النص المفهرس

صفحات 241-260

فصَل
في ذكر تعارض ما يخل بالفهم وهي عشرة :
منها ما يرجع لعوارض الألفاظ . وهي خمسة : المجاز والاشتراك والنقل
والإضمار والتخصيص .
ومنها: ما يرجع لغير ذلك إما للحكم كالنسخ أو للتركيب كالتقديم والتأخير أو
للواقع كالمعارض العقلي أو للغة كتغيير الإعراب، وإنما تعرضوا للخمسة السابقة
فقط لرجوعها إلى اللفظ واحتجوا على الحصر بأنه إذا انتفى احتمال الاشتراك
والنقل، كان اللفظ حقيقة في معنى واحد، وإذا انتفى احتمال الإضمار كان المراد
منه مدلول اللفظ، وإذا انتفى احتمال المجاز كان المراد منه مدلوله الحقيقي، وإذا
انتفى احتمال التخصيص كان المراد منه جميع ما وضع له بطريق الحقيقة وحينئد لم
يبق خلل في الفهم البتة .
وأورد على الحصر أمور:
أحدها : احتمال النسخ، فإن السامع إذا جوز على حكم اللفظ أنه منسوح فلا
يجزم بثبوته .
الثاني : احتمال التقييد .
الثالث : احتمال الاقتضاء ، فإن قوله عليه السلام : (رفع عن أمتى) لما علمٍ
أن كلا منهما غير مرفوع لوقوعه في الأمة فلا بد وأن يكون مراده عليه السلام شيئا
آخر لئلا يلزم كذبه ، وهو غير معلوم من ظاهر الكلام ، فقد نشأ الخلاف في فهم
مراد المتكلم من غير الاحتمالات الخمسة .
وأجيب عن الأول بأن النسخ داخل في التخصيص ، وقد صرح بذلك
الإمام، وفيه نظر، لأنه لا عموم في الأزمان والأمر لا يقتضي بصيغته فعل المأمور
أبدا .
٢٤١

والحق في الجواب أن النسخ من عوارض الأحكام لا الألفاظ.
فإن قيل : قد تنسخ التلاوة وليست معنى. قلنا: نسخها أيضا عدم جواز تلاوة
ذلك المنسوخ . قاله الأصفهاني. وعن الثاني بأنه قريب من التخصيص ، وعن
الثالث بأن الاقتضاء راجع للإضمار على رأي جمع من الأصوليين منهم أبو زيد
الدبوسي لأن كلا منهما عبارة عن إسقاط شىء من الكلام لا يتم الكلام بدونه نظرا
إلى العقل أو الشرع أو إليهما لا نظراً إلى اللفظ.
فأما من قال : إنه مغاير للإضمار فنقول : إن الخلل الناشىء من احتمال
الاقتضاء ، مثله الناشىء من احتمال الإضمار ، فكان ذكره مغنيا عن ذلك .
وعند التحقيق فالعوارض المخلة بالفهم ترجع إلى احتمال الاشتراك والمجاز،
ولهذا اقتصر ابن الحاجب وغيره على ذكرها، لأن النقل والإضمار والتخصيص
يرجع للمجاز ، فإن المجاز يكون بالنقصان والعام إذا خص يكون مجازا في الباقي
على الصحيح. فإذن المراد بالمجاز الأعم من ذلك لا المقابل للإضمار
والتخصيص، فإن كان الكلام في هذه المحتملة(١) من حيث الجنس فلا حاجة لذكر
الإضمار والتخصيص لأنهما من أنواع المجاز فيندرجان تحت مطلقه . وعلى هذا
فالأحوال ثلاثة ، وإن كان الكلام فيها من حيث النوع، فلا شك أن أنواع المجاز
لا تنحصر في خمسة .
وأجيب بأن المراد التوسع، واقتصر على هذين من بين سائر الأنواع لغلبتهما في
الكلام على أنه سبق خلاف في أن الإضمار ليس بمجاز والتخصيص أيضا كذلك،
فإنه فعل المخصص وليس بلفظ حتى يحكم عليه بالحقيقة والمجاز .
وقد أورد على موضوع المسألة شيئان :
أحدهما : أن هذه الاحتمالات ليس شىء منها مخلا بالفهم، لأن الظن حاصل
مع تجويزها، إنما الممتنع القطع .
وأجيب بأن المقصود أن كل واحد منهما مخل بالفهم على تقدير إرادته مع عدم
(١) أي: الأمور المحتملة. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية.
٢٤٢

