النص المفهرس
صفحات 1-20
وزارة الأوقاف الشئون الإسلامية
التحـ
S
ء
في أصول الفقه
للزركشي
وهو بدر الدين محمد بن تجاور بن عدابه الشّائِى (٧٤٥ - ٧٩٤هـ)
الجزء الثالث
قَام بتحريره
د. محمد سليمان الأشقر.
وَرَاجَعَه
دعبد السَار أبو هده ود.محمد سليمان الأشقر
0
$
>3
٧
食
7
في أصول الفقه
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشئون الإِسلامية بالكويت
الطبعة الثانية
١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م
تشرفت بإعادة طبعه :
دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع - بالغردقة ج.م.ع
الغردقة: شارع الكورنيش - تليفون: ٤٤٦٠٤٥/ ٤٤٧٥٧٠ - ت + فاكسميل: ٤٤٧٣١٥
القاهرة: ٦ (أ) شارع ينبع متفرع من ش الأنصار - الدقى - ت + فاكسميلى : ٣٦١٤٧٥٧
مَبَاحِثُ العَامِ
تعريف العام لغة واصطلاحا
قال الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه): لم نكن نعرف الخصوص والعموم
حتى ورَدَ علينا الشافعي (رضي الله عنه).
وهو في اللغة: شمول أمر لمتعدد، سواء كان الأمر لفظاً أو غيره، ومنه: عمَّهم
الخير إذا شملهم وأحاط بهم، ولذلك / يقول المنطقيون: العام مالا يمنع تصوّر(١) ١/١٢٢
الشركة فيه كالإنسان. ويجعلون المطلق عاماً.
واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له من غير حصر، أي يصلح له
اللفظ العام كـ ((مَنْ)) في العقلاءِ دون غيرهم، و ((كلّ)) بحسب ما يدخل عليه، لا
أن عمومه في جميع الأفراد مطلقاً. وخرج بقيد ((الاستغراق)) النكرة، وبقوله: ((من
غير حصر)): أسماء العدد، فإنها متناولة لكلّ ما يصلح له لكن مع الحصر. ومنهم
من زاد عليه: ((بِوَضْع واحد))، ليحترز به عما يتناوله بوضعين فصاعداً كالمشترك.
وذكر ابن الحاجب أن العام يطلق أيضاً على اللفظ بمجرد تعدد مسمياته، مثل:
العشرة والمسلمين لمعهود، وضمائر الجمع، كما يطلق التخصيص على قصر اللفظ
على بعض مسمياته، وإن لم يكن عاماً.
وقال أبو عَليّ الطَبَريّ: ((مساواة بعض ما تناوله لبعض))، ونوقض بلفظ التثنية،
فإن أحدهما مساو للآخر، وليس بعام.
وقال القَفّال الشاشي: أقل المحموم شيئان، كما أن أقل الخصوص واحد. وكأنه
(١) الصواب : تصوره
نظر إلى المعنى اللغوي: وهو الشمول، والشمول حاصل في التثنية، وإلا فمن
المعلوم أن التثنية لا تسمى عموماً، لا سيما إذا قلنا: أقل الجمع ثلاث، فإذا سلب
عنها اسم الجمع فالعموم أولى، ثم إن القَفَّال يُجَوِّزُ تخصيص لفظ العموم إلى
الثلاثة، ولا يُجُوِّزُ تخصيص اللفظ فيما دون الثلاث، وفي الجمع بين الكلامين
تناف .
وقال المَازَرِىُّ: العموم عند أئمة الأصول: هو القول المشتمل على شيئين،
فصاعداً. والتثنية عندهم عموم لما يتصور فيها من معنى الجمع، والشمول الذي
لا يتصور للواحد، وحصل من هذا خلاف في التثنية: هل لها عموم؟ وهو غريب.
وقال الغزالي: اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعداً.
واحترز بقوله: ((فصاعداً) عن لفظ: ((التثنية))، وأراد ((بالواحد)) مقابل المركب حتى
يشمل الاثنين، واقتضى كلامه في ((المستصفى)) أن قوله: ((واحد ومن جهة
واحدة))، فصل واحد، واحترز به عن قولهم: ضرب زيد عمراً، فإنه دل على
شيئين، ولكن بلفظين لا بلفظ واحد، ومن جهتين لا من جهة واحدة. وأراد
بالجهتين: الفاعل والمفعول.
وقال الصَفِيُّ الهندي: اعترض عليه بأنه إن أراد دلالة: ((ضرب)) عليهما
فباطل، لأنها التزامية، ودلالة العام على معناه بالمطابقة، وإن أراد به دلالتها على
ذاتهما فكذلك، لخروجه عنه باللفظ الواحد.
