيص إلى صيغة العموم،
ويبقى العموم في تلك الأحوال لا من حيث إن المطلق عام باعتبار الاستغراق، بل
من حيث إن المحافظة على صيغة العموم في الأشخاص واجب، فالعموم من حيث
وجوب الوفاء بمقتضى الصيغة العامة لا من حيث إن المطلق عموم استغراق.
وأما قولهم: إن المطلق يكفي في العمل به مرة، فنقول: هل يكتفى فيه بالمرة
فعلاً أو حملًاً؟ فإن كان الأول، فمسلم، وإن كان الثاني فممنوع. وبيانه: أن
المطلق إذا فُعِل مقتضاه مرة ووجدت الصورة الجزئية الداخلة تحت الكل كفى ذلك
في العمل به، كما إذا قال: أعتق رقبة، ففعل ذلك مرّة لا يلزم إعتاقه رقبة أخرى،
لحصول الوفاء بمقتضى الأمر من غير اقتضاء اللفظ العموم، وكذلك إذا قال: إن
دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وحنثَ، لا يحنث بدخولها ثانية، لوجود
مقتضى اللفظ فعلاً من غير اقتضاء العموم.
أما إذا عمل به مرة حملاً، أي في أي صورة من صور المطلق لا يلزم التقييد بها،
ولا يكون وفاء بالإطلاق، لأن مقتضى تقييد الإطلاق بالصورة المعينة حملاً أن لا
يحصل الاكتفاء بغيرها، وذلك يناقض الإطلاق، ومثاله إذا قال: أعتق رقبة، فإن
مقتضى الإطلاق أن يحصل الإجزاء بكل ما يسمى رقبة، لوجود المطلق في كلِّ مَن
٣٣
يعتقُ من الرقاب، وذلك يقتضي الإجزاء به، فإذا خصصنا الحكم بالرقبة المؤمنة
منعنا إجزاء الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق بها، فالذي فعلناه
خلاف مقتضاه.
قال: فتنبّه لهذه المواضع التي ترد عليك من ألفاظ الكتاب والسنة إذا كان
الإطلاق في الأحوال وغيرها مما يقتضي الحمل على البعض فيه عود التخصيص إلى
محل العموم، وهي الأشخاص أو مخالفة مقتضى الإطلاق عند الحمل، فالحكم
بعدم التقييد، لوجود الوفاء بمقتضى الإطلاق أو العموم إلا بدليل منفصل، أما إذا
كان الإطلاق في صورة لا تقتضي مخالفة صيغة العموم ولا ينافي مقتضى الإطلاق،
فالكلام صحيح .
ويتعدى النظر بعد القول بالعموم بالنسبة إلى ما ذكرنا إلى أمر آخر، وهو أن
ينظر إلى المعنى المقصود بالعموم، فإن اقتضى إخراج بعض الصور وعدم الجري
على ظاهر العموم، وجب أن ينظر في قاعدة أخرى، وهي أن اللفظ إذا قصد به
معين، فهل يحتجّ به فيما لم يقصد به أو لا؟ فإن قلنا بالأول، فلا حاجة بنا إلى
هذا، وإلا احتجنا إلى النظر فيها بعد الانتهاء(١) بمقتضى الصيغة العموم، وأن
الوفاء بمقتضاها واجب، فهذا ما عندي في هذا الموضع.
والذي يزيده وضوحاً أن اللفظ إذا كان مطلقاً في هذه الأحوال يلزم منه أن لا
يصح التمسك بشيء من العمومات أو أكثرها، إذ ما من عام إلا وله أحوال متعددة
بالنسبة إلى الذوات التي يتعلق بها العموم، فإذا اكتفينا في العمل بحالة من
الحالات تعذر الاستدلال بغيره، وهذا خلاف ما درج عليه الناس.
