النص المفهرس
صفحات 301-320
وكمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك في زمان ذلك الاشتراك . وتستعمل أيضا لمجرد الأمر الذي به الاشتراك والاجتماع دون زمان ذلك. فالأول : في أفعال الجوارح والعلاج نحو دخلت مع زيد، ومنه قوله تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ [سورة يوسف /٣٦] وقوله: ﴿أرسله معنا غدا﴾ [سورة يوسف/١٢] ﴿لن أرسله معكم﴾ [سورة يوسف/٦٦] .. والثاني : يكثر في الأفعال المعنوية نحو آمنت مع المؤمنين ، وتبت مع التائبين وفهمت المسألة مع من فهمها ، ومنه قوله تعالى: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ [سورة آل عمران/٤٣] ﴿وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾ [سورة التحرم / ١٠] ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [سورة طه/٤٦] ﴿إن معي ربي سهيدين﴾ [سورة الشعراء/٦٢] أي بالعناية والحفظ ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [سورة التحريم/٨] يعنى الذين شاركوه في الإيمان ، والذي وقع به الاجتماع والاشتراك في الأحوال. وقد ذكر الاحتمالات في قوله تعالى : ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ [سورة الأعراف / ١٥٧] فقيل: إنه من باب المعية . [بل]: بل: حرف إضراب عن الأول وإثبات للثاني وتستعمل بعد النفي والإيجاب ، ويأتي بعدها المنفي كما يأتي الموجب . قالوا : وهي أعم في الاستدراك بها من ((لكن)) تقول في الموجب : قام زيد بل عمرو، وفي المنفي: ما قام زيد بل عمرو ، وقال تعالى : ﴿إنا لمغرمون بل نحن محرمون﴾ [سورة الواقعة/٦٦، ٦٧] ﴿وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة﴾ [سورة المؤمنون /٦٢، ٦٣] ومثال المنفي بعدها ﴿أم يقولون تَقَوَّلَّهُ بل لا يؤمنون﴾ [سورة الطور/٣٣] ﴿قالوا بل لم تكونوا مؤمنين﴾ [سورة الصافات/ ٢٩]. وقيل : هي للإعراض عما قبلها أي جعله في حكم المسكوت عنه فإذا انضم إليها ((لا)) صار نصا في نفي الأول نحو جاء زيد لا بل عمرو. ثم إن تلاها جملة كانت بمعنى الإضراب إما الإيطالي نحو ﴿ قالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عبادٌ مُكْرَمون﴾ [سورة الأنبياء/٢٦] أي: بل هم، وإما الانتقالي ٣٠١ أي: الانتقال بها من غرض إلى غرض آخر. وزعم صاحب ((البسيط)) وابن مالك أنها لا تقع في التنزيل إلا على هذا الوجه مثاله قوله تعالى : ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ [سورة الشعراء/٦٦] فاستدرك ببيان عُدْوَانِه وخرج من قصة إلى أخرى وهي في ذلك كله حرف ابتداء لا عاطفة على الصحيح . وقال ابن الخَشّاب : إذا قلت جاء زيد لكن عمرو لم يجزلك أن تقدر ((لكن)) حرفاً عاطفاً جملة على جملة، وإن شئت اعتقدتها حرف ابتداء يستأنف عندها الكلام ، وهكذا إذا جاءت في القرآن فإن اعتقدتها عاطفة فلا وقف على ما قبلها دونها إذ لا تقف على المعطوف عليه وتبتدىء بالمعطوف، وإن اعتقدتها حرف ابتداء فلك الخيار في الوقف على ما قبلها ووصله . انتهى . وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ثم إن تقدمها أمر، أو إيجاب، کاضرب زيدا بل عمرا، أو قام زيد بل عمرو، فهي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه وإثبات الحكم لما بعدها. وإن تقدمها نفي أو نهى فهي لتقرير ما قبلها على حالته وجعل ضده لما نعدها، نحو ما قام زيد بل عمرو، ولا يقوم زيد بل عمرو . وأجاز الُبُرِّدُ ومن تبعه أن يكون ما قبله معنى النفي والنهي لما بعدها، فإذا قلت: ما رأيت زيدا بل عمرا بل ما رأيت عمرا لأنك إذا أضربت عن موجب في رأيت زيدا بل عمرا أضربت إلى موجب، فكذلك تضرب عن منفي إلى منفي . ورد بأنه مخالف للاستعمال وهو مقدم على القياس وإذا تحقق معنى الإضراب بطلت شبهه ، وحقيقته ترك الشىء والأخذ في غيره وهو الثاني . [من] و [ما ] قال الأستاذ أبو إسْحاق، أصلهما واحد إلا أن العرب خصت ((مَنْ)) بأهل التمييز أو من يصح منه، و ((ما)» بمن سواهم. قال: وقد تقوم إحداهما مقام الأخرى في معناها ، ولا يصار اليها إلا بدليل كقوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [سورة الليل/٣] ﴿والسَّماء وما بناها﴾ [سورة الشمس / ٥] . ٣٠٢ وقال النحويون . ((ما)) تقع لغير العاقل وعلى صفات من يعقل ، وقد تقع على مبهم من يعقل ، ويتفاوت ذلك بحسب ظهور الإبهام أو صفاته ، قال تعالى : ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [سورة النساء/ ٣] وقال: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ [سورة الكافرون/٢] وتصور الإبهام في الآية الأولى أظهر وإنما التحقيق في هذا على الصفة فأما قوله : ﴿والسّماء وما بناها والأرض وما طحاها﴾ [سورة الشمس/٥، ٦] فهي