النص المفهرس
صفحات 201-220
وقد اجتمعت المشابهة في الصورة والصفة الظاهرة معا في قوله تعالى ؛ ﴿فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار﴾ [سورة طه/٨٨] فإن العلاقة مجموع الشكل والخوار ، وإما بدون أداة كقوله تعالى؛ ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [سورة الأحزاب/٦] أي: مثل أمهاتهم في الحرمة وتحريم المناكحة، وقولهم : أبو يوسف أبو حنيفة، ومنه تسمية الكافر كافراً، إذ حقيقية الكفر ستر جرم بجرم وتغطيته لئلا تراه العيون، ولما كان الكفر واحداً، والإيمان واقع للبصيرة عن إدراك الحق شبه بما يمنع الإبصار من المحسوسات . وقيل : في قوله تعالى : ﴿أعجب الكفار نباته﴾ [سورة الحديد/ ٢٠] أي: الزراع لكفرهم الحب في الأرض ، ويسمى المجاز الذي علاقته المشابهة استعارة، فالاستعارة أخص من المجاز، وخص الإمام الاستعارة بالمتشابه المعنوي لا الصوري وتبعه الهندي ، وحكى عبداللطيف البغدادي عن بعضهم : أن المجاز والاستعارة مترادفان ، وادعى بعضهم أن المجاز منحصر في المشابهة. واختلفوا هل المعتبر المشابهة بين لفظي المستعار منه والمستعار له في بعض ما وضع اسم المستعار منه لا بين ذاتيهما ، أو المعتبر المشابهة بين ذاتيهما في المعنى اللازم المشهور في الحقيقة دون المشابهة وفي معنى اسمها لغة؟ وهذا القول صححه صاحب ((الميزان)) من الحنفية . وشرط على بن عيسى الرُّمَّاني في ((إعجاز القرآن)) أن يكون ذلك المعنى المستعار منه أبلغ حتى يكون للاستعارة فائدة . قال السمرقندي : والصحيح : أن ذلك ليس بشرط وإن كان هو الغالب ، وسبق في كلام ابن السَّمْعاني، وقال الحاجوي في ((رسالاته)) شرطوا في صحة المجاز كون المعنى المجازي مشهوراً في الأصل كالشجاعة التي هي صفة مشهورة للأسد والبلادة التي هي صفة مشهورة للحمار، والأقرب: أنه لا يشترط ذلك حتى تصح تسميته أسدا، وإن لم يكن البخر صفة مشهورة للأسد . ٢٠١ مَسَألَة اللفظ المستعار إذا استعير من المستعار منه إلى المستعار له، فالعامل اللفظ المستعار، وهو عبارة عن اسم المستعار له حتى كأنه ذكره باسمه صريحاً، وهذا قول الحنفية . قال صاحب ((الميزان)) منهم : وفروع الشافعى تدل على أن العامل هو الاسم الذي قام لفظ المستعار مقامه، فإنه قال فيمن قال لامراته أنت بائن: إنه رجعي، لأنه صار مجازا عن قوله : أنت طالق ، كأنه نص عليه ، وكذا قال بأن العتاق يقع بألفاظ الطلاق كقيام لفظ الطلاق مقامه حتى كأنه نص على لفظ العتاق ، وهذا يستقيم على قول بعضهم إن المشابهة في الاستعارة معتبرة بين اللفظين . وقال محمد بن يحيى من أصحابنا في ((تعليقه)): الخلاف للفظ إذا جعل كناية عن غيره ، فالمذكور حقيقة هو المنوي المكني عنه دون الملفوظ ، ألا ترى أن من قال للشُجاع : يا أسد ، وللبليد : يا حمار كان المنادى هو الآدمى دون السبع والبهيمة، ومن قال لزوجته : أعتقتك، ونوى الطلاق كان الصادر حقيقة هو الطلاق، وكانت الإبانة ليست تصرفا موضوعا شرعا إنما الموضوع هو الطلاق، غير أن الشارع جوز أن يستعمل فيه لفظ آخر يقرب منه في المعنى ، ثم المتصرف هو المستعار منه دون ما عنه الاستعارة ، ويدل عليه أن نية الطلاق لا بد منها حتى لو قال : أبنتك بينونة النكاح، أو قطعت نكاحك لم يعمل دون النية مع أن اللفظ خرج عن الإجمال، أعني إجمال جهات البينونة . العلاقة الرابعة: التضاد: وهي تسمية الشىء باسم ضده، وأكثر ما يقع في المتقابلات ، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [سورة الشورى/ ٤٠] أطلق على الجزاء سيئة مع أنه عدل لكونه ضدها، وفي هذا رد الثاني إلى الأول ، وقوله : ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [سورة النحل/١٢٦]. وفيه رد الأول إلى لفظ الثاني ، لأن القصاص ليس بمعاقبة ، ومنه : ﴿الله يستهزىء بهم﴾ [سورة البقرة/ ١٥] ويجوز جعله من المشابهة ٢٠٢ وجعل صاحب ((المثل السائر)) من هذا القسم قولهم؛ الجون للأبيض والأسود، وهو وهم، لأن هذا اشتراك كالناهل، للريان والظمآن لا أنه مجاز ، وإذا وقع التعارض بين هذا وما قبله فالسابق أولى . واعلم أن العلاقة في إطلاق اسم أحد المتقابلين على الآخر ليس هو اللزوم الذهني للاتفاق على امتناع إطلاق الأب على الابن، بل هو من قبيل الاستعارة بتنزيل المقابل منزلة المناسب بواسطة تمليح أو تهكم كما في إطلاق الشجاع على الجبان ، أو تفاؤل كما في إطلاق البصير على الأعمى ، أو مشاكلة كما في إطلاق السيئة على جزاء السيئة . العلاقة الخامسة : الكلية : وهي إطلاق اسم الكل على الجزء كقوله تعالى : ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ [سورة البقرة/ ١٩] أي؛ أناملهم، لأن العادة أن الإنسان لا يضع أصبعه في أذنه ، وقوله : ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [سورة القيامة / ٢٢، ٢٣] / أي أعين، لأن النظر بالعين لا بالوجه ، وجعل منه ابن ١/٨٧ جني قولك : ما فعل زيد؟ فيقال القيام ، والقيام إنما هو جنس يتناول جميع أنواعه . قال ابن دقيق العيد : فيه نظر، لأن العلماء قالوا: إن القيام دال على المصدر فلا يدل بمطلقه على جميع أنواع القيام، بل يدل على الحقيقة لا غير . وههنا بحث، وهو أنه إن كان مراده بالألف واللام التي في القيام الاستغراق فلا مشاحة له في ذلك ، لأن الكل غير مراد قطعا ، وإن أراد بالألف واللام تعريف المصدر، فهذا موضع النقد عليه ، لأن المصدر لا يدل إلا على قيام ما، ولا يقال فيه: إنه بعض القيام ولا كله ، فلا يستقيم له ما أراد من إدخاله في باب المجاز، وعلى هذا فلا يكون قوله: القيام أريد به المجاز بل الحقيقة، وهذا النوع يقال له: إطلاق العام وإرادة الخاص ، وشواهده كثيرة . وعند فخر الإسلام من الحنفية أنه حقيقة ، وتسمى قاصرة بناء على أنه في المجاز يجب استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، والجزء ليس غير الكل ، كما أنه ليس عينه ، لأن الغيرين موجودان يجوز وجود كل منهما بدون الآخر ، ويمتنع وجود ٢٠٣ الكل بدون الجزء، فلا يكون غيره، فعنده اللفظ إن استعمل في غير ما وضع له أي: في معنى خارج عما وضع له فمجاز ، وإلا فإن استعمل في عينه فحقيقة، وإلا فحقيقة قاصرة . العلاقة السادسة : الجزئية : وهي إطلاق الجزء وإرادة الكل كقولهم : فلان يملك كذا رأسا من الغنم أو ذبح كذا رأسا من البقر ، وكاستعمال العين التي هي الجارحة في الجاسوس ، وعليه قوله عليه الصلاة والسلام : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وقد فرع بعض أصحابنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد والرجل ونحوهما ، لكن الأصح جعله من باب السراية، وإذا تعارض هذا والذي قبله فالأول أولى، لأن الكل يستلزم الجزء ولا عكس، فكانت دلالة الأول أقوى، وهذا واضح بالنسبة إلى إطلاق الأعم على الكل، أما في إطلاق الجزء الخاص بالشىء كالناطق مثلا بالنسبة إلى الإنسان فلا، لأنه مستلزم له فيحتاج في تعليل أولوية الأول بالنسبة إلى هذا الجزء إلى وجه آخر، وهو أن الكل يستلزم الجزء من حيث إنه كل، وأما الجزء الذي يستلزم الكل فإنه لا يستلزمه من حيث إنه جزء، بل باعتبار آخر، وما بالذات يكون أولى وأقدم مما بالعرض. قاله الهندي . العلاقة السابعة : [إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة] تسمية الشىء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر حال كونه في الدن بالمسكر ، وإطلاق الكاتب على العارف بالكتابة عند مباشرته لها وسماه بعضهم : إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة . العلاقة الثامنة : المجاورة: وهي تسمية الشىء باسم ما يجاوره، كإطلاق لفظ الراوية على القربة التي هي ظرف للماء ، فإن الراوية في الأصل اسم للبعير، ثم أطلق على القربة لمجاورته لها ، وكذا قولهم : جرى المزاب ، وكالغائط للفضلة المستقذرة ، لأنها تجاور المكان المطمئن غالبا ، وكقوله : فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم أراد بثيابه نفسه . ٢٠٤ العلاقة التاسعة : [اعتبار ما كان عليه]: تسمية الشىء باعتبار ما كان عليه كتسمية المعتق عبداً والآدمي مضغة ، وقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [سورة النساء/٦] إذ لا يتم بعد البلوغ، وقيل: إن هذا القسم حقيقة ، ومأخذ الخلاف أن الضارب الحقيقي هل هو من اتصف بإيجاد الضرب أو من هو آخذ في إيجاده ؟ وقد سبقت في مباحث الاشتقاق على أن القائل بكونه حقيقة لم يرد تحقيق المعنى عند الإطلاق ، أما إذا أريد جعله ضاربا بعد ضربه بتخيل ضرب عند الإطلاق، فهو مجاز قطعا . واعلم أن شرط هذه العلاقة أن لا يكون متلبسا الآن بضده فلا يقال للشيخ : إنه طفل باعتبار ما كان ، ولا للثوب الأسود : إنه أبيض باعتبار ما كان ، ولهذا امتنع إطلاق الكافر على المسلم لكفر تقدم عليه . العلاقة العاشرة : [اعتبار ما يؤول إليه]: تسمية الشىء باعتبار ما يؤول إليه، إما بالفعل كإطلاق الخمر على العنب ، أو بالقوة كإطلاق المسكر على الخمر إن بقيت . قيل : وشرطه أن يكون آيلا بنفسه ليخرج العبد ، فإنه لا يطلق عليه حر باعتبار ما يؤول إليه ، وفي ((تعليق الخلاف)) لإلكِيا الهراسي: إنما يسمى الشىء باعتبار ما يؤول إليه إذا كان المآل مقطوعا بوجوده كالقيامة لا بد منها ، والموت لا بد من نزوله ، فيبطل تأويل الحنفية : فنكاحها باطل على أنه سيبطل ، وللولى أن یرده ويفسخه . وذكر ابن يحيى في ((تعليقه)) نحوه، فقال: إذا كان المال مقطوعا به نحو ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [سورة الزمر/ ٣٠] أو غالبا لا نادراً كتأويل الحنفية. وهَهنا تنبيهات أُحَدهَا أن منهم من اکتفی عن هذه العلاقة بالسابعة أعنى بعلاقة الاستعداد وهو ظاهر تمثیل ابن الحاجب والإمام في ((المحصول)). ٢٠٥ والحق: تغايرهما ، لأن المستعد للشىء قد لا يؤول إليه، بل هو مستعد له ولغيره كما أن العصير قد لا يؤول إلى الخمرية، وإن كان مستعدا لها ولغيرها . الثاني : أن هذه والتي قبلها لا بد من تقييدهما، لأن إطلاق اسم الشىء باعتبار ما كان عليه أو بما سيؤول إليه تارة يقدر أن تلك الصفة لكونها كانت أو ستكون كأنها موجودة، ويتخيل ذلك فهذه استعارة، وهو من القسم المسمى بالمشابهة في الصفة ، وتارة لا يتخيل ذلك، بل يطلق ذلك الاسم لكونه كان أو سيكون من غير تخيل هذه الصفة موجودة ، وهو مراد الأصوليين . الثالث : أنه إذا وقع التعارض بين هذه العلاقة وبين التى قبلها أعنى باعتبار ما كان ، فالأولى أولى، لكونه وصفا بأمر محقق ، لأنه وصف بما وقع بخلاف هذه ، ولهذا اختلفوا في الأولى هل هي حقيقة ؟ واتفقوا في الثانية على أنه مجاز . وقال بعضهم : المعتبر في المجاز باعتبار ما كان حصول المعنى الحقيقي للمسمى المجازي في الزمان السابق على حالة اعتبار الحكم إلى زمان وقوع النسبة وفي المجاز باعتبار ما يؤول حصوله في الزمان اللاحق، ويمتنع فيهما حصوله في زمان اعتبار الحكم ، وإلا لكان المسمى من أفراد الموضوع له، فيكون اللفظ فيه حقيقة لا مجازا، ففي مثل: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [سورة النساء/٢] و ﴿أعصر خمرا﴾ [سورة يوسف/٣٦] وُضع الكلام على أن يكون حقيقة اليتم حاصلة لهم وقت إيتاء ٨٧/ب المال إياهم ، وحقيقة / الخمر حاصلة له حال العصير، فلو حصل المعنى الحقيقي في هذه الحال كما هو مقتضى وضع الكلام لم يكن اللفظ مجازا بل حقيقة، فيجب أن يكون الحصول في زمان سابق، ليكون مجازا باعتبار ما كان أولا حق ليكون مجازا باعتبار ما يؤول . هذا بالنسبة إلى الاسم ، وأما في الفعل إذا أطلق المستقبل وأريد به الماضي أو عسکه، فالمراد باللفظ نفس الفعل، وبالزمان زمان ما يدل عليه الفعل بهيئته، فإذا قلنا : يكتب مجازا عن كتب باعتبار ما كان بمعنى حصول المعنى الحقيقي للمسمى أو جوهر الحروف وهو الحدث حاصل(١) للمسمى في زمان سابق على (١) لعله: الحاصل. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٢٠٦ الزمان الذي هو مدلول الفعل أعني الحال والاستقبال ، إذ لو كان حاصلا له في ذلك الزمان لكان الفعل حقيقة لا مجازا ، وإذا قلنا: كتب زيد مجازا عن يكتب باعتبار ما يؤول إليه بمعنى حصول الفعل الحقيقي للمسمى أن الحدث حاصل له في زمان لاحق متأخر عن الزمان الماضي الذي يدل عليه الفعل بهيئته ، إذ لو كان حاصلا في الزمان الماضي لكان الفعل حقيقة لا مجازاً، والزمان الذي يحصل فيه المعنى الحقيقي المسمى في الصورتين مغاير للزمان الذي وضع لفظ الفعل له لحصول الحدث فيه ، وهذا فيه نظر ، فإنه ليس مدلوله المسمى المطلق عليه لفظ المجاز الذي هو لفظ الفعل وإنما المدلول المجازي هو الحدث المقارن بزمان سابق أو لاحق ، فالأحسن أن يقال: إن التعبير عن الماضي بالمضارع وعكسه من باب الاستعارة بتشبيه غير الحاصل بالحاصل في تحقيق وقوعه، وتشبيه الماضي بالحاضر في كونه نصْب العين ثم استعير لفظ أحدهما للآخر . العلاقة الحادية عشرة: المجاز بالزيادة: كقوله تعالى : ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/١١] وهل الزائد كاف أو مثل ؟ وجهان . حكاهما الماوردي وغيره . وقال الشيخ أبو إسحاق في ((الإرشاد)): هل المجاز الزائد عن الآية لا غير أو الكلمة التي وصلتها الزيادة ؟ وجهان. وسيأتي عن القاضي عبدالوهاب. والمشهور أن الكاف زائدة فقط، لأنها لو كانت أصلية للزم إثبات المثل ، وهو محال ، ورد بدعوى الأصالة ، وأن المراد نفي مثل المثل ، ويلزم من نفي مثل المثل نفي المثل ضرورة أنه مثل ، إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين . وقال بعضهم : تقدير الكلام ليس شيء كمثله ، فشىء اسم ليس، وهو المبتدأ وكمثله خبر، فالشىء الذي هو الموضوع قد نفي عنه المثل الذي هو المحمول ، فهو منفي عنه لا منفي، فيكون ثابتا، فلا يلزم أن تكون الذات المقدسة منفية، وإنما المنفي مثل مثلها، ولازمه نفي مثلها، وكل منهما منفي عنها . وقال إمام الحرمين في ((التلخيص))؛ قيل: إن الكاف زائدة ، أو المثل زائد قال: ونرى القاضي يميل إلى ذلك ويعده من المجاز . ٢٠٧ وقال القاضي عبدالوهاب في (الملخص)): قد اختلف في كيفية كون هذا مجازا ، فقال الجمهور : إن الكلمة تصير بالزيادة مجازا ، وقال قوم إن نفس الزيادة تكون مجازا دون جميع الكلمات ، لأن الكاف هي المستعملة في غير موضعها ، والمثل مستعمل في موضعه . قال : والصحيح الأول، لأن الحرف الواحد لا يفيد بنفسه، وما لا يفيد بنفسه لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز، وإنما يوصف بذلك الكلام المفيد، والكاف لا تفيد إلا بانضمامها إلى المثل ، فوجب أن تكون الجملة مجازا. انتهى . وقال العبدري في ((المستوفى))، وابن الحاج في ((تنكيته على المستصفى)): الزيادة ليست من أنواع المجاز بل فيها ضرب من التوكيد اللفظي ، فقوله تعالى : ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/١١] فيه مبالغة في نفي مثل المثل كأنه قيل: ليس مثل مثله شىء ، والمعنى ليس مثله ، والزيادة حقيقة . العلاقة الثانية عشرة : المجاز بالنقصان، كقوله تعالى ﴿إنما جراء الذين يحاربون الله﴾ [سورة المائدة/٣٣] أي: أهل الله . قال الإمام في ((التلخيص)): وهو مثال سديد، وقوله ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف/٨٢] فإن المراد أهلها ، ومنهم من لم يجعله مجازا ، وقال : لا نقول أقيمت القرية مقام أهلها، بل حذف من الخطاب ذكر الأهل لدلالة بقية الخطاب عليه ، والإضمار والحذف ليسا من المجاز، فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ، حكاه الإمام في ((التلخيص))، وابن القشيري في ((أصوله))، وقالا: ميل القاضي إلى أنه يسمى مجازا، قال: وهو الظاهر، والخلاف فيه سهل ، وكذا قال إلكِيا: الخلاف لفظي ، ولا خلاف في المعنى . وحاصل الخلاف : أن المضمر هل هو سبب التجوز أو محل التجوز ؟ وطريقة البيانيين تقتضي الثاني . قال المطرزي : وإنما يكون كل من الزيادة والنقصان مجازا إذا تغير بسببه حكم، وإن لم يتغير فلا، فلو قلت: زيد منطلق وعمرو، وحذفت الخبر لم يوصف بالمجاز، لأنه لم يؤد إلى تغيير حكم من أحكام ما بقي من الكلام . انتهى . ٢٠٨ والتمثيل بالآية مبني على أن المراد بالقرية الأبنية، وهي لا تسأل : وقيل إنها مشتركة بينها وبين الناس المجتمعين فيها ، وقيل : بل القرية حقيقة في الناس بدليل قوله : ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة﴾ [سورة الانبياء/ ١١] ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة﴾ [سورة الحج / ٤٨] ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾ [سورة القصص / ٥٨]، ولأنها مشتقة من القرّ وهو الجمع، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته ، ومنه القِرَى، وهي الضيافة لاجتماع الناس لها. وقيل : إنها من باب إطلاق المحل وإرادة الحال، لا من الحذف . وقيل : لامجاز أصلا ولا حذف، بل السؤال حقيقي لها، ويكون معجزة، لأنه في زمن النبوة. والصحيح من هذا كله: هو الأول ، وهو المنصوص للشافعي في كتاب ((الرسالة))، ونقله عن أهل العلم باللسان وجعل هذه الآية من الدال لفظه على باطنه دون ظاهره، فقال: قال الله تعالى وهو يحكى قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين، واسأل القرية التي كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾ [سورة يوسف /٨١ -٨٢] فهذه الآية في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير ، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم. اهـ كلامه. وقد أشكل على جماعة جعل الزيادة والنقصان من أنواع المجاز الإفرادي، لأن المجاز الإفرادي لفظ مستعمل في غير ما وضع له ، وجميع الألفاظ المذكورة في الآيتين مستعمل فيما وضع له ، فالقرية في القرية ، والسؤال في السؤال ، وكذا الآية الأخرى ، فلم يبق إلا المحذوف ، وهو الأصل ، والمحذوف مسكوت عنه لم يستعمل البتة، والزائد كذلك لم يستعمل في شيء ، وما لا يستعمل في شيء لا يكون حقيقة ولا مجازا ، فالأقرب أنه من مجاز التركيب لا الإفراد ، واختاره / ١/٨٨ الأصفهاني وجماعة ، لأن العرب وضعت السؤال لتركيب لفظة مع لفظة فيما يصلح للإجابة، فحيث ركبته مع مالا يصلح، فقد عدلت عن التركيب الأصلي إلى تركيب آخر، ولا معنى للمجاز المركب إلا هذا ، وكذلك حروف الزيادة وضعتها لتركبها مع معنى، فإذا ركبتها لامع معنى، فهو مجاز في التركيب . ٢٠٩ وأجيب بوجهین: أحدهما : أن المجاز في المذكور باعتبار أنه يغير حكم إعرابه، لأن القرية مع ذكر الأهل مجرورة، وعند حذفها منصوبة ، وكذلك مثل مجرورة بزيادة الكاف، وكان حكمه في الأصل النصب، فإنما وقع المجاز في الجر والنصب من الزيادة والنقصان، وقد صرح بذلك أهل البيان، وشرطوا في مجاز الحذف أن يتغير حكم إعراب الكلمة، فإن لم يتغير لم يكن مجازا، وإن كان ثم حذف، ومثاله : قوله تعالى: ﴿فقبضت قبضة من أثر الرسول﴾ [سورة طه / ٩٦] فإن المقدر من أثر فرس الرسول، فالمذكور هنا لم يتغير حكم إعرابه فلا يكون مجازا . الثاني: أن تعريف المجاز الإفرادي صادق عليه وإن لم يلحظ لك، لأن قوله : ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف/٨٢] موضوع لسؤالها مستعمل في سؤال أهلها، فكان مجازا، وليس هو مجازاً في التركيب، فإن مجاز التركيب مثل قولك: أنبت الربيع البقل لفظ مستعمل في موضوعه، فمقتضاه إسناد الإثبات إلى الربيع ، ولكنا علمنا بالعقل أنه ليس كذلك ، وإنما هو من الله ، فعلمنا أنه مجاز عقلي ، وليس المراد بالمجاز بالزيادة والنقصان أن اللفظة الزائدة وحدها أو الناقصة وحدها مجاز ، ولا نعنى بمجاز التركيب إلا إسناد الفعل إلى الفاعل ، وهو الذي يكون فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحا ، وإنما جاء المجاز من جهة العقل حتى لو فُرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازاً . العلاقة الثالثة عشرة : التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول أو الفاعل، فمن إطلاق المصدر على المفعول قوله تعالى : ﴿هذا خلق الله﴾ [سورة لقمان / ١١] أي : مخلوقه ، وقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشىء من علمه﴾ [سورة البقرة/ ٢٥٥] أي من معلومه ، فسمى المعلوم علما لما بين المعلوم والعلم من التعلق ، ولفظة ((من)) تقتضى أن العلم نفسه ليس مرادا فإنها للتبعيض ، وعلم الله لا يتبعض ، فتعين أن يكون التقدير من معلوماته ، وعكسه كقوله تعالى: ﴿حجابا مستورا﴾ [سورة الاسراء/ ٤٥] أي: ساترا ﴿إنه كان وعده مأتيا﴾ [سورة مريم/٦١] أي آتيا على قول ، ومن إطلاق المصدر على الفاعل رجل عدل وصوم أي عادل وصائم ، وعكسه كقولهم : قم قائما أي قياما واسكت ساكتا أي سكوتا . ٢١٠ العلاقة الرابعة عشرة: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كالمس على الجماع . العلاقة الخامسة عشر: عكسه، كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم﴾ [سورة الروم/ ٣٥] أي يدل ، والدلالة من لوازم الكلام. العلاقة السادسة عشرة: تسمية الحال باسم المحل،، كالغائط ، وقولهم : لافضّ فوك، أي : أسنانك ، وقوله : ﴿فليدع ناديه﴾ [سورة العلق / ١٧]. العلاقة السابعة عشرة: عكسه، كقوله: ﴿وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله﴾ [سورة آل عمران / ١٠٧] أي في الجنة، لأنها من محل رحمته ، وكإطلاق اللسان على الكلام كما في قوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم﴾ [سورة الروم/٢٢] وقوله: ﴿واجعل لي لسان صدق﴾ [سورة الشعراء/٨٤]، وقد اجتمع هذا والذي قبله في قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [سورة الأعراف/٣١]، فإن الزينة حالّةٌ في الثياب ، والمسجد محل الصلاة ، ففي الأول إطلاق الحال وإرادة المحل والثاني إطلاق المحل وإرادة الحال ، وهي الصلاة . العلاقة الثامنة عشرة: إطلاق المنكر وإرادة المعرف، مثل ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ [سورة البقرة/٦٧] عند من يقول كانت معينة . العلاقة التاسعة عشرة: عكسه، مثل ﴿ادخلوا الباب سجداً﴾ [سورة البقرة/٥٨] عند من زعم أن المأمور به دخول أي باب كان . العلاقة العشرون: إطلاق المعرف باللام وإرادة الجنس، نحو الرجل خير من المرأة . العلاقة الحادية والعشرون: إطلاق النكرة وإرادة الجنس، كقوله تعالى: ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ [سورة الانفطار/ ٥] وقوله ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [سورة النساء/٦٩] عندمن لم يجعله اسم جنس كالصفة . العلاقة الثانية والعشرون: إطلاق اسم المقيد على المطلق، كقول القاضي تشريح أصبحت ونصف الناس عليَّ غضبان، فإنه أراد بالنصف البعض . العلاقة الثالثة والعشرون: عكسه، كقوله تعالى : ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [سورة المجادلة/٣] عند من يقول رقبة مؤمنة . ٢١١ قال الأصفهاني : وليس لقائل أن يقول : إطلاق اسم المطلق على المقيد من باب إطلاق العام على الخاص ، لأن العام هو الكل ، والخاص هو المطلق والمقيد بالعكس من ذلك، ضرورة أن المطلق جزء من المقيد. ا هـ . وهذا سهو منه بل هو داخل في إطلاق الخاص وإرادة العام الذي أراد به الإمام إطلاق الجزء وإرادة الكل . العلاقة الرابعة والعشرون: تسمية البدل باسم المبدل منه، كتسمية الدية بالدم في قولهم : أكل فلان دم فلان أي: ديته . العلاقة الخامسة والعشرون: عكسه، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى : ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ [سورة النساء/١٠٣] أي أديتم ، هذا جملة ما ذكره الأصوليون . العلاقة السادسة والعشرون: القلب، كقولهم: خرق الثوب المسمار ، ومنه قوله تعالى: ﴿ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة﴾ [سورة القصص/٧٦] عى أحد القولين. العلاقة السابعة والعشرون: التشبيه، كقوله تعالى: ﴿كسراب بقيعة﴾ [سورة النور/٣٩]كذا قاله بعض المغاربة النحاة وتبعهم صاحب ((الارتشاف)). والحق: أن التشبيه حقيقة لا مجاز . العلاقة الثامنة والعشرون: قلب التشبيه، كقوله : يكون مزاجها عسلا وماء . العلاقة التاسعة والعشرون: الكناية، كقوله تعالى : ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ [سورة المائدة/ ٧٥] وفي هذا أيضا نزاع . العلاقة الثلاثون: التعريض، كقوله تعالى : قال : ﴿يا قوم ليس بي سفاهة ﴾ [سورة الاعراف /٦٧]. العلاقة الحادية والثلاثون: الانقطاع من الجنس، كقوله تعالى: ﴿إلا إبليس﴾ [سورة البقرة/ ٣٤]. العلاقة الثانية والثلاثون: ورود المدح في صورة الذم وعكسه، كقوله تعالى: ﴿ذق ٢١٢ إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [سورة الدخان/٤٩] وقالوا: ما أشعره قاتله الله، وأخزاه الله ما أفصحه . العلاقة الثالثة والثلاثون : ورود الأمر بصيغة الخبر وعكسه، كقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [سورة البقرة/٢٣٣] وقوله ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [سورة مريم/٣٨] . العلاقة الرابعة والثلاثون : ورود الواجب أو المحال في صورة الممكن، كقوله تعالى : ﴿عسى أن يبعثك ربك﴾ [سورة الاسراء/٧٩]. وقول امرىء القيس : لعل منايانا تحوَّلن