النص المفهرس

صفحات 321-340

وقال الرّاغِبُ: تقتضى تأخر ما بعدها عما قبله إما تأخراً بالذات أو بالمرتبة أو
بالوضع ، ونقل ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) فصلا عن الإمام محمد بن بري
في الترتيب بـ ((ثم)) ضعف فيه القول بالترتيب الإخباري. قال: بعد أن قررت أن
((ثم)) لترتيب الثاني على الأول في الوجود بمهلة بينهما في الزمان أن ((ثم)) تأتي أيضا
لتفاوت الرتبة، ثم قال: ويجىء هذا المعنى مقصوداً بالفاء العاطفة ، نحو خذ
الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل ، ونحو ﴿رحم الله المحلقين
فالمقصرين﴾، فالفاء في المثال الأول لتفاوت رتبة الفضل من الكمال والحسن في
الحال، وفي الثاني لتفاوت رتبة المحلقين من المقصرين بالنسبة إلى حلقهم
وتقصيرهم .
وقوله تعالى ﴿والصافات صفا فالزاجرات زجرا﴾ [سورة الصافات/١ - ٢] تحتمل
الفاء فيه المعنيين مجازا ، فيجوز أن يراد تفاوت رتبة الصف من الزجر ، ورتبة
الزجر من التلاوة . ويجوز أن يراد بها تفاوت رتبة الجنس الصاف من الجنس
الزاجر بالنسبة إلى صفهم وزجرهم ، ورتبة الجنس الزاجر من الثاني بالنسبة إلى
زجره وتلاوته .
ثم قال : وهذا أولى من قول من يقول : هي لترتيب الجمل في الأخبار لا
لترتيب الخبرية في الوجود ، لأنه ضعيف في المعنى لبعد المهملة فيه حقيقة .
واستدل القائلون به بقوله :
١٠٣/ ب
/ إنّ مَنْ ساد ثُمَّ سادَ أبوهُ
وأجيب بأنه لتفاوت رتبة الابن من أبيه أو لتفاوت رتبة سيادته من سيادة أبيه .
ومجاز استعمالها لتفاوت أنها موضوعة للمهلة والتفاوت بمهلة في المعنى ، ولأن بينهما
قدرا مشتركا وهو الانفصال .
قلت : وهذا طريق آخر للترتيب وهو الترتيب بالرتب. أعني تفاوت رتب
الفعل أو رتب الفاعلين ، ثم قال : وهذا المعنى بعينه في الفاء نحو قوله تعالى :
﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا﴾ [سورة البقرة/٢٢٦] فالفاء
٣٢١

في قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ إنما دخلت لتبين حكم المولي في زمن التربص
بجملتي الشرط بعدها لالتعقيبها زمن التربص. وهكذا قال أبو حنيفة. قال : ولا
يفصل بثم الفاء في هذا المعنى ترتيب وجودي بل تفصيل معنوي . ألا ترى أن
قولك : اسسل ، فأفاض الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر ليس القصد به
إلا اليسار لا الترتيب؟ فلو قدمت أو أخرت جاز، وكذا لو أتيت بالفاء موضع
((ثم)) فإن كان الموضع يحتمل الترتيب جاز أن يقصد الترتيب، وجاز أن يقصد
التفصيل ، نحو توضأ ، فغسل وجهه ثم يديه. فإن أردت الترتيب لا يجوز
التقديم والتأخير وإن أردت التفصيل جاز. وإنما استعملت ثم والفاء للتفصيل
حملا على ((أو)) في نحو قولك: الجسم إما ساكن أو متحرك . الإنسان ذكر أو
أنثى .
قال الشيخ : وما حكيناه عن ابن بري من أن التفصيل المبهم لا يوجب
الترتيب قد وافقه عليه بعض المتأخرين .
المبحث الثاني : في اقتضائها التراخي ، وكما يوجب الترتيب يوجب تراخي
الثاني عن الأول والمهلة بينهما ، وعدم الفورية والمهلة ، واحتج عليه ابن الخشاب
بامتناع وقوع ما بعدها جوابا للشرط ، كما جاز ذلك في الفاء، فلا تقول: إن تقم
ثم أنا أقوم كما قلت: إن تقم فأنا أقوم.
وقال ابن يعيش : ولما تراخى لفظها بكثرة حروفها تراخى معناها لأن قوة اللفظ
مؤذنة بقوة المعنى .
قال ابن دقيق العيد : وقضيته أن تراخي معناها يقع كتراخي لفظها وهو معلول
له. قال: وهو عكس ما وجدته عن أبي الحسن بن عصفور، فإنه لما تعرض لبيان
قول أبي علي أن ((ثم) مثل الفاء إلا أن فيها مهلة. قال: فإنما يعني أنها مثلها في
الترتيب إلا أنه ترتيب فيه مهلة وتراخ، وكأنه لما اختصت بمعنى يزيد على معنى
الفاء خص لفظها بلفظ أزيد من لفظ الفاء وكانت على أكثر من حرف، والفاء على
حرف واحد، وهذا يقتضي أن تكون زيادة اللفظ تبعا لزيادة المعنى، ويكون اللفظ
موافقا ما ذكر عن ابن درستويه أن الواو وهي الأصل في هذه الثلاثة الواو والميم
٣٢٢

