النص المفهرس
صفحات 341-360
d - ٣٤١ ٦ قدم الكلام فيه على الكلام في النهي، لتقدم الإثبات على النفي، أو لأنه طلب إيجاد الفعل، والنهي طلب الاستمرار على عدمه، فقدم الأمر تقديم الموجود على المعدوم، وهو التقديم بالشرف، ولو لوحظ التقديم الزماني لقدم النهي تقديم العدم على الوجود ، لأن العدم أقدم . وجمعه الأصوليون على أوامر، وقد سبق في الفرق بين الحقيقة والمجاز أنه بمعنى القول المخصوص يطلق على أوامر، وبمعنى الفعل على أمور ، ولم يساعدهم على هذا الجمع من أهل اللغة سوى الجوهري في ((الصحاح))، وأما الأزهري فقال في ((التهذيب)): الأمر ضد النهي واحد الأمور، وذكر ابن سيده في ((المحكم)): أن الأمر لا يكسّ على غير أمور، وأما أئمة النحو قاطبة فلم يذكر أحد منهم أن ((فعلا)) يكسر على ((فواعل)) مع ذكرهم الصيغ الشاذة والمشهورة، وقد تنبه هذا الموضع الإمام أبو الحسن الأبياري في ((شرح البرهان)) وذكر أن قول الجوهري شاذ غير معروف عند أئمة العربية . قلت : ذكر ابن جنى في كتاب ((التعاقب)) له نظيراً، وعلل هاتين اللفظتين أعني أوامر ونواهٍ بما يسوغ إجازتهما، ثم ذكر الأبياري عن بعضهم أن الأوامر جمع آمر وهذا فيه تجوز، لأن الآمر حقيقة هو المتكلم، ونقله إلى المصدر مجاز، ثم قال: وقيل: إن المراد الصيغة فإنه قد تسمى الصيغة آمرة تجوزاً وإذا كان المفرد فاعله صح الجمع على أوامر ((فواعل)) اسما كان المفرد كفاطمة وفواطم، أو صفة ككاتبة وكواتب . قال : وهذا بعيد في التجوز وليس هو المقصود ههنا إذ الكلام في الأمر الحقيقي ٦. لا في الألفاظ . ٣٤٢ وحكى الأصفهاني في ((شرح المحصول)» عن بعضهم: أن الأوامر جمع الجمع فالأوامر أولا ◌ُمعَ جمع قلة على ((أأمر)) بوزن أَفْعُل ثم جمع هذا على أوامر، نحو كلب وأكلب وأكالب، فإنه أفاعل. وفيه نظر لأن أوامر ليس أفاعل بل هو فواعل بخلاف أكالب فإنه أفاعل. ثم قال الأصفهاني : وهذا لا يتم في النواهي فإن النون فاء الكلمة فیمکن أن یکون ذلك من باب التغلیب کما في الغدایا والعشایا، ويمكن رد النواهي أيضا إلى أنه جمع ناهية مصدر كما تقدم في الآمرة. وفيه نظر لأن المصادر مسموعة ولا يدخلها القياس . إذا ثبت ذلك فاعلم أن ههنا مباحث : أحدها: في لفظ الأمر، والثاني: في مدلوله، والثالث: في صيغة ((افعل . فأما لفظة ((أمر)) فإنه يطلق لغة على ضد النهي وهو ظاهر، ويطلق على الفعل بدليل قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ [سورة هود/٩٧] أي: فعله، فإذن لفظ الأمر عام للقول المخصوص والفعل، وكل لفظ عام لشيئين فصاعدا فلا يخلو إما أن يكون حقيقة في كل واحد، أولا، والثاني مجاز، والأول إما أن يتفقا في اللغة أيضا، وهو المتواطىء أولا يتفقا وهو المشترك، فهذه ثلاث احتمالات قد ذهب إلى كل واحد منها صائر . واتفقوا على أن إطلاقه على القول الطالب للفعل حقيقة وهو قولك : ((افعل)) وما يجري مجراه، واختلفوا في وقوعه على / العقل ونحوه من الشأن والصفة والقصة ١٠٦/ب والمقصود والغرض على مذاهب : أحدها: أنه حقيقة في الكل فإن القائل لو قال: ((أمر)) لا يدري السامع أي الأمور أراد فإذا قال: أمر بكذا فهم القول فإذا قال: أمر فلان مستقيم فهم الشأن والطريقة، فإذا قال: زيد في أمر عظيم فهم الفعل، وحكاه ابن برهان عن كافة العلماء وحكاه القاضي عبد الوهاب والباجي عن أكثر أصحابنا، قال صاحب ((المعتمد)): ولهذا قالوا: إن أفعال النبي وَلّر على الوجوب، لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخالِفِونَ عن أمره﴾ [سورة النور/٦٣] والثاني: أنه حقيقة في القول مجاز في الفعل، ووجه العلاقة فيه المشابهة، فإن الفعل ٣٤٣ يشبه القول في الافتقار إلى مصدر يصدر به، وهذا يعم الأفعال والأقوال، وقيل : لأن جملة أفعال الإنسان لما دخل فيها الأقوال سميت الجملة باسم جزئها، ونقله في ((المحصول)) عن الجمهور، وحكاه القاضي عبدالوهاب في ((الملخص)) عن أكثر أصحابهم مع أنه في ((الإفادة)) حكى الأول عنهم ، وعن أصحاب الشافعي، والثاني عن الحنيفة خاصة . قال الباجي: وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة والمعتزلة، ونقله صاحب ((الإفادة)) عن أحمد بن حنبل، وحكاه صاحب ((المعتمد)) و((المصادر)) عن الأكثرين. وحكى صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى أنه حقيقة في القول والفعل مشترك بينهما. وذكر الآمدى وتبعه ابن الحاجب قولا على جهة الإلزام أنه متواطىء بينهما. واختار أبو الحسين البصري في ((المعتمد)) أنه مشترك بين الشيء والصفة