مسألة
هَل بجوز أن يَبْلُغَ المكلفَ اللفظُ العَامِ ولا يبلغه المخصص؟
إذا ثبت أن للعموم صيغة بالمعنى السابق، قال القاضي في ((التقريب)): ذهب
(١) كذا في الأصل، والمعنى غير واضح.
٣٤
الجمهور سيما القائلين بجواز تأخير البيان إلى أنه يجوز أن يسمع المكلف اللفظ
العام، ولا يستمع المخصِّص إذا كان له مخصص في أدلة الشرع، وعليه البحث في
ذلك بقدر ما يعلم أنه لو كان هناك مخصص لبَلَغَه، فإن وجده وإلا اعتقد عمومه.
وذهب بعض أهل العراق إلى أنه لا يجوز أن يُسمع الله واحداً من المكلفين
العام المخصوص، ولا يُسمعه خصوصه؛ بل لابد أن يسمعه إياهما أو يصرفه عن
سماع العموم إذا لم يُسمع الخصوص.
قلت: ونقله صاحب ((المعتمد، والمحصول)) عن الجُبَّائي وأبي الهُذَيْل، قال
صاحب ((الواضح)): وهو قول أبي علي الجُبَّائي، قال: وكذا كان يقول في الناسخ
والمنسوخ.
قال القاضي: واتفق الكل على أنه إذا كان العموم مخصوصاً بدليل العقل جاز
أن يسمعه من لم يتقدم نظره في الدليل على تخصيصه، وأنّ دليل العقل المخصص
له مقدم عليه، لتقدم العقل على السمع، وهو من أوضح ما يستدل به، فإنه إذا
جاز ذلك في الأدلة العقلية جاز في السمعية.
قال القاضي: ويجوز أن يَبْلغهُ المنسوخ، ولا يبلغه الناسخ، وحكى صاحب
((الواضح)) المعتزلي في المسألة ثلاثة مذاهب، ثالثها: التفصيل بين المخصص
العقلي فيجوز، والسمعى فلا يجوز، وحكاه في ((المعتمد)) عن الجُبَّائي وأبي الهُذَيْل.
وممن تبع القاضي في ذكر هذه المسألة الإمام في ((التلخيص))، والغزالي في
((المستصفى)) قال: ونحن نقول: يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص، إما
مقترناً أو متراخياً على ما ذكرنا من تأخير البيان، وليس من ضرورة كل محتمل(١)
يبلغه العموم أن يبلغه الخصوص؛ بل يجوز أن يغفل عنه، ويكون حكم الله في
حقه العمل بالعموم، وهو الذي بلغه، دون مالم يبلغه.
وقال في ((البرهان)): لا يمتنع ورود اللفظ العام مع استئخار المخصص عنه إلى
(١) لعل الصواب: محتلم.
٣٥
وقت الحاجة، وذهب جماهير المعتزلة إلى منع ذلك، وهي من فروع تأخير البيان إلى
وقت الحاجة.
مسألة
هَل يَجَب العَلى بالعَام قبل البحث عن مخصص؟
١/١٢٦ إذا جَوَّزنا ورود العام مجرداً عن مُخَصِّصِه / فهل يجب اعتقاد عمومه عند سماعه
والمبادرة إلى العمل بمقتضاه، أو يتوقف فيه إلى أن يُنظر دليل المخصّص؟ قال
الشيخ أبو حامد الأسفراينى في كتابه: اختلف أصحابنا فيه، فقال القاضي أبوبكر
الصَّيْرَفيّ: يجب اعتقاد عمومه في الحال عند سماعه والعمل بموجبه.
وقال عامة أصحابنا أبو العباس بن سُرَيْج وأبو إسحاق المَرْوَزِي وأبو سعيد
الاصْطَخْرِي وأبو علي بن خيران وأبو بكر القَفال: يجب التوقف فيه، حتى ينظر في
الأصول التي يتعرف فيها الأدلة، فإن دل الدليل على تخصيصه خص به، وإن لم
يجد دليلاً يدل على التخصيص اعتقد عمومه، وعمل بموجبه.