متقاربان في المخرج، إذ الفاء من باطن الشفة والواو والميم من نفس الشفة،
فلذلك جعلت هذه الحروف الثلاثة تجمع ما بين الشيئين في اللفظ والمعنى ،
وخصت بالاستعمال دون غيرها .
ولما اختصت ((ثم)) بمعنى زائد على الفاء اختصت بالثاء المقاربة لمخرج الفاء لتدل
على معنى ثالث ، ثم لا خلاف في اقتضائها التراخي. وكلام ابن الخشاب يقتضي
تخصيصه بالمفردات وأنه في عطف الجمل لا يكون كذلك كما سبق مثله في
الترتيب. قال: وقد يتجرد عن التراخي إذا كررت على التعظيم والتأكيد كقوله
تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [سورة الانفطار/١٧-١٨]
والمعطوف هنا هو لفظ المعطوف عليه ، وكقوله : ﴿كلا سوف يعلمون ثم كلا
سوف يعلمون﴾ [سورة التكاثر/٤،٣] الآيات .
والمعطوفات كلها جمل فيها معنى التهديد والوعيد، وأما قوله تعالى: ﴿والذين
يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ [سورة المجادلة/٣] فقال القاضي أبو
الطيب: التراخي ظاهر فيه لأنه لا بد من تأخر العود عن الظهار بفصل، وهو زمن
إمكان الطلاق.
وقد اختلفت الحنفية في أثر التراخي ، فعند أبي حنيفة هو راجع إلى المتكلم
بمعنى الانقطاع المطلق بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولا بعد الأول. وقال
صاحباه: راجع إلى الحكم مع الوصل في المتكلم لمراعاة معنى العطف فيه، لأن
الكلام منفصل حقيقة أو حسّاً، فيكون في الحكم كذلك. فإذا قال لغير المدخول
بها: أنت طالق ثم طالق، ثم طالق، إن دخلت الدار. فعند أبي حنيفة لما كان في
الحكم منقطعا وقع واحدة في الحال، ويلغو الباقي، لعدم المحل، كما لو قال: أنت
طالق ، وسكت ، ثم قال : أنت طالق إن دخلت الدار ، ولو كان كذلك لم يتعلق
الطلاق بالشرط فكذا هنا ، وعندهما لما كان المتكلم متصلا حكما تعلقت جميعا
بالشرط إلا أنه إذا وجد الشرط يقع واحدة عملا بالتراخي .
المبحث الثالث : إذا ثبت أنها للتراخي فلا دليل على مقداره من جهة اللفظ
قاله ابن السمعاني . وقال غيره : المراد بالتراخي الزماني فإنه حقيقة فيه ، فإن
٣٢٣

استعمل في تراخي الرتبة أو في تراخي الأخبار كان مجازاً. وقال ابن دقيق العيد :
ويمكن أن يقال : إنها حقيقة في أمر مشترك بين هذه الأنواع أعني التراخي في
الزمان والرتبة والأخبار .
المبحث الرابع : إن التراخي قد يتزايد في عطف الجمل بعضها على بعض فإذا
قلت: جاء زيد ثم جاء عمرو كان أدل على التراخي من قام زيد ثم عمرو ، فإن
تغاير الفعلان فقلت : قام زيد ثم انطلق كان كالثاني ، وقد قال تعالى: ﴿كيف
تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ [سورة
البقرة/٢٨] فعطف أولا بالفاء لأنهم كانوا نطفا فجعل فيهم حياة عقب حالة كونهم
أمواتا، ثم تراخي حالة إماتتهم بمدة حياتهم وآجالهم المقسومة فعطف الإماتة، ثم
تراخي الإحياء المتعقب عن الإماتة بمدة لبثهم في البرزخ فعطف ﴿يحييكم﴾ بثم،
ثم تراخي الإحياء للبعث عن الإماتة بمدة لبثهم في البرزخ فعطف عليهم بثم ، ثم
إليه الرجوع بعد هذا كله .
قيل: ويجيء بمعنى الواو كقوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ [سورة الأعراف/ ٥٤]
﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [سورة البقرة/٢٩] ﴿ثم الله شهيد﴾ [سورة يونس /٤٦] قالوا:
هي فيها بمعنى الواو لأن الاستواء صفة ذات، وهي قديمة، والتعقيب بالتراخي لا
يوصف به القديم .
وأما من ذهب إلى أنها صفة فعل لا يحتاج إلى تأويل. وقد تأول بأن المراد
بالاستواء هنا الاستعارة فإنه تعالى فرغ من إكمال الخليقة وأمر ونهى وكلف، ثم
استوى على العرش، والمراد الإشارة إلى ما قلناه من إكمال المعنى المذكور هذا
المعنى فيصح فيه التعقيب .
[[ש]:
إنما: والكلام فيها في مواضع :
١/١٠٤ الأول : هل هي تفيد الحصر أو لا؟ قولان. / وإذا قلنا: تفيده، فهل هو
بالمنطوق يعني أنها وضعت للإثبات والنفي معا أي: لإثبات المذكور ونفي ما عداه
أو للإثبات خاصة وللنفي بطريق المفهوم؟ قولان.
٣٢٤

وبالأول قال القاضي أبو حامد المروروذي فيما حكاه الشيخ أبو إسحاق في
((التبصرة)) قال: مع نفيه القول بدليل الخطاب لكن الماوردي في أقضية ((الحاوي))
نقل عن أبي حامد المروروذي وابن سريج أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على
الدليل من الاحتمال .
وبالثاني قال القاضي والغزالي وذكراه في بحث المفاهيم، وقال سليم الرازي في
((التقريب)): إنه الصحيح.
وقال ابن الخوبي: هذا الخلاف مبني على أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا؟
فإن قلنا: إنه إثبات فالحصر ثابت بالمنطوق، وإلا فهو من طريق المفهوم، وهذا
الكلام يقتضي جريان هذا الخلاف في ((ما)) و((إلا)) وهو بعيد ، والقول بأنها لا تفيده
أصلا هو رأي الآمدي ، وإنما يفيد تأكيد الإثبات وبه بشعر كلام إمام الحرمين في
((البرهان)) حيث قال: فأما ما ليس له معنى، فما الكافة تعمل ما يعمل دونها تقول:
إن زيدا منطلق وإنما زيد منطلق. وحكاه ابن العارض المعتزلي في ((النكت)) عن أبي
علي الجبائي وابنه أبي هاشم. قال: وهو يحكى عن أهل اللغة ونصره ابن برهان
النحوي في ((شرح اللمع)) واختاره الشيخ أبو حيان. واشتد نكيره على من خالفه،
ونقله عن البصريين.
ونقل الغزالي عن القاضي أنه ظاهر في الحصر، ويحتمل التأكيد ثم قال: وهو
المختار، ووافقه إلّكِيا، والذي في ((التقريب)) للقاضي أنها محتملة لتأكيد الإثبات
ومحتملة للحصر، وزعم أن العرب استعملتها لكل من الأمرين، ثم قال: ولا
يبعد أن يقال: إنها ظاهرة في الحصر. وأنكر ابن الحاج في ((تعليقه على المستصفى))
والعبدري في ((شرحه)) إفادتها الحصر، وقالا: إنه غير معروف في اللغة، وإنما معناه
الاقتصار على الشىء.
قال ابن السَّيِّد: قال نحاة البصرة: معناها الاقتصار كقولك: إنما زيد شجاع،
لمن ادعى له غير ذلك من الصفات، والتحقير كقولك: إنما وهبت درهما، لمن
يزعم أنه وهب أكثر من ذلك، وهذا راجع إلى الاقتصار. وقد يستعمل في رد
النفي إلى حقيقته إذا وصف بما لا يليق به، كقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾
٣٢٥