والشأن والطريق وبين جملة الشأن والطريق وبين القول المخصوص. انتهى . وقضيته أنه عنده مشترك بين خمسة أشياء، لكنه في ((شرح العمد)) فَسَّرَ الشأن والطريق بمعنى واحد، فيكون الحاصل أربعة ، ونقل البيضاوي عنه أنه موضوع للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا، وهو غلط، فقد صرح بأنه غير موضوع له وإنما يدخل في الشأن . وحكى صاحب ((المصادر)) عن أبي القاسم البُسْتِي أنه حقيقة في القول والشأن والطريق دون آحاد الأفعال قال : وهذا هو الأقرب لأن من صدر منه فعل قليل غير معتد به، كتحريك أصابعه وأجفانه فإنه لا يقال : إنه مشغول بأمر، أو هو في أمر . قال: والذي أداهم إلى هذا البحث في هذه المسألة اختلافهم في أفعال النبي وير هل هي على الوجوب أم لا؟ وقال الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)): أفعال الرسول 3 98 هل تتضمن أمراً؟ فيه وجهان. أصحها: لا. وفرع عليه في ((المحصول)) ما لو قال: إن أمرت فلانا فعبدي حرّ، ثم أشار بما يفهم منه مدلول الصيغة فإنه لا يحنث، ولو كان حقيقة في غير القول لزم العتق. قال: ولا يعارض هذا بما إذا خرس وأشار فإنه ٣٤٤ يعتق لأنا نمنع هذه المسألة. المبحث الثاني في مدلول الأمر وقد اختلف فيه بحسب اختلافهم في إثبات الكلام النفسي ونفيه، فصار النفاة إلى أنه عبارة عن اللفظ اللساني فقط، والأمر وسائر الكلام لا حقيقة له عندهم إلا العبارات، فقالوا: إنه اللفظ الدال على طلب الفعل ممن هو دونه، وصار المثبتون إلى تفسيره بالمعنى الذهني، وهو ما قام بالنفس من الطلب، لأن الأمر بالحقيقة هو ذلك الطلب واللفظ دال عليه، فقال القاضي: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور به، ويريد بالاقتضاء الطلب فيخرج الخبر وغيره من أقسام الكلام. ويحترز بقوله: ((بنفسه)) عن الصيغ الدالة عليه، فإنها لا تقتضي بنفسها، بل إنما يشعر معناها بواسطة الوضع والاصطلاح، وقوله: ((طاعة الأمر)) لينفصل الأمر عن الدعاء والرهبة. وهذا تعريف النفساني فإن أردت اللساني أسقطت قوله: بنفسه واعترض عليه، بأنه عرّف الشىء بما يساويه في الخفاء، لأن من لا يعرف الأمر لا يعرف المأمور، فإنه تعريف له بما لا يعرف إلا بعد معرفته، فإن الطاعة عبارة عن موافقة الأمر، فمن لا يعرفه لا يعرفها ثم یلزم الدور. ويجاب من جهة الطاعة أن المراد منها الطاعة اللغوية . والصحيح فيه: أنه اللفظ الدال على طلب فعل غير كف بالوضع، فخرج النهي، فإنه طلب فعل أيضا ولکن هو کف، وخرج ((بالأمر))، نحو أوجبت عليك کذا فإنه صادق عليه مع کونه خبراً. قال الإمام: والحق أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لا لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب. قال: وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب، وهذا جار على قوله: إن لفظ الأمر هو صيغة ((افعل)). والصواب: تغيرهما ويدل له ذهاب الجمهور ومنهم القاضي إلى أن المندوب مأمور به مع قولهم: إن صيغة ((افعل)) حقيقة في الوجوب. قال القاضي في ((مختصر التقريب)): الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس، وحقيقته اقتضاء الطاعة. ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب ليتحقق الاقتضاء فيهما، وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس، كقول القائل: ((افعل)) فمتردد بين الدلالة على الوجوب والندب ٣٤٥ والإباحة والتهديد، فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المآل أو بقرائن الأحوال تخصيصها ببعض المقتضيات، فهذا ما نرتضيه من المذاهب. قال الشيخ شمس الدين الجزري رحمه الله في ((أجوبة التحصيل)): لفظ ((أَمَرَ)) يشترك بين القول المخصوص والمعنى القائم بالذات، وذلك المعنى هل هو طلب أو إرادة؟ اختلف فيها أصحابنا والمعتزلة، والقديم هو المعنى القائم بالذات عند أصحابنا، ولكن لا نصير مأمورين به إلا إذا دلّ على ذلك المعنى الأمر القولي. فائدة قال الإمام محمد بن يحيى: تفسير أمر الله تعالى بالطلب محالٍ فإن المفهوم منه في حقّنا ميل النفس، وهو منزه عن ذلك، وتفسيره بالأداة والصيغة ممتنع، فيجب تفسيره بالإخبار عن الثواب على القول لا غير تارة والعقاب على الترك أخرى. حكاه أبو المحاسن المراغي في كتاب ((غنية المسترشد)). وهل يعتبر في الأمر العلو أو الاستعلاء؟ فيه أربعة مذاهب: أحدها: يعتبران، وبه جزم ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب في ((مختصره الصغير)) . والثاني : وهو المختار لا يعتبران ونقله الإمام الرازي في أول المسألة الخامسة عن أصحابنا لكن احتج بقوله تعالى: حكاية عن فرعون ﴿فماذا تأمرون﴾ [سورة الاعراف / ١١٠] وهو مردود لأن المراد به المشورة . وأحسن منه الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [سورة ١/١٠٧ الزخرف / ٧٧] وقطع به العَبْدَري في / ((الْمُسْتَوْفِى)) محتجا بإجماع النحويين على ذلك الأمر والنهي، وأنه لا رتبة بينهما. وذكروا أيضا الدعاء في حق الله تعالى، وقسموه إلى ما يأتي بلفظ الأمر، نحو ارحمنا، وبلفظ النهي، نحو لا تعذبنا . قال سيبويه : واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي، وإنما قيل : له الدعاء لأنه ٣٤٦ استعظم أن يقال: أمر ونهي. انتهى . ولم يذكروا المقابل للدعاء اسما لأنهم لم يجدوه في كلام العرب، وكان هذا أمراً طارئا على اللغة بعد استقرارها . قال: فالصواب: أن صيغة ((افعل)) ظاهر في اقتضاء الفعل سواء كان من أعلى أو مساو أو دون لكن يتميز بالقرينة، فإن كان المخاطب مخلوقا كانت قرينة دالة على حمله على الدعاء بالاصطلاح العرفي الشرعي لا اللغوي . ويشهد لما قاله، قول ابن فارس في كتابه ((فقه العربية))(١) وهو من فرسان اللغة: الأمر عند العرب، فإذا لم يفعله المأمور به سمى المأمور به عاصياً. والثالث: يعتبر العلو بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، فإن تساويا فالتماس أو كان دونه فسؤال، وبه قالت المعتزلة، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري وعبدالوهاب في ((الملخص)) ونقله عن أهل اللغة. اونقله ابن العارض المعتزلي عن أبي بكر بن الأنباري واختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ، وحكاه عن أصحابنا، وابن السمعاني وسليم الرازي وابن عقيل من الحنابلة، وأبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الفضل بن عبدان في كتابه ((شروط الأحكام))، وشرط مع ذلك أن يكون الآمر ممن تجب طاعته، وإلا فلا يقال له: أمر. والرابع: وبه قال أبو الحسين من المعتزلة يعتبر الاستعلاء لا العلووهو أن يجعل نفسه عاليا وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك، وصححه الإمام والآمدي وابن الحاجب وابن برهان في ((الأوسط». (١) وهو كتاب ((فقه اللغة وسر العربية)). ٣٤٧ مَسَألَة [اعتراض عَلى حَد الأُمُر] لما أخذوا الطلب في حد الأمر اعترض عليهم بأن الطلب أخفى من الأمر والتعريف بالأخفى يمتنع، فقال الجمهور: الطلب بديهي التصور لأن كل واحد يعرف بالبديهة تفرقة بين طلب الفعل وطلب الترك، ثم قالوا: معنى الطلب هو غير الصيغة لا تحاده واختلافها وتبدله وثبوتها، بل هو معنى قائم بنفس المتكلم يجري مجرى العلم والقدرة وسائر الصفات، وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها. ويتفرع على هذه القاعدة مسائل : الأولى: أن دلالة صيغة الأمر على الطلب يكفي فيها الوضع، ولا يشترط أن يكون الآمر مريدا للمأمور به هذا قول أهل السنة واختاره الكعبي. وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وتبعهما القاضي عبد الجبار وأبو الحسين: لا بد معه من إرادة المأمور به في دلالة الأمر عليه، وحكاه أبو سفيان في ((العيون)) عن سفيان الثوري، وقالوا: لا ينفك الأمر عن الإرادة محتجين بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما، ولا مميز سوى الإرادة . وأجيب بأن التمييز حاصل بدونها لأن صيغة الأمر حقيقة في القول المخصوص مجاز في غيره وهذا كاف في التمييز . وقال بعضهم: ذهب المعتزلة إلى أنه لا يكون أمرا إلا بالإرادة فإن لم تعلم إرادته لم يكن أمرا، واختلفوا هل تعتبر إرادة الأمر أو إرادة المأمور به؟ فاعتبر بعضهم إرادة الأمر المنطوق به، واعتبر آخرون منهم إرادة الفعل المأمور به . والذي عليه جمهور الفقهاء أن الأمر دليل على الإرادة وليست الإرادة شرطا في صحة الأمر، وإن كانت موجودة مع الأمر فيستدل بالأمر على الإرادة، ولا يستدل بالإرادة على الأمر . ٣٤٨ وقد حرر ابن برهان هذه المسألة فقال في كتاب ((الأوسط)): اعتبر بعضهم المصير الصيغة أمراً ثلاث إرادات: إحداها : أن يكون الآمر مريدا لإيجاد الصيغة حتى إذا لم يكن مريدا لها بأن يكون ساهيا أو ذاهلا أو نائما لا تكون الصيغة الصادرة منه أمرا. والثانية: أن يكون مريداً لصرف صيغة الأمر من غير جهة الأمر إلى جهة الأمر. فإن الأمر قد يطلق على جهات كالتعجيز والتكوين والوعيد والزجر وغيره، فلا بد أن يكون مريدا لصرف الصيغة من هذه الجهات إلى جهة الأمر ، وعبر الشيخ أبو الحسن الأشعري