قال الشيخ أبو حامد: وحكى القَفَّال أن الصَّيرفى سئل عن قوله تعالى:
فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [سورة الملك / ١٥] هل تقول إن مَن سمع هذا
يأكل جميع ما يجده من رزقه؟ فقال: أقول: إنه يبلع الدنيا بلعاً.
قال الشيخ أبو حامد: وزعم الصَّيرفى أنه مذهب الشافعي، لقوله في
((الرسالة)): والكلام إذا كان عاماً ظاهراً كان على ظاهره وعمومه، حتى تأتي دلالة
تدل على خلاف ذلك.
وزعم آخرون أن مذهب الشافعي خلافه، لأنه قال: وعلى أهل العلم بالكتاب
والسنة أن يتطلبوا دليلاً يفرقون به بين الحتم وغيره في الأمر والنهي. فأخبر أنه
يجب طلب دليل يستدل به على موجب اللفظ. قلت: ومن هذه الطريقة يؤخذ
حكاية قولين للشافعي في هذه المسألة. وهو غريب.
٣٦
------
وما حكاه الشيخ أبو حامد من الخلاف في وجوب اعتقاد العموم جَرَى عليه
العراقيون من أصحابنا، منهم القاضي ابن كَجّ في كتابه في ((الأصول))، والقاضي
أبو الطيب في ((شرح الكفاية))، وصاحبه الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع))]
وسليم الرازي في ((التقريب))، وابن الصباغ في ((العدة))، ونصروا قول ابن
سُرَيْج .
وممن حكاه من المراوزة إمام الحرمين، وأبو نصر بن القُشَيْرِي في كتابه،
والقاضي الحسين في تعليقه قبيل كتاب القاضي إلى القاضي، والإمام أبو عمر بن
عبد البر، ونقل التمسك بالعموم إلى أن يظهر المخصص عن أهل الحجاز، والمنع
منه عن أهل الكوفة.
وكذلك صوّر المسألة والنقلَ القاضي أبو بكر في ((التقريب)) والإمام في
((التلخيص))، قال: وذهب ابن سُرَيج ومعظم العلماء إلى أنه لا يسوغ اعتقاد
العموم إلا بعد النظر في الأدلة ثم إذا نظر فيها جرى على قضيتها.
قال: وارتضاه القاضي أبو بكر، وهو الصحيح.
وكذلك صوّرها إلْكِيا الهراسي في ((المدارك))، ونقل موافقة ابن سُرَيْج عن
القَفَّال وابن خَيْران وإلاصطخرى، وكذلك ابن برهان في ((الأوسط)) إلا أنه اختار
قول الصَّيْرَفي، وقال: إنه الصحيح.
وكذا اختاره ابن عَقِيل والمقدسي والقاضي أبو يعلى بن الفراء وأبو بكر الخلال
من الحنابلة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، واختاره أيضاً الإمام فخر
الدين الرازي وأتباعه، وأبو العباس القرطبي من المالكية.
لكن الراجح عند أصحابنا أنه لا يجوز قبل البحث عن المخصص، ونقل فيه
الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني اتفاق أصحابنا، واختاره الإمام في ((البرهان)» وزيف
قول الصَّيرَفي، وحكاه المَاوَرْدِيُّ عن ظاهر نص الشافعي.
وقال في كتاب ((الأقضية))، وتبعه الرُّوْيَانيُّ في ((البحر)): إنه مذهب الشافعي.
قلت: هو ظاهر نص الشافعي في ((أحكام القرآن))، فإنه قال: وعلى أهل العلم
٣٧
عند تلاوة القرآن والسنة طلب الدلائل ليفرقوا بين الحَتّمِ وغيره في الأمر والنهي .
هذا لفظه. فنصّ على طلب الدلائل الُمَيِّزَةِ بين مواقع الكلام، ولم يَكلّهم إلى
نفس الكلام، وظاهره قبل البحث عن القرائن.