القرينة كإرادة المجاز مع عدمها، فإنه يخل بالفهم ويوقع في الحقيقة .
والثاني: أن الإضمار والتخصيص نوعان من أنواع المجاز فكيف جعلهما
مقابلين له ؟ وأجيب بأن المراد التوسع واقتصر على هذين من بين سائر الأنواع
لغلبتهما في الكلام على أنه سبق خلاف في أن الإضمار ليس بمجاز ، والتخصيص
أيضا كذلك، فإنه فعل المخصص، وليس بلفظ حتى يحكم عليه بالحقيقة أو المجاز، ثم
التعارض الذي يتصور وقوعه بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة
أوجه وهذا لأن التعارض لا يتصور إلا بين الشيئين ، لأن الشىء لا يعارض نفسه
فكل واحد من هذه الاحتمالات الخمس إنما يعارض الأربعة الأخيرة فيها فتضرب
الخمسة في الأربعة فيحصل عشرون وجها من التعارض، لكن العدة مكررة
فيجب حذفها بنفى عشرة تكرر بعبارة أخرى، وهو أنه قد يقع التعارض بين
الاشتراك وبين الأربعة فيحصل أربعة أوجه، ثم من تعارض النقل مع الثلاثة
الباقية ثلاثة أوجه صارت سبعة، ثم من تعارض المجاز مع الباقين وجهان صارت
تسعة ثم من تعارض المجاز مع التخصيص وجه واحد فصار المجموع عشرة.
وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
تجوز ثم إضمار وبعدهما
نسخ فما بعده قسم يخلفه
وأرجح الكل تخصيص وآخرهم
والضابط : تقديم التخصيص فالإضمار فالمجاز فالنقل فالاشتراك ،
والتخصيص يرجح على سائر الوجوه، لأن التخصيص راجح على الإضمار
والمجاز، فإن فيه عملا بالحقيقة من وجه بخلاف الأولين، وعلى النقل لتوقف
النقل على مالا. يتوقف عليه التخصيص، وعلى الاشتراك لإخلاله بالفهم .
الأول(١): التعارض بين الاشتراك والنقل، لأنه على تقدير النقل يكون معنى
اللفظ مفردا قبل النقل وبعده لأنه قبله للمعنى اللغوي الأصلي وبعده للعرفي أو
الشرعي الذي نقل إليه، وعلى تقدير الاشتراك يكون معناه متعدداً في جميع
الأحوال، كالمجمل. مثاله : لفظ الزكاة فإنها مستعملة في النماء، وفي القدر المخرج
(١) قوله: ((الأول)) أي: من الأوجه العشرة كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية .
٢٤٣

من النصاب، فيحتمل الاشتراك بينهما أو في الأصل للنماء واستعملت في الثاني
بطريق النقل، فحملها عليه أولى، ويحتمل أن يرجح الاشتراك، لأنه لا يقتضى
نسخ وضع سابق بخلاف النقل، والإجماع على وقوع الاشتراك، والاختلاف في
النقل، وأنكره كثير من المحققين كالقاضي وغيره .
الثاني: التعارض بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى، لأنه أكثر استعمالا من
١/١٣ المشترك بالاستقراء، والحمل على الأكثر أولى، / وإعمال اللفظ فيه مع القرينة،
فيكون مجازاً ودونها فيكون حقيقة بخلاف المشترك ، فإنه عند عدم القرينة يجب
التوقف هذا هو المشهور واختاره الإمام الرازي وأتباعه وابن الحاجب .
وأما الآمدي فقضية كلامه في مباحث الأمر : ترجيح الاشتراك.
وقد استشكل تصوير التعارض بين الاشتراك والنقل والمجاز ، فإن الاشتراك
إنما يكون عند استواء حالاته في دلالته على المعنيين أو المعاني والمجاز إنما يكون
حيث يكون دلالته في أحدهما ضعيفة والأخرى قوية ، واللفظ إنما يصير منقولا إذا
بطلت دلالته الأولى وارتفعت .
وأجيب بتصور ذلك في لفظ استعمل في معنيين، ولم يعلم تساوي دلالته عليهما
ولا رجحانها في أحدهما، فيحتمل حينئذ أن يكون استعماله فيهما بطريق الاشتراك
أو بطريق النقل، أو حقيقة في أحدهما ومجازا في الآخر على السواء .
الثالث : الإضمار أولى من الاشتراك، لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة
واحدة وهي إرادة المعنى الإضماري بخلاف المشترك، فإنه مفتقر إلى القرينة في
جميع صوره، إذ ليس البعض منه أولى من البعض .
الرابع : التخصيص خير من الاشتراك ، لأن التخصيص خير من المجاز
والمجاز خير من الاشتراك، والخير من الخير خير، فكان التخصيص خيراً من
الاشتراك وعلم من هذه الأربعة أن الاشتراك أضعف الخمسة .
الخامس: المجاز خير من النقل، لاستلزام النقل نسخ الأول وتغيير الوضع
كدعوى المعتزلة أن الصلاة منقولة إلى الأفعال ، والجمهور قالوا : مجازات لغوية
وهو أولى .
٢٤٤

السادس: الاضمار أولى من النقل، لأن الاضمار مساو للمجاز، والمجاز أولى
من النقل .
السابع: التخصيص خير من النقل، لأنه خير من المجاز، والمجاز خير من
النقل .
وعلم بهذه المسائل الثلاث أن النقل أضعف من الثلاثة بعد .
الثامن : إذا وقع التعارض بين الإضمار والمجاز ففيه ثلاثة مذاهب: قيل:
المجاز أولى لكثرته، وبه جزم في ((المعالم)» واختاره الهندي، وقیل بالعكس، وقيل
هما سواء، واختاره في ((المحصول)) وتبعه في ((المنهاج)) لاحتياج كل منهما إلى قرينة
تمنع من فهم ظاهر اللفظ ، وكما أن الحقيقة تعين على فهم المجاز كذلك تعين على
فهم المضمر .
وحاصله: أن هذين نوعا مجاز، فينبغي ذكره في ترجيح أنواع بعض المجاز على
بعض .
التاسع: التخصيص أولى من المجاز، لأن الباقي من أفراد العام بعد
التخصيص يتعين بخلاف المجاز ، فإنه ربما لا يتعين ، ومن هاتين المسألتين يعلم
أن المجاز أضعف من الإضمار والتخصيص .
العاشر : التخصيص خير من الإضمار، لأنه خير من المجاز والمجاز مساو
للإضمار على ما في ((المحصول))، كقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [سورة
البقرة / ١٧٩] فهذا خطاب خاص للورثة ، لأنهم إذا اقتصوا حصلت الحياة لهم بدفع
شر هذا القاتل الذي صار عدواً لهم، أو هو عام والمشروعية مضمرة، لأن الناس
إذا علموا مشروعيته كان أنفى للقتل فيها بينهم، وهذا مثال، وإلا فالراجح
الاحتمال الثاني .
فروع
أحدها : الاشتراك خير من النسخ، لأنه لا إبطال فيه بالكلية بخلاف النسخ
كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [ سورة الانعام/ ١٢٠] فإنه يحمل
٢٤٥