شار
[سورة النساء/١٧٧] ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ [سورة الكهف / ١١٠ فصلت/٦] وهو راجع
للأول. قالا: فإن أراد القاضي بالحصر الاقتصار فقد أصاب، وإلا ففيه نظر.
وتابعهما الشيخ أبو حيان في إنكار أفادتها الحصر، وقال : إنه معروف في اللغة وهو
عجيب، فقد حكاه ابن السيدّفى ((الاقتضاب)) عن الكوفيين. فقال: وذكر
الكوفيون أنها تستعمل بمعنى النفي، واحتجوا بقول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ومعناه ما يدافع إلا أنا أو مثلي. هذا كلامه .
وفي ((الزاهر)) للأزهري عن أهل اللغة أنها تقتضي إيجاب شىء ونفي غيره.
وقال صاحب ((البرهان)): قال أبو إسحاق الزجاج : والذي أختاره في قوله
تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ [سورة البقرة/١٧٣] أن تكون ((ما)) هي التي تمنع
((إن)) من العمل، ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، لأن ((إنما)) تأتي لإثبات
ما بعدها ونفي ما عداه .
وقال أبو علي في ((الشيرازيات)): يقول ناس من النحويين: ﴿إنما حرم ربي
الفواحش﴾ [سورة الأعراف] المعنى: ما حرم إلا الفواحش، قال : وأجيب ما يدل
على صحة القول في ذلك، وهو قول الفرزدق :
(وإنما) يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
وعزاه ابن السيد للكوفيين ، ولم يعنوا بذلك أنهما بمنزلة المترادفين فإنه يمتنع
إيقاع كل منهما موضع الآخر على الإطلاق . انتهى .
وممن ذكر أنها للحصر الرماني عند تفسير قوله تعالى: ﴿إنما يستجيب الذين
يسمعون﴾ [سورة الأنعام/٣٦] فقال: إنما تفيد تخصيص المذكور بالصفة دون غيره
بخلاف ((إن)) كقولك : إن الأنبياء في الجنة ، فلا تمنع هذه الصيغة أن يكون
غيرهم فيها كما منع إنما هم في الجنة انتهى .
وكذا قال الزمخشرى عند قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [سورة
٣٢٦

التوبة / ٦٠] وكذا ابن عطية في غير موضع ، وقال ابن فارس : سمعت عليّاً بن
إبراهيم القطان يقول: سمعت ثعلبا يقول : سمعت سلمة يقول : سمعت الفراء
يقول : إذا قلت: إنما قمت ، فقد نفيت عن نفسك كل فعل إلا القيام ، وإذا
قلت : إنما قام أنا ، فقد نفيت القيام عن كل أحد وأثبته لنفسك. قال الفراء: ولا
يكون ابتداء إلا ردا على أمر ، ولا يكون ابتداء كلام .
قال ابن فارس : والذي قاله الفراء صحيح وحجته: (إنما الولاء لمن أعتق).
قلت : ينبغي أن يكون الرد لأمر محقق أو مقدر، وإلا لورَدَ عليه (إنما الأعمال
بالنيات) ونحوه.
من أحسن ما يستدل به على أنها للحصر: قوله تعالى : ﴿إنما يتقبل الله من
المتقين﴾ [سورة المائدة/ ٢٧] لأنه لم يتقبل من أخيه ، فلو كان يتقبل من غير المتقين لم
يجز الرد على الأخ بذلك ، ولو كان المانع من عدم القبول فوات معنى في المتقرب به
لا في الفاعل لم يحسن ذلك ، فكأنه قال: استوينا في الفعل وانحصر القبول فيّ
بعلة التقوى ، وكذلك قوله تعالى : ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ [سورة آل
عمران / ٢٠] فإنها لو لم تكن للحصر لكان بمنزلة قولك : فإن تولوا فعليك البلاغ ،
وهو عليه البلاغ تولوا أم لا ، وإنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون
تسلية له ويعلم أن توليهم لا يضره ، وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم
الحصر ، كقوله تعالى: ﴿إنما إلهكم إله واحد﴾ [سورة الأنبياء/١٠٨] ﴿إنما الله إله
واحد﴾ [سورة النساء/ ١٧١] ﴿إنما أنت منذر﴾ [سورة الرعد/٧] ﴿إنما أنت نذير﴾ [سورة
هود/١٢] ﴿إِنما تعبدون من دون الله أوثانا﴾ [سورة العنكبوت/ ١٧] ﴿إنما مثل الحياة
الدنيا﴾ [سورة يونس /٢٤] ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾ [سورة البقرة/١٦٩] ﴿إنما
البيع مثل الربا﴾ [سورة البقرة/٢٧٥] ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [سورة محمد/٣٦]
﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [سورة الأنفال/٢٨] ﴿إنما السبيل على الذين
يستأذنونك وهم أغنياء﴾ [سورة التوبة/٩٣] ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله﴾
[سورة التوبة/٤٥] ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ [سورة آل عمران / ١٧٥] ﴿إنما
الآيات عند الله﴾ [سورة الأنعام/١٠٩] وقوله تعالى: ﴿إنما العلم عند الله وإنما أنا
٣٢٧

