النص المفهرس
صفحات 161-180
فقال : واختلفوا في مسألة الإيمان، هل نقلت الشريعة أسماء اللغة عن موضوعاتها إلى غيرها ؟ فمنهم من قال: إنها نقلت ، وإن من ذلك الإيمان ، فإنه لغة التصديق ، وإنما قيل في الشريعة للطاعات كلها إيمان، وذلك شرعي لا لغوي ، وكذلك الصلاة والزكاة والحج والوضوء، فجميعه منقول عن اللغة . وقال أبو الحسن الأشعري: إن الأسماء كلها لغوية ، وأنه لم ينقل منها شىء عن موضوع اللغة ، وأن لا إيمان إلا بتصديق ، وأن لا تصديق إلا بإيمان ، وقال : إن الصلاة لغة : الدعاء ، والحج : القصد ، والزكاة : النماء ، والوضوء: النظافة ، ولكن الشرع أتى بفعلها على وجه دون وجه . وفرق أبو الحسن بين الإيمان والإسلام ، فقال : كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا ، وقال : إن الإسلام هو الاستسلام والانقياد والمتابعة لله في طاعاته والإيمان به ، وهو الاستسلام له بالتصديق بالقلب ، وقال : إن المنافق مسلم غير مؤمن ، لأنه مستسلم في الظاهر غير مصدق في الباطن ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [سورة الحجرات/١٤] ففرق بين الإسلام والإيمان. اهـ . [النافون للحقيقة] ثم اختلف النافون على مذهبين : أحدهما : أنها مقرة على حقائق اللغات، لم تنقل ولم يزد في معناها ، ونقله إمام الحرمين وابن السَّمْعاني عن القاضي أبي بكر . والثاني : أنها أقرت وزيد في معناها في الشرع ، ونقلاه عن طائفة من الفقهاء . قلت : وهو ما نصه ابن فُورَك في كتابه ، فقال : وليس ذلك بنقل الاسم عن اللغة إلى الشرع ، وإنما هو إبانة موضع ما أريد بإيقاعه فيه ، فالصلاة في اللغة : من معانيها الدعاء ، ولم يخرج بالشرع عن معناه، بل أتى بوضعه الذي جعل فيه ، فقيل: لدعوا على صفة كذا، ولا يتغير معنى الاسم بذلك. اهـ . ١٦١ ويخرج من أدلتهم مذهب ثالث : وهو التفصيل بين أن يتعلق بالاسم فرض فلا يجوز نقله عن معناه ، لأن النقل يؤدي إلى تغيير الأحكام وبين أن لا ، فلا يمتنع ، وقد سبق نقله صريحا في الحقيقة العرفية ، ولا شك أن قائله يطرده هنا. المذهب الثاني : أنها واقعة، وهو قول الجمهور من الفقهاء والمعتزلة كما قاله أبو الحسين في ((المعتمد))، وحكاه ابن برهان وابن السمعاني عن أكثر المتكلمين والفقهاء، وصححه، واختلف هؤلاء في كيفية وقوعها على مذهبين : أحدهما : أنها حقائق وضعها الشارع مبتكرة لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلا ، وليس للعرب فيها تصرف ، وهو مذهب المعتزلة . قالوا: وتارة يصادف الوضع الشرعي علاقة بينه وبين المعنى اللغوي، فيكون اتفاقيا غير ملتفت إليه ، وتارة لا يصادفه ، وقالوا : نقل الشارع هذه الألفاط من الصلاة والصيام وغيرهما من مسمياتها اللغوية ، وابتداء وضعها لهذه المعاني، فليست حقائق لغوية، ولا مجازات عنها . والثاني : أنها مأخوذة من الحقائق اللغوية على سبيل المجاز بأن يكون استعير لفظها للمدلول الشرعي لعلاقة، وهو اختيار الإمام في ((المحصول))، وهو في الحقيقة توسط بين المذهبين الأولين ، فإنه لم ير أن الشرع نقلها نقلا كليا ، فإن معاني اللغة لا تخلو منها ولا استعملها استعمالا كليا ، وإلا لتبادر الذهن إلى حقائقها اللغوية فلم يستعملها في حقيقتها اللغوية، بل في مجازها اللغوى ، فإن العرب كانوا يتكلمون بالحقيقة كما يتكلمون بالمجاز ، ومن مجازها : تسمية الشيء باسم أجزائه ، والصلاة كذلك ، فإن الدعاء جزء منها، بل هو المقصود منها ، قال : فلم يخرج استعماله عن وضع اللغة . وقد قال ابن السمعاني في ذيل المسألة : وهو ممن صحح الوقوع ردا على من قال من أصحابنا : إنها مجازات شرعية ، ثم قال: والأصح : أنها حقائق شرعية ، ثم حقق، وقال : ويجوز أن يقال: هذه الأسماء حقائق شرعية فيها معنى اللغة ، لأن الصلاة لا تخلو عن الدعاء في أغلب الأحوال ، والأخرس نادر ، ولأنا لو اعتبرنا ذلك فقد يخلو في بعض المرضى عن معظم الأفعال، وبهذا اللفظ لا بأس به. اهـ. ١٦٢ وحاصله : أن الشارع تَجَوَّز، ووضع اللفظ بإزاء المعنى الشرعي وضعا حقيقيا . وقال الغزالي وإمام الحرمين : ثبت منها قصر التسمية