لكنه نص في موضع آخر على ما يخالفه. فيصير له في المسألة قولان، فذكر في
((الأم)) حديث أبي أيوب بعموم النهي عن الاستقبال بالغائط والبول، وقال: (يعني
أبا أيوب) بالحديث جملة كما سمعه جملة. قال الشافعي: وكذلك ينبغي لمن سمع
الحديث أن يقول به على عمومه وجُملته، حتى يجد دلالة يفرق منها فيه، ثم مثل
الدلالة المفرقة بحديث ابن عمر، ثم ذكر حديث النهي عن الأوقات المكروهة، ثم
قال الشافعي: وهكذا غير هذا من حديث رسول الله مير، هو على الظاهر من
العموم، حتى تأتي الدلالة عنه من سنة رسول الله مثير أو إجماع الأئمة الذين لا
يمكن أن يُجمعوا على خلاف سنته أنه باطن دون ظاهر، وخاصًّ دون عام. انتهى .
هذا لفظه، وذكر في ((الرسالة)) مثله، واحتج بحديث أبي أيوب في قضاء الحاجة،
وأنه سمعه جملة، فقال به جملة. وقد سبق في مسألة صيغ العموم نقل الصَّيْرَ فِيّ
مثل ذلك،عن نصوص الشافعي الكثيرة.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى في كتابه: اتفق أصحابنا على أن العموم إذا
ورد وسمعه المكلف وفهم ما يجب، وجب عليه عرْضه إذا أراد تنفيذه على ما يقدر
من أدلة العقول وأصول الشرع، فإن كان فيه ما أوجب تخصيصه خصه به، وإلا
أجراه على ظاهره فيما اقتضاه لفظه، وهذا وقف منه على مقدار الاجتهاد، وليس
هو من جنس ما تقوله الواقفية. انتهى.
وقال القَفَّالُ الشَّاشي في ((أصوله)): إذا ورد الخطاب باللفظ العام نظر، إن وجد
دليل يخص اللفظ كان مقصوراً عليه، وإلا أجرى على عمومه، لأن العام محتمل
للتخصيص، فلا يجوز الهجوم على الحكم دون النظر في المراد به، فإن قيل: فما
الذي يعتقده السامع قبل النظر؟ قلنا: قد يقترن بالخطاب من دلالة الحال ما يقف
به السامع على مراد الخطاب، وقد يتقدم الخطاب ما يتعقّل لتخصيص اللفظ
وقرينته عليه، كما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ولم يَلْبسوا إيمانهم بظلم﴾ [سورة
٣٨
الأنعام / ٨٢] شق ذلك على الصحابة؛ فقال النبي عليه السلام: ﴿إن الشرك لظلم
عظيم﴾ [سورة لقمان / ١٣] فإذا ورد الخطاب مجرداً من دلالة تقترن به، فالواجب
على المخاطب قبل النظر أن يعتقد ما حصل عنده من ظاهر اللفظ، فإنه حق ولا
يعتقد انصرافه إلى عموم ولا إلى خصوص؛ لأنه إنما يجوز اعتقاد الشيء على ما
هوبه، وليس عنده قبل النظر في هذا أكثر من اللفظ العام، فالعام يرد عليه الحادثة
تحتمل وجهين، فلا يعتقد في حكمها شيئاً بعينه إلى أن ينظر فيتبين له الحكم.
انتھی .
وقد احتج بعضهم على العمل قبل البحث عن المخصص بما في الصّحيحين من
حديث أبي عبيدة في العنبر الذي ألقاه البحر، فإن أبا عبيدة حكم بتنجيس ميتة
البحر تمسكاً بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار مع أن عموم
القرآن في الميتة مخصَّص بقوله: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ولم يكن عنده ولا
عند أحد من أصحابه(١) خبر من هذا المخصّص.