واقعة على الصفة فإن لله أسماء وصفات فإذا كنيت عن الاسم فبمَنْ وإذا كنيت عن الصفة فيها ، فكأن الأصل هنا والسماء وخالقها وبانيها فأوقعت ((ما)) مكان الخالق والبارىء من الصفات. ولو قيل: السماء ومن بناها لقلنا كان الأصل والسماء والذي بناها فأوقع ((مَنْ)) في مكان اسمه تعالى ولا التفات لمن قال: إنها مصدرية فإنها حرف والحرف لا يعود عليه ضمير، وقد عاد هنا الضمير على ((ما)) من قوله: بناها . ومن الثلاثي فأكثر: بلی : وهي جواب للنفي سواء كان النفي عارياً من حروف الاستفهام نحو بلى لمن قال: ما قام / زيد، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ١/١٠١ [سورة البقرة/ ٨٠] فجاء الرد علهم بإيجاب النار لمن مات كافرا فقال: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [سورة البقرة/٨١] الآية أو مقرونة به كقوله تعالى : ﴿ألست بربكم؟ قالوا بلى﴾ [سورة الأعراف/١٧٢] لأنهم أرادوا أنه ربهم فردوا النفي الذي بعد ألف الاستفهام وإذا ردوا نفي الشىء ثبت إيجابه . وقال ابن عَطِيّة : حق ((بلى)) أن تجيء بعد نفي غلبه تقرير ، وهذا القيد الذي ذكره من كون النفي غلبه تقرير لم يذكره غيره بل الكل أطلقوا بأنها جواب النفي . وقال الشيخ أبو حيان: إنها حقها أن تدخل على النفي ثم حمل التقرير على النفي، ولذلك لم يحمله عليه بعض العرب، وأجابه بنعم، ووقع ذلك في كلام سيبويه نفسه أجاب التقرير بنعم اتباعا لبعض العرب، وأنكره عليه ابن الطراوة. وقال الجَوْهَري : ربما ناقضتها ((نعم)) واستشكل بأنه يقتضي أنها تناقضها قليلا ٣٠٣ بل هي مناقضة لها دائما، لأن ((نعم)) تصديق لما قبلها وبَلى رد له، ولهذا قيل عن ابن عباس أنهم لو قالوا: نعم كفروا. وحكاه إمام الحرمين عن سِيبَوَيْه فأنكره عليه ابن خَروف، وإنما قال: دخول ((نعم)) هنا لا وجه له ، ويمكن أن يريد الجوهري بذلك أنه قد يقول القائل في جواب من قال: أقام زید أم لم يقم زيد ؟ نعم ، ویکون معناه أنه قام زید ویرید أنه في هذا الوجه تكون ((نعم)) مناقضة ((لبَلى)) وكلام ابن عطية يقتضي جواز وقوع نعم في الآية الكريمة، فإنه قال في سورة الأنعام: و((بلى)) هي التي تقتضي الإقرار بما استفهم عنه منفیا ولا تقتضي نفیه وجحده، ونعم تصلح لإقرار به كما ورد ذلك في قول الأنصار للنبي وَّل حيث عاتبهم في غزوة حنين، وتصلح أيضا لجحده فلذلك لا تستعمل . وأما قول الزَّجّاج وغيره: إنها إنما تقتضي جحده وأنهم لو قالوا به عند قوله تعالى: ﴿ألست بربكم﴾ [سورة الأعراف/١٧٢] لكفروا فقوله خطأ والله المستعان . انتهى . وقال الشّلَوْبين لا يمتنع في الآية أن يقولوا : نعم لا على جواب الاستفهام ، ولكن لأن الاستفهام في قوله : ﴿أَلَسْتُ بِربِّكُمْ﴾ تقرير ، والتقرير خبر منجز فجاز أن يأتي بعده ((نعم)) كما يأتي بعد الخبر الموجب وتكون ((نعم)) ليست جوابا على جواب التصديق، وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما قاله المفسرون، لأنهما لم يتواردا على محل واحد، فإن الذي منعوه إنما هو على أنه جواب، وإذا كانت جوابا فإنما يكون تصديقا لما بعد ألف الاستفهام. والذي جوزه إنما هو على التصديق لا الجواب كما في قولك: نعم لمن قال: قام زید . قال بعضهم : وصارت الأجوبة ثلاثة: ((نعم)) تصديق للكلام السابق من إثبات ، و((لا)) لرد الإثبات و((بلى)) لرد النفي ، ولا يجاب بعد النفي بنعم ، لأنه تقرير على ضده فإن وردت بعد نفي فليست جوابا ولكنها تصديق للفظه الذي جاء على النفي . ٣٠٤ [لكن]: لكن: مخففة النون حرف عاطف، معناه: الاستدراك، أي: التدارك، وفسره المحققون برفع التوهم الناشىء من الكلام السابق مثل ما جاءني زيد لكن عمرو. إذا توهم المخاطب عدم مجيء عمرو أيضا بناء على مخالطته وملابسته بينهما. وفي ((المفتاح)) أنه يقال لمن توهم أن زيدا جاءك دون عمرو، وبالجملة وضعها للاستدراك ومغايرة ما بعدها لما قبلها، فإذا عطف بها مفرد وهو لا يحتمل النفي فيجب أن يكون ما قبلها منفياً لتحصل المغايرة ، وإذا عطف بها جملة فهي تحتمل الإثبات فيكون ما قبلها منفيا ، وتحتمل النفي فيكون ما قبلها مثبتا. فحصل اختلاف الكلامين سواء كان المنفي هو الأول أم الثاني. قال النحويون : وهي في عطف الجمل نظير ((بل)) أي: في الوقوع بعد النفي والإيجاب، كما أنها في عطف المفردات نقيض ((لا)) حيث تختص ((لا)) بما بعد الإيجاب و((لكن)) بما بعد النفي. وإنما تعطف بعد النفي نحو ما جاء زيد لكن عمرو. فإن جاءت بعد الإثبات كانت عندهم لترك قضية تامة إلى قضية أخرى تامة مخالفة للأولى كقولك: جاء زيد لكن عمرو لم يأت، وهي في النفي بمنزلة ((بل)) لكن ((بل)) أعم منها في الاستدراك، وموضوعها مخالفة ما قبلها لما بعدها من الإيجاب والنفي . (لكنّ) : وأما مشددة النون الناصبة للاسم الرافعة للخبر فمعناها الاستدارك أيضا. وقول سيبويه : إن ((لكنّ)) لا تدارك فيها وإنما جىء بها ليثبت ما بعد النفي فإنما ذكر ذلك في أثر ذكره ((بل)) ورأى أن ((بل)) كأنها يتدارك بها بعد نسيان أو غلط، ففرق بين (لكن)) وبين ((بل)) بنفي ما أثبته دليل عنها لا أن لكن ليست للاستدراك. فتفطن لذلك فإنه من دقائق كتاب سيبويه . [على]: على: للاستعلاء حسا نحو ﴿وعليها وعلى الفُلْكِ تُحْمَلون﴾ [سورة المؤمنون/ ٢٢] أو معنى نحو ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [سورة آل عمران/٩٧] ونحو لزيد علىّ ٣٠٥ كذا، لأن الوجوب والدين يعلوه ويركب في المعنى، ولهذا قالوا: إنها لتستعمل للإیجاب. قال ابن الصَّبّاغ في ((العدة)) نحو له عليّ ألف درهم، وإنما قبلنا تفسيرها بالوديعة لأن عليه تسليمها وحفظها. وتستعمل للشرط نحو قوله تعالى : ﴿یبایعنك علی أن لا یشرکن بالله شيئا﴾ [سورة الممتحنة / ١٢] . قيل: وهو في المعاوضات المحضة بمعنى الباء إجماعا مجاز لأن المعنى الحقيقي، وهو الشرط لا يمكن في المعاوضات، لأنها لا تقبل الشرط فإذا قلت: بعتك هذا العبد على ألف فالمعنى بألف، وكذا في الطلاق . وقال أبو حنيفة: ((على)) في الطلاق للشرط لأنه يقبل الشرط فيحمل على معناه الأصلي، فإذا قالت: طلقني ثلاثا على ألف فطلقها واحدة لا يجب ثلث الألف عنده، لأنها للشرط وأجزاء الشرط لا تنقسم على أجزاء المشروط، ويجب عنده صاحبيه لأنها بمعنى الباء عندهما فتكون الألف عوضا لا شرطا . [عند]: عند: للحضرة وللإقرار بالعين فله عندي ألف إقرار بالعين وليس فيه إشعار بالضمان، بل قال النووي: هو مشعر بالأمانة حتى لو ادعى بعد الإقرار أنها كانت وديعة تلفت أو رددتها يقبل قوله بيمينه. [إذا ]: إذا : ظرف لما يستقبل غالبا نحو قمت إذا قام زيد . قال ابن خروف : وزعم أبو المعالي أنها تكون للماضي كـ ((إذ))، وخالف الجماعة. وهذا منه عجيب فقد ذهب جماعة من النحويين إلى ذلك وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [سورة التوبة/٩٢] ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ [سورة الجمعة/١١]. وقوله : ٣٠٦ وندمان يزيدُ الكأسَ طيباً سقيت إذا تَغَوَّرَتِ الْنّجوم بل صار جماعة إلى مجيئها للحال بعد القسم نحو ﴿والليل إذا يغشى﴾ [سورة الليل/١] فإذا هنا مجردة عن الشرط، لأن الجواب في الشرط لا بد من ذكره أو من شىء متقدم يدل عليه، فلو دل عليه المتقدم لصار المعنى / إذا يغشى الليل أقسم ١٠١/ب وكان القسم معلقا على شرط وهو ظاهر الفساد، لكن الأقوى أنها بدل من الليل أي: وقت غشیانه. وما منعوا به تعليق القسم بغشيان الليل وتقييده بذلك الوقت هو بعينه يقتضى منع كونه حالا من الليل، لأنه أيضا يفيد تقييد القسم بذلك الوقت . وعلى هذا بنى أصحابنا ما لو قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، فمضى زمن يطلق فلم يطلق وقع، وبنوه على أن ((إذا)) للوقت وأنها تنفك عن الشرط. واحتج الحنفية على أنها للوقت بقوله تعالى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [سورة التكوير/١] قالوا: ولهذا دخلت على الاسم وهذا ضعيف بل هي في الآية للشرط، ولهذا أتى فيها بالجواب وهو قوله ﴿علمت نفس﴾ [سورة التكوير/ ١٤] والشمس مرفوعة بالفاعلية(١) ورافعها تفسيره فعل مضمر يفسره ((كورت))، لأن ((إذا)) تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط . وقال شمس الأئمة السَّرخسي في ((أصوله)): ((إذا)) عند نحاة الكوفة تستعمل للوقت تارة وللشرط أُخرى فتجاري إن إرید بها الشرط ولا يجازی بها إن أريد بها الوقت وهو قول أبي حنيفة، وعند نحاة البصرة للوقت، فإن استعملت للشرط لا تخلو عن الوقت . وقال البَزْدَوِي : عند نحاة الكوفة تستعمل للوقت والشرط على السواء فيجازى بها على اعتبار سقوط الوقت عنها كأنها حرف شرط، وهو قول أبي حنيفة كما قال سيبويه في ((إذ)) ما يجازي بها فتكون حرفا . وقال السَّرخسى: وتصير مثل ((إن)). (١) قوله: ((بالفاعلية)) الصواب: أنها على النيابة عن الفاعل لأن ((كورت)) مبنى للمجهول، والأصل: كورها الله. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية بتصرف. ٣٠٧ وقال ابن عمرون في ((شرح المفصل)): إذا دخلتها ((ما)) يجازى بها في الأخبار بدون ((ما)) لأن الاضافة تزيل إبهامها، فإذا كفّتها ((ما)) عن الإضافة بقي إبهامها فجوزي بها. وقال أبو البقاء في ((اللباب)) إنما لم يجاز بها في الأخبار لأنها تستعمل فيما لا بد من وقوعه، مثل إذا احمرّ الْبُسر، وإذا طلعت الشمس، ووقته متعين لما . يضاف، وباب الشرط الإبهام . والفرق بين ((إذا)) و ((متى)) أن الوقت في ((متى)) لازم للمجازات دون ((إذا)) عند الكوفين والمبرد من البصريين. والخلاف عند عدم النية. فلو نوى بها آخر عمره فإنه يصدق عند الحنفية بلا خلاف. قالوا: ولو لم يكن حقيقة في الشرط لما صدق. لأنه حينئد يكون نوى بها مجاز كلامه، وفيه تخفيف على نفسه، وفي مثله لا يصدق . وقال أصحابنا في كتاب الخلع لو قال: إذا أعطيتنى ألفا فأنت طالق اشترط إعطاؤها على الفور، وليس ذلك من جهة الصيغة، ولهذا ألحقوا بها ((إن)) في ذلك . قال الشيخ في ((المهذب)): كذا ذكر الأصحاب، وعندي أن ((إذا)» حكمها حكم ((متى)) وأي وقت في اقتضاء التراخي، ولهذا لو قال: متى القتال ؟ جاز أن يقول: إذا شئت، كما يجوز أن يقول: متى شئت، بخلاف ((إن)) فإنه لا يجوز أن يقال : إن شئت . انتهى . وما ذكره الشيخ من دلالة ((إذا)» على الزمان صحیح لکن بینها وبین ((متى)) فرق، لأن ((متى)) عامة تقتضي الدلالة على كل زمان بخلاف ((إذا)). واختلف النحويون في عمومها قيل : إذا قلت : إذا قام زيد قام عمرو . كانت بمنزلة ((كلّما))، وقيل: إنما يلزم قيامه مرة واحدة ولا تقتضي تكراراً . قال ابن عصفور : والأصح هو الأول كسائر أدوات الشرط ، ويدل عليه قول الشاعر : أقبلتُ نحو سقاءِ القَوْمِ انبرِدُ إذا وجدتُ أوازَ الحبِّ في کېدي فإن المعنىّ على العموم كأنه قال: متى وجدت . ٣٠٨ [غیر]: غير: اسم لازم للإضافة في المعنى ويجوز قطعه عنها إن فهم معناها وتقدمت عليها كلمة ((ليس)). قال الشيخ جمال الدين في ((المغني)) وقولهم: لا غير لحن، وليس كما قال، فإنه مسموع في قول الشاعر: جوابا به تنجو اعتمد فوربّنا لعن عمل أسلفت لا غير تسأل وقد احتج به ابن مالك في باب القسم من ((شرح التسهيل))، وكأن الشيخ تابع السيرافي فإنه قال: الحذف إنما يستعمل إذا كانت ((إلا)) و ((غير)) بعد ليس، ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف، ولا يتجاوز بذلك مورد السماع. انتهى. وقد سمع كما ذكرنا وهي عكس ((لا)) فإن شرط ((غير)) أن يكون ما قبلها صادقا على ما بعدها. تقول: مررت برجل غير فقيه، ولا يجوز غير امرأة بخلاف ((لا)) النافية فإنها بالعكس . والأصل في ((غير)) أن تكون صفة، وقد يستثنى بها. قال الرماني : والفرق بينهما في الحالتين أنها إذا كانت صفة لم توجب شيئا للاسم الذي بعدها ولم تنف عنه ، نحو جاءني رجل رشيد غير زيد ، فوصفت بها ولم تنف عن زيد المجيء ، ويجوز أن يقع مجيئه وأن لا يقع. وإذا كانت استثناء فإذا كان ما قبلها إيجابا كان ما بعدها نفياً أو نفيا فإيجابا. وإذا كانت صفة وصف بها الواحد والجمع، وإذا كانت استثناء فلا تأتي إلا بعد جمع أو معناه. وكذا قال الشلوبين إنها إذا كانت صفة لم توجب شيئا للاسم الذي بعدها ولم تنف عنه. وفيما قالاه نظر، وفي كلام سيبويه خلافه . وقد أجاز في قولك : مررت برجل غيرك ثلاثة معان : أحدها : أن يكون المراد واحداً خلافك. والثاني: أن المراد واحد صفته مخالفة لصفتك، فالإبهام فيه أقل. ٣٠٩ الثالث : أن يكون المراد أنت مع غيرك، وهذا الثالث يحتاج إلى تقرير، ومثله قول الحنيفة فيما لو قال لزوجته: أنت طالق غير طلقة أنه يقع ثلاث. وقول أصحابنا : كل امرأة غيرك طالق يقع على المخاطبة إلا أن يعزلها بالنية . وقال صاحب ((البرهان)): إذا قلت ما جاءني غير زيد احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر، وأن تريد نفي أن يكون قد جاء غيره لا هو، ولا يصح ما جاءني غير زيد لا عمرو، كما لم يجز ما جاءني إلا زيد لا عمرو ، لأن ((غير)) فيها معنى النفي ، ومن ثم جاء حرف النفي مع المعطوف عليها في قوله تعالى : ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [سورة الفاتحة/ ٧]. [كيف] : كيف : إن وقع بعدها مفرد كانت في موضع الخبر ، نحو كيف زيد ؟ فإن وقع بعدها جملة اختلف في إعرابها ، فذهب سيبويه إلى أنها في موضع نصب على الظرف ، لأنها في تقدير الظرف ، ولذلك يقدر بعلى أيّ حالٍ ، فإذا قلت : كيف زيد قائم؟ فتقديره عنده على أي حال زيد قائم؟ ومذهب الأخفش والسيرافي وابن جني أنها في موضع نصب على الحال. وضعفه ابن عصفور بأن الحال خبر و((كيف)) استفهام ، فلا يصح وقوعها خبراً. قال ابن الصائغ : وهو غلط فاحش فليس معنى قولهم في الحال : إنها خبر قسيم الإنشاء ، وإنما المراد خبر المبتدأ . وقال ابن مالك : لم يقل أحد أن ((كيف)) ظرف ، إذ ليست زمانا ولا مكانا ، ولكنها لما كانت تفسر بقولك : على أي حال؟ لكونها سؤالا عن الأحوال سميت ١/١٠٢ ظرفا، ولأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم / الظرف يطلق عليها مجازا ، ثم هي للاستفهام أي: للسؤال عن الحال خاصة ، وهل يلحظ فيها معنى الأصل لأن الحال يستدعي وجود ذلك؟ ولهذا قيل : يقولُ خَليلي كيفّ صبرُكَ بعدنا فقلتُ وهَلْ صبرٌ فيسأل عن كيف ومن ثم اختلف أصحابنا فيما لو قال: أنت طالق كيف شئت. أنها تطلق [إن] شاءت أم لا تطلق حتى تشاء؟ على وجهين. قال البغوي : وكذا الحكم فيما لو ٣١٠ قال: أنت طالق على أي وجه شئت. قلت : وهذا منه تفريع على أنها في موضع النصب على الظرف لأنه سوى بين هذا وبين ((كيف)» . قيل : إنها في الأصل بمنزلة أيّ الاستفهامية ، ولهذا يفسرون كيف شئت بأي حالة شئت ، فاستعيرت لأي الموصولة بجامع الإبهام على معنى أنت طالق بأي كيفية شئتها من الكيفيات ، وذكر بعضهم أنه سلب عنها معنى الاستفهام واستعملت اسما للحال ، كما حكى قُطْرُب: انظر إلى كيف تصنع أي : إلى حال صنعه ، وعلى هذين الوجهين تكون كيف منصوبة بنزع الخافض . وذكر كثير من النحويين أنها تأتي شرطا بناء على أنها للحال ، والأحوال شروط . ومرادهم الشرط في المعنى لا العمل وهو الجزم فإنه إنما يجزم بها إلا إذا انضمت إليها ((ما)) نحو كيفما تصنع أصنع . [كل]: كل: تلازم الإضافة معنى ولا يلزم إضافتها لفظاً إذا وقع توكيداً ونعتا ، وإضافتها منوية عند تجردها عنها ، وإذا كان المضاف إليه المحذوف معرفة بقي ((كل)) على تعريفه ، فلا تباشره اللام ، ونصبه على الحال في قراءة ﴿إنا كلا فيها﴾ [سورة غافر /٤٨] شاذ، وإن أضيف إلى نكرة روعي في عود الضمير وغيره المضاف إليه ، وإن أضيف إلى معرفة جاز مراعاة المضاف إليه ومراعاة لفظ ((كل)). [كلما]: أما كلما: فهي مضافة إلى ((ما)) وهي مصدرية لكنها نائبة بصلتها عن ظرف زمان كما ينوب عنه المصدر الصريح، والمعنى : كل وقت ، ولذا تسمى ((ما)) هذه المصدرية الظرفية أي : النائبة عن الظرف لا أنها ظرف في نفسها ، فكل من ((كلما)) منصوب على الظرفية لإضافته إلى شيء هو قائم مقام الظرف . ثم ذكر الفقهاء والأصوليون أن ((كلّما)) للتكرار . قال الشيخ أبو حيان : وإنما ذلك من عموم ((ما)) لأن الظرفية يراد بها العموم ، ٣١١ فإذا قلت : أصحبك ما ذر لله شارق(١) فإنما تريد العموم ((فكل)) أكدت العموم الذي أفادته ((ما)) الظرفيه لا أن لفظ ((كلما)) وضع للتكرار كما يدل عليه كلامهم ، وإنما جاءت ((كل)) توكيداً للعموم المستفاد من ما الظرفية ، فإذا قلت : كلما جئتني أكرمتك فالمعنى أكرمك في كل فرد فرد من جيئاتك إليّ. انتهى . وقوله : إن التكرار من عموم ((ما)) ممنوع فإن ((ما)) المصدرية لا عموم لها ولا يلزم من نيابتها عن الظرف دلالتها على العموم ، وإن استفيد عموم في مثل هذا الكلام فليس من ((ما)) إنما هو من التركيب بجملته . [بعد]: بعد : تقع للترتيب وتحتمل الفور والتراخي قاله صاحب ((القواطع)). [إلى]: إلى : لانتهاء الغاية زمانا ومكانا ، ولا يأتي فيها خلاف ((من)) في الزمان . وعبارة الراغب : حرف يحدّ به النهاية من الجوانب الستة ، وهل يدخل ما بعدها فيما قبلها أم لا أم يفرق بين أن يكون من جنس الغاية فيدخل وإلا فلا؟ خلاف. ونسب الثالث إلى سيبويه كما قاله القرطبي . قلت : ورأيته مجزوما به لابن سريج في كتابه المسمى ((بالودائع بمنصوص الشرائع)) في باب الوضوء قال : ومن أوجب إدخال المرفقين في الغسل ، لأنه من جنسه ، لأن اليد من أطراف الأصابع إلى المنكب ، وقيل : يدخل أول جزء من المنتهى إليه كما يدخل آخر جزء من المبتدأ منه . حكاه النيلي . وقال ابن الحاجب في ((شرح المفصل)): جاءت وما بعدها داخل ، وجاءت وما بعدها خارج ، فمنهم من حكم بالاشتراك ، ومنهم من حكم بظهور الدخول ، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون : انتهى . وحكى إمام الحرمين وابن السَّمْعاني وغيرهما عن سيبَوَيْه التفصيل بين أن تقترن بمن فتقتضي التحديد ، ولا يدخل الحد في المحدود ، نحو بعتك من هذه الشجرة (١) هذا من الأمثال. مادة (شرق). وفي أساس البلاغة للزمخشري: لا أفعل ماذرّ شارق، وما ذرّ بارق. ٣١٢ إلى تلك ، فلا يدخلان في البيع ، وإن لم تقترن جاز أن تكون تحديداً وأن تكون بمعنى ((مع)) كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم﴾ [سورة النساء /٢] وأنكر ابن خروف هذا على إمام الحرمين ، وقال : لم يذكر سيبَوَيْه في كتابه من هذا ولا حرفا ولا هو مذهبه ، والذي قاله في باب عدة الكلم: وأما ((إلى)) فمنتهى الابتداء تقول : من مکان کذا إلی کذا، وكذلك ((حتى)) وقد بین ذلك في بابها بمعنى ((حتى)) ولها في الفعل حال ليس لإلى تقول للرجل : إنما أنا اليك أي : إنما أنت مطلوبي وغايتي، ولا تكون ((حتى)) هنا فهذا أمر ((إلى)) وأصلها وإن اتسعت ، وهي أعم في الكلام من ((حتى)) تقول : قمت إليه بجعله منتهاك من مكانك ولا تقول: حتاه . انتھی . وليس فيه إلا أنها لانتهاء الغاية وإن اتسع فيها . وقال الزَّغْشَري : الغاية لا تدخل شيئا ولا تخرجه ، بل إن كان صدر