وقال ابن الحاجب: يدخل فيه كل معهود ونكرة، وقد نلتزمه فنقول: إنهما
عامان لدلالتها على شيئين فصاعداً، وليس كما قال، أما أولاً: فلا نسلم دخولهٍ،
لأنه ليس بجهة واحدة. وأما ثانياً: فلأنه اختار في ((المستصفى)) أن الجمع المنكّر
لیس بعام.
وقال ابن فُورَك، وإلْكِيا الهراسي: اشتهر من كلام الفقهاء أن العموم هو اللفظ
المستغرق، وليس كذلك؛ لأن الاستغراق عموم، وما دونه عموم، وأقل العموم
اثنان، ولما لم يصح أن يعم الشيء نفسه كان ما زاد عليه يستحق به اسم العموم،
قلّ أم كثر، وكذلك قال المتكلمون من الواقفية: إنا نقول بالعموم، ولا نقول
٦
بالاستيعاب، وهو الخصوص في عبارة أكثر الفقهاء، لأنهم يقولون لمن يحمل
الخطاب على ثلاثة: إنهم أهل الخصوص، ولا يمتنع أن يكون الشيء عموماً أو
خصوصاً من وجهين. وقد أخذ جماعة من الأصوليين في حد العام ((الاستغراق))،
ولم يأخذه آخرون، وقد تظهر فائدة ذلك في العام الذي خص به البعض، فمِن
اشترط في العموم الاستغراق لا يجوِّز التمسك به أو يضعفه، لأنه لم يبق عاماً.
ومن لم يشترطه وإنما اشترط الدلالة على جمع جوّزه.
[الفرق بين العموم والعام]
وهنا أمور: أحدها: في الفرق بين العموم والعام، فالعام هو اللفظ المتناول،
والعموم: تناول اللفظ لما صلح له، فالعموم مصدر، والعام: اسم فاعل مشتق
من هذا المصدر، وهما متغايران، لأن المصدر الفعل، والفعل غير الفاعل.
ومن هذا يظهر الإنكار على عبد الجبار وابن برهان وغيرهما في قولهم: ((العموم
اللفظ المستغرق)) فإن قيل: أرادوا بالمصدر اسم الفاعل، قلنا: استعماله فيه مجاز
ولا ضرورة لارتكابه مع إمكان الحقيقة، وفرَّق القَرَافي بين الأعم والعام، بأن
الأعم إنما يستعمل في المعنى، والعام في اللفظ، فإذا قيل: هذا أعم تبادر الذهن
للمعنى، وإذا قيل: هذا عام تبادر الذهن للفظ.
[الفرق بين عموم الشمول وعموم الصلاحيّة]
الثاني: العموم يقع على مسمى عموم الشمول، وهو المقصود هنا، وعموم
الصلاحية، وهو المطلق، وتسميته عاماً باعتبار أن موارده غير منحصرة لا أنه في
نفسه عام. ويقال له: عموم البدل أيضاً. والفرق بينهما: أن عموم الشمول كلي،
ويحكم فيه على كل فرد، وعموم الصلاحية (كلي، أي لا يمنع تصوره من وقوع
بري
الشركة.
[تفاوَتَ صِيغَ الأَعَمِّ]
الثالث: صيغ الأعم تتفاوت. قال سليم الرازي في ((التقريب)): أسم الأسماء
٧
قولنا: معلوم ومذكور، لتناوله الموجود والمعدوم، ثم شيء وموجود، لتناوله القديم
والمحدث، ثم محدث لتناوله الجسم والعرض، ثم جسم ثم حيوان ثم إنسان ثم
رجل ثم أنا وأنت.
ما يدخله العموم ومالايدخله
والكلام في العموم في مواضع:
أحدها: هل يتصور في القول النفسي؟ المشهور من مذهب الأشعرية تصوره،
كما قالوا في الأمر والنهي .
قال القاضي أبو بكر: اعلم أن العموم والخصوص يرجعان إلى الكلام، ثم
الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس، وهو الذي يعم ويخص، والصيغ
والعبارات دالة عليه، ولا تسمى بالعموم والخصوص إلا تَجُوُّزاً، كما أن الأمر
والنهي يرجعان إلى المعنى القائم بالنفس دون الصيغ.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن العموم والخصوص وصفان راجعان إلى العبارات
والصيغ، كقولهم في الأمر والنهي. انتهى.
وأنكر إمام الحرمين ظهوره في ذلك، وأشار إلى أنه مخالف لجماعة الأشعرية فيما
قالوه، وَصَرَفَ عموم النفسيِّ إلى علوم فيها تكون المعلومات على جهات دون
جهات .