أبؤسَا العلاقة الخامسة والثلاثون : التقدم والتأخر، كقوله تعالى : ﴿والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾ [سورة الأعلى/٥٤] والغثاء ما احتمله السيل من الحشيش، والأحوى الشديد الخضرة من النعمة . العلاقة السادسة والثلاثون : إضافة الشىء إلى ماليس له ، كقوله تعالى : ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سورة سبأ/٣٣]. العلاقة السابعة والثلاثون: الإخبار عن الشيء ووصفه لغيره، كقولهم: / ٨٨/ب نهاره صائم، وليله قائم . العلاقة الثامنة والثلاثون : تجاهل العارف ، وتجنّب السَّكَّاكي هذه العبارة لوقوعه في التنزيل ، وسماه سياق المعلوم مساق المجهول ، كقوله تعالى حاكيا عن الرسل : ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سورة سبأ/٢٤] ذكر هذه الثلاثة عشر الأخيرة أبو إسحاق النهاوى من النحويين في ((شرح الجمل))، وإنما لم يتعرض له الأصوليون ، لأن المجاز فيها في التركيب لا في الإفراد ، فاعلم ذلك فقد غلط من ساق الجميع مساقاً واحداً . ٢١٣ مَسألَة [ يقع المجَاز في المفردات وَالتركيبْ] المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ أو في تركيبها ، فالأول كإطلاق الأسد على الشجاع ، وهو الذي تكلم فيه الأصولي ، ويسمى لغويا ولفظيا ، وأنكره الأستاذ أبو إسحاق ومن معه كما سبق . والثاني: حيث تكون المفردات حقائق ، إنما وقع التجوز باعتبار الإسناد ، فإن أسند إلى ما ليس بمسند له في نفس الأمر كسَبَّ زَيد أباه إذا كان سببا له(١)، ومنه قوله تعالى : ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ [سورة الأعراف/ ٢٧] وهو الذي يتكلم البيانيون فيه، ويسمى عقليا وحكميا ، فإذا وصفنا المفرد بالمجاز كقولنا : اليد مجاز في النعمة كان حكما من طريق اللغة ، ومتى وصفنا الجملة بذلك كان مجازا من طريق المعقول . والكلام فيه من وجهات : [تعريف المجاز] : الأولى : في حدّه: اختلف فيه فقال عبد القاهر والسكاكي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم فيه بضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بواسطة الوضع . فخرج ((بالمفاد به)) خلاف ما عند المتكلم الحقيقة، و ((بضرب من التأويل)): الكذب . وبالأخير المجاز اللغوي ، وقال الزمخشري : إسناد الفعل إلى شىء يلتبس بالذي هو له في الحقيقة . الثانية : أن المجاز هل هو نفس اللفظ أو الإسناد ؟ فيه خلاف ينشأ من الحدَّين ، فعلى الأول هو الكلام ، وعلى الثاني هو الإسناد ، ولهذا صرح صاحب ((الكشاف)) بأنه الإسناد نفسه ، وهو ما نقله ابن الحاجب عن الشيخ عبد القاهر ، (١) أشار المصنف إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فیسب أمه» رواه البخاري . ٢١٤ لكن صرح الشيخ في مواضع من ((دلائل الإعجاز)) بأن المسمى بالمجاز الكلام لا الإسناد ، وعليه جرى السكاكى في ((المفتاح)) ولهذا يقول في جميع الباب: إسناد حقيقة وإسناد مجاز كما قال غيره، وهو الصواب، لأن المسمى حقيقة أو مجازا على هذا نقيسه بلا واسطة ، لاشتمال الإسناد على ما ينسب إليه العقل نفسه ، قيل : والخلاف في العبارة لا المعنى ، لأن الذي ينسبه إلى الكلام إنما يريد به الإسناد ، لأن الكلام يستلزم الإسناد الذي يوصف بالحقيقة والمجاز فلاستلزامه ذلك جاز الإطلاق ، ولا شك أن إطلاقهما على الإسناد أوضح . [وجود المجاز] : الثالثه : هل هو موجود أم لا؟ والجمهور من البيانيين على إثباته ووافقهم الإمام الرازي وغيره ، وأنكره السكاكي وابن الحاجب ، أما ابن الحاجب فقال : إنه حقيقة ، وإسناد السرور إلى الرؤية ليس بمجاز، لأنه يصح إسناده اليها بحكم العادة ، وإسناد الفعل إلى ما هو له عادة حقيقة ، والمجاز إنما هو في المفرد أي في الفعل . وأما السكاكي فقال : إنه راجع الى استعارة بالكناية ، فقولهم : أنبت الربيع البقل استعاره بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على قاعدة الاستعارة ، ونسبة الإنبات إليه قرينة الاستعارة، وهكذا يصنع في بقية الأمثلة. واحتج المنكر بأن المسند والمسند إليه إما أن يستعملا في موضوعهما فيكون الاستعمال حقيقيا ، أو يستعمل أحدهما في غير موضوعه فالإسناد للمعنى لا للفظ، فاللفظ مجاز والإسناد حقيقة، وإسناد مدلول المجاز لمدلول المجاز أو لمدلول الحقيقة حقيقة . مثاله : أحياني اكتحالي بطلعتك . فالإحياء مجاز أو عن السرور والاكتحال مجاز عن الرؤية ، وإسناد السرور إلى الرؤية حقيقة ، فالإسناد دائما للمعنى ، والمعنى نسبة شىء لشىء فلا يختلف . وأجاب القَرَافي عن هذا بوجهين : أحدهما: أنا في مجاز التركيب لا نلاحظ المعنى أصلا، بل مجرد اللفظ هل وضع ليركب مع هذا اللفظ أولا ؟ فما وضع ليركب لا مع اللفظ فهو مجاز في التركيب . ٢١٥ ثانيهما : أن السؤال مغالطة لأنا ادعينا أن تركب لفظ الإحياء مع لفظ الاكتحال مجاز في التركيب، وأنتم أثبتم تركيب لفظ السرور مع الرؤية، وهو غير محل النزاع. اهـ . قيل: وهما(١) فاسدان ، أما قوله في مجاز التركيب لا نلاحظ المعنى فممنوع ، وأي مجاز لا يلاحظ فيه المعنى؟ وكيف يتصور ذلك والمجاز بنوعيه شرطه العلاقة ، وهي معنى؟ وأما الثاني: فنقول : أي فرق بين تركيب لفظ الإحياء والاكتحال ، ولفظ السرور والرؤية ؟ وكل ما ثبت للشىء ثبت لمساوية والإحياء والإكتحال بالمعنى المجازي مساويان للسرور والرؤية. وممن أنكر مجاز التركيب ابن الحاجب في ((مختصره الكبير)) و((أماليه)) واستبعده في ((الصغير)) ورد على عبدالقاهر في قوله في نحو: أحياني اكتحالي بطلعتك أن المجاز في الإسناد . قال ما معناه: لأن المجاز والحقيقة معتوران شيئاً بحسب جهتين مختلفتین کالأسد يكون حقيقة ومجازا باعتبار الحيوان المفترس والرجل الشجاع، وأما إسناد الإحياء إلى الاكتحال، فليس له إلا جهة واحدة وهي الله تعالى وحده ، فلا يتصور أن يقع من غيره فلا يكون مجازا في التركيب ، ولعبد القاهر أن يقول ، نظير الأسد إن أخذت الإحياء مسنداً إلى شىء فهو حينئذ له جهتان: جهة يسند فيها إلى ما هو له، وجهة ینسب إلى غير ما هو له، وإن أخذت الإحياء، يقيد إسناده إلى الاكتحال، فنظيره الأسد بقيد إرادة الرجل الشجاع، ليس له إلا جهة واحدة. وقال بعض الأئمة في قول من قال : إن المجاز في التركيب مثل أحياني اكتحالي بطلعتك : فيه نظر ، لأنك إذا رددت المفردات إلى ما هي مجاز عنه لم يبق في التركيب مجاز، وذلك يدل على أن المجاز في المفردات . وطريق ردها إلى ما هي مجاز عنه أن أحياني مجاز عن سرَّنى ، واكتحالي مجاز عن رؤيتى ، وطلعتك مجاز عن وجهك ، وإنما يكون المجاز في التركيب في مثل قول القائل : أحيى الأرض شبابُ الزمان ، لأنك وإن رددت المفردات إلى ما هي عنه بقى المجاز في الإسناد لأن إحياءها في الحقيقة إنما هو من الله تعالى. (١) أي: الوجهان اللذان أجاب بهما القرافي كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٢١٦ قلت : وينبغي أن يكون هذا الخلاف ليس في جوازه ولا في وقوعه بدليل الأمثلة ، وإنما الخلاف / في كونه عقليا أو لغويا ، أي : في أن القول في هذا ١/٨٩ المجاز هل هو حكم عقلي أو لفظ وضعي ؟ وسنذكره، وقد عكس أبو المطرف بن عميرة في كتاب ((الشبهات)) قول ابن الحاجب ، وقال : المجاز قطّ لا يكون إلا في التركيب ولا يكون في المفرد. نعم ، عند التعليم بالمثال قد يجاء باللفظ المفرد فيقال، كما يقال للشجاع : هو أسد ، وللبليد : هو حمار ، والنحوي يقول : إعراب الفاعل الرفع والمفعول النصب ، كما يقول: زيد إذا جعلته فاعلا ، وزيدا إذا جعلته مفعولا ، فكان يلزم على هذا إذا قيل : ضرب زيد عمرا أن يقال في الإعراب الإفرادي ، وفي هذا التركيبي أو الإسنادي ، والإعراب حقيقة إنما هو في هذا ، وانظر أمثلتهم في الإسنادي وفي الإفرادي تجدها واحدة . [المجاز التركيبي عقلي عند الجمهور] : الرابعة : إذا أثبتنا المجاز التركيبي ، فهل هو لغوي أم عقلي ؟ والجمهور على أنه عقلي ولم يسموه مجازا لكونه وضع لمعنى ، ثم استعمل في غيره ، لئلا يلزم أن يكون له جهتان جهة الحقيقة وجهة المجاز كما في المجاز المفرد ، وذلك لأن صيغ الأفعال فيه مستعملة في موضوعاتها اللغوية ، وكذا صيغ الفاعل فلا مجاز فيه إلا في نسبة تلك الأفعال إلى أولئك الفاعلين ، وهو أمر عقلي لا وضعي ، وكذلك لا نسميه مجازاً لغويا لعدم رجوعه إلى الوضع بخلاف المجاز في المفرد فإنه عبارة عن استعمال اللفظ في غير موضوعه فهو مستلزم للجهتين جهة الحقيقة وجهة المجاز ، وأيضا فإن واضع اللغة لا صنع له بعد وضع المفرد لا يسند إليه، بل يكل ذلك إلى خبرة المتكلم، ألا ترى أن إسناد الوشي إلى الربيع لا القادر في قولك : خيط أحسن من وشي الربيع ليس مستفادا من اللغة؟ وقيل : بل هو لغوي ، لأن واضع اللغة وضع المفرد ليركبه مع ما يناسبه ، كما صرح به الإمام الرازي وغيره ، والمناسبة معلومة بطرقها ، وحجر أيضا في التقديم والتأخير، والحذف والذكر ، إلى غير ذلك فهو مجاز عقلي لغوي . واعلم أن هذا الخلاف يتوقف على أمرين : أحدهما : أن العرب هل وضعت المركبات أولا ؟ وفيه خلاف . ٢١٧ الثاني : في مدلول نسبة الأفعال إلى فاعلها ، فنقول : الفعل تارة يراد به وقوعه من فاعله حقيقة أو قدرة الفاعل ، كقولنا : خلق الله زيداً ، وكذلك كل فعل نسب إلى الله ، وتارة يراد به وقوعه من فاعله حكما كقولنا : قام زيد، فإن الله تعالى هو الفاعل ، ولكن القيام منسوب فعله لزيد حكما ، وتارة يراد مجرد اتصافه به كقولنا : مرض زيد ونحوه مما لا تسبب فيه ، كبرَدَ الماء ، وكل هذه الأقسام الإسناد فيها حقيقي ، لأن العرب وضعت لها ، ولم تقتصر على الإسناد إلى الموجد ، والإسناد لغير الموجد لا ينافي الحقيقة، إذ لا معنى للحقيقة إلا ما وضعت العرب بإزائه ، والعرب تقصد النسبة لهذه الأمور حقيقة بدليل تبادر الذهن إلى الإسناد من غير الموجد ، إنما المجاز التركيبي النسبة لغير هذه الأقسام ، ومعنى نسبة الشىء لغير فاعله لا حقيقة ولا حكما ولا بمعنى اتصافه به بالكلية كأنبت الربيع البقل ، فإن الربيع ليس بمنبت حقيقة ولا حكما، ولا متصف بذلك في