النص المفهرس
صفحات 281-300
التخيير التي يسميها المنطقيون منفصلة: مانعة الجمع، وفي الإباحة منفصلة: مانعة الخلو. وما ذكروه من أن الشيئين إن كان أصلهما على المنع فللتخيير وإلا فللإباحة إنّما أخذوه من أمثلتهم. حتى مثلوا الأول بخذ درهما أو ديناراً ، والثاني بجالس الحسن أو ابن سيرين. وليس هذا بمطرد فقد تقول له : جالس أحدهما وتقصد المنع من الجمع، وقد يأذن له في أخذ شيء من ماله ويرضى بالجمع. وإنما المعتمد في الفرق القرائن كما ذكرنا ولذلك أجمعوا على أن ((أو)) في آية الكفارة للتخيير ، ويسمونها الواجب المخير مع أنه لا يمتنع الجمع ، وبهذا يندفع السؤال بالآية عندهم ، ولا حاجة للتكلف عن ذلك . والتحقيق: أن التخيير والإباحة قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، وإنما امتنع الجمع في الدينار والدرهم للقرينة العرفية لا لمدلول اللفظ ، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص فيه . قال ابن الخشاب: معناها الأصلي في الطلب التخيير ، وأما الإباحة فطارئة عليه وليست فيه خارجة عن وضعها ، لأنه إذا أفرد أحدهما بالمجالسة كان ممتثلا ، ولما / كانت مجالسة كل منهما في مجالسة الآخر ساغ له الجمع بينهما ، وكأنه قال : ١/٩٨ أبحت لك مجالسة هذا الضرب. وكذلك لو أتى بالواو ، فقال : جالس الحسن وابن سيرين لم يمتثل إلا بالجمع بينهما. فاعرف الفرق بينهما . وهذا أولى من قول السيرافي: ((أو)) التي للإباحة معناها معنى واو العطف والتسوية نسبت للإباحة لما بينهما من المضارعة ، ولهذا قالوا : سواء علينا قيامك وقعودك ، وسواء عليّ قيامك أو قعودك . وما أحسن قول الجرجاني في كتاب ((العوامل)): ((أو)) توجب الشركة على سبيل الجواز والواو على سبيل الوجوب. قال: وحيث أريد بها الإباحة فلا بد من أن يكون المراد جنسا مخصوصا فلا ٢٨١ يصح كُل السمك أو اشرب اللبن، أو اضرب زيداً أو عمرا إلا أن يراد بهما أنهما مثلان في الشرب واستحقاق الضرب ، وذلك راجع إلى اتحاد الجنس. وكذلك كُلْ صحانيا أو برنيا(١) قال: وإذا أمعنت النظر لم تجد ((أو)) زائلة عن معناها الأصلي، وهو كونها لأحد الشيئين أو الأشياء. انتهى . ولا بد ههنا من استحضار أنّ التخيير لا يكون إلا بين مباحين لا مباح ومحظور . إذا علمت معنى الإباحة في قولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وكان ذلك في الأمر وفيما خير فيه بين مباحين أحدهما بمعنى الآخر، فبإزاء ذلك النهي التضمني التخيير بين الإيقاع من كل واحد من محظورين أحدهما في معنى الآخر في الحظر ، وذلك كقولهم : لا تأت زنى أو قتل نفس ، وقوله تعالى : ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [سورة الإنسان/٢٤] لأنه يجب ترك طاعة كل منهما مفردين ومجتمعين ، وكأنه قال: حظرت عليك طاعة هذا الضرب من الناس ، إذ كان ترك كل منهما في معنى ترك طاعة الآخر ، كما كانت الإباحة في مجالسة الحسن أو ابن سيرين كذلك. وأما قول سيبويه: لو قال: ((أو لا تطع كفورا)) لا نقلب المعنى فصحيح، وذلك أنه إنما يكون للإباحة أو التخيير بالمعنى السابق في قضية واحدة ، فإذا قال: ((أو لا تطع كفورا)) صارت في أثناء قضيتين الثانية منهما التي تلي ((أو)) غير الأولى التي قبلها ، فتخرج بذلك إلى معنى ((بل)) إذا كانت (بل)) لا ترد في أثناء قضية واحدة وصارت ((أو)) بمعنى الإضراب، وحينئذ يكون أضرب عن النهي عن طاعة الآثم وانتقل إلى النهي عن طاعة الكفور. وهذا قلب للمعنى المراد من الآية من ترك طاعتهما معا أو منفردين . والحاصل: أن النهي إذا دخل على ((أو)) التى للإباحة حظر الكل جملة وتفصيلا كما في: لا تتعلم الشعر أو أحكام النجوم ، فهي نهي جمعا وإفرادا كما كان له في الأمر في الإباحة فعلهما جمعا وإفراداً، وإذا دخل على ((أو)) التي للتخيير كقولك: لا تأخذ درهما أو دينارا فالأشبه في أنه يجب عليه الامتناع من أحدهما. (١) هما من أنواع التمر والبرني من أجود أنواعه. المصباح المنير مادة (برن). ٢٨٢ قالوا : فأما الجمع بينهما ففيه نظر هل يكون مطيعا أو عاصيا ؟ قال ابن الخشاب: وجه النظر أن التخيير الذي كان في الأمر هل هو باق في النهي أم لا ؟ لأن النهي في الأمر بمنزلة النفي من الإيجاب في الخبر ، وقد يتناول النفي الكلام الموجب فينفيه بمعناه ، وقد لا يكون كذلك في مواضع تنازعها العلماء وقصدت فيها رأي المحققين منهم. وکذلك النهي حکمه في تناول المأمور به حکم تناول النفي الموجب، فإن كان التخيير الذي كان في الأمر باقيا مع النهي بحاله لم يكن المنهى الجمع بين الأمرين، وإن لم يكن باقيا فالأمر بخلاف ذلك . وقال أبو بكر الرازي في ((أصوله)): ((أو)) تتناول واحداً مما دخلت عليه لا جميعه، كقوله تعالى: ﴿أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [سورة المائدة/٨٩] فهذا في الإثبات، وأما في النفي فهي تتناول كل واحد على حياله، كقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [سورة الإنسان/٢٤] وقوله: ﴿أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ [سورة الأنعام / ١٤٦] ففي كل واحد على حياله لا على تعين الجمع. ولهذا قال أصحابنا : فيمن قال والله لا أكلمّن زيدا أو عمرا أنه يحنث بكلام أيهما وقع. وحكى السيرافى في ((شرح سيبويه)) أن المزني من أصحاب الشافعي سئل عن رجل حلف: والله لا كلمت أحداً إلا كوفياً أو بصريا. فقال: ما أراه إلا حانثا. فذكر ذلك لبعض الحنفية، فقال: خالف الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا﴾ إلى قوله ﴿إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ [سورة الأنعام /١٤٦] وكل ذلك ما كان مباحا خارجا بالاستثناء من التحريم. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام : (لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي) فالقرشي والثقفي جميعا مستثنيان، فرجع المزني إلى قوله. ويرد على ما قرره في النفى ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: ﴿يومَ يأتي بعضُ ٢٨٣ آياتٍ رَبِّك لا يَنفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمَنَتْ من قبلُ أو كسبتْ في إيمانها خيراً﴾ [سورة الأنعام/ ١٥٨] يعني أن مجرد الايمان بدون العمل لا ينفع ولا يحمل على عموم النفي أي: أنه لا ينفع الإيمان حينئذ النفس التي لم تقدم الإيمان ولا كسبت الخير في الإيمان، لأنه إذا نفى الإيمان كان نفي كسب الخير في الإيمان تكرار فيجب حمله على نفي العموم أي : النفس التي لم تجمع بين الإيمان والعمل الصالح . تنبيه ((أو)) لها استعمالان في التخيير: أحدهما : أن يستوى طرفاه عند المأمور ولا يؤمر فيه باجتهاد، كآية الكفارة . والثاني : أن يكون مأمورا فيه بالاجتهاد، كقوله تعالى: ﴿فإمّا مَنّاً بعد ، وإما فداء﴾ [سورة محمد / ٤] فإن الإمام يتخير في الأسير تخير اجتهاد ومصلحة لا تشَةٍ. وقد تدخل ((أو)) للتبعيض والتفصيل ، وهو أن يذكر عن جماعة قولين مختلفين على أن بعضهم قال أحد القولين وبعضهم قال القول الآخر، كقولك : أجمع القوم ، فقالوا : حاربوا أو صالحوا أي : قال بعضهم حاربوا. وقال بعضهم صالحوا ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾ [سورة البقرة/١٣٥] وقد علم أنه ليس في الفرق فرقة تخير بين اليهودية والنصرانية وإنما هو إخبار عن جملة اليهود والنصارى أنهم قالوا، ثم فصل ما قاله كل منهم . واحتج بعض المالكية في تخيير الإمام في عقوبة قاطع الطريق بقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية [سورة المائدة/ ٣٣] وأنكر غيره التخيير في الآية . واختار السيرافي أن ((أو)) فيها من هذا الباب للتفصيل وترتيب اختيار هذه العقوبات على أصناف المحاربين كالآية السابقة على أن بعضا وهم الذين قتلوا ٢٨٤ يقتلون ، وبعضا وهم الذين أخذوا تقطع أيديهم وأرجلهم ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة . وقد تستعار (أو)» لحتّ إذا وقع بعدها مضارع منصوب، نحو لألزمنك حتى تعطيني ، ولهذا قال النحاة: إنها بمعنى ((إلى)) لأن الفعل الأول يمتد إلى وقوع الثاني ، أو يمتد في جميع الأوقات / إلى وقت وقوع الثاني بعده فينقطع امتداده . ٩٨/ب وقد مثل بقوله تعالى : ﴿ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوبَ عليهم﴾ [سورة آل عمران /١٢٨] أي: حتى تقع توبتهم أو تعذيبهم . وذهب الزمخشري إلى أنه عطف على ما سبق، و﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ اعتراض. والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم. فلو قال : والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل تلك - بالنصب - كان بمعنى ((حتى)). وما يقال من أن تقدير العطف من جهة أن الأول منفي ليس بمستقيم إذ لا امتناع في عطف المثبت على المنفي وبالعكس ، وبهذا يظهر أن ((أو)) في قوله تعالى : ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [سورة البقرة/٢٣٦] عاطفة مقيدة للعموم أي: عدم الجناح مقيد بانتفاء الأمرين . أعني المجامعة وتقرير المهر حتى لو وجد أحدهما كان الجناح. أي : وجب المهر، فيكون ﴿تفرضوا﴾ مجزوما عطفاً على ﴿تمسوهن﴾. ولا حاجة إلى ما ذهب إليه صاحب الكشاف من أنه منصوب بإضمار (( أن على معنى إلى أن تفرضوا، أو حتى تفرضوا. أي: إذا لم توجد المجامعة فعدم الجناح يمتد إلى تقرير المهر . [لو] : لو حرف امتناع لامتناعهذه عبارة الأكثرين . واختلفوا في المراد بها على قولين :. أحدهما: ولم یذکر الجمهور غيره أنه امتنع الثاني لامتناع الأول، نحو لو ... لأكرمتك انتفى الإكرام لانتفاء المجىء فلا يكون فيها تعرض للوقوع إلا بالمفهوم . والثاني : عكسه. أي: أنه امتنع الأول لامتناع الثاني ، وهو ما صار إليه ابن ٢٨٥ الحاجب وصاحبه ابن الزملكاني في ((البرهان)) لأن الأول سبب للثاني ، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب ، لجواز أن يخلفه سبب آخر يتوقف عليه المسبب إلا إذا لم يكن للمسبب سبب سواه ، ويلزم من انتفاء المسبب انتفاء جملة الأسباب لاستحالة ثبوت حكم بدون سبب ، فصح أن يقال : امتنع الأول لامتناع الثاني: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء/ ٢٢] كيف سيق للدلالة على انتفاء التعدد لانتفاء الفساد لا لأن امتناع الفساد لامتناع التعدد؟ لأنه خالف المفهوم، ولأن نفي الآلهة غير الله لا يلزم منه فساد العالم . قيل : وقد خرق إجماع النحويين وبناه على رأيه أن الشروط اللغوية أسباب ، والسبب يقتضي المسبب لذاته ، فيلزم من عدم السبب عدم المسبب ، وهو ضعيف ، لأنه على تقدير تسليم ذلك ، فقد يتخلف لفوات شرط أو وجود مانع، وعدم سبب آخر شرط في انتفاء المسبب لانتفاء سببه ، لكن السبب الآخر موجود . ثم كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم﴾ [سورة الأنفال /٢٣]؟ فإن المراد نفي السماع وعدم الخير فيه لا العكس . والتحقيق: أنها تستعمل في كلا المعنيين لكن باعتبارين : باعتبار الوجود والتعليل ، وباعتبار العلم والاستدلال. فتقول : لما كان المجىء علة للإكرام بحسب الوجود فانتفاء الإكرام لانتفاء المجىء انتفاء المعلول لانتفاء العلة ، وأيضاً لما لم يعلم انتفاء الإكرام فقد يستدل منه على انتفاء المجىء استدلالا بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم ، وهكذا في الآية الشريفة تقول في مقام التعليل : انتفاء الفساد لانتفاء علته. أي: التعدد في مقام الاستدلال يعلم من انتفاء التعدد انتفاء الفساد ، فمن قال بالأول نظر إلى اعتبار الأول ، ومن قال بالثاني نظر إلى الاعتبار الثاني . وعلى عبارة الأكثرين فالجملتان بعدها لهما أربعة أحوال : إما أن تكونا موجبتين نحو لو زرتني لأكرمتك فيقتضي امتناعهما، وإما أن تكونا منفيتين نحو لو لم تزرني لم أكرمك فيقتضى وجودهما وإنما كان كذلك لأن ((لو)) لما كان معناها الامتناع ٢٨٦ لامتناع ، وقد دخل الامتناع على النفي فيهما فامتنع النفي ، وإذا امتنع النفي صار إثباتا ، وإما أن تكون إحداهما موجبة والأخرى منفية وتحته صورتان يعلم حكمهما من التي قبلهما . وقد أورد على ذلك مواضع ظن أن جوابها غير ممتنع ، كقوله تعالى : ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكنّ أكثرهم يجهلون﴾ [سورة الأنعام / ١١١]، ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [سورة لقمان/٢٧] وقول عمر: ((نعم العبدُ صُهَيْبُ لو لم يخف الله لم يَعْصِه))، وغير ذلك . أما لو جرينا على ظاهر العبارة للزم منه عكس المراد . ثم تفرق المعترضون الذين رأوا لزوم هذا السؤال ، فمنهم من صار إلى أنها لا تفيد الامتناع بوجه بل لمجرد الربط والتعلق في الماضي كما دلت على أن المتعلق في المستقبل ، وهو قول الشّلّوْبين وابن هشام الخضراوي وابن عُصفورٍ وغيرهم ، وتابعهم الإمام فخرالدين محتجا بقوله تعالى: ﴿ولو علم اللهُ فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا﴾ [سورة الأنفال/٢٣]. قال : فلو أفادت انتفاء الشىء لانتفاء غيره لزم التناقض لأن الأولى تقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، والثانية تفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا لكن عدم التولي خير، فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً وما علم فيهم خيرا. قال : فعلمنا أن كلمة ((لو)) لا تفيد إلا الربط . ومنهم من توسط بين المقالتين ، وقال : إنها تفيد امتناع الشرط خاصة ولا دلالة لها على امتناع الجواب ولا على ثبوته إلا أن الأكثر عدمه وهي طريقة ابن مالك . وسلك القَرَافي طريقا عجيبا فقال: ((لو)) كما تأتي للربط تأتي لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه قطع الربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك ، كما لو قال القائل : لو لم يكن هذا زوجا لم يرث ، فتقول أنت : لو لم يكن زوجا لم يحرم الإرث أي لكونه ابن عمّ ، وادعى أن هذا يتخلص به عن الإشكال وأنه خير من ادعاء أن ((لو)) بمعنى ((أن)) لسلامته من ادعاء النقل ومن حذف ٢٨٧ الجواب . وليس كما قال، فإن كون ((لو)) مستعملا لقطع الربط لا دليل عليه ولم يصر إليه ) أحد مع مخالفته الأصل. بخلاف ادعاء أنها بمعنى ((أن)) أو ((أنّ)) والجواب محذوف، فقد صار إليه جماعة. والظاهر: عبارة الأكثرين لموافقتها غالب الاستعمالات . وأما المواضع التي نقضوا بها عليهم فيمكن الجواب عنها ورجوعها إلى قاعدتهم . أما الآية الأولى : فالمعنى ما كانوا ليؤمنوا بهذه الأمور وامتناع أنهم لا يؤمنون بهذه الأمور صادق بعدم وجدان هذه الأمور، والأمر كذلك إذ المراد لامتنع إيجابهم لهذا التقدير . وأما الثانية: فقولهم يلزم نفاد الكلمات عند انتفاء كون ما في الأرض من شجرة أقلام، وهو الواقع فيلزم النفاد وهو مستحيل .. وجوابه: أن النفاد إنما يلزم انتفاؤه لو كان المتقدم مما لا يمكن في العقل أنه مقتض للانتفاء. أما إذا كان مما يتصوره العقل مقتضيا فإنه لا يلزم عند انتفائه أولى ١/٩٩ وأحرى، فمعنى ((لو)) في الآية أنه لو وجد المقتضى لما وجد / الحكم لكن لم يوجد فكيف يوجد؟ وليس المعنى: لكن لم يوجد فوجد لامتناع وجود الحكم بلا مقتضى . والحاصل: أنه لو كان الأمر كذلك لاستقرّ في العباد ولم يحصل النفاد لكنه لم يمتنع ذلك ، لأنهم ما اعتمدوا البحار لعدم وجودها. وأما الأثر فلما سبق في الذي قبله أن مفهوم الموافقة عارض مفهوم المخالفة، ويأن المنفي وهو معصيته لا ينشأ عن خوف ، لأن عدم العصيان له سببان الخوف والإجلال؟ وقد اجتمعا في صهيب فلو قدر فيه عدم الخوف لم يعصه ، فكيف وعنده مانع آخر وهو الإجلال فالقصد نفي المعصية بكل حال ، كما يقال : لو كان فلان جاهلا لم يقل هذا ، فكيف وهو عالم ؟ أو يقال : لو لم يخف الله لم يعصه ، فكيف يعصى الله وهو يخافه؟ وإذا لم يَعْصِهِ مع عدم الخوف فأولى أن لا يعصيه مع وجوده . ويحكي أن الشّلْبين سئل عن معناه فأنشد قول الشاعر : ٢٨٨ فلو أصبحت لَيْلِى تدب على العَصا لكان هوى ليلى جديداً أوائِلُه يريد أن حبها مطبوع في جبلته فلا يتغير كتغير المحبين ، فكذلك جبلة صهيب مطبوعة على الخير فلو لم يخف لم يعص لجبلته الفاضلة. ولا يخفى عليك بعد هذا استعمال مثل هذه الأجوبة في بقية المواضع المعترض بها . والضابط : أن تقول : يؤتى بها لثبوت الحكم على تقدير لا يناسب الحكم لتفيد ثبوت الحكم على خلافه الذي يناسبه ، ويكون ذلك من طريق الأولى فيلزم ثبوت الحكم مطلقا . ثم يرد على القائل بالربط وأنها لا تدل على امتناع البتة غالب الاستعمالات كقوله تعالى : ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مِني﴾ [سورة السجدة/١٣] فإن المعنى والله أعلم ولكن حقّ القول مني فلم أشأ، أو لم أشأ حق القول ، وقوله تعالى: ﴿ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم﴾ [سورة الأنفال/ ٤٣] أي : فلم يُرِکهم لذلك ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ [سورة الأعراف/١٧٦] ﴿ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدتْ الأرض﴾ [سورة البقرة/ ٢٥١] ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا .... ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [سورة البقرة/ ٢٥٣] ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم﴾ [سورة المائدة/٤٨] ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾ [سورة المائدة/ ٨١] ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ [سورة الأعراف/٩٦] ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ [سورة الأنفال/٤٢] ﴿لو أنفقْتَ ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم﴾ [سورة الأنفال/٦٣] ﴿لو كان عرضا قريبا﴾ [سورة التوبة /٤٢] وغيرها من الآيات ، ومن الحديث: (لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذْتُ أبا بكرٍ خليلا) (لو يُعْطِى الناسُ بدعواهم) إلى غير ذلك . [لولا ] : لولا: من حق وضعها أن تدرج في صنف الثلاثي ولكن المشاكلة أوجبت ذکرهاهنا، ويمتنع بها الشيء لوجود غيره، وأصلها (لَوْ)) و ((لَا)) فلما ركبا حدث لهما معنى ثالث ٢٨٩ غير الامتناع المفرد وغير النفي . وتحقيقه: أن ((لو)) يمتنع بها الشىء لامتناع غيره، ففيها امتناعان، و((لا)) نافية والنفي إذا دخل على المنفي صار إثباتا ، وفي تفسير ابن برّجان عن الخليل كل ما في القرآن فهي بمعنى ((هلّا)) إلا في قوله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [سورة الصافات/ ١٤٣] [مِنْ]: مِنْ: لابتداء الغاية، وهي مناظرة لِـ ((إلى)) في الانتهاء والغاية. إما مكانا نحو ﴿من أول يوم﴾ [سورة التوبة/١٠٨] وعلامتها: أن تصلح أن تقارنها ((إلى)) لفظا نحو من المسجد الحرام، أو معنى نحو فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وزيد أفضل من عمرو، وعند المبرد. واتفق النحاة على كونها لابتداء غاية المكان ، واختلفوا في الزمان . فقال: سيبويه : إنها لا تكون له ، فقال: وأما ((مِنْ)) فتكون لابتداء الغاية في الأماكن وأما ((منذ)) فتكون للابتداء في الأزمان والأحيان ، ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها ، واختاره جمهور البصرين. وكلام