قال المازَرِيُّ: ويقال له: إِن أنكرت وجود قول في النفس يتضمن معنى
الاستيعاب بنفسه وحقيقته فمسلّم، وأما إثبات قول في النفس هو خبر عن معنى
العموم فليس هو المراد، والنزاع فيه .
الثاني: هل العموم(١) في الِعَمْوُم؟ قال المازَرِيُّ: اختلفوا في نحو قولهم: هذا
عطاء عام، هل ذِكْرُ العموم هنا حقيقة أو مجازٌ؟ قال الأكثرون من أئمة الكلام:
إنه مجاز لكون ما يتناوله كل إنسان من العطاء مختصاً به، وهو غير ما يتناوله
صاحبه، بخلاف قوله تعالى: ﴿المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] فإنّ هذه اللفظة تتناول
(١) كذا في الأصل
٨
كل مشرك تناولاً واحداً. وقيل: حقيقة، والخلاف في هذا لا طائل تحته.
الثالث: هل يتصور في الأحكام حتى يقال: حكم قطع السارق عام؟ أنكره
القاضي، فإذا قيل: حكم الله عام في قطع السارق، فكل سارق يختص بما ورد
فيه / من الحكم. وأثبته إمام الحرمين وابن القُشَيْرى.
١٢٢/ ب
وهذا الذي ذكره القاضي إن أراد به أن القطع الذي يختص به هذا السارق لا
يتعداه إلى غيره، فلعله تخريج على القول برجوع الأحكام إلى صفات النفس؛ فأما
عندنا فالأحكام ترجع إلى قول الشارع.
وقال المازَرِيُّ: الحقُّ ابتناء هذه المسألة على أن الحكم يرجع إلى قول أو إلى
وصف يرجع إلى الذات؛ فإن قلنا بالثاني، لم يتصور العموم لما تقدم في الأفعال،
وإن قلنا: يرجع إلى قول الله، فقوله سبحانه: ﴿والسارق﴾ [سورة المائدة / ٣٨]
يشمل كل سارق، فنفس القطع فِعْلٌ، والأفعال لا عموم لها حقيقة.
الرابع: هل يتصور في الأفعال؟ قال القاضي أبو عبد الله الصَيْمَرِي الحنفي في
كتابه ((مسائل الخلاف في أصول الفقه)): دعوى العموم في الأفعال لا يصح عند
أصحابنا. وقال بعض أصحاب الشافعي: ودليلنا أن العموم ما اشتمل على أشياء
متغايرة، والفعل لا يقع إلا على درجة واحدة.
واحتج الخصم بقوله: (حُكْمِي على الواحد حكمي على الجماعة)، دل على أن
فعله في عين واحدة يقتضي تعدّيه في كل عين. والجواب: أن هذا لم يعرف موضع
النزاع منه. انتهى.
وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصح العموم إلا في الألفاظ، وأما في الأفعال فلا
يصحٍ، لأنها تقع على صفة واحدة، فإن عُرِفَت اختص الحكم بها، وإلا صار
مجملاً. فمما عُرِفت صفته قولُ الراوي: (جَمْعَ بين الصلاتين في السفر)، فهذا
مقصور على السفر. ومن الثاني: قوله: (في السَّفر) فلا يدرى إن كان طويلاً أو
قصيراً، فيجب التوقف فيه، ولا ندَّعي فيه العموم.
وقال ابن القشيرى: أطلق الأصوليون أن العموم والخصوص لا يتصور(١) إلّ في
(٢) الصواب: يتصوران.
٩
الأقوال، ولا يدخل في الأفعال، أعني: في ذواتها، فأما في أسمائها فقد يتحقق،
ولهذا لا يتحقق ادعاء العموم في أفعال النبي ◌ََّ [عند من] استدل على أن وقت
العشاء يدخل بمغيب الشفق الأحمر، بما (١) روي (أنه صلى العشاء بعد مغيب
الشفق) [فالعموم في الأقول](٢) دون المعاني والأفعال.
وقال أصحاب مالك: يكون العموم في الأفعال كالأقوال، ولذلك استدلوا على
أن كل فِطْر بمعصية يوجب الكفارة بما روي أنّ رجلاً أفطر، فأمره النبي وَّة
بالكفارة .