وحصل بما ذكرنا أن في هذه المسألة عندنا طريقين: إحداهما: حاكية لقولين أو
وجهين. والثانية: القطع بوجوب البحث من غير خلاف على طريقة الأستاذ أبي
إسحاق، والقولان الأولان مشهوران من غير مذهبنا. ولهم فيها أيضاً ثلاثة / ١٢٦ / ب
أقوال غريبة :
أحدها: إن سَمِعَه من النبي ◌َّ على طريق تعليم الحكم وجب اعتقاد عمومه
في الحال، وإن سمِعه من غيره لزمه التثبت، ونُسِبَ لأبي عبد الله الجرجاني من
الحنفية .
والثاني: وحكاه الشيخ أبو حامد، وسليم الرَّازِيّ في ((التقريب)) عن أهل
العراق أنه إن ورد بياناً بأن يكون جوابا لسؤال أو أمراً أو نهياً وجب حمله على
عمومه، وإن ورد ابتداء وجب التوقف فيه، وحكاه أبو بكرِ الرَّازِيّ في أصولِه،
واختاره، على غير هذا الوجه، وهو التفصيل بين أن يرد جواباً عن سؤال أو أمراً أو
نهياً، فيجب حمله على عمومه، لأنه لو كان خاصاً لما تركه عليه السلام بلا بيان في
(١) في الأصل: ((الصحابة)) وما ذكرناه هو ما يقتضيه السياق.
٣٩
الحال التي ألزم بتنفيذ الحكم مع جهل السائل.
وإن ورد ابتداء من غير تعلق بسؤال أو سمع آية من القرآن مبتدأة والسائل من
أهل النظر والاجتهاد، قال الرازي: ففيه وجهان: أحدهما: لا يحكم بظاهره حتى
يبحث عن المخصص، فإن لم يجده أمضاه على عمومه.
والثاني: إن كان مخاطباً بحكم اللفظ فليس يخليه الله تعالى عند سماع اللفظ
من آية دلالة التخصيص عليه، حتى يكون كالاستثناء المتعقب للجملة، وأما من لم
يكن مخاطباً بالحكم، فليس عليه أن يعتقد فيه عموماً ولا خصوصاً.
قال: وأما العامي فليس له أن يعتقد شيئاً من ذلك، ولكنه إذا سأل عن حكم
حادثة مِمّن يلزمه قبول قوله، فأجابه بجواب مطلق أمضاه على ما سمعه، ومنهم من
اقتصر على العموم من غير تفصيل، وهو خطأ؛ لأن فيه إيجاب اعتقاد عموم مالا
يعلم صحة عمومه، لا سيما إذا كان مخصّصاً في نفس الأمر. اهـ.
الثالث: وحكاه الَاوَرْدِيُّ والرُّوْيانيُّ في كتاب ((الأقضية)) التفصيل بين أن يدخله
تخصيص أو لا ، فقبل التخصيص يستعمل على عمومه من غير اجتهاد ولا نظر،
وبعد التخصيص يحتمل. قالا: وهو قول أهل العراق، وكلام ابن كُج يقتضي
تخصيص الخلاف بما إذا لم يكن هناك ما يخصصه، فإن وجدنا ما يخصصه وجب
العمل بالعام بلا خلاف من غير توقف، وإن كان يجوز أن يكون هناك مخصص
آخر، فإنه جعل هذا أصلاً قاس عليه موضع الخلاف.
وحكى ابن فُورَك مذهب الصَّيْرَفيِّ ومقابله قولاً بالتفصيل بين الأوامر والأخبار،
قال: ومنهم من جمع في الوقف بينهما، وهو الأفقه، ومنهم من حمله على ثلاثة،
وتوقف في الزائد عليه. والمشهور حكاية هذا في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ونقل بعضهم عن ((الأصول)) للأستاذ أبي إسحاق أن محل الخلاف في هذه
المسألة فيما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاته عليه السلام، فإن ورد في عَهْده،
وجب المبادرة إلى الفعل على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن مقررة.
٤٠