الكلام متناولا قبل دخول حرف الغاية يكون داخلا وإلا فلا. وقال إلكياالهراسي : وما ذكروه من دخوله في المحدود ليس مأخوذا من معنى ((إلى)) وإنما فائدة ((إلى)) التنبيه على أنها ما ابتدىء به فبمن ، وأما دخول ما ينتهى إليه فيه وعدمه فبدلیل من خارج . وقال بعض النحاة : لا تفيد إلا انتهاء الغاية من غير دلالة على الدخول أو عدمه بل هو راجع إلى الدليل. وتحقيقة: أن ((إلى)) للنهاية فجاز أن يقع على أول الحدّ وإن يتوغل في المكان لكن تمتنع المجاوزة ، لأن النهاية غاية ، وما كان بعده شىء لم يسم غاية . قلت : وهذا هو ظاهر نص الشافعي في ((الرسالة)) حيث قال : ودلّت السنة على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل ، لأن الآية تحتمل أن يكونا حدّين للغسل ، وأن يكونا داخلين في الغسل ، فلما قال رسول الله وَير: (ويل للأعقاب من النار) دل على أنه غسل . انتهى . وتجيء بمعنى ((مع)) في قول بعضهم ، والمحققون أنها على بابها وهي متعلقة بفعل محذوف دل عليه الكلام، والتقدير في قوله تعالى : ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى ٣١٣ أموالكم﴾ [سورة النساء /٢] أي: لا تضيفوها إلى أموالكم، فأما قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة /٦] فمن أوجب غسلها قال بمعنى ((مع))، وعلى قول المحققين: هي على بابها ولا تفيد انتهاء الغسل إلى المرافق . قال الأزهري وغيره : إن لفظ اليد اسم لهذه الجارحة من رؤوس الأصابع الى المرفقين(١) فالمرافق داخلة في حقيقة اليد ، وإذا جاءت إلى التحديد ببعض الشىء دخل المحدود إليه في الحد ، كقولك : بعتك من هذا الحائط إلى هذه الشجرة، فإن الشجرة تدخل ، فعلى هذا لا يحتاج إلى تأويلها بمعنى ((مع)). ١٠٢/ب وقيل: دخلت المرافق في الغسل لأن المرافق منتهى الذراع، / فلزم من وجوب غسل الذراع وجوب غسل المرافق ، وقيل : إنها غاية للإسقاط لا لمدّ الحكم . وذكروا لهذا الكلام تفسيرين : أحدهما : أن صدر الكلام إذا كان متناولا للغاية كاليد فإنها إسم للمجموع إلى الإبط ، لأن ذكر الغاية لإسقاط ما وراءها لا لمدّ الحكم إليها ، لأن الامتداد حاصل، فيكون قوله: ((إلى المرافق)) متعلقا بقوله: ((اغسلوا)) وغاية لكن لأجل إسقاط ما وراء المرفق عن حكم الغسل . الثاني : أنه غاية للإسقاط ومتعلق به كأنه قيل : اغسلوا أيديكم مسقطين الى المرافق فتخرج عن الإسقاط ، فتبقى داخلة تحت الغسل ، والأول: أوجه لظهور أن الجار والمجرور متعلق بالفعل المذكور . وأثار بعضهم هنا بحثاً، وهو أنه إذا قرن بالكلام غاية أو استثناء أو شرطاً لا يعتبر بالمطلق لم يخرج بالقيد عن الإطلاق بل يعتبر مع القيد جملة واحدة، فالفعل مع الغاية كلام واحد للإيجاب إليها لا للإيجاب والإسقاط، لأنهما ضدان فلا يثبتان إلا بالنص، والنص مع الغاية بمعنى واحد. وقال القاضي أبو الطيب : مجيئها بمعنى ((مع)) لا يصار إليه إلا بدليل ، ولهذا (١) لم نعثر على هذا القول في معاجم اللغة، ولا في تهذيب اللغة الأزهري، وفيها أن اليد تطلق من رؤوس الأصابع إلى الكف، أو من رؤوس الأصابع إلى الكتف، أو المنكب. ٣١٤ قلنا : إذا قال : بعتك بشرط الخيار إلى الليل إن الليل لا يدخل في زمن الخيار خلافا لأبي حنيفة . قال الشيخ في ((المهذب)): وترد لابتداء الغاية ، نحو فلان خارج إلى شهر أي : أن ابتداء خروجه إلى شهر، وفرّع عليه : أنت طالق إلى شهر فلا تطلق إلا بعد شهر، لاحتمال أن يريد ابتداء الغاية، ونقله الرافعي عن المتولي . [حتى]: حتى: للغاية كـ [إلى] وهي عاطفة وجارة ، وفيها مذاهب: أحدها : أن ما بعدها غير داخل في حكم ما قبلها في جميع الأحوال، وعزي لأكثر النحويين منهم ابن جنى . قال أبو جعفر بن النحاس، في كتاب ((الكافي)): اعلم أن حتى فيها معنى الغاية، وإن عطفت بها، ولهذا وجب أن تكون لإخراج شىء من شيء. انتهى . يريد أن العاطفة لا تخرج عن معنى الغاية نظرا إلى أن المعطوف يجب أن يكون جزءا من المعطوف عليه، وهذا الحكم تقتضيه ((حتى)) من جهة كونها للغاية، لامن جهة كونها للعطف، فإن الأصل في العطف المغايرة. والثاني : أنه داخل سواء الجارة والعاطفة، وبه جزم الجرجاني في ((المقتصد)) وغيره، وسنذكر عبارته، وتابعه صاحب ((المفصل)) وذلك لأن الفرض أن يقتضي الشىء الذي يتعلق به الفعل شيئاً فشيئاً حتى يأتي الفعل على ذلك الشىء كله ، فلو انقطع الأكل عند الرأس لا يكون فعل الآكل آتيا على السمكة كلها ، ولهذا امتنع أكلت السمكة حتى نصفها. واستثنى بعض القائلين بهذا ما إذا دلت قرينة على خروجه ، كصُمْتُ الأيام حتى يَومَ الفطر بنصب اليوم وجرّه . والثالث : إن كان ما بعدها بعضا لما قبله دخل ، نحو سبقنى الناس حتى العبيد ، وإلا فلا، نحو قرأت القرآن حتى