وقال أصحابنا: إطلاق معنى العموم يصح في الألفاظ والمعاني، ودلائل الألفاظ
من مفهوم أو دليل خطاب، وكذلك أحوال الفعل المُقْضيِّ فيه بحكمٍ من الأحكام،
إذا تُرِك فيه التفصيل؛ كتخيير من أسلم على أختين بينهما، ومِن أسلم على عشر
باختيار أربع، ولم نسأله عن حقيقة عقودهن وقعن معاً أو مرتباً، وأمّا نفس الفعل
الواقع فلا يصح دعوى العموم فيه، كما روي أن النبي ◌ّ سها فسجد، لا يجوز
الاستدلال على أن كل سهو يوجب السجود.
الخامس: لا خلاف أن العموم من عوارض صيغ الألفاظ حقيقة بدليل أن
الأصولي إذا أطلق لفظ العام لم يفهم منه إلا اللفظ. قال في ((البديع)): بمعنى وقوعٍ
الشركة في المفهوم، لا بمعنى الشركة في اللفظ، يريد أن معنى كون اللفظ عاما
حقيقة أنه يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون في معناه، وليس معنى كون اللفظ
عاماً كونه مشتركاً بالاشتراك اللفظي، كالقرء بالنسبة إلى كونه حقيقة في الحيض
والطهر، بل بالاشتراك المعنوي.
وقال الأبْيارى: قول الغزالي: إن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ لا
يظن به إنكار كلام النفس، وإنما الظن به أنه أراد به الصيغ للاحتياج إلى معرفة
وضع اللغة فيها. انتهى.
(١) في الأصل: لما.
(٢) زيادة يقتضيها المقام.
١٠
وقال ابن برهان: الصحيح أنه من صفات الألفاظ؛ لأنا إذا قلنا: مسلمون أو
المسلمون، عاد الاستغراق إلى الصيغة، فإن الصيغة المتحدة هي المتناولة للكل.
وقال قوم: يمكن دعوى العموم في المعانى، تقول العرب: عمّهم الخصب والرخاء
وغير ذلك، وهذا لا يستقيم، فإن المعاني في هذه الصورة متعددة، فإن ما خص
هذه البقعة غير ما خص الأخرى.
وقال إلْكِيا الهراسى في ((تعليقه)): الصحيح أنه لا يقع حقيقة إلا على الألفاظ،
لأن المعنى الواحد لا يشمل الكل، فإن اللذة التي حصلت لزيد غير التي حصلت
لعمرو.
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): الجمهور على أنه لا يوصف بالعموم
إلا القول فقط، وذهب قوم من أهل العراق إلى أنه يصح ادّعاؤه في المعاني
والأحكام، ومرادهم بذلك حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم تكن هناك
صيغة تعمِها كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة / ٣] أي نفس الميتة
وعينها، لمّا لم يصح تناول التحريم لها عمّ التحريم جميع التصرف من الأكل
والبيع واللمس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم بعموم
ولا خصوص، وكذا قوله: (إنما الأعمال بالنيات) عام في الإجزاء والكمال،
والذي يقوله أكثر الفقهاء والأصوليين اختصاصه بالقول، وإن وصفهم الجور
والعدل بأنه عام مجاز.
وقال أبو زيد الدَّبوسي في (التقويم)): العموم لا يدخل في المعاني على
الصحيح؛ لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد، إلا إذا اختلفت في أنفسها،
وإذا اختلفت تدافعت، وهذا كالمشترك فلا عموم له؛ بل هو بمنزلة المحل.
وقال: وذكر أبو بكر الجَصَّاص أن العموم ما ينتظم جمعاً من الأسامي والمعاني،
وكأنه غلط منه في العبارة دون المذهب، فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له،
وإنما أراد بالمعاني معنى واحداً عاماً، كقولنا: خِصْبُ عامِّ ومطر عام.
وقال شمس الأئمة السَّرَخسي: ذكر أبو بكر الجَصَّاص أن العموم حقيقة في
١١
المعاني والأحكام كما هو في الأسماء والألفاظ وهو غلط، فإنّ المذهب عندنا أنه لا
يدخل المعاني حقيقة، وإن كانت توصف به مجازاً، وهذا خلاف طريقة أبي بكر
الرَّازي، فإنه حكى عن مذهبهم أنه حقيقة في المعاني أيضاً، واختاره ابن
الحاجب، وعَمَّمَ الحقيقة في المعنى الذهني والخارجي، ولذلك مثل بعموم المطر
والخصب. ثم قال: وكذلك المعنى الكلي.
وقال الصفِيُّ الهندي: الحق هو التفصيل بين المعاني الموجودة في الخارج، وبين
المعاني الكلية الموجودة في الأذهان، فإن عِنَّوْا بقولهم المعاني غير موصوفة بالعموم،
١٢٣/أ المعاني الموجودة في الخارج، فهو حق؛ لأنّ كل ما له وجود في الخارج / فإنه لابد
وأن يكون متخصصاً بمحل دون محل وحال مخصوص، ومتخصصاً بعوارض لا
توجد في غيره، وعند ذلك يستحيل أن يكون شاملاً لأمور عديدة.