نذير مبين﴾ [سورة الملك] ﴿قل إنما يأتيكم به الله إن شاء﴾ [سورة هود٣٣] ﴿قل إنما
علمها عند ربي﴾ [سورة الأعراف / ١٨٧] فإنه إنما يحصل بها مطابقة الجواب إذا كانت
((إنما)) للحصر، ليكون معناها لا آتيكم إنما يأتي به الله ، ولا أعلمها إنما يعلمها
الله ، وقوله: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على
الذين يظلمون الناس﴾ [سورة الشورى/٤١ - ٤٢] .
قال ابن فارس: وزعم بعضهم مجيأها للتحقير تقول : إنما أنا بشر. محقراً
لنفسك، ورده بقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ [سورة النساء/ ١٧١].
وحكى ابن بابشاذ عن بعض النحاة أنها تجىء للتعليل ، واحتج بقول
سيبويه : إنما سرت حتى أدخلها أنك إذا بَيَّتَّ السّير .
وقيل : تجيء للتأكيد ، نحو إنما الرجل زيد .
قال ابن دقيق العيد : والأقرب أنها فيه للحصر المجازي ، أو بجعل المجاز في
الألف واللام التي في الرجل بأن يستعمل للكمال ويحصر الكمال فيه .
١٠٤ /ب الثاني: من المواضع في سبب إفادتها / الحصر ويعرف من أنها مفردة أو
مركبة ، وفيه طرق :
أحدها : أنها لفظة مفردة وضعت للحصر ابتداء من غير اعتبار تركيب ومن غير
وضعها لمعنى ، ثم نقلها لمعنى الحصر ، ودليله أنها للحصر والأصل عدم التركيب
والنقل ، وكونها على صورة ((إن)) مع ((ما)) لا يستدعي التركيب منهما بل المجموع
حرف واحد ، كما أن الجزء الأول من لفظ إنسان على صورة حرف الشرط وليس
مركبا منه .
الثانية: للإمام فخرالدين الرازي أنّ ((إنّ)) للإثبات و ((ما)) للنفي فإذا جمعا
فقيل : إنما زيد قائم ، فالأصل بقاء معناه بعد التركيب على ما كان عليه ، وليس
النفي والإثبات متوجهين إلى المذكور ، ولا إلى غير المذكور للتناقض ، بل أحدهما
للمذكور والآخر لغير المذكور ، وليس ((إنّ)) لإثبات ما عدا المذكور و ((ما)) لنفي
المذكور وفاقا ، فتعين عكسه ، وهو معنى القصر .
٣٢٨

ورد بأن حكم الإفراد غير حكم التركيب ، ولا نسلم كونهما كلمتين بل كلمة
واحدة والأصل عدم التركيب والنقل ، وأيضا حكم غيره لم يذكر فكيف ينفي
حكمه؟ هذا على تقدير تسليم المقدمتين ، وهما أن ((إن)) للإثبات و((ما)) للنفي ،
لكنهما ممنوعتان باتفاق النحاة أما ((إن)) فليست للإثبات ، ولا ما للنفي بدليل
استعمالهما مع كل منهما. تقول: إن زيدا قائم وإن زيدا لا يقوم ، فلو كانت
لأحدهما دون الآخر لم تستعمل معهما ، وأمّا ((ما)) فليست للنفي وإنما هي كافة .
وأجيب عن ذلك بأن الكفر حكم لفظي لا ينافي أن يقارنه حكم معنوي ،
واستدل السكاكي على أنها ليست بنافية بأن النافية لها صدر الكلام ، وهذه ليست
كذلك ، وبأنه يلزم اجتماع حرفي النفي والإثبات بلا فاصل ، وبأنه لو كانت
النافية لجاز نصب قائم في: إنما زيد قائم ، لأن الحرف وإن زيد يعملُ ، ولكان
معنى إنما زيد قائم تحقق عدم قيام زيد لأن ما يلي النفي منفي، والتوالي الأربعة
باطلة .
وانتصر القاضي عضد الدين للإمام، وقال: مراده أن كلمة ((إنما)) هكذا
للحصر كسائر الكلمات المركبة الموضوعة لمعنى لا أن لفظة ((إنّ)) ولفظة ((ما)) ركبتا
وبقيتا على أصلهما حتى لا يرد عليه الاعتراضات ، وما ذكره الإمام بيان وجه
المناسبة لئلا يلزم النقل الذي هو خلاف الأصل ، لكن يرد عليه في بيان وجه
المناسبة أن قولك: ((ما)) لنفي غير المذكور كنفي غير قيام زيد في قولك : إنما زيد
قائم غير متعين فلم لا يجوز أن تكون لنفي قيام غير زيد ؟ وقال الشيخ أبو حيان :
كون ((ما)) هنا للنفي قول من لم يشتم رائحة النحو .
قلت: قد حكاه في ((المحصول)) عن الفارسي في ((الشيرازيات)) أنه حكاه عن
النحويين ، قال: وقولهم حجة، لكن قال الشيخ جمال الدين في ((المغنى)): لم يقل
ذلك الفارسي في ((الشيرازيات)) ولا قاله نحوي غيره ، وإنما الذي في
((الشيرازيات)) أن العرب عاملوا ((إنما)) معاملة النفي، وإلا في فصل الضمير.
قلت : سبق من كلامه ما يدل على أنه أراد إشرابها معنى النفي أيضا .
وقال ابن برهان من أئمة النحويين في ((شرح اللمع)) ما نصه: تأول قوم ((إنما))
٣٢٩

1
على معنى ما وإلا ، واستدلوا بقول الفرزدق :
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وهذا قول ذكره أبو علي عن بعض البغداديين في قوله تعالى: ﴿إنما حَرَّمَ رَبِيّ
الفواحشَ ما ظهر منها﴾ [سورة الأعراف/ ٣٣] أي ما حرّم إلا الفواحش ، وهذا قول
لا نتبين صحته عندنا ، وقد قال تعالى : ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون
بآيات الله﴾ [سورة النحل/ ١٠٥] . انتهى.
وسيأتي جوابه أنه لم يخرج عن الحصر لكنه مجازي .
الثالثة: ((إنّ)) للتأكيد و((ما)) حرف زائد للتأكيد ولا فائدة لهما مجتمعين إلا
الحصر لأنه تأكيد ثان، وهذا حكاه السكاكي عن على بن عيسى واستلطفه. وحكاه
ابن بابشاذ في ((شرح الجمل)) عن المحققين من أصحابه ، وليس بشىء ، لأن
النفي عن غيره ليس تأكيداً لثبوته لاختلاف المعنيين .
ويرده اجتماع ((إن)) و((ما)) النافيتين ولا يفيد إلا النفي ، وكذلك يجتمع
المؤكدان ولا يفيد إلا التأكيد وأولى لأن النفي قد ينفى وأيضا فإنك تقول : قام
القوم كلهم أجمعون وليس بحصر ، ونقول : والله إن زيدا ليقومَنّ فقد حصل
التأكيد أربع مرات ، ولم يقل أحد باقتضائه الحصر .
قال القاضي العضد : وهو الذي قاله الربعي من باب إيهام العكس ، فإنه لما
رأى أن القصر تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما كان تأكيدا على تأكيد كان حصراً ،
وأيضا يلزم تخصيص كونه للحصر بما وقع في جواب الرد لكنه للحصر في جميع
المواضع .
الرابعة : للإمام في ((المعالم)) واعتمده ابن دقيق العيد: أن أهل اللسان فهموا
ذلك فإن ابن عباس فهم الحصر من قوله عليه السلام : (إنما الربا في النسيئة)
وخالفه الصحابة بدليل يقتضي تحرير ربا الفضل ولم يخالف في فهمه الحصر ، فكان
إجماعا. انتهى، وهو حسن إلا أن فيه نظرا من وجهين :
أحدهما : أنه قد ثبت في الصحيح عن ابن عباس رواية: (لا ربا إلا في
٣٣٠