عن هذا فقال : فلا بد أن يكون مريداً بالصيغة ما هو المعنى القائم بالنفس والثالثة: هي إرادة فعل المأمور والامتثال، فأما الأولى وهي إرادة إيجاد الصيغة فلا خلاف في اعتبارها، وأما الثانية وهي إرادة صرف الصيغة من غير جهة الأمر إلى جهة الأمر فاختلف فيه أصحابنا، فذهب المتكلمون إلى اعتبارها، وذهب الفقهاء منهم إلى أنه لا تعتبر، لكن إذا وردت الصيغة مجردة عن القرائن حملت عليه . وأما الثالثة: فهي محل الخلاف بيننا وبين المعتزلة فاتفق أضحابنا على أنه لا تعتبر، واتفق المعتزلة على اعتبارها. قال: وهو ينبني على أصل كبير بيننا وبينهم، وهو أن الكائنات بأسرها وحيزها لا تجري عندنا إلا بإرادة الله. وأما المازري فنقل عن المعتزلة اشتراط الإرادات الثلاث إلا الكعبي فإنه لم يعتبر الأولى . قال ((المُقْتَرَح)): فمذهب الكعبي متهافت فإنه نفى الإرادة عن القديم تعالى ، ويلزم أن لا يكون الباري تعالى آمراً. وفيه رفض الشرائع عن آخرها ، ولما قيل له: إن الكتاب والسنة طافح بنسبة الإرادة إليه تعالى، فكيف جوابك ؟ قال: إن أريد بأنه مريد لأفعاله كان معناه أنه خالقها ومنشئها، وإن أريد أنه مريد لأفعال عباده كان معناه أنه أمر بها، وهذا الكلام ظاهر التناقض من جهة أنه يشترط في حقيقة الأمر الإرادة، ثم يجعل إطلاق الإرادة في حق الله تعالى بمعنى الآمر. ولمن ينتصر للكعبي أن يقول : هو لم ينفها غايته أنه لم يشترطها ، ولا يلزم من عدم ٣٤٩ الاشتراط النفي . الثانية: أنه عندنا غير الإرادة لأنه قد يقوم بالنفس عند الطلب معنى غير إرادة الفعل فإنا نجد الآمر يأمر بما لا يريد وهو آمر ، وإلا لما عُدّ تاركه مخالفا . وقالت المعتزلة: هو إرادة المأمور به، ويلزمهم أحد أمرين: إما أن تكون المعاصي الواقعة مأموراً بها لأنها مرادة، أو لا يكون وقوعها بإرادة الله تعالى وكل منهما محال. وللتخلص من هذه الورطة صار أصحابنا إلى التغاير بينهما، لكن لهم أن يقولوا: لا نسلم أن الأمر بما لا يريده حقيقة، غاية ما في الباب أن صيغته صيغة الأمر، وقد يمنع بما سبق فإنه يعد تاركه مخالفا . وعندي: أن الخلاف لم يتوارد على محل واحد فإنا نريد بالإرادة الطلب النفسي ١٠٧/ب الذي لا يتخلف، والمعتزلة لا يريدون/ ذلك لإنكارهم كلام النفس، وإنما يقولون: إن الواضع وضع هذه اللفظة للطلب الذي يعرفه كل واحد، وذلك هو الإرادة، فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة. وقالوا : الطلب الذي يغاير الإرادة لو صح القول به لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الخواص ، ولا يجوز أن يوضع اللفظ لمعنى خفي . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): ثم هو أمر بصيغته وليس بأمر بالإرادة، وعند المعتزلة هو أمر بإرادة الآمر المأمور به، وهي تنبني على مسألة كلامية فإن عندنا أنه يجوز أن يأمر بالشىء ولا يريده، وقد أمر الله تعالى إبليس بالسجود لآدم، ولم يرد أن يسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراد أن يأكل، وأمر إبراهيم بذبح ابنه ولم يرد أن يذبح ، وهذا لأن ما أراد الله أن يكون لا بد أن يكون، ولأن السيد إذا قال لعبده : افعل ، فقال: أمرته بكذا ولم يعلم مراده، فدل على أن الأمر أمر بصيغته فقط. انتهى . وقال بعض المتأخرين : الحق أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودینا، وقد يأمر بما لا يريده کونا وقدراً كإيمان من أمر بالإيمان ولم يؤمن، وأمر خليله بالذبح ولم يذبح، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يصل، وفائدته العزم على الامتثال وتوطين النفس عليه . ٣٥٠ واستدل القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق على التغاير بأن من حلف ليقضين زيدا دينه غداً، وقال: إن شاء الله ولم يقضه لم يحنث في يمينه مع كونه مأموراً بقضاء دينه، فلو كان تعالى قد شاء [ما] أمره به وجب أن يحنث في يمينه. وهذا ظاهر إذا كان حالاً وصاحبه يطلبه، فإن كان مؤجلا فقد يمتنع وجوب الوفاء في غد إذا لم يكن غدا محل الأجل. وأما إذا كان حالا وصاحبه غير مطالب ففي وجوب الوفاء على الفور وجهان لإمام الحرمين. ثم لا نسلم أن قضاء الدين معلق على المشيئة التي هي مدلول الأمر حتى يحنث لتحقق الأمر بل هو معلق على المشيئة القائمة بذات الله تعالى التي لم يدل عليها الأمر، فإن صرح بتعليقه على تلك المشيئة منعنا حكم المسألة . الثالثة: أن الأمر هل هو حقيقة في ذلك الطلب النفسي مجاز في العبادة الدالة عليه أو بالعكس أو مشترك بينهما ؟ أقوال، كالخلاف في سائر أقسام الكلام . واعلم أن هذا غير الخلاف السابق أن لفظ الأمر هل هو مشترك بين الفعل والقول ؟ فإنه هنا لا يتصور إلا مع القول بإثبات كلام النفس . ٣٥١ المبحث الثالث: [صيغة الأمر] في صيغته وهي ((افعل)) وفي معناه ((ليفعل)). قال ابن فارس: الأمر بلفظ ((افعل)) وليفعل نحو، ﴿أقيموا الصلاة﴾ ﴿وَلَيَحْكُمْ أهل الإنجيل﴾ [سورة المائدة/ ٤٧]. ٣. وقد اختلف النحويون في أصل فعل الأمر هل هو ((افعل)) أو ((ليفعل))؟ فذهب قوم إلى أن الأصل ((ليفعل)) لأن الأمر معنى، والأصل في المعاني أن تستفاد بالحروف كالنهي وغيره. وذهب الأكثرون إلى أن الأصل ((افعل)) لأنه يفيد المعنى بنفسه بلا واسطة بخلاف ((ليفعل)) فإنه يستفاد من اللام. حكاه العكبرى في ((شرح الإيضاح))، فأما منكرو الكلام النفسي فذهبوا إلى أن العرب لم تضع له صيغة، لأن الأمر عندهم هو الصيغة، فكيف توضع صيغة للصيغة ؟ وإضافته إليه من باب تسمية الشيء بنفسه . وقال ابن القُشَيْري: الصيغة العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفسي، فإذا قلنا: هل الأمر صيغة؟ فالمعني به أن الأمر القائم بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به؟ ومن نفى كلام النفس إذا قال : صيغة الأمر كذا، فنفس الصيغة عنده هي الأمر، فإذا أضيفت الصيغة إلى الأوامر لم تكن الإضافة حقيقية، بل هو من باب قولك: نفس الشيء وذاته، ولرجوع أقسام الكلام عندهم إلى العبارة. وأما أصحابنا المثبتون لكلام النفس فاختلفوا هل للأمر صيغة مخصوصة؟ أي : أن العرب صاغت للأمر لفظا يختص به أي: وضعت للدلالة على ما في النفس لفظة تدل على كونها أمرا وإذا قلنا بأن لها صيغة فما مقتضى تلك الصيغة ؟ فأما الأول: فذهب الجمهور ومنهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي وجماعة من أهل العلم كما قاله الشيخ أبو حامد إلى أن له صيغة تدل على كونه أمرا إذا تجردت عن القرائن ، وهو قول البلخي ، وقال ابن السمعاني: وبه قال عامة أهل العلم. انتهى . ونقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه لا صيغة له تختص به ، وأن قول ٣٥٢ القائل ((افعل)) متردد بين الأمر والنهي، وإن فرض حمله على غير النهي، فهو متردد بين جميع محتملاته . قال ابن السمعاني : وحكي ذلك عن ابن سريج ولا يصح عنه، وقال أبو الحسين بن القطان: قيل: إن صيغة ((افعل)) على الوقف حتى يدل دليل على الوجوب أو عدمه، وحكى ذلك عن ابن سريج ونسبه إلى الشافعي، لأنه قال في ((أحكام القرآن)): لما قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [سورة النساء/٣] احتمل أمرين قال: فلما احتمل الشافعي الأمر في تلك دل على أنه وقف به الدليل . قال أصحابنا وهذا تعنت من أبي العباس ، لأن الشافعي يقول ذلك كثيرا ويريد أنه يحتمل أن ترد دلالة تخصه ويحتمل أن تخلى والإطلاق، وإنما أراد الشافعي بذلك أنه يجوز أن يخص، كما يقول بمثله في العموم. قال: ولا خلاف أن الأمر إذا اقترن به الوعيد يكون على الوجوب. اهـ. ثم اختلف أصحابنا في تنزيل مذهبه، فقيل: اللفظ صالح لجميع المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي ثبت اللفظ بها، وقيل: لا خلاف أن قول الشارع: أمرتكم ونحوه دل على الأمر، ولكن الخلاف في أن قوله: ((افعل)» هل يدل على الأمر مجرد صيغته أم لا بد من قرينة؟ وقيل: أراد الوقف بمعنى لا ندري علی أی وضع جری فهو مشكوك. ثم نقلوا عنه أنه يستمر على القول به مع فرض القرائن. قال إمام الحرمين: وهو ذلك بين في النقل عنه وقال : لعله في مراتب المقال دون الحال. انتهى . ولا معنى لاستبعاد ذلك فإن القرائن لا تبين الموضع الذي وقف الشيخ فيه ، وإنما تبين مراد المتكلم. ثم قال: والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس. نحو قول القائل: أوجبت أو ألزمت، ونحوه، وإنما الذي يتردد فيه مجرد قول القائل: ((افعل)) من حيث وجده في وضع اللسان متردداً وحينئذ فلا يظن به عند القرينة نحو ((افعل)) حتما. أو واجب. نعم. قد يتردد في الصيغة التي فيها الكلام إذا ٣٥٣ قرنت بهذه الألفاظ فالمشعر بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة بقول القائل: ((افعل)) أم لفظ ((افعل))، وهذه الألفاظ تفسير لها؟ وهذا تردد قريب، ثم ما نقله النقلة ١/١٠٨ يختص / بقرائن المقال على ما فيه من الخبط، فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد، وهذا هو التنبيه على سر مذهب أبي الحسن والقاضي وطبقه الواقفية. انتهى . واستبعد الغزالي النقل عن الشيخ والقاضي بالوقف عنهما أن له صيغة مختصة به إجماعاً وهو قوله: أمرتك أو أنت مأمور به . قال الهندي : وفيه نظر لأن ذلك ليس صيغة للأمر، بل هو إخبار عن وجود الأمر، ولو سلم أن ذلك يستعمل انشاء فليس فيه دلالة على المطلوب وهو كون الصيغة مختصة به، لأنه حينئذ يكون مشتركا بينه وبين الإخبار فلا تكون الصيغة مختصة به . وقال ابن برهان: إنما صار شيخنا أبو الحسن إلى أنه لا صيغة للأمر، لأن ذلك لا يتلقى من العقل إذ العقل لا يدل على وضع الصيغ والعبارات، وإنما يلتقى من جهة النقل وقد استعملتها العرب في جهات كثيرة فدل على أنها مشتركة . وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني في كتابه: فذهب أئمة الفقهاء [إلى] أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونها أمراً إذا تعرّت عن القرائن، وذهب المعتزلة غير البلخي الى أنه لا صيغة له، ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمراً وإنما يكون أمرا بقرينة الإرادة . قال : وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الأمر لا يفارق الذات ولا يزايلها؟ وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك كل هذه عنده معان قائمة بالذات لا تزايلها، كالقدرة والعلم، وكان ابن كلاب يقول: هي حكاية الأمر وخالفه الأشعري، وقال: لا يجوز أن يقال: هي حكاية لاستلزامها أن يكون الشيء مثل المحكي لكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس . قال: وعلى هذا فلا خلاف بيننا وبينهم في المعنى، لأنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس، فذلك المعنى لا يقال : إنه له صيغة أو ليست له صيغة، ٣٥٤ وإنما يقال ذلك في الألفاظ. ولكن يقع الخلاف في اللفط الذي هو عندهم عبارة عن الأمر، ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته، ولكن يكون موقوفا على ما بينه الدليل، فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه. وإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحقير وغير ذلك حمل عليه، ثم احتج الشيخ أبو حامد على أن الأمر له صيغة كقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [سورة يس/٨٢] قال: ففي هذه رد على من يقول : لا صيغة للأمر حيث قال: إنما أمره فجعل أمره ((كن))، وهي صيغة، وفيها رد على القائلين: إن الأمر يتضمن الإرادة، فإن الآية فيها الفصل بين الإرادة والأمر حيث قال: ﴿إنما أمره إذا أراد﴾. قال : والدليل المعتمد لأصحابنا أن أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم يفرقون بين صيغة الأمر والخبر وغير ذلك من أقسام الكلام . وقال المازري: ذهب الأشعري وجماعة من المتكلمين إلى القول بالوقف، وحكي عن الشافعي، لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم﴾ [سورة النور/٣٢] لا يستدل بها على إيجاب العقد، وعلى ولي المرأة لتردد الأمر بين الإيجاب والندب. لكن الواقفية اختلفوا في حقيقة الوقف هل هو وقف جهالة بما عند العرب، أو وقف عارف بما عندهم، وهو كون هذا اللفظ مشتركا بين المصارف الآتية فيقف حتى يتبين المراد باللفظ المجمل؟ على قولين . قال : وأما من نقل عن الأشعري الوقف وإن ظهرت القرائن فقد أغلى، ولو ثبت فلعل الوقف في الإفادة بما جعلت هذه اللفظة أو اللسان. انتهى . وذهب غير الواقفية إلى أنها ظاهرة في الوجوب، ونقله أبو الحسين بن القَطّان عن أصحابنا . قال: وقد ذكر الله في كتابه الأمر على أوجه كثيرة، والظاهر منها للوجوب إلا أن الدليل قام في بعضها على غير الوجوب، ومختار إمام الحرمين القطع باقتضائها الطلب المنحصر مصيرا إلى أن العرب فصلت بين قول القائل : ((افعل)) وبين قوله : ((لا تفعل)). ٣٥٥ تنبيهان الأول: [ ھَل للأمر صيغة ؟] خطًّاً إمام الحرمين والغزالي ترجمة المسألة بأن الأمر هل له صيغة؟ لأن قول الشارع: أمرتكم بكذا صيغة دالة على الأمر، وقوله: نهيتكم صيغة دالة على النهي، وقوله: أوجبت صيغة دالة على الوجوب، وهذا لا خلاف فيه، وإنما صيغة ((افعل)) إذا أطلقت هل تدل على الأمر بغير قرينة أو لا تدل عليه إلا بقرينة ؟ هذا موضع الخلاف . وقال الآمدي: لا معنى لهذا الاستبعاد وقول القائل: أمرتك وأنت مأمور لا يرفع هذا الخلاف، إذ الخلاف في أن صيغة الأمر صيغة الإنشاء، وقول القائل: أمرتك وأنت مأمور إخبار، وقد سبق كلام الهندي فيه . الثاني : [المراد بصيغة (أفعل)] المراد بصيغة ((افعل)) لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل كَصَهْ، والمضارع المقرون باللام، مثل ((ليقم)) على الخلاف السابق فيه. وصيغ الأمر من الثلاثي ((افعَل)) نحو اسمَع، وافعُل نحو احضر، وافعِل نحو اضرِب ، ومن الرباعي فَعْلِل نحو قَرْطِسْ، وأَفْعِل نحو أعلِم، وفَعِّل نحو علِّم، وفاعِلَ نحو ناظِر ، ومن الخماسي تَفَعْلَلْ نحو تقرطس، وتفاعَلْ نحو تَقاعَسْ، وانفعل نحو انطلق، وافتعل نحو استمع، وافعلٌ نحو احمرّ ، ومن السداسي استفعل نحو استخرج، وافعوعل نحو اغدودن، وافعال نحو احمارّ، افعنلل نحو اقعنسس، وافعوِّل نحو اغلوّظ . وكذلك المصدر المجعول جزاء الشرط بحرف الفاء كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾[سورة النساء/٩٢] أي: فحرروا، وقوله: ﴿فضَرْبَ الرقاب﴾(سورة محمد/٤] ٣٥٦ أي: فاضربوا الرقاب، وقوله: ﴿ففدية من صيام﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] أي: فافدوا، وقوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [سورة البقرة/ ١٨٤] أي: صوموا. قاله القاضي الحسين في أول باب الرهن من ((تعليقه)). وإنما خص الأصوليون ((افعل)) بالذكر لكثرة دورانه في الكلام. وترد صيغة ((افعل)) لنيف وثلاثين معنى: أحدها : الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة / ٤٣] . الجنوب الثاني: (كقوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [سورة النور / ٣٣] ومثله محمد ابن نصر المروزي في كتاب ((تعظيم قدر الصلاة)) بقوله تعالى: ﴿فسبحه وأدبار السجود﴾ [سورة ق / ٤٠] ومثله ابن فارس بقوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾ [سورة الجمعة / ١٠] وأشار المازري إلى أن هذا القسم إنما يصح إذا قلنا : المندوب مأمور به، وفيه نظر . الثالث : الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [سورة الطلاق/٢] ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [سورة البقرة/٢٨٢] ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [سورة البقرة/٢٨٢] وسماه الشافعي في ((أحكام القرآن)): الرشد. ومثله بقوله ◌َله: (سافروا تصحوا). وأشار إلى الفرق بينه وبين الأول، فقال : وفي كل حتم من الله رشد، فيجتمع الحتم والرشد. وسماه الصيرفي: الحظ، وفرق القفال الشاشي وغيره بينه وبين الندب بأن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، والأول فيه الثواب ، والثاني لا ثواب فيه . الرابع: «التأديب وعبر عنه بعضهم / بالأدب ومثله، بقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا ١٠٨/ب الفضل بينكم﴾ [سورة البقرة/٢٣٧] قال: وليس في القرآن غيره ، ومثله القفال بالأمر بالاستنجاء باليسار وأكل الإنسان مما يليه، ومثله ابن القطان بالنهي عن التعريس على قارعة الطريق ، والأكل من وسط القصعة، وأن يقرن بين التمرتين، قال : فيسمى هذا أدبا، وهو أخص من الندب، فإن التأديب يختص بإصلاح الأخلاق وكل تأديب ندب من غير عكس . ٣٥٧ الخامس : الإباحة، كقوله تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾ [سورة المؤمنون /٥١] ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [سورة النساء /٣] وأنكر بعض المتأخرين ذلك، وقال: لم يثبت عندي لغة . والتمثيل بما ذكروه إنما يتم إذا كان الأصل في الأشياء الحظر . السادس : الوعد، كقوله تعالى : ﴿وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ [سورة فصلت / ٣٠] . السابع : الوعيد ويسمى التهديد كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [سورة الكهف/ ٢٩] بدليل قوله: ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارا﴾ [سورة الكهف /٢٩] وقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [سورة فصلت / ٤٠] بدليل قوله: ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾ [سورة ابراهيم/ ٣٠] ومنهم من قال: التهديد أبلغ من الوعيد، ومثل محمد بن نصر المزوري التهديد بقوله تعالى: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [سورة الزمر / ١٥] وقوله لإبليس: ﴿واستفزز من استطعت﴾ [سورة الإسراء /٦٤] ومنه قوله * (من باع الخمر فليشقص الخنازير) قال وكيع: معناه بعضها . الثامن : الامتنان كقوله : ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [سورة البقرة/ ١٧٢] وسماه إمام الحرمين الإنعام. قال: وهو وإن كان بمعنى الإباحة لكن الظاهر منه تذكير النعمة، والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه ، وعدم قدرتهم عليه ، ونحو ذلك كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه . التاسع : الإنذار