الصباح ، وهو قول المبرد في ((المقتضب)) والفرّاء في ((المعاني)) وابن الوارق في ((الفصول)). وقال بعضهم: الجارة يأتي فيها الخلاف الذي في ((إلى)) كقوله تعالى: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [سورة ٣١٥ القدر/ ٥] وإذا لم يكن معها قرينة تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها أو عدم دخوله حملت على الدخول ، بخلاف ((إلى)) فإنها تحمل على عدم الدخول حملا على الغالب في البابين. وأما إذا كانت عاطفة فما بعدها داخل فيما قبلها قطعا ، لأنها بمنزلة الواو ، لأنه جزء مما قبلها جيء به لتعظيمه أو لتحقيره . وزعم القرافي أنه لا خلاف في وجوب دخول ما بعد ((حتى)) وهو محمول على العاطفة كما قاله القرطبي في ((أصوله)) لا الخافضة فإن الخلاف فيها مشهور . وقال الكسائي: ((حتى)) مع الجثث بمعنى ((مع)) ومع المصادر وظروف الزمان بمعنى ((إلى)) تقول: انتظرتك حتى الليل، وحتى قدوم عمرو بمعنى ((إلى)) فیھما، ونحو بعتك الدار حتى بابها أي: مع، وكلمت القوم حتى زيد أي: مع . مَسألَة [حَتى العاطفة هَل تفنفي الترتيب؟] اختلف في العاطفة هل تقتضي الترتيب فأثبته ابن الحاجب وابن معطٍ حيث قالا: إنها كالفاء بل هذه العبارة توهم أنها للتعقيب ، وهو بعيد ، ولعلهم أرادوا أنها بمعنى الفاء للمناسبة الظاهرة بين التعقيب والغاية . وقال صاحب ((البسيط)): هي مثل (ثُمّ)) في الترتيب والمهلة إلا أنه يشترط كون معطوفها جزءاً من المعطوف عليه ، ويصح جعله غاية له ، فعلم منهما مخالفته للأول فيما أوجب المهلة من ضعف أو قوة ، كقدم الحجاح حتى المشاة . وقال الجمهور : إنها كالواو . وقال ابن مالك في ((شرح العمدة)): هي في عدم الترتيب كالواو، وزعم بعض المتأخرين أنها تقتضي الترتيب وليس بصحيح بل يجوز أن يقال : حفظت حتى سورة البقرة ، وإن كانت البقرة أول محفوظك أو متوسطه ، وفي الحديث: (كل ٣١٦ شىء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس) ولا فرق في تعلق القضاء بالمقضيات ، وإنما الترتيب في كونها أي: وجودها . وقال ابن مالك في ((شرح العمدة)) : هي في عدم الترتيب كالواو ، وقال ابن أياز : الترتيب الذي تقتضيه ((حتى)) ليس على ترتيب الفاء وثم ، وذلك أنهما يرتبان أحد الفعلين على الآخر في الوجود، وهي ترتب ترتيب الغاية والنهاية، ويشترط أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الكل قبل الجزء. قال الجرجاني : الذي أوجب ذلك أنها للغاية والدلالة على أحد طرفي الشىء. وطرف الشىء لا يكون من غيره. ولهذا كان فيه معنى التعظيم والتحقير، وذلك أن الشىء إذا أخذته من أعلاه فأدناه غايته وهو المحقر ، وإن أخذته من أدناه فأعلاه غايته وهو المعظم، ولهذا أيضا لم يكن ما بعد ((حتى)) وان كان من جنس ما قبلها إلا بعضا وجزءا منه . تقول : جاء القوم حتى زيد ، ولا تقول حمار . وكذلك لا تقول : جاء زيد حتى القوم ، لاستحالة أن يكون بعضا لشىء وجزءا منه ، ولا جاء زيد حتى عمرو كذلك أيضا ، وللمساواة ، وكل هذا لا يمتنع في الواو. وهنا تنبيهات الأول أنهم ذكروا أن ((حتى)) للغاية إما في نقص أو زيادة ، نحو عليك الناس حتى النساء ، واختطفت الأشياء حتى مثاقيل الدر ، ثم قالوا : إنها لا تقتضي الترتيب بل تكون لمطلق الجمع كالواو، والجمع بين الكلامين مشكل. فإن قلت : الغاية في نفس الأمر والواقع ليس هو هذا ، بل من الجائز أن يكون هو الأول وما بعده أو الأخير ومع هذا الاحتمال لا تكون للترتيب . قلت : لو لم تكن للترتيب لم يكن لاشتراط القوة أو الضعف فائدة، ولو لم تقتض التأخير عقلا وعادة لم يحسن ذلك، فإن قلت : فائدته إفادة العموم . قلت : العموم مأخوذ من المفهوم ، وفيه نظر . ٣١٧ التنبيه الثاني ((حتى)) الداخلة على الأفعال قد تكون للغاية ولمجرد السببية والمجازاة وللعطف ١/١٠٣ المحض أي: التشريك من غير اعتبار غايته وسببيته ، فالأول / هو الأصل فيحمل عليه ما أمكن كقوله تعالى : ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [سورة التوبة/٢٩] فإن القتل يصلح للامتداد ، وقبول الجزية يصلح منتهى له . وكقوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا﴾ [سورة النور/ ٢٧] أي تستأذنوا ، فإن المنع من دخول بيت الغير يحتمل الامتداد والاستئذان يصلح منتهى له. وجعل حتى هذه داخلة على الفعل نظراً لظاهر اللفظ وإلا فالفعل منصوب بإضمار ((أن)) فهي في الحقيقة إنما دخلت على الاسم ، هذا إذا احتمل صدر الكلام الامتداد والآخر الانتهاء إليه ، فإن لم يحتمل ذلك. فإن صلح الصدر أن يكون سببا للثاني كانت بمعنى ((كي)) فتفيد السببيه والمجازاة ، نحو أسلمت حتى أدخل الجنة ، وإن لم يصلح لذلك فهي للعطف المحض من غير دلالة على غاية أو