النسيئة) فلعله فهم الحصر من هذه الصيغة لا من إنما ولو أنه ذكر أن الصحابة
فهمته من قوله : (إنما الماء من الماء) لكان أقرب .
ثانيهما : أن المخالف لا يلزمه أن يذكر جميع أوجه الاعتراض بل قد يكتفي
بأحدها إذا كان قويا ظاهرا ، وحينئذ فلا يلزم من استنادهم إلى الدليل السمعي
واقتصارهم عليه تسليم كونها للحصر .
الخامسة: اختيار السكاكي وهو أقربها: أنا وجدنا العرب عاملتها في الكلام معاملة
إلا المسبوقة بالنفي، وهي مفيدة للحصر بالاتفاق، فإنهم يقولون: قمت ولم يقم
زيد، ولا يقولون: قام أنا، ولم يقم زيد، فإذا أدخلوها قالوا: إنما قام أنا ولم يقم
زيد، كما يقولون: ما قام إلا أنا، فأجروا الضمير مع إنما مجرى المضمر مع إلا
وتلك تفيد الحصر كقوله: ما قطر الفارس إلا أنا.
الثالث(١): القائلون بالحصر قال محققوهم: هي حاصرة أبدا لكن يختلف
حصرها فقد يكون حقيقياً، كقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾، وقد يكون مجازياً
على المبالغة، نحو إنما الشجاع عنترة، وحمل عليه ابن عطية قوله: ﴿إِنما يفتري
الكذب﴾ [سورة النحل / ١٠٥] وقوله: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ [سورة الكهف / ١١٠]
محمول على معنى التواضع والإخبات أي: ما أنا إلا عبد متواضع.
ومنهم من يقول: تارة يكون مطلقا، نحو ﴿إنما الله إله واحد﴾ [سورة
النساء/١٧١] وتارة يكون مخصوصاً بقرينة، نحو ﴿إنما أنت منذر﴾ [سورة الرعد/٧]
فإنه لا ينحصر في النذارة ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [سورة محمد/٣٦] وليست
منحصرة في ذلك لأنها مزرعة للآخرة وإنما الحصر بالنسبة، فقوله: إنما أنت منذر
بالنسبة إلى خطاب الكفار لنفي كونه قادرا على إنزال ما اقترحوه من الآيات
كقوله: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ [سورة المائدة/ ٩٩] وقوله: ﴿إنما الحياة الدنيا
لعب﴾ أي: بالنسبة لمن آثرها ولم يعمل فيها للآخرة.
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): كلمة ((إنما)) للحصر، والحصر فيها على
وجھین :
(١) أي : من المواضع.
٣٣١

١/١٠٥ / أحدهما: أن لا يكون فيها دخلت عليه تخصيص ولا تقييد ﴿إنما اللّه إله
واحد﴾ [سورة النساء/١٧١] ﴿إنما إلهكم اللّه﴾ [سورة طه/٩٨] ﴿إنما وليكم اللّه
ورسوله﴾ [سورة المائدة/ ١٥٥].
والثاني: أن يقع فيما دخلت عليه إما في جانب الإثبات بأن يكون هو المقصود أو في
جانب النفي بأن يكون هو المقصود، والقرائن ترشد إلى المراد، وهو في العمد
الكبرى في فهمه، نحو ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [سورة محمد/٣٦] ﴿إنما أنا بشر
مثلكم﴾ [سورة الكهف / ١١٠] ﴿إنما أنت منذر﴾ [سورة الرعد/ ٧] فإن جميع هذه
الأوصاف التي دخلت عليها ((إنما)) ليست للعموم بل تختص كونها لعبا ولهوا بمن لا
يريد بعمله فيها الآخرة والتزود بها، والرسول ◌َّر لا ينحصر في البشرية والنذارة
بل له أوصاف أخرى جليلة زائدة على البشرية والنذارة، ولكن فهم منه أنه ليس
على صفة تقضي العلم بالغيب، أو إنها في قوله : (إنما أنا بشر مثلكم)
(تختصمون إلى)، وفي (إنما أنا بشر مثلكم) في الآية الكريمة يفهم من أنه ليس قادراً
على خلق الإيمان قهراً لسبق قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي
آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم﴾
[سورة فصلت/ ٥-٦] أي: والله أعلم لا أقدر على إجباركم على الإيمان. وكذلك أمر
النذارة لا ينحصر فيها ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ [سورة الفتح /٨].
إذا عرفت هذا فإن دلت القرائن والسياق على التخصيص فاحمله على العموم
فيما دخلت عليه ((إنما)) وعلى هذا حمل ابن عباس (إنما الربا) على العموم حتى نفى
ربا الفضل، وقيل: إنه رجع عنه وحمل غيره (إنما الماء من الماء) على ذلك ولم
يوجب الغسل بالتقاء الختانين، ومن خالف في الأمرين فبدليل خارجي .
الرابع: زعم النحويون أن الأخير هو المحصور، فإذا قلت: إنما زيد قائم،
فالقائم هو المحصور، وإذا قلت: إنما المال لك، فالمحصور أنت أي: لا غيرك،
وإذا قلت: إنما لك المال، فالمحصور المال أي: لا غيره، وعلى هذا قوله بَّرِ: (إنما
الأعمال بالنيات) لا يحسن الاحتجاج به على مشروعية النية في كل عمل، إذ
المحصور النية لا العمل، ولكن إجماع الأئمة على خلافه.
٣٣٢