على كراهة التنزيه حقيقة بدليل، لئلا يلزم نسخ ما ورد من الأحاديث الدالة على
إباحة متروك التسمية إن كان القرآن متأخرا ، أو نسخه إن كان متقدماً أو لا سبيل
إلى التخصيص ، لأنه ليس أحدهما أخص من الآخر حتى يصار إليه .
ثانيها : إذا وقع التعارض بين الاشتراك اللفظي والمعنوي فالمعنوي أولى، لأنه لا
يتعطل فيه النص بحال بخلاف اللفظ فإنه عند عدم القرينة يتعطل .
وقال ابن دقيق العيد : رجح بعض المتأخرين ما كان حقيقة في القدر المشترك
على المشترك والحقيقة والمجاز وليس بصواب على الاطلاق ، فإن المجاز وإن كان
خلاف الأصل فقد تقدم الدلالة عليه فيجب المصير إليه لسبق الذهن إلى فهم أحد
المعنيين من اللفظ عند العالم بالوضع وافتقار المعنى الآخر الى القرينة الحاملة
عليه .
ثالثها : إذا وقع التعارض بين كون اللفظ مشتركا بين علمين أو بين علم ومعنى
أو بين معنيين كان جعله مشتركا بين علمين أو معنيين أولى، ولقائل أن يقول كيف
يدعى الاشتراك في الأعلام، والاشتراك إنما يكون بين الحقائق، والأعلام ليست
بحقائق كما سبق .
رابعها : إذا وقع التعارض بين المشترك والمشكك فالمشكك أولى، لأنه يشبه
المتواطىء من وجه، والمتواطىء راجح على المشترك، والمشابه للراجح راجح،
ولأن اختلال الفهم فيه أقل .
خامسها: إذا وقع التعارض بين المتواطيء وبين المشكك فالمتواطىء أولى.
سادسها : إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، ففي
تقديم أيهما أولى قولان للشافعي حكاهما الشيخ أبو إسحاق المروزى في كتاب
((الناسخ والمنسوخ)) تأليفه .
قال : وأكثر أهل التفسير على حمله على النسخ .
وذهب الشافعي في أكثر ذلك إلى حملة على التخصيص حتى يقوم دليل على
النسخ، ومَثّله بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [سورة البقرة/ ٢٢١]
٢٤٦

فإنه عام في الكتابيات وغيرهن فلما جاء قوله تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [سورة المائدة/٥] وذهب أكثر
المفسرين إلى أنه ناسخ في تحريم المشركات. وخرج الشافعي ذلك على وجهين
أحدهما : النسخ كما قالوا، والثاني: التخصيص ، ثم قطع بأن ذلك خصوص
وعموم لما عدم الدليل أن ذلك على النسخ. ا هـ .
٢٤٧

فصل
[في الترجيحَات بَين أُفْرَاد المجاز]
في الترجيحات بين أفراد المجاز إذا كان للمجاز علاقتان أو أكثر واحتمل التجوز
عن كل منهما ، فمقتضى كلام الإمام الرازي أن أولاها إطلاق الكل على البعض ،
لأنه جعل التخصيص جزءاً من المجاز، والتخصيص من المجاز هو كذلك .
والذي يظهر أن أحسن أنواع المجاز الاستعارة فلتكن أقواها، ولقوتها ادعى
بعضهم أنها حقيقة ، ثم يليها الإضمار ، لأن الإخلال بالفهم فيه إنما هو من أمر
محذوف لا مذكور، واللفظ المذكور لم يوجب بمجرده خللا، فكان قويا، وبقية
أنواع المجاز متقاربة .
وقالوا : إن إطلاق اسم السبب على المسبب أحسن من العكس كما تقدم،
وقالوا في باب الترجيح: إن العلة الغائية اجتمع فيها السبب والمسبب، فكان
استعمال اللفظ فيها أولى في سائر المواضع. وإن تعارض مجازان وأحدهما تحققت
/ب علاقته فهو أولى من الذي لم تتحقق كما في قوله وَله: / (البيعان بالخيار مالم يتفرقا)
فإن الحنفية حملوه على المساومين ، وأطلق عليهما بائعين باعتبار المستقبل ،
والشافعية حملوه على من صدر منهما البيع باعتبار الماضي ، وكل منهما مجاز ، ومجاز
الشافعية أولى لوجهين :
أحدهما : أن العلاقة فيه متحققة بخلاف إطلاق الفعل وإرادة المستقبل، فإنه
قد لا يتحقق صدور البيع .
والثاني: الاتفاق على مجازيته باعتبار المستقبل، والاختلاف فيه باعتبار الماضي
هل هو حقيقة أم لا؟ فرجح بهذا الاعتبار .
٢٤٨