سيبويه في موضع آخر يقتضى أنها تكون لابتداء الغاية في الزمان ، فإنه قال في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف: ومن ذلك قول بعض العرب : من لدُ شولًا فإلى إثْلائها نصب لأنه أراد زمانا، والشول لا يكون زمانا ولا مكانا، فيجوز فيها الجر نحو من لدن صلاة العصر إلى وقت كذا، فلما أراد الزمان حمل الشول على ما يحسن أن يكون زمانا إذا عمل في الشول، كأنك قلت : من لدأن كانت شولا . هذا نصه. وهو يقتضي أن تكون لابتداء غاية الزمان. وبه قال الكوفيون والأخفش والمبرد وابن درستويه وابن مالك وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [سورة الروم/٤] وآيات كثيرة. ولما كثر ارتاب ٢٩٠ : الفارسي ، وقال: ينبغي أن ينظر فيما جاء من هذا فإن كثر قيس عليه وإلا تؤول . قال ابن عصفور: والصحيح أنه لم يكثر كثرة توجب القياس بل لم يجز إلا هذا فلذلك تُؤُوِّل جميعه على حذف مضاف ((أي)) من تأسيس أول يوم. انتهى . وهو مردود بقوله تعالى : ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [سورة الجمعة/٩] وفي الحديث : (من العصر إلى غروب الشمس) وفي حديث عائشة في قصة الإفك (ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل)، وهو كثير، ومع الكثرة فلا حاجة إلى الإضمار، لأنه خلاف الأصل. ومن جهة المعنى فالقياس على ((إلى)) فإنها لانتهاء الغاية زمانا ومكانا ، و((من)) مقابلتها فتكون لابتداء الغاية . وذكر الشيخ عزالدين أنها حقيقة في ابتداء غاية الأمكنة ويتجوز بها عن ابتداء غاية الأزمنة وهو حسن يجمع به بين القولين . وذكر السكاكي في ((المفتاح)) في الكلام على الاستعارة التبعية أن قولهم في ((من)): لابتداء الغاية المراد به أن متعلق معناها ابتداء الغاية لا أن معناها ابتداء الغاية ، إذ لو كانت كذلك للزم أن تكون اسما لأنه لا يدل على الاسم إلا اسم، وهو عجيب . [تبيين الجنس] وتكون لتبيين الجنس، وضابطها : أن يتقدمها عام ويتأخر عنها خاص، كقولك: ثوب من صوف، وخاتم من حديد، وعليه حمل قول صاحب ((الكتاب)) هذا باب علم ما الكلم من العربية، لأن الكلم كما تكون عربية تكون غير عربية، ومنهم من رد هذا القسم إلى التبعيض . [التبعيض] وتجىء للتبعيض نحو ﴿منهم من كلم الله﴾ [سورة البقرة/ ٢٥٣] ﴿منهم من قصصنا عليك﴾ [سورة غافر/ ٧٨] ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [سورة آل عمران/٩٢]. وضابطها : أن يصلح فيه بعض مضافا إلى البعض ، ومثله شربت من الماء . وحكى ابن الدهان عن بعضهم اشتراط كون البعض أكثر من النصف محتجا ٢٩١ بقوله تعالى: ﴿منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ [سورة آل عمران/١١٠] والصحيح : أنه لا يلزم ، لقوله تعالى: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [سورة غافر/ ٧٨] فإن كان أحد القسمين أكثر من الآخر بطل الشرط وإن تساويا فكذلك، ومنه زيد أفضل من عمرو، لأنك تريد تفضيله على ٩٩/ب بعض ولا يعم، ولو كانت هنا للابتداء لاقتضى/ ذلك انتهاء ما بينهما وقال المبرد : لابتداء الغاية أي غاية التفضيل لأن عمراً هو الموضع الذي ابتدىء منه فضل زيد في الزيادة، وكذا قال في التبعيض، وتبعه الجرجاني. وقد اختلفوا في أنها حقيقة في ماذا من هذه الاستعمالات ؟ على أقوال: أحدها: أن أصلها ابتداء الغاية، والباقي راجع إليها، وحكاه أبو البقاء في ((شرح الإيضاح)) عن المبرد. ومعناه في التبعيض أن ابتداء أخذك كان من المال، وقطع به عبدالقاهر الجُرْجاني، وقال: لا تنفك ((من)) عن ابتداء الغاية، وإنما يعرف التبعيض وبيان الجنس بقرينة، وهذا أولى من الاشتراك اللفظي ومن المجاز. وإليه يشير كلام صاحب ((المفصل)) أيضا، وحكاه ابن العربي في ((المحصول)) عن ((شرح سيَبَوِيْهِ)) لابن السرّاج. ثم قال: وهو صحيح فإن كل تبعيض ابتداء غاية وليس كل ابتدَاء غاية تبعيضا ، وجرى عليه إلّكِياالهراسي ، وأنكر مجيئها للتبعيض . قال: وإنما وضعت للابتداء عكس ((إلى))، ورد بعضهم التبيين إلى ذلك، فقال في قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [سورة الحج / ٣٠]: إن المراد ابتداء اجتنابهم الرجس من الأوثان. وأجاب الجمهور بأن معنى الابتداء مغمور في بعض المواضع وغير مقصود ، وفي بعضها لا يجيء إلا بتمحل . والثاني : أنها حقيقة في التبيين ورد الباقي إليه فإنه قدر مشترك بين الجميع، فإن قولك: سرت من الدار إلى السوق بيّنت مبدأ السير وكذا الباقي ، وقال في ((المحصول)): إنه الحق . ٢٩٢ الثالث : أن أصل وضعها للتبعيض دفعا للاشتراك وهو ضعيف لإطباق أئمة اللغة على أنها لابتداء الغاية . والرابع : ونقله ابن السَّمْعاني عن الفقهاء أنها للتبعيض والغاية جميعا ، وكل واحد في موضعه حقيقة، وأما قوله تعالى : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [سورة المائدة/٦] فقالت الحنفية: ((من)) لابتداء الغاية حتى لا يجب أن يعلق التراب باليد، بل الواجب ابتداء الغاية من الأرض، ولا يجب عليه نقل بعض أجزاء الأرض حتى لو مسح بيده على الصخرة الصماء والحجر الصلد يكفيه ذلك. لأنه قد ابتدأ بالأرض ، ولو مسح على حيوان أو الثياب لا يكفيه. وعندنا أنه للتبعيض حتى يجب أن يعلق التراب باليدين ، وحمله على ابتداء الغاية لا يصح ، لأن من شأنه أن لا يتعلق به الفعل كقولك : هذا المكان من فلان إلى فلان ، وههنا الفعل متعلق به. قال تعالى : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [سورة المائدة/٦] . ومن جعل ابتداء الغاية والمسح من الآية متعلق بالصعيد فلا يصح حمل قوله: ﴿منه﴾ على أنه لابتداء الغاية، وممن حكى الخلاف في هذه الآية هكذا صاحب ((المصادر)) وابن برهان في ((الأوسط)) وإلّ ياالهراسي. ومنهم من أضاف إليها معنى آخر وهو انتهاء الغاية ومثّلُ بقولهم : رأيت من دارى الهلال من ذلك السحاب . قال : ابن دقيق العيد : وليس بقوي. انتهى . وقال سيويه: تقول: رأيته من ذلك الموضع فجعلت غايته لرؤيتك. أي : محلا للابتداء والانتهاء . [أنْ]: ألّ : تكون حرفا إذا دخلت على الجامد وتكون اسما إذا دخلت على المشتق فتكون بمعنى الذي كالضارب. واحتج على أنها اسم بعود الضمير عليها. وخالف المازِني وقال: حرف بدليل تخطي العامل في قولك: مررت بالقائم، ولو كانت اسما، لكانت فاصلة بين حرف الجر ومعمولة، والاسم لا يتخطاه العامل وتعمل فيما بعده. ٢٩٣ وأما الاستدلال بعود الضمير فلا حجة فيه لأن أبا علي قال في ((الإيضاح)): والضمير يعود إلى ما يدل عليه الألف واللام من الذي . ثم اللّمُ قسمان : أحدهما : أن يقصد بها تعريف معين وهو العهد ، وينقسم إلى ذكري، وهو تقدمه في اللفظ نحو ﴿فأرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾ [سورة المزمل / ١٦] وإلى ذهني نحو ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [سورة المائدة/ ٣] وقوله : ﴿إِذهما في الغار﴾ [سورة التوبة/ ٤٠] وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وليس الذكرُ كالأنثى﴾ [سورة آل عمران/٣٦] فالأولى للذهني والثانية للذكري . والثاني : ان يقصد بها تعريف ما كان منكورا باعتبار حقيقته ، وهي على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يراد بها الحقيقة من حيث هي مع قطع النظر عن الشخص والعموم ، كقولك ، الرجل خير من المرأة ، وجعل منه ابن دقيق العيد قول عبدالله بن أبي أوفي: غزونا مع رسول الله ◌َّر سبع غزوات نأكل الجراد. والثاني : أن يراد بها الحقيقة باعتبار قيامها بواحد، وتعرف بأنها إذا نزعت لا يحسن موضعها ((كل)) كقوله، تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [سورة الأنبياء/ ٣٠] أي: جعلنا مبدأ كل حي هذا الجنس الذي هو الماء ، فهذا النوع من التعريف قريب في المعنى من النكرة ، ولهذا وصف به في الجملة في قوله : ولقدْ أَمُرُّ على الَّلئيمِ يَسُبنُّ وهو يدل على حقيقة معقولة متحدة في الذهن باعتبار وضعه ، فإن دل على تعدد فهو باعتبار الوجود لا باعتبار موضوعه وإذا أطلق على الوجود أطلق على غير ما وضع له ، ويتعين في بعض المحالّ إرادة الحقيقة مثل: الإنسان حيوان ناطق. والحد للذهني لكن صحته على الوجود شرط فيه ، وهو في بعضها استعمال مجازي ، نحو أكلت الخبز وشربت الماء، لبطلان إرادة الجنس . والثالث : أن يراد بها الحقيقة باعتبار كلية ذلك المعنى ، وتعرف بأنها إذا نزعت ٢٩٤ حسن أن يخلفها في موضعها لفظ ((كل)) على سبيل الحقيقة ، وصحة الاستثناء من مصحوبها مع كونه بلفظ المفرد ، كقوله تعالى : ﴿إِنّ الإنسان لفي خُسْر إلا الذين آمنوا﴾ [سورة العصر /٣،٢] فإنه يصح أن يقال: إن كل إنسان وقد إِستثنى منه الذين آمنوا . وذكر ابن مالكٍ علامة ثالثة وهي جواز وصف مصحوبها بالجمع مع كونه بلفظ المفرد ، كقولهم : أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض ، وقوله تعالى : ﴿أو الطفل الذين لم يَظْهروا على﴾ [سورة النور/٣١]. ورده شيخنا ابن هشام بوجهين : أحدهما : أن ((ألْ)) فيهما ليست لعموم الأفراد بدليل أنه لا يصح قيام ((كل)) مقامها، بل هي لتعريف الجنس من حيث هو هو أي : تعريف الماهية . والثاني : أن الطفل من الألفاظ التي تستعمل للواحد والجمع بلفظ واحد ، كجنب بدليل قوله : ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [سورة غافر/ ٦٧] وليس فيه ألف ولام. قلت : ومن أمثلة هذا القسم قوله وَّرَ: (المسلمون تتكافأ دماؤُهُم) وسواء كان الشمول باعتبار الجنس كالرجل والمرأة أو باعتبار الوصف كالسارق والسارقة . وذكر الماوَرْدِي في كتاب الأيمان عند الكلام في لا أشرب الماء : أن الألف واللام تارة تكون للجنس وتارة للعهد وأنها حقيقة فيهما . وظاهر كلام أهل البيان والنحو أنها حقيقة في العهد ، ولهذا يحملونها على ذلك ، لأن المعهود أقرب إلى التحقق من الجنس ، ومتى كان هناك عهد ذکري فلا يجوز حملها على الخارجي بشخصه ، ولا على الجنس من حيث هو هو، فإن الحقيقة إذا أريد بها شيء بعينه مجازا حمل على المبالغة والكمال فيها ، والمقام لا يقتضى ذلك . وقال / صاحب ((البسيط)): أقوى تعريف اللام الحضور ثم العهد ثم ١/١٠٠ الجنس . ٢٩٥ وزعم السَّكّاكي أن لام التعريف تكون لتعريف العهد لا غير ورد الباقي إليه ، وبناه على قول بعض الأصوليين : إن اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير . وظهر بما ذكرناه الفرق بين لام الجنس ولام العموم . وفرق ابن عصفور بينهما بأنها إن أحدثت في الاسم معنى الجنسية كانت للجنس ، نحو دينار ينطلق على كل دينار على سبيل البدل ، فإذا عرفته دل على الشمول بخلاف قولك : لبن ، فإنه واقع على جنس اللبن . فإذا قلت : اللبن بـ ((أل)) عرفت الجنس ولم تصيره جنسا ، بل دخلت لتعريف الجنس ، وفيما قاله نظر. والظاهر أن ((أل)) فما يتعلق في الدنيار واللبن على السواء ، فإنها إن دخلت على كليّ فللجنس أو على جزئي فللعهد ، أو على كلّ فللعموم ، ولم يقل أحد في الاسم إنه يدل على الكلي لصدقه على الآحاد على البدل . وذكر ابن مالك من أقسامها تعريف الحضور . والصواب : أنه ليس قسيما بل هو قسم من الأول . [في]: في: للوعاء إما حقيقة وهي اشتمال الظرف على ما يحويه ، كقولك : المال في الكيس ، وإما مجازا كقولك : فلان ينظر في العلم ، والدار في يده ، فأما قوله تعالى: ﴿ولأ صلبنكم في جذوع النخل﴾ [سورة طه/٧١] فقال المبرد : بمعنى ((على))، وقال الحذاق : على حقيقتها ، لأن الجذع يصير مستقراً لهذا الفعل . وقال الأصفهاني : الذي يظهر من كلام الأدباء أنها حقيقة في الظرفية المحققة مجاز في غيرها سوى الزمخشري ، فإنه قال في قوله تعالى : ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ ما يدل على أنها على بابها . قال : والمختار أنه كان بين المحقّق والمقدّر قدر مشترك فهي للمشترك دفعا للاشتراك وإلا فهي حقيقة في المحقق مجاز في المقدر ، لأن الأصل وضع اللفظ بإزاء المحقق . قال الأستاذ أبو منصور : ولا يجب أن يكون الظرف في حكم المقرور به ، ٢٩٦ ولذلك قلنا فيمن قال : لزيد عليَّ أو عندي ثوب في منديل : إن إقراره يتناول الثوب دون المنديل . وزعم العِراقِي أنه إقرار بهما . وأجمع الفريقان على أنه لو أقر بعبد لي في دار ، أو فرس في اصطبل ، أو سرج على دابة لا يكون إقراراً بالظرف . وأنكر قوم مجيئها للسببية ، وأثبته آخرون منهم ابن مالك ، لقوله تعالى : ﴿لَسكم فيما أخذتم﴾ [سورة الأنفال/٦٨] وقوله وَلَوَ (في النفسِ المؤمنةِ مائةٌ من الإبل) أي : قتل النفس سبب لوجوب هذا المقدار ، وقيل برجوعها إلى الظرف مجازا . ومنهم من تأولها بالمعنى الحقيقى والأمر فيه قريب ، لأنه إن أراد معنى الاستعمال حقيقة ومجازا فممنوع ، وإن أراد استعمالها مجازا وعنى المجاز في ظرفية المعنى مثلا فهو مجاز رجحه على مجاز آخر ، وهو مجاز السببيه ، فإن وجد له مرجح عمل به . وقال الشيخ عز الدين: لما كان المسبب متعلقا بالسبب جعل السبب ظرفا لمتعلق المسبب لا لنفس المسبب، فلذلك يفيد الظرف معنى السببية . وقال: من لا يفهم هذه القاعدة يجهل كون ((في)) دالاً على السببية . [عن]: عن: معناها المجاوزة للشىء والانصراف إلى غيره، نحو عدلت عن زيد ، أي : انصرفت عنه . وقال صاحب ((القواطع)): تكون بمعنى ((من)) إلا في مواضع خاصة . قالوا: ((من)) تكون للانفصال والتبعيض و ((عن)) لا تقتضي الفصل فيقال : أخذت من مال فلان ، ويقال: أخذت عن عمل فلان . وقد اختصت الأسانيد بالعنعة وكلمة ((من)) لا تستعمل في موضعها وقالوا: ((من)) لا تكون إلا حرفا، و((عن)) تكون اسما وفيما ذكره نظر. ٢٩٧ [لن]: لن: تنصب المضارع وتخلصه للاستقبال نحو لن يقوم زيد ، وهي تفيد تأكيد مطلق النفي . وزعم الزمخشري في (الكشاف)) أنها تفيد تأكيد النفي، ووافقه ابن الخباز، وفي ((الأنموذج)) تأبيده، ووافقه أبو جعفر الطوسي. وقال ابنُ مالِكٍ: حمله عليه اعتقاده أن الله لا يرى، وهو باطل . ويظن كثير تفرد الزمخشري بهذه المقالة ، لكن جزم به ابن الخشاب في كتابه ((العونى)) بأنه لم يجعل التأبيد عبارة عن الذي لا ينقطع(١) بل عن الزمن الطويل ، واقتضى كلام ابن عطية موافقة الزمخشري أيضا وأن ذلك موضوع اللغة ولو(٢) على هذا المنفي بمجرده لتضمن أن موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة لكن قام الدليل من خارج على ثبوت الرؤية في الآخرة . وقد رد على الزمخشري ومن وافقه بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى : ﴿فلن أكلمَ اليومَ إنسيًا﴾ [سورة مريم/٢٦] ولكان ذكر التأبيد في قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ [سورة البقرة/٩٥] تكرار والأصل عدمه . [لا]: لا: تأتي مزيدة وغير مزيدة، فالمزيدة كقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [سورة الأعراف/١٢] ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [سورة الحديد/ ٢٩] . وشرط إمام الحرمين في البرهان في زيادتها قصد تأكيد معنى النفي الذي انطوى عليه سياق الكلام، كما في قوله تعالى: ((ما منعك ألّ تسجد﴾ [سورة الأعراف / ١٢] بدليل حذفها في الآية الأخرى . يعنى أنها توكيد للنفي المعنوي الذي تضمنه ((منعك))، ولهذا قال بعضهم: تزاد في الكلام الموجب المعنى إذا توجه عليه فعل منفي في المعنى . (١) الأولى: عدم الانقطاع، لأن الذي لا ينقطع هو المؤبّد لا التأبيد. اهـ. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . (٢) بياض في جميع النسخ. ٢٩٨ قال المازري : ويطالب بإبراز مثل هذا المعنى في قوله : ((لئلا يعلم)) قال : وله أن يقول : استقر الكلام أيضا بمعنى النفي ، لأنه إذا كان القصد إكرام المؤمن ليعلم الكفار هوانهم ، فهم الآن غير عالمين بهوانهم ، فقد تضمن سياق الخطاب الإشعار بانتفاء العلم عنهم وحرف ((لا)) للنفي. قلت : أما الأولى في ﴿لئلا يعلم﴾ فزائدة بالاتفاق ، ونص عليها سيبويه في كتابه ، ويدل لها قراءة ابن عباس وعاصم الجحدري: ((ليعلم أهل الكتاب)) وقرأ سعيد بن جبير: ((لأن يعلم أهل الكتاب)) وهاتان القراءتان تفسير لزيادتها . وأما ((لا)) الثانية في قوله: ﴿أن لا يقدرون﴾ [سورة الحديد/٢٩)فكذلك زيدت توكيداً للنفي الموجود بما توجه عليه العلم . وغير المزيدة إما ناهية في عوامل الأفعال الجازمة وإما نافية . قال صاحب البرهان: وإنما تستعمل في المظنون حصوله بخلاف ((لن)) فإنها تستعمل في المشكوك حصوله، ومن ثم كان النفي بلن آكد. قال ابن مالك، ((لا))لتأكيد النفي ((كإنّ)) لتأكيد الإثبات ، وجعل ذلك عمدته في إعمال ((لا)) عمل ((إنّ)) وأنهم يحملون النقيض على النقيض ، وقد استنكر ذلك منه ، من جهة أنّ ((إنّ)) داخلة على الإثبات فأكدته و «لا» لم تدخل على نفي . وجوابه : أن مراده أنها لنفي مؤكد ، أو بمعنى أنها ترجح ظرف النفي المحتمل في أصل القضية رجحانا ((قويا)) أكثر من ترجيح ((ما)) ويدل عليه بناء الاسم معها ليفيد نسبة العموم . وهي إما أن تتناول الأفعال وتكون عاطفة وفيها معنى النفي ، نحو قام زيد لا عمرو ، فلا تعمل في لفظها شيئاً ، ومنه قوله تعالى : ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ [سورة يس/ ٥٠]، / ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ فأما قوله: ١٠٠ /ب ﴿فلا صَدّق ولا صَلّى﴾ [سورة القيامة/٣١) فقالوا: المعنى لم يصدق ولم يصل، وإما أن تتناول الأسماء، فإما أن تلي المعارف أو النكرات فالتي تلي النكرات إن أريد ٢٩٩ بنفيها نفي الجنس بنيت مع اسمها، وإن أريد نفي الوحدة فهي العاملة عمل ليس، وبهذا تقول: لا رجل فيها بل رجلان. والتي تلي المعارف لا تعمل فيها شيئاً ويلزمها التكرار، نحو لا زيد فيها ولا عمرو. وقال ابن الخَشّاب: وهي عكس ((بل))، لأن ((بل)) أضربت بها عن الأول إلى الثاني فثبت المعنى الذي كان للأول للثاني، و((لا)) بدّلت معها بإثبات المعنى للأول فانتفى بها عن الثاني، ولهذا لم يعطف بها بعد النفي فتقول: ما جاءني زيد لا عمرو، لأنك لم تثبت للأول شيئاً فتنفيه بها عن الثاني . [مع]: مع: للمقارنة والضم، فلو قال لغير المدخول بها : أنت طالق طلقة مع طلقة أو معها طلقة تقع ثنتان كما لو قال : أنت طالق طلقتين . ولو قال : له عليّ درهم مع درهم أو معه درهم، فمنصوص الشافعي: درهم لاحتمال أن يكون المراد مع درهم لي أو معه درهم لي، وقال الداركي : مع الهاء درهمان ومع حذفها درهم . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) : هي للجمع بين شيئين فقوله: رأيت زيدا مع عمرو اقتضى ذلك اجتماعهما في رؤيته . وقال ابن بُرْهان في ((الأوسط)): هي للاشتراك مع الاقتران في الزمان. تقول : جاء زيد وعمرو معا. أي: في زمان واحد. انتهى. وما ذكراه من دلالتهما على الاتحاد في الوقت نقلوه عن ثعلب أيضا لكن نصّ الشافعي في ((الأم)) على أنها لا تقتضي الاتحاد في الزمان وهو ظاهر كلام ابن مالك ، فإنه قال إنها : إذا قطعت عن الإضافة نُوِّنَت وتساويا جميعا في المعنى . وقال الشيخُ تَقِيُّ الدّين في ((شرح الإلمام)) قيل: معنى ((مع)) المصاحبة بين أمرين ، وكل أمرين لا يقع بينهما مصاحبة واشتراك إلا في حكم يجمع بينهما ، وكذلك لا تكون الواو التي بمعنى ((مع)) إلا بعد فعل لفظا أو تقديراً لتصح المعية ٣٠٠