وأجمع النحاة على أنه متى أريد الحصر في واحد من الفاعل والمفعول مع ((إنما))
يجب تأخيره وتقديم الآخر، فتقول: إنما ضرب عمرو هندا إذا أردت الحصر في
المفعول، وإنما ضرب هنداً عمرو إذا أردت الحصر في الفاعل.
واختلفوا فيه إذا كان مع ((ما)) و(إلا)) على ثلاثة مذاهب:
فذهب قوم منهم الجَزُولي والشِّلَوْبين إلى أنه كذلك في ((إنما)) إن أريد الحصر فيه
وجب تأخيره كَإلّاً وتقديم غير المحصور.
وذهب الكسائي إلى أنه يجوز فيه من التقديم والتأخير ما جاز في کل واحد منهما
إذا لم يكن معه ((ما)) وإلا.
وذهب البصريون والفَرّاء وابن الانباري إلى أنه إن كان الفاعل هو المقرون بإلا
وجب تقديم المفعول، وإن كان المفعول هو المقرون بإلا لم يجب تقديم الفاعل على
المفعول، بل يجوز تقديم الفاعل على المفعول وتأخيره. حكاه عنه الشيخ بهاء
الدين ابن النحاس في ((التعليقة)).
[أنتما]:
الخامس: ادعى الزمخشري في ((كشافه)) أن ((أنما)) المفتوحة للحصر. قاله في قوله
تعالى: ﴿إِنما يُوحى إلي أنما إلهكم إلهٌ واحد﴾ [سورة الأنبياء/١٠٨] وبه صرح التنوخي
في ((الأقصى القريب)) وأنكره الشيخ أبو حيان، وقال: إنما يعرف في المكسورة لا
المفتوحة .
واعتراضه مردود بوجیھن:
أحدهما: أن المكسورة هي الأصل وأن المفتوحة فرعها على الصحيح وإذا ثبت
هذا الحكم في المكسورة، ثم عرض لها الفتح لقيامها مقام المفرد، فالقياس يقتضي
بقاء ذلك المعنى.
وثانيها: أن الزمخشري بناه على رأيه في إنكار الصفات. نعم رأيت في ((كتاب
سيبويه)) ما يدل على أنها لا تقتضي الحصر، فإنه قال في باب ((إنما)): واعلم أن كل
شيء يقع فيه ((أنّ)) يقع ((أنما)) وما بعدها صلتها كما في ((الذي)) ولا تكون هي عاملة
٣٣٣

فيما بعدها كما لا يكون ((الذي)) عاملا فيما بعده، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إنما أنا
بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد﴾ [سورة الكهف / ١١٠] فإنما وقعت ((إنما))
نههنا لأنك لو قلت: إن إلهكم إله واحد كان حسنا. انتهى.
قواعد نافعَة
الأولى
حروف الجر يسميها الكوفيون الصفات لنيابتها عن الصفات، ويجوزون دخول
بعضها على بعض. أي: أن هذا الحرف بمعنى حرف كذا.
ومنع البصريون ذلك وعدلوا عنه إلى تضمين الفعل معنى فعل آخر إبقاء للفظ
الحرف على حقيقته، وكأنهم رأوا التجوز في الفعل أخفّ من التجوز في الحرف.
والكوفيون عكسوا ذلك، وقال ابن السيد: في القولين جميعا نظر لأن من أجاز
مطلقا يلزمه أن يجيز سرت إلى زيد. يريد مع زيد، ومن منع مطلقا لزمه أن
يتعسف في التأويل الكثير.
فالحق: أنه موقوف على السماع، وغير جائز في القياس.
ثم ذكر ما حاصله يرجع إلى التضمين هو تضمين الحرف معنى آخر ليفيد
المعنيين كقوله :
إذا رضيت علّ بنو قُشَير لعمرُ الله أعجبني رضاها
قيل: إنما عدّي رضي بعلى لأنه بمعنى أقبلت: وقال أبو الفتح بن دقيق العيد:
المانعون إنما يمنعون الاستعمال حقيقة ومجازا، أو حقيقة فقط، والمجوزون إما أن
يدعوا في الاستعمال الحقيقة فيه أو يقولوا بالمجاز فيه. فإن ادعى المانعون العموم
بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز لم يصح، لأنهم إذا ردوا على المجيزين جعلوا مدلول
اللفظ حقيقة معنى من المعاني، ثم ردّوا الاستعمال الذي يذكره المجوزون بالتأويل
إلى ذلك المعنى، وهو يقرب المجاز، فعلى هذا يؤول تصرف البصريين إلى المجاز
٣٣٤

أيضا، ويرجع الخلاف في ترجيح أحد المجازين على الآخر لا في المنع من
الاستعمال أو الحمل أو الجواز فيهما، وإن كان الكوفيون يرون الاستعمال في هذه
المعاني التي يوردونها حقيقة.
والبصريون يقولون: مجاز فالمجاز خير من الاشتراك والاشتراك لازم على هذا
القول لاتفاق الفريقين على استعمال اللفظ في معنى حقيقة، والكوفيون على هذا
التقدير يرون استعماله في معاني حقيقة، فيلزم الاشتراك على هذا التقدير قطعا.
قال: ولست أذكر التصريح من مذهب المجوزين في أنه حقيقة، وإنما المشهور
قولهم: ويكون كذا بمعنى كذا، وليس فيه دليل على أنه حقيقة فيه.
الثانية
المقصود من علم العربية إنما هو النطق بالصواب، وذلك حكم لفظي، وما عداه
من التقديرات وغيرها مما لا يقدح في اللفظ ليس هو بالمقصود فيها، فمتى احتج
محتج بشيء مسموع من العرب لمذهبه، فذكر فيه تأويل، وكان ذلك التأويل مما
يطرد في جملة موارد الاستعمال، فحينئذ لا يظهر للاختلاف فائدة لفظية، / لأن ١٠٥/ب
اللفظ جائز الاستعمال على الصورة والهيئة المذكورة على كل تقدير، إما من غير
تأويل كما يذهب إليه المستدل، وإمّا بتأويل مطرد في الموارد كما ذكر المجيب، فلا
يظهر للاختلاف فائدة في الحكم اللفظي، وهو المقصود من علم العربية.
مثاله: إذا قلنا: (فإن في أحد جناحيه داءً والآخر شفاء) فأوله مؤول بحذف
حرف الجر، وأول قولنا: ((ما كل سوداء تمرة، ولا كل بيضاء شحمة)). بحذف
المضاف، فاللفظ على الهيئة المذكورة غير خارج عن الصواب. غاية ما في الباب أن
يكون الخلاف وقع في وجه جوازه. فقائل يقول: هو على حذف المضاف وإلغاء
عمله، وهو جائز. وقائل يقول: هو على تقدير العطف على عاملين وهو جائز.
فالاتفاق وقع على الجواز واختلف في علته، وذلك لا يفيد فائدة لفظية اللهم إلا إذا
بين في بعض المواضع فائدة بأن يكون الجواز صحيحا بأحد الفريقين دون الآخر،
فحينئذ تظهر الفائدة المحققة المعتبرة في علم العربية، فانظر هذا فإنه يقع في
مواضع من مباحث النحويين.
٣٣٥