وإن عَنَوْا به مطلق المعاني - سواء كانت ذهنية أو خارجية - فهو باطل، فإن
المعاني الكلية الذهنية عامة بمعنى أنها معنى واحد متناول لأمور كثيرة.
وأمَّا في المعاني ففيه وجهان لأصحابنا، حكاهما الشيخ أبو إسحاق وغيره،
والأكثرون على أنه لا يسمى عاماً حقيقة، وإذا أضيف العموم إلى المعنى كقولنا:
هذا حكم عام أو قضية أو حديث عامّ فهو من قبيل الإطلاق المجازي، أي لا
يستحق المعنى بحق الأصل أن يوصف بالعموم، وإنما هو بحسب الاستعارة: إما
من اللفظ، أو نظر إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لمجموع محالّه، وكذا
إطلاق العموم في العلة والمفهوم ونحوهما، فمن أطلق عليها العموم لا يناقض
اختياره هنا أن المعنى لا يسمّى عاماً؛ لأن ذلك إطلاق مجازي .
قال: ولا يجري هذا التفصيل في اللفظ، إذ اللفظ لا وجود له في الخارج، وأما
تخصيص وجوده باللساني فلا يمنع من حمله ودلالته على كل مسمياته. انتهى.
وقال القاضي عضد الدين: إن كان الخلاف في الإطلاق اللغوي فأمره سهل،
أي ويصير الخلاف لفظياً، وإن كان في واحد متعلق بمتعدد فذلك لا يتصور في
الأعيان الخارجية، وإنما يتصور في المعاني الذهنية، والأصوليون ينكرون وجودها.
١٢
قلت: وصَرَّحَ الهندي في ((الرسالة السيفية)): بأن الخلاف في اللغة، فقال:
العموم من عوارض الألفاظ خاصة بحسب الاصطلاح إجماعاً، وكذا لغة على
المختار، وقيل من عوارض المعاني أيضاً. انتهى.
وفصل ابن برهان بين المعاني الكلية مثل: حكمة الرَّدْع في نَصْب القتل سبباً،
فهي مثل الحكم يجري فيها العموم، وبين الجزئية فلا يجري فيها العموم.
وقال الآمدى في ((غاية الأمل)): لعل مَنْ منع عروض العموم للمعاني لم يكن إلا
لنظره إلى مالا ينحصر منها، وغفلَتِه عن تحقيق معنى كليتها.
فتحصلنا على ثمانية مذاهب:
أحدها: أنه لا يعرضهما(١) مطلقاً.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه يعرضهما (١) مجازاً لا حقيقة.
والثالث: أنه يعرضهما(١) حقيقة بالاشتراك اللفظي.
الرابع: أنه يعرضهما(١) حقيقة بالتواطؤ، فتكون موضوعة للقدر المشترك بين
اللفظ والمعنى، وهذا والذي قبله يخرجان من كلام القَرَافى في كتابه ((العقد
المنظوم)).
والخامس: أنه حقيقة في المعاني مجاز في الألفاظ. قال الأصفهاني في ((شرح
المحصول)): نقله ابن الحاجب، وهو غريب.
السادس: التفصيل بين المعنى الذهني والخارجي.
السابع: التفصيل بين المعنى الكلي والجزئي.
والثامن: الوقف وهو قضية كلام الآمدى، فإنه أبطل أدلة القائلين بالحقيقة
والقائلين بالمجاز، ولم يخْتر منها شيئاً، فدل على أنه متوقف.
ويخرّج على هذا الأصل مسائل: منها أنَّ المفهوم لا عموم له على رأي الغزالي؛
لأنه ليس بلفظ. ومنها: دلالة الاقتضاء هل هي عامة أم لا؟ ومن ثَمَّ ينبغي تأمُّل
(١) الصواب: يعرض لهما.
١٣
كلام ابن الحاجب في أن العموم من عوارض المعاني حقيقة، وأنّ المقتضى لا عمومٍ
له. ومنها: أن العقل(" هل يختص؟ ومنها: سكوت النبي ميّة، هل يكون دليلاً
عاما؟
تنبيهات
الأول: ظهر بما ذكرناه أن المراد بالمعاني هنا المعاني المستقلة، ولهذا مثلوه بالمفهوم
والمقتضى، لا المعاني التابعة للألفاظ، فتلك لا خلاف في عمومها، لأن لفظها
عام .