فصل
[في الصَرِيحَ وَالكنايَة وَالتعريض]
في الصريح والكناية والتعريض ، وقد يكون ذلك في أبواب البيع والطلاق
والنكاح والقذف .
[الصريح]
فأما الصريح ففي اللغة : اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى
أفهام السامعين المراد منه نحو أنت طالق ، بعت واشتريت مأخوذ من قولهم
الحق(١)، ومنه سمي القصر صرحا لظهوره وارتفاعه على سائر الأبنية.
وعند الأصوليين هو ما انكشف المراد منه في نفسه فيدخل فيه المبين والمحكم .
[الكناية]
وأما الكناية فعند الأصوليين : اسم لما استتر فيه مراد المتكلم من حيث اللفظ
كقوله في البيع : جعلته لك بكذا ، وفي الطلاق: أنت خلية ، ويدخل فيه
المجمل، ونحوه مأخوذ من قولهم: كنيت وكنوت قال الشاعر :
وإني لاكنو عن قدور بغيرها وأعرب أحيانا بها وأصارح
وعند البيانيين : أن يذكر لفظ دال على شىء لغة ويراد به غير المذكور لملازمة
بينهما خاصة ، والغرض منه إما قبح ذكر الصريح نحو ﴿أو جاء أحد منكم من
الغائط﴾ [سورة النساء/ ٤٣] أو إخفاء المكنى عنه عن السامع .
واختلفوا هل الكناية من باب المجاز أم لا ؟ فقيل : مجاز. وكلام الزمخشري
يقتضيه في موضع من الكشاف ، فإنه قال في قوله تعالى : ﴿ولا جناح عليكم فيما
عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٥] الكناية: أن يذكر الشىء
(١) كذا في سائر النسخ، وفي العبارة سقط، ولعله يشير إلى المثل القائل: ((صرّح الحق عن محضه)) ومعناه
انكشف الأمر وظهر بعد غيوبه. مجمع الأمثال للميداني: مثل رقم (٢١٠٨) والمصباح المنير مادة
(صرح).
٢٤٩

بغير لفظه الموضوع له ، والتعريض: أن يذكر شيئا يدل على شىء لم يذكره.
وكلام غيره من البيانيين يقتضى أنها حقيقة.
ووقع في كلام السَّكّاكي أيضا أنها ليست بحقيقة ولا بمجاز، لأنه قال: الكلمة
المستعملة إما أن يراد بها معناها وحده ، أو معناها وغير معناها معا، والأول
الحقيقة في المفرد ، والثاني المجاز في المفرد، والثالث: الكناية، وجمع بينهما بأنه أراد
هنا بالحقيقة التصريح بها بقرينة جعلها في مقابلة الكناية. وتصريحه فيما بعد بأن
الحقيقة والكناية يشتركان في كونهما حقيقتين، ويفترقان بالتصريح وعدمه.
وجزم الجاجرمي في رسالته بأنها ليست من المجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير
موضوعه، والكناية استعماله في موضوعه غير أن المقصود به معنى ثان، فإذا قلت:
فلان طويل النجاد ، فإنك تريد أن تجعل حقيقة طول النجاد دليلا على طول
القامة، فقد استعملت اللفظ في موضوعه الأصلي لكن غرضك معنى ثان يلزم
الأول، وهو طول القامة، وإذا شرط في الكناية اعتبار الموضوع الأصلي لم تكن
مجازا . وكذلك إذا قلت لزوجتك: أنت بائن، فقد استعملت لفظ البينونة في
موضوعها الأصلي، وهو انقطاع الوصلة غير أن مقصودك الطلاق، ولهذا قالوا:
تشترط النية في الكناية، ولا تشترط النية في المجاز. ا هـ .
وفيما ذكره نظر، وهو فيه متابع للإمام فخرالدين، فإنه قال في نهاية ((الإيجاز)):
واللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلي، غير معناها، فإما أن يكون معناها
مقصود أيضا ليكون دالا على ذلك الغرض الأصلي، وإما أن لا يكون كذلك ،
فالأول هو الكناية، والثاني هو المجاز، فالكناية كقولهم فلان طويل النجاد كثير
الرماد، فقولنا: طويل النجاد استعمل لا لأن الغرض الأصلي معنا، بل ما يلزمه
من طول القامة .
قال : وليست الكناية من المجاز بدليل أنها تفيد المقصود بمعنى اللفظ، فوجب
أن يكون معناه معتبرا ، وإذا كان معتبرا فيما نقلت اللفظة عن موضوعها، فلا
تكون مجازا. فإذا قلت : فلان كثير الرماد فإنك تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد
دليلا على كونه جواداً، فأنت استعملت هذه الألفاظ في معانيها الأصلية غير منكر
٢٥٠

أن في إفادة كونه كثير الرماد معنى ثانيا يلزم الأول وهو الجود، وإذا وجب في الكناية
اعتبار معانيها الأصلية لم تكن مجازا. انتهى .
ويشهد لتغايرهما ما قاله الأصحاب في كتاب الطلاق إن الكناية إنما تؤثر فيها
النية دون القرائن مع أن المجاز تؤثر فيه القرينة بالاتفاق .
وقال بعض المتأخرين : الكناية تارة تكون حقيقة وتارة تكون مجازاً إلا أن
المقصود منها الإشعار بما كني بها عنه إما حقيقة أو مجازا ، فالكناية أعم لانقسامها
إليهما، فالحقيقة والمجاز وصفان للفظ باعتبار دلالته على المعنى والاستعمال غير
الدلالة، فافهم هذا
فائدة
ظاهر كلام صاحب ((الكشاف)) أنه يشترط في الكناية إمكان المعنى الحقيقي لأنه
ذكر في معنى قوله تعالى: ﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ [سورة آل عمران / ٧٧] أنه
مجاز عن الاستهانة والسخط ، وأن النظر إلى فلان بمعنى الاعتداد به والإحسان
إليه كناية إذا أسند إلى من يجوز عليه النظر ، ومجاز إذا أسند إلى من لا يجوز عليه .
[التعريض] :
وأما التعريض فهو لغة : ضد التصريح. قال الإمام فخرالدين في تفسيره :
ومعناه أن يضمن الكلام ما يصلح للدلالة على مقصوده ، وتحصل الدلالة على غير
مقصوده إلا أن إشعاره بخلاف المقصود أتم وأرجح .
وأصله من عرض الشىء وهو جانبه كأنه يحوم به حوله ولا يظهره.
قال : والفرق بين الكناية والتعريض : أن الكناية أن تذكر الشىء بذكر
لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، والتعريض أن تذكر كلاما
محتملا لمقصودك، إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على غير مقصودك.
قيل : والتعريض أخص من الحقيقة مطلقا لا يصدق على المجاز ، لأنه إنما يراد
استعماله في المعنى الحقيقي لكن يلوّح به إلى غرض آخر هو المقصود ، فهو يشبه
٢٥١