الثالثة
الأفعال باعتبار تعلقها بمفعولاتها على الاستيعاب وعدمه على أربعة أقسام:
أحدها: ما يستوعب ليس إلا، نحو اشتريت الدار، وأكلت الرغيف فلا يحمل
على البعض إلا مجازا.
قال ابن المنير في ((تفسيره الكبير)): ومن ثم أشكل مذهب مالك - رحمه الله -
في تحنيث الحالف ببعض المحلوف عليه، فإنه إلزام له بمقتضى خلاف حقيقة
لفظه، وحمل عليه أنه أراد المجاز، وهو يقول، ما أردته فاحملوا لفظي على الحقيقة،
أو عسى أن مكلفاً قدر الجملة في المعنى بالإجزاء فكان معنى لفظه عنده لا أكلت
جزءاً من الرغيف. وأخذ ذلك في أجوبة الدعاوى فيما إذا قال: لا تستحق علّ
العشرة، فإن محمل النفي على الأجزاء أي: ولا شيئا منها، ولهذا يلزمه في أجوبة
الدعاوى ولا شيئا منها مع قرينة كون الحالف في مثله يريد الاجتناب ومباعدة
المحلوف عليه، فمتى أكل الرغيف إلا لقمة فاته مقصود الاجتناب.
الثاني: مقابل الأول لا يقتضي الفعل في الاستيعاب، كقولك: شجّ زيد عمراً،
فلا خفاء أنه لا يريد إلا جرحه في رأسه خاصة بعض الوجه ولا تكون الشجة الا
كذلك، ومنه ضربت زيداً.
الثالث: كالثاني إلا أن العرف هو المانع للاستيعاب، كقولك: جعلت الخيط في
الإبرة، وليس المراد أنك وقفته على جملة الإبرة، وكقوله تعالى: ﴿يجعلون
أصابعهم في آذانهم﴾ [سورة البقرة/ ١٩].
الرابع: يختلف الحال فيه بدخول حرف الجر فيه وعدمه، ومنه عند الشافعي
فعل المسح إن اقترن بالباء كان للتبعيض وإلا للاستيعاب، وكذلك ما يقول أبو
علي في السير واليوم لو قلت: سرت اليوم فظاهره الاستيعاب، وإن قلت: سرت
في اليوم فظاهره عدم الاستيعاب، وتتحقق الظرفية بدخول ((في)) وتغلب الاسمية
لسقوطها، ولهذا كان الأولى حين تتحقق الظرفية النصب. تقول: سرت اليوم
فيه، وحين تغلب الاسمية الرفع تقول: اليوم سرته، وينبني على هذا الفرق
أحكام كثيرة.
٣٣٦

منها: لو قال: أنت طالق في يوم السبت يقع بطلوع الفجر، ولو نوى وقوعه في
آخره يُدَيّن، ولم يقبل ظاهرا عندنا، وقال أبو حنيفة: يقبل، وخالفه صاحباه.
وجعل السروجي مأخذهما أن حذف حرف الجر وإثباته سواء، لأنه ظرف في
الحالين فصار كما لو قال: صمت يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة، فإن الحكم فيهما
سواء، ولأبي حنيفة أن الحذف للحرف قد يحدث معنى لا يكون مع إثباته لأن ((في)»
قد تفيد التبعيض في الظرف الداخل عليه إلا أن يمنع مانع، ولهذا قالوا في قولهم:
سرت فرسخا وسرت في فرسخ: إن الظاهر في الأول الاستغراق في السير وفي
الآخر عدمه، وقوله: إلا أن يمنع مانع حتى يخرج صُمت في يوم الجمعة، فإن صوم
بعض اليوم لا يمكن، وردوا صُمْت شهر رمضان أو شهر رمضان إلى الأصل الأول
أن صوم الشهر يقبل التبعيض.
الرابعة
الأفعال الماضية تفيد بالوضع أمرًا أن معنى الجملة التي تليها الزمن الماضي فقط لا
غير ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولابقائه، بل إن أفاد الكلام شيئاً
من ذلك كان لدليل آخر. هذا هو التحقيق.
واختلف الأصوليون في دلالة ((كان)» على التكرار، وهي مسألة لم يذكرها
النحاة، والنحاة في دلالتها على الانقطاع، وهي مسألة لم يذكرها الأصوليون.
قال ابن عصفور في ((شرح الجمل)): وأصحها، وهو قول الجمهور: نعم. فإذا
قلت: كان زيد قائما دل على أنه قام فيما مضى وليس الآن بقائم، وقيل: بل لا
يعطي الانقطاع بدليل: ﴿وكان الله غفورا رحيماً﴾ [سورة النساء/٩٦] وأجاب بأن
ذلك قد يتصور فيه الانقطاع بأن يكون المراد به الإخبار بأن الله تعالى كان فيما
مضى غفوراً رحيما كما هو الآن كذلك، فيكون القصد الإخبار بثبوت هذا الوصف
في الماضي، ولم يتعرض لخلاف ذلك.
وأجاب السّيرافي بأنه يحتمل الانقطاع بمعنى أن المغفور لهم والمرحومين قد
زالوا. والأحسن في الجواب: أن في صفات الله تعالى مسلوبة الدلالة على تعيين
الزمان، وصار صالحاً للأزمنة الثلاثة بحدوث الزمان وقدم الصفات الذاتية، وكذا
٣٣٧