وقال القَرَافي: ((اعلم أنَّا كما نقول: لفظ عام، أي شامل لجمع أفراده، كذلك
نقول للمعنى: إنه عام أيضاً، فنقول: الحيوان عام في الناطق والبهيمة، والعدد
عام في الزوج والفرد، واللون عام في السواد والبياض، والمطر عام. وهذه كلها
عمومات معنوية، لا لفظية، فإنا نحكم بالعموم في هذه الصور على هذه المعاني
عند تصورنا لها، وإن جهلنا اللفظ الموضوع بإزائها: هل هو عربي أو عجمي؟
شامل أو غير شامل؟
وأما عموم اللفظ فلا نقول: هذا اللفظ عام حتى نتصور اللفظ نفسه، ونعلم
من أي لغة هو، وهل وضعه أهل تلك اللغة عاماً شاملاً أو غير شامل؟ فلو وجدناه
شاملاً سميناه عاماً، وإن لم نجده شاملاً لم نسمه عاماً عموم الشمول، وقد نسميه
عاماً عموم الصلاحية، فقد ظهر حينئذ أنّ لفظ العموم يصلح للمعنى واللفظ،
وهل ذلك بطريق الاشتراك أو بطريق التواطؤ؟ فيه ما سبق.
الثاني: أن هذا الخلاف فرضوه في العام، ولم يُجْرُوه في الخصوص: هل هو
حقيقة في المعاني أم لا؟ ولا شك في طرده. قال المقترحُ: القائلون بأن العام
والخاص من عوارض الألفاظ اختلفوا على مذهبين:
أحدهما: أن العام راجع إلى وصف متعلق العلم كالخبر فإنه متعلق بمخبرين،
والعلم بمعلومين.
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الفعل.
١٤
والثاني: أنهما صفتان زائدتان على المعاني وهما من أقسام الكلام.
الثالث: قال القَرَافي: اصطلحوا على أن المعنى يقال له: أعمّ وأخص، واللفظ
يقال: له عام وخاص، ووجه المناسبة أنَّ ((أعم)) صيغة أفعل التفضيل والمعاني
أفضل من الألفاظ، فخصت بصيغة أفعل التفضيل، وإطلاق ابن الحاجب وغيره
يخالف هذا الاصطلاح.
الرابع: المعروف من إطلاقاتهم أن الأخص يندرج تحت الأعم، ووقع في عبارة
صاحب المقترحُ ((الأعم مندرج تحت الأخص)) قال بعض شارحيه: وجه الجمع أن
العموم والخصوص إن كانا في الألفاظ، فالأخص منهما مندرج تحت الأعم، لأن
لفظ ((المشركين)) مثلاً يتناول زيدا المشرك بخصوصه، وإن كانا في المعاني فالأعم
منها مندرج تحت الأخص، لأن زيدا إذا وجد بخصوصه اندرج فيه عموم
الجوهرية والجسمية والحيوانية والناطقية.
مسألة
فيعموم المجاز
وهل يتعلق العموم بالمجاز؟ فيه وجهان لأصحابنا، حكاهما ابن السمعانى.
أحدهما: المنع، فلا يدخل العموم إلا في الحقائق.
والثاني: يدخل فيه المجاز كالحقيقة، لأن العرب تخاطب به كما تخاطب .
بالحقيقة .
قلت: والأول صار إليه بعض الحنفية. قال: فإنه على خلاف الأصل فيقصر
على الضرورة كما قال أصحابنا: إن ما ثبت بالضرورة يقدّر بقدرها، وهي مسألة
عموم المقتضى، وهذا ضعيف، وليس المجاز مختصاً بمحالّ الضرورات، بل هو
عند قوم غالب على اللغات.
١٥
وعزى صاحب ((اللباب)) من الحنفية القول بأنه لاعموم للمجاز للشافعي.
وقال بعض متأخريهم: المجاز المقترن بشيء من أدلة العموم كالمعرّف باللام
ونحوه لا خلاف في أنه لا يعم جميع ما يصلح له اللفظ من أنواع المجاز، كالحلول
والسببية والجزئية ونحوه. أما إذا استعمل باعتبار أحد الأنواع كلفظ الصاع(١)
المستعمل فيما يَحُلَّهُ، فالصحيح أنَّه يعم جميع أفراد ذلك المعنى، لأن هذه الصيغ
للعموم من غير فرق بين كونها مستعملة في المعاني الحقيقية أو المجازية.
ونقل عن بعض الشافعية أنه لا يعم، حتى إذا أريد المطعوم اتفاقاً لا يثبت غيره
من المكيلات، لأن المجاز ضروري، والضرورة تندفع بإيراد بعض الأفراد، فلا
يثبت الكل كالمقتضى.