الكناية إذا قصد بها الحقيقة ، وهو أخص من الحقيقة ، لأنها مرادة من حيث هي
هي ، وهو إنما يراد منه الحقيقة من حيث إشعارها بالمقصود لا بد فيها من قرينة
حالية فإن اللفظ المجرد لا يكفي فيها فمن الكناية المس والإفضاء ، والدخول
كناية عن الجماع ، ومن التعريض قول إبراهيم عليه السلام: ﴿بل فعله كبيرهم
هذا﴾[سورة الأنبياء /٦٣] أي أن كبير الأصنام غضب أن تعبد هذه الأصنام الصغار
١/٩٤ فكسرها، فكذلك الله يغضب لعبادة / من دونه ، فكلام إبراهيم في حق نفسه
ضربه مثلا لمقصوده من التعريض، فهو من مجاز التمثيل ، ويكون التعريض مما لا
يراد به المعنى الحقيقي بل ضرب المثل هذا، ومنه ما يراد به المعنى الحقيقى، ويشار
به إلى المعنى الآخر الذي هو المقصود من التعريض. هذا حده باصطلاح
البيانيين .
وأما الفقهاء فقد ذكروا الكنايات والظاهر أنها عندهم مجاز ، فإذا قال الزوج :
أنت خلية مريدا الطلاق، فهو مجاز ويسميه الفقيه كناية، فلو أراد حقيقة اللفظ
لكونه لازما للطلاق ففي وقوع الطلاق نظر، ولم يتعرضوا للفرق بين الكناية
والتعريض إلا في باب اللعان، فإنهم ذكروا الصريح والكناية والتعريض أقساما،
وذَكروا في الخطبة التصريح والتعريض ولم يذكروا الكناية .
وقالت الحنفية : إن كنايات الطلاق يطلق عليها كناية بطريق المجاز دون
الحقيقة، لأن حقيقة الكناية ما استتر المراد به، وهذه الألفاظ معانيها غير مستترة،
بل ظاهرة لكل أحد من أهل اللسان لكنها شابهت الكناية من جهة الإبهام، ولهذا
اشترطت فيها النية ليزول الإبهام، وتتعين البينونة عن وصلة النكاح، وهذا غير
مسلم ، لأنه إن أريد أن مفهوماتها اللغوية ظاهرة غير مستترة، فهذا لا ينافي
الكناية ، واستتار مراد المتكلم بها كما في جميع الكنايات ، وإن أريد أن ما أراده
المتكلم بها ظاهر لا استتار فيه فممنوع ، كيف ولا يمكن التوصل إليه إلا ببيان من
جهة المتكلم وهم مصرحون بأنها من جهة المحل مبهمة مستترة ؟ ولم يفسروا
الكناية إلا بما استتر المراد منه سواء كان ذلك باعتبار المحل أو غيره ، ولم يشترطوا
إرادة اللازم ثم الانتقال منه إلى الملزوم بدليل أنهم جعلوا الحقيقة المهجورة،
والمجاز المتعارف كناية لمجرد استتار المراد .
٢٥٢

أدوات المعَانِى
وإنما احتاج الأصولي إليها ، لأنها من جملة كلام العرب ، وتختلف الأحكام
الفقهية بسبب اختلاف معانيها .
قال ابن السيد النحوي يخبر عمن تأمل. غرضه ومقصده فإن الطريقة الفقهية
مفتقِرة إلى علم الأدب ، مؤسّسةً على أصول كلام العرب ، وأن مثلها ومثله قول
أبي الأسود :
فإن لا يكنْها أو تَكُنْهُ فإنَّ أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِيانِها
قال ابن فارس في كتاب(١) ((فقه العربية)): رأيت أصحابنا الفقهاء يضمّنون
كتبهم في أصول الفقه حروفا من حروف المعاني ، وما أدري ما الوجه في
اختصاصهم إياها دون غيرها ، فذكرت عامة المعاني رسما واختصارا. انتهى .
وأقول : تنقسم حروف المعاني إلى ما هو علی حرف واحد ، وعلى حرفین وما
هو على أكثر من ذلك .
فمن الأول :
الواو العاطفة :
وفيها مذاهب :
أحدها : وهو الصحيح أنها لا تدل على الترتيب لا في الفعل كالفاء ، ولا في
المنزلة كثُمَّ ، ولا في الأحوال كحتىّ ، وإنما هو لمجرد الجمع المطلق كالتثنية ، فإذا
قلت: مررت بزيد وعمرو، فهو كقولك : مررت بهما .
قال سيبويه في مررت برجل وحمار: لم يجعل الرجل بمنزلة تقديمك إياه یکون بها
(١) لعله يعني كتاب ((فقه اللغة)).
٢٥٣