الفعلية على رأي الحنفية.
والتحقيق خلاف القولين كما سبق، ولهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كنتم
خير أمة﴾ [سورة آل عمران/ ١١٠] ((كان)) عبارة عن وجود الشيء في زمن ماض على
سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارىء، ومنه
﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [سورة النساء/٩٦]، وقال ابن معطٍ في ((ألفيته)):
وكان للماضي الذي ما انقطعا
وحكى ابن الخبار في شرحها قولا أنها تفيد الاستمرار محتجا بالآية، وسمعت
شيخنا أبا محمد بن هشام - رحمه الله - ينكره عليه، ويقول: غره فيه عبارة ابن
معط، ولم يصر إليه أحد، بل الخلاف في أنها تفيد الانقطاع أو لا تقتضي الانقطاع
ولا عدمه، وأما إثبات قول بالاتصال والدوام فلا يعرف.
قلت: وقال الأعْلَمُ تأتي للأمرين، فالانقطاع نحو كنت غائبا، وأما الآن
حاضر، والاتصال كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [سورة النساء/٩٦] وهو في
كل حال موصوف بذلك.
وههنا قاعدة من قواعد التفسير: وهي أنه وقع في القرآن إخبار الله عن صفاته الذاتية
وغيرها بلفظ ((كان)) كثيرا ﴿كان الله سميعا عليما﴾ [سورة النساء/١٤٨] ﴿واسعا
حكيما﴾ [سورة النساء/ ١٣٠] ﴿غفورا رحيما﴾ [سورة النساء/٩٦] ﴿توابا رحيما﴾ [سورة
النساء/١٦] وأنها لم تفارق ذاته، ولهذا يقدرها بعضهم بما زال فراراً مما يسبق إلى
الوهم من أنّ ((كان)) تفيد انقطاع المخبر به من الوجود، كقولهم: دخل في خبر
١/١٠٦ كان. قولوا: فكان وما زال أختان فجاز أن تستعمل إحداهما في معنى / الأخرى
مجازا بالقرينة، وهو تكلف لا حاجة إليه، وإنما معناها ما ذكرنا من أزلية الصفات
ثم يستفيد معناها من الحال، وفيما لا يزال بالأدلة العقلية باستصحاب الحال
وحيث الإخبار بها عن صفة فعلية، فالمراد تارة الإخبار عن قدرته عليها في الأزل،
نحو كان الله خالقا ورزاقا ومحييا ومميتا، وتارة تحقيق نسبته إليه نحو ﴿وكنا
فاعلين﴾ [سورة الأنبياء/ ١٠٤]، وتارة ابتداء الفعل وإنشاؤه، نحو ﴿وكنا نحن
الوارثين﴾ [سورة القصص /٥٨] فالإرث إنما يكون بعد موت المورثين، والله سبحانه
٣٣٨

وتعالى مالك كل شيء على الحقيقة من قبل ومن بعد، وحيث أخبر بها عن صفات
الآدميين فالمراد بها التنبيه على أنها غريزية وطبيعية نحو ﴿وكان الإنسان عجولا﴾
[سورة الإسراء/١١] ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾ [سورة الأحزاب/٧٢] ويدل عليه ﴿إِن
الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا﴾ [سورة
المعارج/١٩-٢١] أي: خلق على هذه الصفة، وهي حال مقدرة أو بالقوة لم يخرج إلى
الفعل، وحيث أخبر بها عن أفعاله دلت على اقتران مضمون أمر الجملة بالزمان
نحو ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ [سورة الأنبياء/ ٩٠] ومن هذا الثاني الحكاية
عن النبي 18 بلفظ ((كان)) نحو كان يقوم، وكان يفعل. وسنتكلم عليه في باب
العموم إن شاء الله تعالى.
الخامسة
النسبة المنفية إذا قيدت بحال تسلط النفي على الحال ، وللعرب فيه طريقان:
أكثرهما نفي المقيد وهو الحال ، فتقول ما زيدٌ أقبلَ ضاحكاً فيكون الضحك منفيا
، وزيد قد أقبل غير ضاحك .
والثاني: نفى المقيد والقيد، فيكون زيد لم يضحك ولم يُقبل، ومن ثم رد على
أبي البقاء تجويزه عمل ﴿بمؤمنين﴾ في الحال، وهو ﴿يخادعون﴾ إذ ليس معنى الآية
على نفي الخداع البتة، والعجب منه كيف تنبه فمنع الصفة؟ وعلله بما ذكرنا،
وأجاز الحال ولا فرق.
ولأبي البقاء أن يقول : الفرق واضح ، فإذا قلت: ما زيد ضاحك راكباً فمعناه
نفي الضحك في حال الركوب ، وهو لا يستلزم نفي حال الركوب. إذا الحال
كالظرف في حال الركوب، وهو لا يستلزم نفي حال الركوب. إذ الحال كالظرف
فالمنفي الكون الواقع في الحال لا الحال كما في قولك: ما زيد ضاحك في الدار،
وهذا بخلاف الصفة، إذ هي كون من الأكوان فيقتضي نفيها به .
وقال بعض المتأخرين: يظن كثير من الناس ممن لا تحقيق له أن في مدلول ﴿لا
يسألون الناس إلحافا﴾ [سورة البقرة/٢٧٣] وقوله: ﴿ولا شفيع يطاع﴾ [سورة
غافر/١٨] ونظائره مذهبين :
٣٣٩

أحدهما: نفي الإلحاف وحده.
والثاني: نفي السؤال والإلحاف معا، وينشد :
على لاحِبٍ لا يهتدى بمناره
ولم يقل أحد أن نفيهما معا في الآية من مدلول اللفظ بل هو من جملة محامله، كما
أن زيدا من جملة محامل رجل، وقد تقرر في المعقول أن القضية السالبة لا تستدعي
وجود موضوعها فكذلك سلب الصفة لا يستدعي وجود الموصوف ولا نفيه .
والحاصل: أن اللفظ محتمل ولا دلالة له على واحد من الطرفين بعينه، وليس
هو متردداً بينهما بل مدلوله أعم منهما وإن كان الواقع لا يخلو عن أحدهما، والمتحقق
فيه انتفاء الصفة لأنه على التقديرين، وانتفاء الموصوف محتمل. لا دلالة لنفي
المركب على انتفائه ولا ثبوته، لكن إذا جعلنا الصفة تشعر به نزع إلى القول بعموم
الصفة، فمن أنكره فواضح، ومن أثبته وقال: إنه من جهة العلة فكذلك، لأن
محله إذا كانت الصفة المحكوم عليها والحكم معللا بها فلا يثبت عند انتفائها، وهنا
الصفة في الحكم، ومن أثبته، وقال: إنه من جهة اللفظ فيناسبه القول به هنا إلا
أن يظهر غرض سواه كما هو مبين هناك .
٣٤٠