وأجيب بأنه إن أريد بالضرورة من جهة المتكلم في الاستعمال، بمعنى أنه لم يجد
طريقاً لتأدية المعنى سواه فممنوع، لجواز أن يعدل إلى المجاز لأغراض مع القدرة
على الحقيقة، وإن أريد من جهة الكلام والسامع بمعنى أنه لما تعذر العمل بالحقيقة
وجب الحمل على المجاز ضرورة، لئلا يلزم إلغاء الكلام، فلا نسلم.
قال: واعلم أن القول بعدم عموم المجاز مما لم نجده منقولاً في كتب الشافعية،
١٢٣ / ب ولا يتصور الخلاف في قولنا: جاءني الأسُودُ الرُّماة إلا زيدا /، وتخصيصهم الصاع
بالمطعوم مبني على قولهم: إن العلة الطعم، لا على عدم عموم المجاز.
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): لا يصح دخول المجاز في الاسم
العام، كقولنا: معلوم، ومذكور، ومخبر عنه.
(١) في الأصل: المضارع.
١٦
مسألة
القائلون ليس للعموم صيغة تخصه
اختلفوا في أصل صيغته على مذاهب:
أحدها: وهم الملقبون بأرباب الخصوص أنه ليس للعموم صيغة تخصه، وأن ما
ذكروه من الصيغ موضوعٌ للخصوص، وهو أقل الجمع، إما اثنان أو ثلاثة، ولا
يقتضي العموم إلا بقرينة. وبه قال ابن المنْتَاب من المالكية، ومحمد بن شجاع
البَلْخِى من الحنفية، وغيرهما.
وقال القاضي في ((التقريب))، والإمام في ((البرهان)): يزعمون أن الصيغ
الموضوعة للجمع نصوصٌ في الجمع، محتملات فيما عداه إذا لم تثبت قرينة تقتضي
تعديها عن أقل المراتب.
وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): يشبه أن يكونوا جعلوا لفظة ((مَنْ)) حقيقة في
الواحد مجازاً في الكل، وجعلوا بقية ألفاظ العموم حقيقة في جمع غير مستغرق؛
لأنه يبعد أن يجعلوا ألفاظ الجمع المعرف باللام كالمسلمين حقيقة في الواحد مجازاً
في الجمع، ولفظ ((كل وجميع)» أبعد.
الذين قالوا للعموم صيغة حقيقية تخصه
والثاني: أن له صيغة مخصوصة بالوضع حقيقة، وتستعمل مجازاً في الخصوص،
لأن الحاجة ماسَّة إلى الألفاظ العامة لتعذر جمع الآحاد على المتكلم، فوجب أن
يكون لها ألفاظ موضوعة كألفاظ الآحاد والخصوص؛ لأن الغرض من وضع اللغة
١٧
الإعلام والإفهام كما عكسوا في الترادف، فوضعوا للشيء الواحد أسماء مختلفة
للتوسع، وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم.
قال القاضي عبد الوهاب: مذهب مالك وكافة أصحابه أن للعموم صيغة،
ومن يتتبع كلامه في ((الموطأ)) يجد من استدلاله بالعموم كثيراً. قال: وهو قول
الفقهاء بأسرهم. وقال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الظاهر وبه نأخذ.
تحقيق مذهب الشافعي
وقال الصَّيرَفي في كتاب ((الدلائل والاعلام)): زعمت طائفة من أصحابنا أن
مذهب الشافعي أن الآية إذا وردت ظاهرة في العموم لا يقضى عليها بعموم ولا
خصوص إلا بدليل من خارج.
قال: وهذا الذي قالوه ضد قول الشافعي سواء، لأنه(١) الذي قد اشتهر به في
كتبه، وعند خصومه أن الكلام على عمومه وظاهره، حتى يأتي دلالة تقوم على أنه
خاصّ دون عام، وعلى أنه باطن دون ظاهر. وقد قال (رضي الله عنه) في
((الرسالة)): الكلام على عمومه وظاهِرِه حتى تأتي دلالة تدل على خصوصه.
وقال أيضاً ما نصه: فكل خطاب في سنة رسول الله وَلة، أو في كلام الناس -
فهو على عمومه وظهوره إلا أن يأتي دلالة تدل على أنه خاص دون عام، وباطن
دون ظاهر.
ثم قال: وإذا وجدت خبراً عن رسول الله - وَلّ - مجملاً، فهو على عمومه
وظاهره، إلا أن يأتي عن رسول الله - څ} - خبر يدل على أنه خاص دون عام،
وباطن دون ظاهر، فيستدل بذلك. ثم قسم القرآن والأخبار على ذلك.