أولى من الحمار ، كأنك قلت : مررت بهما وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشىء
قبل شىء . انتهى .
فتبين بهذا أنها لمجرد الجمع، وأنها كالتثنية لا ترتيب فيها ولا معية، فلذلك
تأتي بعكس الترتيب ، كقوله تعالى: ﴿كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك﴾
[سورة الشورى/٣] والمعية، نحو اختصم زيد وعمرو، وللترتيب، نحو ﴿والأرضَ
بعد ذلك دحاها ﴾ [سورة النازعات/ ٣٠] ولم توضع لشىء من ذلك بخصوصه ، بل لما
يعمها من الجمع المطلق .
وفهم إمام الحرمين منه تعين إرادة الجمع ، فاعترض عليهم بأنا نعلم أن القائل
إذا قال: جاءني زيد وعمرو لا تفهم العرب بجيئهما معا بل يحتمل المعية والترتيب.
وقد علمت أن هذا خلاف مرادهم ، وإنما عنوا أنها تدل على التشريك بين
المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسند اليهما من غير أن تدل على أنهما معاً
بالزمان، أو أن أحدهما قبل الآخر .
ونقل الفارسي والسّيرافي في ((شرح سيبويه)) والسهيلي وغيرهم إجماع أئمة
العربية عليه قيل: ونصّ عليه سيبويه في سبعة عشر موضعا من ((كتابه))، وحكاه
القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) عن أكثر الأصحاب ، وقال ابن برهان : هو
قول الحنفية بأسرهم ومعظم أصحاب الشافعي .
قلت : وهو الذي صح عن الشافعي فإنه نص على أنه إذا قال : هذه الدار
وقف على أولادي وأولاد أولادي أنهم يشتركون فيه، بخلاف مالو قال : ثم
أولادي، فلو كانت الواو كثُمّ لكان ينبغي أن لا يشارك كما في ((ثم)). ونص أيضا
على أنه إذا قال : إذا متّ فسالم وغانم وخالد أحرار، وكان الثلث لا يفي إلا
بأحدهم : فإنه يقرع، فلو اقتضت الواو الترتيب لعتق سالم وحده.
ومن حججهم قوله تعالى حاكيا عن منكري البعث : ﴿إن هي إلا حياتنا
الدنيا نموتُ ونحيا﴾ [سورة المؤمنون/٣٧] كذا استدل به ابن الخشاب وابن مالك،
وفيه نظر ، لأن هذا من عطف الجمل. وما أخرجه أبو داود والنّسائى عن حذيفة أن
رسول الله ﴾ قال: (لا تقولوا: ماشاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء، الله
٢٥٤

ثم شاء فلان) فلو كانت للترتيب لساوت ((تمّ)) ولما فرق عليه الصلاة والسلام
بينهما .
قال ابن الخشاب : إذا تأملت الواو العاطفة في التنزيل وجدتها كلها جامعة لا
مرتبة ، وكذا في غير التنزيل. قال : وما أحسن ما سمى النحويون الحركة المأخوذة
من الواو وهي بعضها عندهم بالضمة ، لأن الضم الجمع ، فكان ما هو من الضم
للجمع ولادلالة فيه على ترتيب. قال : وهذا من باب إمساس الألفاظ أشباه
المعاني، وهو باب شريف في العربية نَّهَ عليه ابن جنى في ((الخصائص)) وغيره.
الثاني : أنها للترتيب مطلقا سواء العطف في المفردات والجمل. صح ذلك عن
ابن عباس كما سيأتي ، وهو قول بعض الكوفيين. منهم ثَعْلَب والفَرّاء وهِشام
وأبو عمرو والزاهد ، ومن البصريين قُطُرُب وعيسى بن عيسى الرَّبْعى وابن
دُرُسْتُويه. حكاه عنهم جماعة من النحاة ، وعزي للشافعي. وذكر بعض الحنفية
أنه نَصّ عليه في كتاب ((أحكام القرآن))، وبعضهم أخذه من لازم قوله في اشتراط
الترتيب في الوضوء والتيمم ومسألة الطلاق .
والحق : أنه ليس مَذْركه في ذلك كونها للترتيب بل من دليل آخر ، وإنما هذا وجه
حُكِيَ عن بعض أصحابنا ، وأغرب الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني فقال في كتابه
في أصول الفقه: الظاهر من مذهب الشافعي أنها تدل على الترتيب والابتداء بفعل
ما بدىء بذكره في الخبر والأمر انتهى .
وكذا حكاه الماوردي في باب الوضوء / من ((الحاوي)) عن جمهور أصحابنا، ١٤/ب
وكذا الصيدلاني في ((شرح مختصر المزني))، فقال: وقولنا إن الواو توجب الترتيب
قول أبي عُبَيْد والفَرّاء وغلام ثَعْلب. انتهى.
وعبارة إمام الحرمين في ((الأساليب)) : وصار علماؤنا أن الواو تقتضى الترتيب،
وتكلفوا نقل ذلك عن بعض أئمة العربية. انتهى.
وكذا قال في ((البرهان)): إنه الذي اشتهر عن أصحاب الشافعي ، ونصره
الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)).
٢٥٥