على بعض مسمياتها ، فإن الصلاة لغة : الدعاء ، وقصره الشرع على دعاء مخصوص ، وثبت أيضا إطلاقها على الأفعال من السجود ونحوه توسعا واستعارة من الدعاء ، لأن الداعي خاضع ، فكذلك الساجد ، فالمثبت للنقل إن أراد القصر أو التجوز فلا معنى لإنكاره، وإن أراد غيره فباطل ، ونازعه المازَرى ، وقال القصر والتجوز لا تغيير فيه ، فإن العرب قد تقصر الشىء على غير ما وضعته له ، ويصير بغلبة الاستعمال حقيقة مهجورة كما في ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء /٢٣] لا يفهم منه إلا تحريم الوطء، وهو مجاز، وفيما قاله نظر ، لأنه كما يصح أن يقال : الزيادة على وضعهم تغيير، فكذلك النقص منه ، لتعديه إلى غيره . والتحقيق فيه : أن الموضوعات الشرعية مسميات لم تكن معهودة من قبل فلا بد من أسامي تعرف بها تلك المسميات ، وعند هذا لا بد من الجواب عن شبهة المعتزلة ، فإنهم يقولون : هذا وضع ابتداء من قبل الشارع ، ونحن نقول في الجواب : جعله عرفيا على مثال أهل العرف أولى لوجهين: أحدهما : أن الشارع يضع الشرعيات أبدا على وزن العرفيات حتى تكون الطباع أقبل عليها . الثاني : أن اللفظ أطلق وأمكن اعتباره على الوجه الذي ذكرناه، فوجب حمله عليه ، لأن الأصل هو التقرير ، وفيما قلناه تقرير من وجه ، وعند هذا يخرج الجواب عن استدلالهم بالآية والخبر ، لأن التعبير بالإيمان عن الصلاة وبالصلاة عن الإيمان، إنما كان لنوع تعلق بينهما ، لأن الصلاة دليل الإيمان ، والإيمان شرط صحة الصلاة ، وفي اللغة يجوز التعبير بأحد المتعلقين عن الآخر . ومن فوائد هذا الخلاف الثاني أنه هل يحتاج المعنى الشرعي إلى علاقة أم لا ؟ فعلى الأول لا يحتاج، وعلى الثاني نعم . قال الماوَرْدي في كتاب الصلاة من ((الحاوي)): والذي عليه جمهور أهل العلم ١٦٣ أن الشرع لاحظ فيها المعنى اللغوي . قلت: ونص، الشافعي في ((الأم)) صريح في أنها مجازات لغوية، قاله ابن ٨١/ب اللبان في ترتيب ((الأم)) / ثم اختلف المثبتون في وقوع الأسماء الشرعية أنه هل وقع النقل فيها مطلقا سواء تعلقت بأصول الدين كالإيمان أو فروعه أو إنما وقع في فروعه فقط ؟ فذهب المعتزلة إلى الأول إلا أنهم فرقوا بينهما في التسمية ، فخصوا اللفظ المتعلق بالفروع بالشرعي ، وبالأصول بالديني ، وذهب غيرهم إلى أن النقل إنما وقع في فروع الشريعة فقط ، وهو رأى جماعة كثيرة منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((شرح اللمع)) وابن الصباغ ، فعلم من هذا أن الفرعية محل وفاق ، وإنما الخلاف في الدينية ، ومنهم من عكس فحكى الخلاف في الشرعية والقطع بالمنع في الدينية ، وهو قضية كلام ابن السَّمْعاني، فإنه قال في ((القواطع)): وصورة الخلاف في الصلاة والزكاة والحج والعمرة ونحو ذلك ، والمشهور: الأول. والحاصل : أن من الناس من نفى النقل مطلقا في الدينية والشرعية كالقاضي ، ومن أثبته مطلقا كالمعتزلة، ومن فرق بين الدينية والشرعية، فأثبت الشرعية ونفى الدينية ، وهو المختار ، ولم يقل أحد بعكسه ، فالقاضي يقول : إنها مقرة على حقائقها في اللغة لم تنقل ولم يزد فيها ، وبعض الفقهاء كذلك زيد في الاعتداد بمدلولاتها أمور أخرى . والإمام الرازي يقول : إنها مقرة على مجازاتها اللغوية ، والمعتزلة يقولون : نقلت عن معانيها اللغوية نقلا بالكلية إلى معان أخرى شرعية من غير مراعاة النقل إلى المجاز اللغوي ، وإمام الحرمين والغزالي يقولان: استعملها الشارع مجازات ثم اشتهرت فصارت حقائق شرعية ، لغلبتها فيما نقلت إليه ، وهو قريب من مذهب الرازي ، ولهذا نقل الهندي عن هؤلاء الثلاث أنهم أثبتوا من المنقولات الشرعية ما كان لغويا كما في الحقائق العرفية دون ما ليس كذلك ، بأن كان منقولا عنها بالكلية ، وهو مخالف للقولين الأولين، أما الأول : فظاهر ، لأن القاضي نفى النقل جملة ، وأما مذهب المعتزلة فإنهم لم يشترطوا في النقل أن يكون المنقول إليه مجازا لغويا . ١٦٤ وقال ابن برهان : عندنا أن هذه الألفاظ مجازات بالنسبة إلى وضع اللغة، فإنه أفيد بها مالم يوضع له ، وهي حقائق بالنسبة إلى وضع الشرع، فإنه لم يضعها إلا لتلك المعاني ، ويجوز أن يكون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا باعتبارين . وتوقف الآمدي في المسألة فلم يختر شيئاً . تنبيهان [التنبيه] الأول هذا الخلاف يضمحل إذا حقق الأمر وذلك أنهم اتفقوا على أن هذه الأسماء يستفاد منها في الشرع زيادة على أصل وضع اللغة لكن اختلفوا هل ذلك المعنى يصير تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع، أوهي مبقاة على الشرع، أوهي مبقاة على الوضع اللغوي، والشرع إنما تصرف في شروطها وأحكامها؟ فهذا موضع الخلاف، وإذا قلنا بأن الشارع تصرف فيها، فذكر القاضي الحسين في كتاب الصيام من ((تعليقه)) كيفية ذلك، فقال: الأسماء التي نقلها الشارع من اللغة إلى الشرع على ثلاثة أقسام : أحدها : ما زاد فيه من كل وجه كالصلاة، فإنها في اللغة الدعاء، فأبقاها الشارع على معنى الدعاء ، وزاد القراءة والركوع والسجود . والثاني : ما نقص من كل وجه كالحج فانه في اللغة القصد ، وفي الشرع: القصد إلى بيته الحرام . الثالث : ما نقص فيه من وجه وزاد فيه من وجه كالصوم، فإنه في اللغة . الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص مع شروط والنية وغيرها . [التشبيه] الثاني إذا أثبتنا النقل فلا بد أن يتكلم الشارع بالاسم الشرعي، ونعني به المعنى الشرعي، ١٦٥ ونعلم أنه عنى ذلك ببيان متقدم، أو مقارن، إن منعنا تأخير البيان عن وقت الخطاب، أو بیان متأخر إن جوزناه . البحث الخامس في تبيين المراد بالديني والشرعي: قسمت المعتزلة اللفظ إلى ديني وشرعي ، فالأسماء الدينية ثلاثة : الإيمان والكفر والفسق ، وهي عندهم مستعملة في الشرع في غير المعنى اللغوي حقيقة وحجازا ، وغرضهم أن الشرع استعملها في غير ما استعملها الواضع اللغوي ، ولهذا أثبتوا الواسطة بين الإيمان والكفر . وأما الشرعية فهي عندهم أسماء لغوية نقلت في الشرع عن أصل وضعها إلى أحكام شرعية ، كالصلاة والحج والزكاة والصيام ، فزعموا أن هذه الأحكام إنما حدثت في الشرع ، نقلت إليها هذه الأسماء من اللغة . وما ذكرناه من تفسير الدينية صرح به القاضي في ((التقريب))، وإمام الحرمين في ((التلخيص)) و((البرهان)) وابن القشيري والغزالي وغيرهم. وفي ((المحصول)) عن المعتزلة : أن الشرعية تختص بأسماء الأفعال كالصلاة والزكاة، والدينية بأسماء الفاعلين كالمؤمن والفاسق ، وقضيته : أن كل ما كان من أسماء الأفعال داخل في الشرعي، فيدخل فيه الإيمان والكفر والفسق في الشرعية ، ويخرج عن الدينية وأن أسماء الفاعلين كلها دينية فيدخل فيه المصلي والمزكي ، وليس كذلك، بل هما تابعان للصلاة والزكاة فإنهما شرعيان، والإيمان والكفر أصل للمؤمن والكافر فهما من الدينية . والصواب : أن يقال: إنها عملية، وهي الشرعية ، أو اعتقادية وهي الدينية . البحث السادس : أن الشرعية تطلق على معنيين: ما في كلام الشارع، وما في كلام حملة الشرع من المتكلمين والفقهاء ، وهذا الخلاف إنما هو بالنسبة الى كلام الشارع ، وأما بالنسبة إلى المتشرعة فليست حقيقة شرعية بل عرفية ، وليست من محل النزاع في شيء ولم أر من نبه على الفصل بين المقامين غير القاضي عضد الدين رحمه الله . ١٦٦ البحث السابع: إن منهم من ترجم هذه المسألة بأن الحقيقة الشرعية هل هي واقعة أم لا؟ كما في ((المحصول))، ومنهم من ترجمها بالأسماء الشرعية كما عبر به ابن الحاجب في ((المنتهى))، والبيضاوي في ((منهاجه))، وهو الصواب، ليشمل كلا من الحقائق الشرعية والمجازات الشرعية، فإن البحث جار فيهما وفاقا وخلافا . البحث الثامن: قال الشيخ أبو إسحاق : هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال ، وقالت المعتزلة بمنزلة بين المنزلتين ، أي جعلوا الفسق منزلة متوسطة بين الكفر والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة التصديق ، والفاسق موحد ومصدق ، فقالوا: هذه حقيقة الإيمان في اللغة ، ونقل في الشرع إلى من يرتكب شيئا من المعاصي . / فمن ارتكب شيئا منها خرج عن الإيمان ، ولم يبلغ الكفر، ثم أجاز الشيخ أبو ١/٨٢ إسحاق أن الإيمان يبقى على موضوعه في اللغة ، وأن الألفاظ التي ذكرناها من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة ، قال : وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ ، وإنما يكون على حسب ما يقوم عليه الدليل . ونقل الإمام محمد بن نصر المرْوزي عن أبي عبيد أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معان أخرى قال : فما بال الإيمان ؟ وهذا يدل على تخصيص الخلاف بالإيمان، وهو الذي وقع فيه النزاع في ظهور الاعتزال . وقال ابن برهان : حرف المسألة أن القضاء بنقل الأسامي لا يفضي إلى تفسيق الصحابة ، ولا إلى خروج الفاسق إلى الإيمان ، وعندهم يفضي إلى ذلك . البحث التاسع: أن الخلاف في هذه المسألة تظهر فائدته في مسألتين: إحداهما وهو أصله أنه هل بين الإيمان والكفر واسطة وهو الفسق أم لا؟ فأهل السنة لا یتبتونه، وأثبتته المعتزلة قائلین بأن صاحب الکبیرة لیس بمؤمن ولا كافر، أما أنه ليس ١٦٧ بكافر فبالاجماع، وأما أنه ليس بمؤمن فلأن الإيمان فعل الواجب الذي منه كف النفس عن الشهوات، وقد أخل به فرأوا أن التعبير بالتسمية وقع من الشرع، وأنه أراد به معنى لم ترده العرب، وحملوا على ذلك ظواهر الأحاديث النافية للإيمان عن مرتكب الكبيرة، نحو: (لا يزني الزاني وهو مؤمن) وأنه لم يرد نفي التصديق. وأما الأشعرية فيأولونه على المستحيل وغيره ،ومنعوا كون الشرع غير اللغة، بل التصديق باق فيه ، وقالوا : صاحب الكبيرة مؤمن مطيع بإيمانه ، وكذا القول في الأسماء الفرعية ، كمن صلى بغير قراءة ، فمن رأى أنها باطلة قال : إنه ما أتى بما يسمى صلاة في اللغة، وقد قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [سورة البقرة/ ٤٣] ومن صححها قال : دعاء الشرع غير دعاء اللغة وكذا الباقي . واستكشل الإمام في ((المعالم)) على الشافعي أن القاعدة : أن الماهية المركبة تنتفي بانتفاء جزء من أجزائها ، ولا شك أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل واعتقاد، فينبغي إذا انتفى العمل أن ينتفي الإيمان. قال : وهو سؤال صعب ، ولأجله طردت المعتزلة مذهبهم فسلبوا الإيمان عنه . وقد ذكر هذه الشبهة الإمام محمد بن نصر المرْوزي في كتاب ((تعظيم قدر الصلاة)) وأجاب عنها : بأن للإيمان أصلا متى نقص عنه مثقال ذرة زال عنه اسم الإيمان، وقوله : ينقص لم يَزُل الاسم، ولكن يزداد بعد إيمانا إلى إيمانه، فإن نقصت الزيادة التي بعد الأصل لم ينقص الأصل الذي هو التصديق، وذلك كنخلة تامة ذات أغصان وورق، فكلما قطع منها غصن لم يزل عنها اسم الشجرة، وكانت دون ما بانت عليه من الكمال من غير أن يزول اسمها، وهي شجرة ناقصة بالنسبة لغيرها من استكمالها التامة . الفائدة الثانية إن هذه الأسماء إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن القرينة محتملة المعنى اللغوي والشرعي فعلى أيهما يحمل؟ فمن أثبت النقل قال: إنها محمولة على عرف الشارع، لأن ١٦٨ العادة أن كل متكلم يحمل لفظه على عرفه، وقياس قول القاضي حملها على المعنى اللغوي، لكن المنقول عن القاضي أنها مجملة، وهو مشكل على أصله هنا. قال الأبياري : قول القاضي : إنه مجمل يناقض مذهبه في حجة الأسماء الشرعية . اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها ، وإلا فالإجمال مع اتحاد جهة الدلالة محال ، أو يكون ذلك منه تفريعا على قول من يثبتها ، وهذا ضعيف فإنه من أين له الحكم عليهم ؟ فإنهم يسوون بين النسبة إلى المسميين . قلت : وبهذا الأخير صرح القاضي في ((التقريب)) فقال : فإن قيل : ما تقولون لوثبت أسماء شرعية هل تحمل على موجب اللغة أو الشرع ؟ قلنا : يجب الوقف ، لأنه لا يجوز أن يراد بها ما هو لها في اللغة ، ويجوز أن يراد ما هو في الشرع ، ويجوز أن يريد الأمرين، فيجب لتجويز ذلك الوقف حتى يدل دليل على المراد . وقال السهروردي : تردد القاضي بين نفي الكمال والصحة ليس لاعترافه باللغات الشرعية، بل لأنه يرى الإضمار ولا تعين لأحد الإضمارين . واعلم أن الشرعية تطلق على معنيين: ما في كلام الشارع، وما في كلام حملة الشرع من المتكلمين والفقهاء ، وهذا الخلاف المذكور في الشرعية، إنما هو بالنسبة إلى كلام الشارع، وأما بالنسبة إلى الشرعية فيحمل على المعنى الشرعي بلا خلاف، لأنها بالنسبة إليهم حقيقة عرفية لا حاجة لهم فيها إلى القرينة كما هو حكم الحقائق . وقال الماوَرْدي في ((الحاوي)) في أول كتاب الصلاة: اختلف أصحابنا في أن لفظ الصلاة وغيرها هل لا يعقل معناه إلا بالشرع، أو هو ظاهر قبل ورود البيان ؟ على وجهين. وبنوا عليهما أن اسم الصلاة هل جاء به الشرع كما جاء ببيان الحكم، أو كان معروفا عند أهل اللسان، والشرع اختص ببيان الأحكام ؟ فمن قال بالأول قال: إن الشرع أحدث الاسم كالحكم ، ومن قال بالثاني قال : إن الاسم مأخوذ من أهل اللغة والبيان من الشرع. وقال أيضا : اختلفوا في اسم الصلاة والزكاة هل جاء ببيان الشرع كما جاء ببيان الحكم، كان معروفا عند أهل اللسان، والشرع اختص ببيان الحكم ؟ على ثلاثة مذاهب: ١٦٩ أحدها : أنه أحدث الأسماء شرعا كالأحكام ، وهذا قول من زعم أن اسم الصلاة مجمل، فجعله مستحدثا بالشرع، لأن العرب لم تكن تعرفه على هذه الصفة . والثاني : أن الشرع مختص بورود الأحكام ، وإنما الأسماء مأخوذة من أهل اللغة ، لأن الأسماء لو وردت شرعا لصاروا مخاطبين بما ليس من لغتهم ، وهذا قول من قال : إنها ليست بمجملة . والثالث : وهو قول جمهور أهل العلم وكافة أهل اللغة: أنها أسماء قد كان لها في اللغة حقيقة ومجاز، فكان حقيقتها ما نقلها الشرع عنه ، ومجازها ما قررها الشرع عليه لوجود معنى من معاني الحقيقة ، فعلى هذا سميت صلاة لما تضمنت من الدعاء هو مسمى في اللغة صلاة . مَسألة كما زعم قوم أن بعض الأسماء استعمله الشرع في غير معناه في اللغة، زعم آخرون أنه ورد فيه كلمات ليست بصيغ عربية، وهي مسألة المعرَّب - بتشديد الراء وفتحها - ما أصله عجمي ثم عُرِّبَ، أي استعملته العرب على نحو استعمالها لكلامها، فقيل: ٨٢/ب معرّب متوسطا بين / العجمي والعربي، وهو عكس المجاز، لأنه استعمال المعنى بغير اللفظ الموضوع له في تلك اللغة، ولا خلاف في أنه واقع في اللغة، وفي وقوعه في القرآن خلاف مبني على إثبات الحقيقة الشرعية، فمن أثبتها وجعلها مجازات لغوية، لا يلزم من قوله أن یکون في القرآن غير عربي. وقال ابن القُشَيْري : ليس هذا الخلاف مع من يقول في الشريعة أسماء منقولة من اللغة إلى الشرع بل ذاك فنّ آخر ، وقد أثبته جماعة منهم ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم ، واختاره ابن الحاجب، ونفاه الأكثرون، منهم الإمام وأتباعه، والقاضي أبو بكر وأبو بكر القفال كما رأيته في كتابه، وأبو الوليد الباجي، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن السَّمْعاني وابن القُشَيْري قال : وعليه المحققون. قال ابن فارس في ((فقه اللغة)): وهو قول أهل العربية، وقال ابن برهان: وعزى إلى الشافعي . ١٧٠ قلت : نص عليه الشافعي في ((الرسالة)) في الباب الخامس، فقال : وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى له، فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجدنا قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليداً ، وتركا للمسألة له عن حجة، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم ، والله يغفر لنا ولهم. ا هـ . وقد نقله الشيخ أبو حامد الأسفراينى في ((تعليقه)) في أصول الفقه عن نص الشافعي في ((الرسالة))، ثم قال : الذي عليه الشافعي وعامة أهل العلم أن القرآن كله بلسان العرب، وليس فيه شيء غير العربي ، وهو قول المتكلمين بأسرهم ثم نصره . واعلم أن المثبتين له كبار، فيحتاج إلى تأويل كلامهم ، فقال الشافعي في ((الرسالة)): لعل قائله أراد أن فيه ما يجهل معناه بعض العرب، ولهذا قال عمر لما سمع فاكهة وأبًا : لا أدري ما الأبّ، وقال ابن عباس : ما كنت أدري معنى افتح بيننا حتى سمعت أعرابية تقول : تعال أفاتحك إلى القاضي . ولا يلزم من كونه غير معلوم لواحد أو اثنين أن لا يكون عربياً . وقال غيره : أراد أعجميا باعتبار أن أصل استعمالها في كلام العجم، فحولتها العرب إلى لغتهم ، وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريبه))، فنقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال : من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول ، ونقل عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم أن فيه من غير لسان العرب. مثل: ((سجيل)) ((ومشكاة)) و((اليم)) و((الطور)) و((أباريق)) و ((استبرق)) وغير ذلك. ثم قال: وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب ، وذهب هو إلى غيره ، وكلاهما مصيب إن شاء الله تعالى، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، "فعرّبتها فصار عربيا بتعريبها إياه ، فهى عربية في هذه الحال أعجمية الأصل، ١٧١ ١ فهذا القول يصدق القولين جميعا. اهـ . وقال ابن خروف النحوي : جميعها من كلام العرب ولم يختلف أحد من أرباب اللسان أن الأمر كذلك ، وأجمعوا على أنها أعجميات تلقتها العرب وعملت بها ، وإن كتاب الله ملآن من ذلك مثل: ((إبراهيم))، و ((إسحاق))، و((يعقوب))، و ((جبريل))، و ((يوسف))، و ((يونس))، وغير ذلك، وقد نص عليه سيبويه في مواضع من ((كتابه)) فيما لا ينصرف ، وفي النسب والأمثلة ، وأبو عبيدة وإن أنكر ذلك في القرآن فهو محجوج، فإنه مجمع معهم على أن كلام العرب ملآن من ذلك ، والأعلام أعجمية، ولا يمكن أن يكون في الكلام أعجمية، وفي القرآن عربية . وحاصله أن ما في القرآن من الألفاظ الأعجمية معربة فصيحة ، ولم يدع أحد أن في القرآن كلمة واحدة أعجمية لا تعربها العرب ، واستدلالهم بالأعلام ذكره ابن الحاجب وشيخه الأبياري ، ويرد عليهم بأنه ليس في محل الخلاف ، فإن الخلاف في غير الأعلام كاللجام والفرند(١). أما فيها فلا، ولهذا اتفقوا على منع صرف نحو إبراهيم للعجمية والعلمية . تنبيه قد سبق أنه لا خلاف في وقوع المعرب في اللغة ، وأطلقوا هذا إطلاقا ، وذكر حازم في ((منهاج البلغاء)) تقسيما حسنا ، فقال : إن كان اللفظ غير موجود في كلام العرب فلا يخلو من أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا ، فإن كان فعلا أو حرفا ، فلا يجوز إيقاعه ألبته فيما أجري من الكلام على قوانين العرب ومجاري كلامها ، وإن كان اسما فلا يخلو أن يكون لمسماه اسم في كلام العرب أولا ، فإن كان فلا يخولوا إما أن يكون الاسمان العربي والعجمي علمين على المسمى أو نكرتين؛ فإن كانا علمين جاز تعريب العجمي، وإن كانا نكرتين فلا يجوز استعمال غير العربي ، إذ لا يجوز لغير عربي أن يعرب غير الأعلام . (١) الفرند: وشي السيف، والفرند: السيف نفسه. لسان العرب. ١٧٢ وأعني بالتعريب : أن يستعمل فيما أجري من الكلام على قوانين كلام العرب بأن يلحقه لواحق الألفاظ العربية ، فأما إذا لم يكن للمسمى اسم في كلام العرب فجائز أن يستعمل الاسم الذي ليس بعربي في الدلالة على ذلك الشىء حيث يحتاج إلى ذكره سواء كان ذلك الاسم من وضع من لا يتكلم باللسان العربي على وجهه، أو كان واقعا في بعض ألسن العجم بعد أن يكون ذلك الاسم يعرفه أهل زمان من یرید استعماله، وسواء كان ذلك معرفة أو نكرة، وقد تقدم أن غیر العلم الذي ليس بعربي لا يجوز تعريبه مع وجدان البدل منه في كلام العرب، وإن كانت العرب قد عربت أسماء أعجمية نكرات، فذلك شيء مقصوه عليها، ولعلهم أيضا إنما عربوها، وليس في كلامهم ما يقوم مقامها، فيكون وجه تعريبهم إياها الوجه الذي استنسبوا معه للمحدث أن یعرب النکرة حیث لا يجد بدلاً منها. فأما العلم فسائغ للمحدث أن يستعمله فیما یعرب من كلامه وجد بدلا منه أم لا . فائدة قال الثعالبي في ((فقه اللغة)): فصل في ذكر أسماء قائمة في لغة العرب والفرس على لفظ واحد: ((التنور))، ((الحمير))، ((الرمان))، ((اللبن))، ((الدينار))، ((الدرهم)). فَصل في أسماء تفردت بها الفرس دون العرب واضطرت العرب إلى تعريبها أو تركها كما هي. فمنها من الأواني: ((الكوز))، ((الجرة))، ((الإبريق))، ((الطشت))، ((الخوان))، ((الطبق))، ((القصعة))، ((السكرجة)). ومن الملابس ((السمور))، ((السنجاب))، ((الخز))، ((الديباج))، ((السندس))، ((الناصح))، ((الراجح))، ومن الجواهر: ((الياقوت))، ((الفيروزج))، ((البلور)). ومن