(١) الصواب : لأنَّ
١٨
قال: فثبت من هذا أن مذهب الشافعي أن الكلام من كل مخاطب على ما
اشتمل عليه الاسم مالم يمنع من إجراء الاسم عليه دليل. ومعنى قوله: ((إلا أن
يأتي دلالة)) يُجُوِّز على نفسه استتار الدليل من خبر أو غيره، فإذا علم صار إليه،
وعلم أن الكلام كان عاماً.
ثم ذكر الصَّيْرَ فيُّ نصوصاً للشافعي كثيرة صريحة في ذلك، بل قطعية فيه، قال:
والدليل القطعي قائم عليه، وإنما يثبتُ هنا أن ذلك مذهب الشافعي، وأني لم
أقلده فيه، لقيام البرهان عليه، ثم بَين وجه شبهة الناقلين عن الشافعي الوقف،
ثم ردها.
ثم قال: ولا يقال: إن له في المسألة قولين، لأن هذا غير معروف؛ بل المعروف
بينه وبين أصحابه ما وصفت لك، منهم: الْمُزَني، وأبو ثّوْر، والبُوَيْطِي، والحسين
الكَرَابِيسي، والأشعري، وداود، وسائر الشافعيين. هذا كلام الصَّيْرَفي، وعجيب
نقله القول بالصيغة عن الأشعري.
وقال الشيخ أبو حامد الأسْفَرايني: قال الشافعي في ((الرسالة)): كل كلام كان
عاماً ظاهراً فهو على عمومه وظهوره، حتى يُعْلم حديث ثابت عن رسول الله ◌َّ
يدل على أنه إنما أراد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض.
. وقال في كتاب ((أحكام القرآن)): قال لي قائل: تقول الحديث على عمومه
وظهوره، وإن احتمل معنی غیر العام والظاهر، حتى يأتي دلالة على أنه خاص دون
عام، وباطن دون ظاهر؟ قلت: فكذلك أقول.
وقال في كتاب ((اختلاف الحديث)): القرآن عربي كما وصفت، والأحكامٍ فيه
على ظاهرها وعمومها، وليس لأحد أن يحيل منها ظاهراً إلى باطن، ولا عاماً إلى
خاص إلا بدلالة.
وقال الشيخ أبو حامد: وهذا صحيحُ، العمومُ عندنا له صيغة إذا أوردت مجردة
عن القرائن دلت على استغراق الجنس. هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأصحابه،
وأبو حنيفة وأصحابه، وداود وأهل الظاهر، وبه قال من المتكلمين الجُبَّائي
وطائفة .
١٩
وذهبت طائفة إلى أن هذه الألفاظ إذا وردت فإنها تحمل على أقل الخصوص
حتى يدل دليل على أن المراد بها زيادة على ذلك. ثم اختلفوا في قدر ما يحمل عليه،
فمنهم من قال: يحمل على اثنين، ومنهم من قال على ثلاثة، ذهب إلى هذا جماعة
من المعتزلة، منهم أبو هاشم وغيره، وذهبت الأشعرية إلى الوقف.
[الذين لا يثبتون للعموم صيغة لفظيَّة]
والثالث: أن شيئاً من الصيغ لا يقتضي العموم ولا مع القرائن، بل إنما يكون
العموم عند إرادة المتكلم، وهو قول جمهور المرجئة، ونُسِبَ إلى الأشعري.
قال في ((البرهان)): نقل مصنفو المقالات عن أبي الحسن الأشعري والواقفية
أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية، وهذا النقل على الإطلاق زللٌ، فإن
أحداً لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به، كقول
القائل: رأيت القوم واحداً واحداً لم يفتني منهم أحد، وإنما كرّر هذه الألفاظ قطعاً
لتوهم من يحسبه خصوصاً، إلى غير ذلك. وإنما أنكر الواقفية لفظةً واحدة مشعرة
بمعنى الجمع. انتهى.
وما ادّعى فيه الوفاق فهو محل خلاف، صرح به في كتاب ((التلخيص من
التقريب)) للقاضي، وسيأتي. وليس مراده ((بالجمع)) القدر المخصوص من ثلاثة أو
اثنين، إنما مراده الشمول بدليل المثال المذكور.
[القائلون بالوَقف]
والرابع: الوقف، ونقله القاضي في ((مختصر التقريب)) عن الشيخ أبي الحسن
ومعظم المحققين، وذهب إليه. وحقيقة ذلك: أنّا سَبَرْنَا اللغة ووضعها، فلم نجد
٢٠