وحكى ابن الصباغ في ((العدة)) عن قوم من أصحابنا أنها تفيد الترتيب مع
التشريك .
قلت : وجزم به ابن سُرَيْج في كتاب ((الودائع))، واعتمده في وجوب الترتيب في
الوضوء، وعبارته : وواو النّسَق تدل على فعل ذلك متواليا ، وهذا لاخلاف فيه بين
أهل اللغة . هذا لفظه .
ونقل الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)) كونها للترتيب عن ثَعْلبَ وأبي عمر
الزاهد غلامه ، وفي ذلك نظر ، ففي كتاب أبي بكر الرازي: قال لي أبو عمر وغلام
ثعلب: الواو عند العرب للجمع، ولا دلالة عندهم فيّهًا على الترتيب ، وأخطأ
من قال : إنها تدل على الترتيب . انتهى .
وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): ادّعى جماعة من أصحابنا أنها للترتيب،
ونسبوه للشافعي، وحكي عن بعض نحاة الكوفة ، وأما عامة أهل اللغة فعلى أنها
للجمع وإنما يستفاد الترتيب بقرائن . انتهى .
وقال الأستاذ أبو منصور: معاذ الله أن يصح هذا النقل عن الشافعي بل الواو
عنده لمطلق الجمع ، وإنما نسب للشافعي من إيجابه الترتيب في الوضوء، ولم يوجبه
من الواو بل لدليل آخر، وهو قطع النظير عن النظير، وإدخال الممسوح بين
المغسولين ، والعرب لا تفعل ذلك إلا إذا أرادت الترتيب .
قلت : والذي يظهر من نص الشافعي أن الواو عنده لا تفيد الترتيب لغة
وتفيده في الاستعمال الشرعي، فإنه أوجب الترتيب في الوضوء لظاهر الآية، ولم
يقتصر عليها بل تمسك معها بما صح من حديث جابر سمعت النبي ◌َّر حين خرج
من المسجد وهو يريد الصفا يقول : (نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا) وعلى هذا
فإذا تَردّدْنا فيه وجب حملها على المحمل الشرعي فإنه مقدم على اللغوي ، وبهذا
يجتمع كلامه ويرتفع الخلاف ويزول الإستشكال .
وقال ابن الأنباري في مصنفه ((المفرد)) في هذه المسألة : وما نقل عن ابن
دُرُسْتُويه والزاهد وابن جِنّ وابن بُرْهان والربْعي من اقتضائها الترتيب فليس
بصحيح ، وكتبهم تنطق بضد ذلك. نعم ، لما ذكر على بن عيسى الربعى في
٢٥٦

((شرح كتاب الجرمى)) إن الواو للجمع قال: هذا مذهب النحويين والفقهاء إلا
الشافعي، ولقوله وجه. انتهى .
وهذا لا يدل على أنه كان يذهب إليه .
وقال الشيخ أبو حيان : حكاية الإجماع على أنها للجمع غير صحيح .
وقال ابن مالك في ((شرح الكافية)) : زعم بعض الكوفيين أنها للترتيب وعلماء
الكوفة برءاء من ذلك، ونقله ابن برهان النحوي عن قطرب والربعى واستدل لهما
بقوله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ [سورة آل عمران/١٨]
وبقوله : ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [سورة
الزلزلة / ٢،١] ثم ردّ ذلك واستدل على أنها للترتيب بقوله : ﴿فكيف كان عذابي
ونذر﴾ [سورة القمر/١٦] قال: والنذر قبل العذاب بدليل ﴿وما كنا معذبين حتى
نبعث رسولا﴾ [سورة الاسراء/ ١٥].
ومن حجج القائلين بالترتيب ما رواه البخاري عن البراء قال: أتى النبي وَل
رجل مقنع بالحديد ، فقال : يا رسول الله أقاتل وأسلم؟ قال : (أسلم ثم
قاتلٍ)، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله وَالر: (عمل قليلا وأوجر
كثيراً) .
وأسند ابن عبدالبِّر في ((التمهيد)) إلى ابن عباس قال : ما ندمت على شيء لم
أكن عملت به ما ندمت على المشي إلى بيت الله أن لا أكون مشيت ، لأني سمعت
رسول الله صل يقول حين ذكر إبراهيم وأمر أن ينادى في الناس بالحج ﴿يأتوك رجالا وعلى
كل ضامر﴾ [سورة الحج / ٢٧] فبدأ بالرجال قبل الركبان. قال: فهذا ابن عباس قد صرح
بأن الواو توجب عنده الترتيب. انتهى .
وأما احتجاجهم بحديث : (بئس الخطيب أنت) فلا حجة فيه لأنه إنما نهاه لأن
الأدب أن لا يجمع بين اسم الله وغيره في ضمير، ولهذا قال : ﴿قالوا هذا ما
وعدنا الله ورسوله﴾ [سورة الأحزاب/٢٢] ولم يقل: وصدقا بل فيه تنبيه على أنها
للجمع لا للترتيب ، وذلك أن لفظ هذا الضمير وهو ((هما)) بمنزلة التثنية في الاسماء
الظاهرة المتفقة في قولك: الزيدان والعمران ، ولا يختلفون في أن أصل التثنية
٢٥٧

العطف ، وحكم ضمير التثنية حكم التثنية في أنه لا يتصور فيها ترتيب في المعنى
ولا تقديم احتفال(١) في اللفظ .
وأما وجوب الترتيب في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾
[سورة البقرة/٢٧٧] حيث رتب العمل على الإيمان ولم يعتبر بدونه، فلم يستفد ذلك
من الواو بل من دليل خارجي .
وهو قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾ [سورة طه/١١٢].
الثالث : أنها للجمع تفيد المعية فإذا استعملت في غير ذلك كانت مجازاً ونسب
لبعض الحنفية ، وأنكره عليهم ابن السَّمْعاني وغيره ، وقال : لم يتعرضوا لغير
كون الواو للجمع المطلق من غير تعرض لاقتران ولا ترتيب ، ونسبه بعضهم لأبي
يوسف ومحمد بن الحسن وأخذه من قولهما فيما إذا عقد رجل لغيره نكاح أختين في
عقد واحد من غير إذنه فإنهما قالا : إذا بلغه الخبر فإن أجاز نكاحهما معا بطل
فيهما ، وإن أجاز نكاح إحداهما ثم نكاح الأخرى بطل نكاح الثانية ، وإن قال:
أجزت نكاح فلانة وفلانة فهو كما لو أجاز نكاحهما معا ، فيلزم من ذلك أن تكون
الواو للجمع تفيد المعية كما لو أجاز نكاحهما معا .
ومن قولهما فيما إذا قال: إن دخلت فأنت طالق وطالق فطالق: تقع الثلاث،
وعند أبي حنيفة واحدة، وربما نسب هذا المذهب للشافعي في القديم ولمالك حيث
قالا في غير المدخول بها: إذا قال لها : أنت طالق وطالق وطالق تقع الثلاث، لأن
الواو توجب المقارنة .
الرابع : أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله تعالى : ﴿اركعوا
واسجدوا﴾ [سورة الحج / ٧٧] حكاه بعضهم عن الفَرّاء واحتج به بعض أصحابنا في
آية الوضوء .
قال إلكياالهَرّاسي : ويشبه إن صح هذا عن الفراء أنه أراد به أنه في المعنى يفيد
الترتيب إذا كان الجمع بينهما لا يصلح من حيث اللفظ ، ولأن اللفظ لو أفاد ذلك
لأفاده وإن صح الجمع بينهما ، لأن موجبه لا يتغير كما لا يتغير ما يقتضيه ((ثم))،
(١) الاحتفال: الاهتمام. يقال: احتفلت به إذا اهتممت (المصباح المنير).
٢٥٨