مجازاة . [إذن] إذن: للجواب والجزاء: تقول لمن قال: أنا أزورُك : إذن أكرمك، وتأتي صلةً إذا كانت متوسطة . قال الباجي: ولهذا قال أصحابنا في قوله وَ ل ◌ّ (إن إذن صائم): خبر عن صيام متقدم لا عن صيام ابتدأه لوقته. وحاولوا بهذا الرد على من حاول إنشاء الصوم بعد الفجر، ودافعوا بهذا التأويل عن الاستدلال بهذا اللفظ. وحكاه المازري عن ابن خويز منداد، ثم قال: ولا أرى لما قالوه وجهاً. أما كونها ههنا ملغاة فصحيح لأنها حالت بين حرف ((أنّ)) واسمها وبين الخبر وهو صائم، ولكن ليس في ذلك ما يقتضي أن المراد بهذا القول أنه عقد الصوم الآن أو سبق بل قوله: صائم اسم فاعل يحتمل الحال. [متی] متى: شرط يجزم به المضارعُ، مثل متى تخرج أخرج، وهي لازمة للظرفية لا تتجرد عنها بخلاف ((إذا)) في قوله : ٣١٨ وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَجَمَّلِ. والعجب أنهم جعلوا ((إذا)) متمحضا للشرط بواسطة وقوعه في بيت شاذّ جازما للمضارع مستعملا فيها على خطر الوجود ، ولم يجعلوا ((متى)) متمحضا للشرط مع دوام ذلك فيه. وحقه في اللغة التكرار ، واصطلح أكثر الفقهاء على أنها للمرة الواحدة، كقولك: إذا فعلت. قاله في ((القواطع)). قال : ومذهب عامة الفقهاء أنه إذا قال لامرأته : إن فعلت كذا فأنت طالق أنه على مرة واحدة ، وكذا إذا فعلت. بخلاف ((كلّما)) فإنها للتكرار. قال الرافعي في كتاب الأيمان : لو قال: متى خرجت، أو متى ما، أومهما، ككلما، في اقتضاء التكرار، وهو خلاف قضيته في ((الأم)). انتهى. وحكى أبو البقاء عن ابن جني أن ((مهما)) للتكرار بخلاف ((متى)). [إلا]: إلا : للاستثناء. قال الفّراء: ويأتي بمعنى ((سوى)) وذلك في استثناء زائد من ناقص : قال تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [سورة هود/ ١٠٧] يعني سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى نهاية ، فعلى هذا لو قال لفلان: عليّ ألف إلا ألفين، فقد أقر بثلاثة آلاف . قال في ((القواطع)): وهذا لا يعرفه الفقهاء. قلت : لكنه صحيح، لأن الاستثناء المنقطع يكون من عموم المفهوم، فلما قال: عليّ ألف، كأنه قال: لا غيرها ، وهذا عام فاستثنى منه ألفين . وتجىء بمعنى ((غير))، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء/٢٢] وجعل الخطابي منه قولنا: لا إله الا الله. قال: فإلا هنا بمعنى غير لا بمعنى الاستثناء، لأن الاستثناء إما من جنس المستثنى منه أو من غير جنسه ، ومن توهم في صفة الله تعالى واحداً من الأمرين فقد أبطل . قال عبد القاهر: وهذا توهم منه من غير أصل، ويلزم عليه أن لا تكون (إلا)) في قوله تعالى: ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين﴾ [سورة الشعراء/٧٧] وقوله : ٣١٩ ﴿ضل من تدعون إلا أياه﴾ [سورة الاسراء/٦٧] استثناء وأن يكون بمعنى ((غير)) ولا يقوله أحد ، لأن ((إلا)) إذا كانت صفة كان الاسم الواقع بعدها إعراب الموصوف به، أو كان تابعا له في الرفع والنصب والجر. قال: والاسم بعد ((إلا)» في الآيتين منصوب كما ترى، وليس قبل ((إلا)) في واحدة منهما منصوب، فيصح أن يقال: إنه موصوف بإلا . [ثم]: ثم: يتعلق الكلام فيها بمباحث: الأول : في الترتيب ، وهو يقتضي على الصحيح ، ونقل ابن أبي الدم عن ابن عاصم العبادي من أصحابنا أنها كالواو في اقتضاء الجمع المطلق. ووجهه بعضهم بأن وقفت إنشاء، فلا يدخل فيه الترتيب، كقولك: بعتك هذا ثم هذا، وهذا غلط، وإنما قال العبادي ذلك فيما إذا قال: وقفت على أولادي، ثم على أولاد أولادي بطنا بعد بطن أنها للجمع، ووجهه أن بطنا بعد بطن عنده للجمع لا للترتيب والكلام بآخره، فالجمع من هذه الحيثية لا من جهة ((ثم)) . ونقل صاحب ((البسيط)) من النحويين عن ابن الدّهان أن المهملة والترتيب في المفردات ، وأما الجمل فلا يلزم ذلك فيها بل قد يدل على تقديم ما بعدها على ما قبلها . قال : والأصح المحافظة على معناها أينما وقعت وتأويل ما خالف معناها . ونقل ابن الخباز عن شيخه: أن ((ثم)) إذا دخلت على الجمل لا تفيد الترتيب كقوله تعالى: ﴿فكّ رقبة﴾ إلى قوله ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ [سورة البلد ١٣-١٧] فحصل ثلاثة أقوال: أما في الزمان نحو ﴿ثم أرسلنا موسى﴾ [سورة المؤمنون/٤٥] وقوله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه﴾ [سورة المؤمنون /١٢) أو في المرتبة نحو ﴿وإني لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [سورة طه/٨٢] أو للترتيب في الأخبار كقوله تعالى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [سورة فصلت / ٩-١١] والسماء مخلوقة قبل الأرض بدليل قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [سورة النازعات/ ٣٠] ٣٢٠