كقوله تعالى: ﴿قل تمتعوا﴾ [سورة إبراهيم /٣٠] ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [سورة الحجر /٣] والفرق بينه وبين التهديد من وجهين : أحدهما: الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كالآية ، والتهديد لا يجب فيه ذلك بل قد يكون مقرونا به وقد لا [يكون] . وثانيهما: أن الفعل المهدد عليه يكون ظاهره التحريم والبطلان ، وفي الإنذار ٣٥٨ قد يكون كذلك وقد لا يكون . العاشر: الإكرام ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [سورة الحجر /٤٦] قال القفال: ومنه قوله وَالقيل لأبي بكر: (اثبت مكانك). الحادي عشر: السخرية، كقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [سورة البقرة /٦٥] لأنه لا يصح الأمر إلا بالمقدور عليه، وجعله الصيرفي وابن فارس من أمثلة التكوين. قال ابن فارس: وهذا لا يكون إلا من الله تعالى، ومثل بها ابن الحاجب في ((أماليه)) للتسخير، ومثل للأهانة بقوله: ﴿كونوا حجارة﴾ [سورة الإسراء / ٥٠] قال: والفرق بينهما أن التسخير عبارة عن تكوينهم على جهة التبديل لمن جعلناهم على هذه الصفة ، والإهانة عبارة عن تعجيزهم فيما يقدرون عليه أي: أنتم أحقر من ذلك . تنبيه وقع في عبارتهم التسخير، والصواب: ما ذكرناه فإن السخريا الهزء، كقوله تعالى: ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ [سورة هود / ٣٨]، وأما التسخير فهو نعمة وإكرام كقوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ [سورة إبراهيم / ٣٣] . الثاني عشر: التكوين [كقوله]﴿كن فيكون﴾ [سورة يس/٨٢]، وسماه الغزالي والآمدي: كمال القدرة، وسماه القفال والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: التسخير، والفرق بينه وبين السخريا: أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخريا فإنه لغة: الذل والامتهان . الثالث عشر: التعجيز، نحو ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [سورة البقرة /٢٣] ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ [سورة الطور/ ٣٤] والفرق بينه وبين التسخير أن التسخير نوع من التكوين، فإذا قيل: كونوا قردة معناه انقلبوا إليها، والتعجيز إلزامهم بالانقلاب ليظهر عجزهم لا لينقلبوا إلى ٣٥٩ الحجارة، ومثله الصيرفي والقفال بقوله: ﴿كونوا حجارة أو حديدا﴾ [سورة الإسراء / ٥٠] قال: ومعلوم أن المخاطبين ليس في قدرتهم قلب الأعيان، ولم يكن النبي وَل ممن يخترع ويسخر علِمَ أن قوله كونوا كذا، تعجيز أي: أنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تمنعوا من جري قضاء الله عليكم، وكذا جعله ابن برهان والآمدي من أمثلة التعجيز، وقال ابن عطية في ((تفسيره)): عندي في التمثيل به نظر، وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل مالا يقدر عليه المخاطب: كقوله : ﴿فادرأوا عن أنفسكم الموت﴾ [سورة آل عمران /١٦٨] ونحوه، وأما هذه الآية فمعناها كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا . الرابع عشر : التسوية بين شيئين نحو ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [سورة الطور /١٠٦] هكذا مثلوا به، وعلى هذا فقوله: ﴿سواء عليكم﴾ [سورة الطور /١٦] جملة مبينة مؤكدة لقوله : ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ لأن الاستواء لما لم يكن بالصريح أردفه به مبالغة في الحسرة عليهم، ويحتمل أن يقال: إن صيغة ((افعل)) أو لا ((تفعل)) وحدها لا تقتضي التعجيز، ولا استعار لها بالتسوية إلا من جهة أن التخيير بين الشيئين يقتضي استواءهما فيما خير المخاطب به ، أو يقال: إن صيغة ((افعل)) وحدها لم تقتض التسوية لكن المجموع المركب من ((افعل)) أو لا ((تفعل))، فعلى هذا لا يصدق عليه أن المستعمل صيغة الأمر من حيث هي صيغة الأمر، فلا يصح جعلهم هذا المثال من صيغة ((افعل)) وعذرهم أن المراد استعمالها حيث يراد التسوية بالكلام الذي هي فيه . الخامس عشر: الاحتياط، ذكره القفال ومثله بقوله والر: (إذا قام أحدكم من النوم فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا) بدليل قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أي: فلعل يده لاقت نجاسة من بدنه لم يعلمها فليغلسها قبل إدخالها لئلا يفسد الماء . السادس عشر: الدعاء والمسألة، نحو ﴿ربنا افتح بينا وبين قومنا﴾ [سورة الأعراف /٨٩] ﴿ربنا اغفر لنا﴾ [سورة آل عمران /١٤٧] وقد أورد على تسميتهم ذلك في الأولى سؤالا قوله تعالى: ﴿ولا يسألكم أموالكم﴾ [سورة محمد /٣٦] وأجاب ٣٦٠