والفاء كذلك، فإن كان في هذا التأويل بُعْد فقول الجمهور ، وقال المراغي :
نظرت في كتاب الفراء فما أَلْفَيْتُ في شىء منها هذا، ثم فيه دلالة لوصح على أن
أصلها الجمع ، وإنما يحصل لها الترتيب لاستحالة الجمع .
الخامس : وهو قريب مما /قبله إن دخلت بين أجزاء بينها ارتباط اقتضت ١/٩٥
الترتيب، كآية الوضوء، فإن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو
الوضوء، فدخلت الواو بين الأجزاء للرّبط ، فأفادت الترتيب ، وإن دخلت بين
أفعال لا ارتباط بينها نحو ﴿وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة﴾ [سورة البقرة/ ٤٣] لا تفيده،
وهو قول ابن موسى من الحنابلة، ورجحه بعض متأخريهم .
السادس : إنما تقتضى الترتيب في عطف المفرادت دون عطف الجمل. حكاه
ابن الخَّاز من النحاة عن شيخه .
السابع : أنها للعطف والاشتراك ولا تقتضى بأصلها جمعا ولا ترتيبا ، وإنما ذلك
يؤخذ من أمر زائد عليها. حكاه إلكيا الطبري في ((تعليقه)) عن إمام الحرمين.
قال: وكان سيىء الرأي في قول الترتيب وفي قول الجمع. قال : وأنكر الإمام أبو
بكر الشاشى هذا ، وقال: القائل قائلان قائل بالجمع وقائل بالترتيب ، والإجماع
منعقد على ذلك ، فإحداث قول ثالث لا يجوز. اهـ.
ونقلته من فوائد رحلة ابن الصلاح بخطه، لكن القاضي عبدالوهاب قال في
بعض كتبه الخلافية : اختلف الناس في الواو على ثلاثة مذاهب:
أحدها : أنها تقتضى الجمع، والثاني تقتضى الترتيب والثالث لا تقتضى واحداً
منهما، وإنما تقتضى المشاركة في المعنى والإعراب فقط .
الثامن : وحكاه ابن السمعاني عن القاضى الماوردي أنه قال : الواو لها ثلاثة
مواضع: حقيقة ومجاز ومختلف في حقيقته ومجازه .
فالحقيقة أن تستعمل في العطف للجمع والاشتراك، كقولك : جاءني زيد
وعمرو .
والمجاز أن تستعمل بمعنى ((أو)) كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء
٢٥٩

مثنى وثلاث ورباع﴾ [سورة النساء
والمختلف في حقيقته ومجازه أن يستعمل في الترتيب، كقوله تعالى : ﴿فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة/٦] فذهب جمهور أهل اللغة والفقهاء
إلى أنها تكون إذا استعملت في الترتيب مجازاً ، وذهب بعض الشافعية إلى أنها
تكون حقيقة فيه، فإذا استعملت في موضع يحتمل الأمرين حُملَت على الترتيب
دون الجمع لزيادة الفائدة .
وحيث قلنا بالصحيح قال ابن مالك: هو ظاهر فيه واحتمال تأخير المعطوف
كثير وتقدمه قليل ، والمعية احتمال راجح. هذا كلامه في الواو العاطفة . أما التى
بمعنى ((مع)) في المفعول معه ، قال الهندي: فلا خلاف أنها تقتضى الجمع بصفة
المعية، كما في قولهم: جاء البرد والطيالسة. وقال بعضهم : في الواو نكتة بديعة لا
توجد في سائر حروف العطف، وهي أن دلالتها على الجمع أعم من دلالتها على
العطف. بيانه : أنها لا تخلو عن الجمع ، وتخلو عن العطف، كواو المفعول معه
وواو القسم، لأنها نائبة عن الباء وهي للإلصاق ، والشىء إذا لاصق الشىء بَعْدُ
جامَعَه ، وواو الحال لما فيها من معنى المصاحبة ، وكذا قولهم: لا تأكل السمك
وتشرب اللبن للجمع دون العطف .
قيل : وقولهم: الواو حرف عطف فيه تَجَوّزٌ ، لأن الواو اسم ليست حرفا ،
وإنما العطف ((و)) وحده .
وقال ابن عصفور في ((شرح الإيضاح)): إن الخلاف في أن الواو تقتضى الترتيب
محله ما إذا كان الفعل صدوره من واحد ، فأمّا نحو اختصم زيد وعمرو، فلا
خلاف في أن الواو لا تقتضى الترتيب ، وذكر في ((شرح الجمل)) محتجا على القائلين
بالترتيب بأن هذه الأفعال لا تفيد الترتيب، فكذلك غيرها .
٢٦٠