وضع العرب . إذا تقررهذا فنقول: إن فرعنا على مذهب الجمهور من أن المركبات موضوعة فالمجاز في التركيب لغوي ، لأنه إسناد لغير موضوعه ، وإن قلنا : ليست موضوعة فالإسناد كله عقلي لا مدخل للغة فيه ، فمن هنا جاء الخلاف في أن المجاز التركيبي عقلي لا لغوي . مَسألَة [المجَاز قديكون بالأصَالَة أو التبعيَة] المجاز الواقع في الكلام قد يكون بالأصالة وقد يكون بالتبعية ، والأول لا يدخل في أربعة أشياء : [الحروف] أحدها : الحرف ، لأن مفهومه غير مستقل بنفسه ، قال الإمام : فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة ، وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد ، وخالفه النقشواني مدعيا أن الحروف لها مسمى في الجملة ، وقد استعمل في موضوعه ٢١٨ فيكون حقيقة سواء كان الاستعمال عند ضمه إلى غيره أو عند عدم الضم ، فإذا استعمل في غير موضوعه لعلاقة كان مجازاً من غير تفاوت ، ومثاله قوله تعالى : ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [سورة طه/٧١] فإن الصلب مستعمل في موضوعه الأصلي وكذلك جذوع النخل ، ولم يقع المجاز إلا في حرف ((في)) فإنها للظرفية في الأصل ، وقد استعملت هنا لغير الظرفية(١) قال: لو لم يدخل المجاز في الحرف بالذات لما دخلت فيه الحقيقة ، وأطال في ذلك ، وكذلك أطلق الشيخ عزالدين في كتاب (المجاز)) دخوله في الحروف . ومذهب نحاة الكوفة أنه يجوز نيابة بعض الحروف عن بعض ، وخالفهم البصريون ، وجعلوا ذلك على طريق التضمين ، وهو لا يخرج عن المجاز . [الأفعال والمشتقات] الثاني : الأفعال والمشتقات، لأنهما يتبعان أصولهما وأصل كل منهما المصدر ، فإن كانا حقيقة كانا كذلك ، وإلا فلا، قاله الإمام ، وناقشه النقشواني أيضا . فقال : قولكم هنا: لا يدخل المجاز في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر يناقض قولكم : استعمال المشتق بعد زوال المشتق منه مجاز . وقال الأصفهاني كون المجاز لا يدخل في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر مفرع على قولنا : الفعل مشتق من المصدر . قال : وقد يدخل المجاز في الأفعال فإن الماضي يستعمل في المستقبل ، كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [سورة النحل/١] وعكسه نحو إن قام عمرو، وهذا مجاز في الماضي مع عدم دخوله في المصدر . قلت : وكذا استعمال ظن بمعنى تيقن في قوله تعالى: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ [سورة الحاقة / ٢٠] وعلم بمعنى ظن في قوله: ﴿فإن علمتوهن مؤمنات﴾ [سورة الممتحنة/١٠] ومن مثله قول أبي الطيب : إن الكريم إذا أقام ببلدة سال النضارُ بها وسال الماء قال الواحدي : أي سال الذهب إلى أن ملأ البطاح والبراري والأودية إلى أن ملأ الأنهر فمنع الماء من أن يستقر . (١) وهو الاستعلاء. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . ٢١٩ ٨٩/ب وينبني على تصور المجاز في الأفعال أنا لو جمعنا اسمين بفعل نحو ضرب زيد وعمرو، هل يجوز مع إرادة ((يضرب)) الإيلام والسفر أم لا ؟ [الأسماء العامة] الثالث : الأسماء العامة التي تستغرق كل / مسمى بأصل الوضع نحو المعلوم والمجهول والمعلول والمدلول، فإنه في أي شىء استعمل كان حقيقة فيه، واستحال أن يكون مجازا فلا يقبل المجاز ، إذ جميع المسميات دلت عليها حقيقة، فكيف يتجوز بها إلى غير مدلولها الأصلي ؟ ذكره القاضي وابن فُورَك وغيرهما . [العلم] الرابع: العلم لأن الأعلام لم تنقل لعلاقة. كذا أطلقه صاحب ((المعتمد)) والإمام في ((المحصول)). وتحقيقه: أن المجاز يدخل في كل اسم أفاد معنى في المنقول إليه غير المعنى الذي أفاده في الاسم المنقول منه ، وذلك كقولنا : البحر حقيقة في الماء الكثير ثم نقلناه إلى العَالِم لكثرة علمه ، فأفادنا في حقيقته كثرة الماء ، وفي مجازه كثرة العلم ، وكذلك ما أشبهه، فأما زيد وعمرو ونحوهما من الأعلام، فإنها موضوعة للفرق بين الأعيان والأجسام وذلك حقيقة ، فلو استعملنا اسم زيد في غيره مما لا يسمى زيدا لم يفدنا ذلك غير ذلك المعنى الذي أفاده في حقيقته ، وهو الفرق بين الأجسام والأعيان فلم يتصور دخول المجاز فيها ، وقيده الصفي الهندي في ((النهاية)) بالأعلام المنقولة، وكذا قال الجاربردي: الذي يدور في خلدي أن المراد الأعلام المنقولة والتحقيق أنه لا فرق بين المنقولة والمرتجلة لما ذكرنا ، ولأن الأعلام الموضوعة بوضع أهل اللغة حقائق لغوية كأسماء الأجناس ، وقد قال غيرهما : سواء كان العلم مرتجلا أو منقولا لغير علاقة ، فإن نقل لعلاقة كمن سمى ولده بالمبارك لما ظنه فيه من البركة فكذلك بدليل صدقه عليه مع زاولها (١). وصار ابن فُورَك إلى أنها حقائق عرفية فقال في ((كتابه)): وجملة أسماء الألقاب منقولة عن أصولها وموضوعها إلى غيرهما على طريق الاصطلاح ليجعلوها بهذه الأسماء أخص بها وأشهر من غيرها حتى إذا ذكر به لم يدل إلا عليه . قال : وكذلك قال سيبويه : (١) أي: زوال البركة، كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . ٢٢٠