المأكولات: ((السميد))، ((الجردق))، ((الدرمك))، ((الكعك))، ((السكباج))، ((الزيرياج))، ((الطباهج))، ١٧٣ ((الجردان))، ((الزماورد))، ((الفالوذج))، ((اللوزينج))، ((الجوزينج))، ((السكنجيين))، ((الخلنجيين))، ومن الأقاوية والرياحين ((القرفة))، ((الدارصين))، ((الفلفل))، ١/٨٣ (الكراويا))، ((الزنجبل))، ((الخولنجان))، ((السوسن))، ((المركوش))، ((الياسمين))، ((الجلنار))، ((الكافور))، و((الصندل))، ((القرنفل)). مَسألة المعرب واقع في السنة أيضا ، ومنهم من نصب الخلاف فيه كابن القشيري وغيره ، وقد بوب البخاري في ((صحيحه)) باب من تكلم بالفارسية والرّطانة ، وأسند فيه عن أم خالد: أتيت النبي بي مع أبي، وعليّ قميص أصفر ، فقال النبيِ ﴿سَنَّهَ سَنَّهِ﴾. قال ابن المبارك: هي بالحبشية حسنة، وفي الصحيح أيضا ﴿وَيَكْثَر الهرج﴾ قيل: وما الهرج؟ قال: القتل. قال أبو موسى الأشعري: هي لغة الحبشة . فروع على جواز النقل : الأول : النقل خلاف الأصل بمعنى أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل وبقائه على الحقيقة اللغوية كان حمله على الحقيقة اللغوية أولى ، لأنه مختلف فيه ، والحقيقة اللغوية متفق عليها فيكون الأخذ بها أولى . الثاني : قد سبق انقسام الحقائق اللغوية المتباينة والمتواطئة والمترادفة والمشتركة والمشككة فهل هذه الأقسام في المنقولات الشرعية أم لا ؟ فنقول : أما المتباينة فلا شك فيها كالصلاة والصوم ، وكذلك المتواطئة كالصلاة بالنسبة إلى المفروضة والنافلة وصلاة القائم والقاعد ، والصوم بالنسبة إلى الفرص والنفل . وزعم الإمام الرازي والبيضاوي أن إطلاق الصلاة بالنسبة إلى المعنى المذكور وبالنسبة إلى الصلاة الأخرى وصلاة الجنازة والمومىء بالظهر ونحوه بالاشتراك اللفظي ، لأنه ليس بينهما أمر مشترك يمكن جعله مدلول اللفظ . قال الصفي الهندي: وهو ضعيف، فإن كون الفعل واقعاً بالتحرم والتحلل قدر مشترك بين تلك الصلوات فلم لا يجوز أن يكون مدلولها؟ ١٧٤ والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل إذ التواطؤ خير من الاشتراك. وذكر صاحب ((التحصيل)) نحوه. وأما المشتركة فالأشبه وقوعها أيضا فإن إطلاق الطهور على الماء والتراب وعلى ما يدفع به ليس اشتراكاً معنوياً إذ ليس بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون مدلول اللفظ كذا قال الهندي، وهو معترض بمثل ما إعترض به على الإمام في الصلاة. وأما المشككة: فالأظهر أنها واقعة أيضا، وهي كالفاسق بالنسبة إلى من فعل الكبيرة الواحدة ، وبالنسبة إلى من فعل الكبائر المتعددة ، فإن تناوله للثاني بطريق الأولى . وأما المترادف : فالأظهر وقوعه أيضا خلافا للرازي كالفرض والواجب عندنا والتزويج والإنكاح والمستحب والمندوب، هذا كله في نقل الأسماء، وهي أيضا على قسمين : أحدهما : ما وضعه بإزاء الماهيات الجعلية كالصلاة وأمثالها . والثاني: الأسماء المتصلة بالأفعال وهي ثمانية : المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل وأسماء الزمان والمكان. فاسم الفاعل كقوله : أنت طالق. واسم المفعول يستعمل في الطلاق والعتاق والوكالة ويقرب منه : أنت حرام، وأنت حر، وأنت علي كظهر أمي ، وأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله : أنت الطلاق وهل هو صريح أو كناية ؟ فيه خلاف ولا يبعد جريان مثله في العتق ، وفي الضمان ذكروا في صيغة : أنا ضامن وكفيل وقبيل ، وفي قبيل وجه . قال الرافعي : يطرد في الحميل . وأما الحروف فلم ينقل منها شىء، كذا قاله الإمام والبيضاوي وغيرهما . والحق : أنه كالأفعال في ذلك ، فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى الشرعية مستلزم لنقلها أيضا، وفي ((نعم)) بحث مبني على قاعدة أن السؤال هل هو كالمعاد في الجواب ؟ وأما الأفعال فلم يوجد بطريق الأصالة ، ويوجد بطريق التبعية لمصادرها ، فإن ١٧٥ كان المصدر شرعيا كالصلاة والزكاة كان الفعل الدال عليه شرعيا كصلى وزكى ، وإن كان لغويا كان الفعل أيضا لغويا كأكثر الأفعال . [أقسام الفعل] والفعل ينقسم إلى ماض وأمر ومضارع . فأما المضارع : فلم يستعمل في الشرع في شيء أصلا إلا في لفظة (أشهد)) في الشهادة، فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها ، وكذلك في اللعان سواء قلنا : إنه يمين أو شهادة ، أو فيه شائبه من أحدهما ، ويجوز في اليمين : أقسم بالله وأشهد ولا يتعين . وأما الماضي : فيعمل به في الإنشاءات كالعقود والطلاق . وأما فعل الأمر : فهي مسألة الإيجاب والاستيجاب في العقود والطلاق، فكذا يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح . الثالث : صيغ العقود كبعت وطلقت لا شك في كونها وضعت في اللغة للإخبار عن أمر ماض ، وأما في الشرع فقد يستعمل كذلك كما إذا صدر عن إنسان بيع أو طلاق أو غيرهما ، ثم قال : بعت أو طلقت ومراده الإخبار عما نص . وقد يستعمل لاستحداث أحكام لم تكن قبل ، فهل هي إخبارات والحالة هذه باقية على الأوضاع اللغوية ، أو إنشاءات بمعنى أن الشارع نقلها إلى الإنشاءات المخصوصة ؟ فيه قولان . والأكثرون منهم الرازي وأتباعه على الثاني، ونسب الأول للحنفية، وأنكره القاضي شمس الدين السروجي في ((الغاية))، وقال : المعروف عند أصحابنا أنها إنشاءات . قلت: وما قاله صاحب ((البديع)): انه الحق حينئذ، فلا خلاف بين الفريقين ، ولهذا أجمعوا على ثبوت أحكامها عند التلفظ بها ، وإنما اختلفوا هل يثبت مع آخر حرف من حروفها أوعقبه ، ونسب الأصفهاني في ((شرح المحصول)) القول بأنها إخبارات لاختيار أئمة النظر من الخلافيين . قالوا : وهو تفريع على القول بالنقل ١٧٦ الشرعي إما مطلقا كقول المعتزلة أو إلى مجازاتها اللغوية ، ولا يتأتى على رأي القاضي، وتحرير القول بالإخبار: أن معنى قولك: بعت، الإخبار عما في قلبك، فإن أصل البيع هو التراضي، ووضعت لفظة بعت للدلالة على الرضى، فكأنه أخبر بها عما في ضميره بتقدير وجودها قبيل اللفظ للضرورة ، وغاية ذلك أن يكون مجازا ، وهو أولى من النقل . والقائلون بأنها إنشاء قالوا : ليس معناه أنها نقلت عن معنى الإخبار بالكلية، ووضعت لإيقاع هذه الأمور ، بل معناه أنها صيغ يتوقف صحة مدلولاتها اللغوية على ثبوت هذه الأمور من جهة المتكلم ، فاعتبر الشرع إيقاعها من جهته بطريق الاقتضاء تصحيحاً لهذه الأمور من حيث إنها لم تكن تابعة ، ولهذا كان جعله إنشاء للضرورة حتى لو أمكن العمل بكونه إخباراً لم يجعل إنشاء بأن يقول للمطلقة والمنكوحة : إحداكما طالق ، لا يقع الطلاق إذا قال : قصدت الأجنبية . تنبيه كذا فرضوا الخلاف في العقود ويلتحق به الحلول كفسخت وطلقت ، فالطلاق / إنشاء لا يقوم الإقرار مقامه ، ولكن يؤاخذ ظاهرا بما أقربه، وبعضهم يجعل ٨٣/ب الإقرار بالطلاق على صيغته حتى ينفذ ظاهرا وباطنا ، وحكي وجه : أنه يصير إنشاء حتى ينفذ باطنا . قال إمام الحرمين: وهو متلبس فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان ، فذلك إخبار عن ماض ، وهذا إحداث في المستقبل ، وذلك يدخله الصدق والكذب ، وهذا بخلافه . ١٧٧ المجاز المجاز مشتق من الجواز، والجواز في الأماكن حقيقة وهو العبور ، يقال : جزت الدار أي عبرتها ، ويستعمل في المعاني ، ومنه الجواز العقلي . قال الإمام : وهو حقيقة في المصدر ، ونقل منه إلى الفاعل، وهو الجائز لما بينهما من العلاقة. ثم نقلٍ منه إلى المعنى المصطلح عليه، وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له أولاً يناسب المصطلح، وهذا التعريف إن قلنا: المجاز ليس بموضوع، فإن قلنا : موضوع ، فلنقل بوضع ثان . وخرج الحقيقة ، لأنها موضوعة ، وأشار بالقيد الآخر إلى شمول الحد كل مجاز من شرعي وعرفيّ عام وخاص ولغوي ، وأن العلاقة شرط ، ويجيء الخلاف السابق في أن انتقاله بهذا المعنى حقيقة أو مجاز . وكلام ابن سيده السابق يقتضى أن له استعمالا في اللغة . وقال أبو حيان التوحيدي في ((البصائر)): المجاز طريق المعنى بالقول ، تقول: جاز يجوز جوازا ومجازا ، وإن جعلته مصدرا من ذلك كان الجواز كالسلوك فكأنه سلوك المعنى باللفظ . وقال القاضي: يسمى مجازاً ، لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعا منهم، كتسمية الرجل الشجاع أسداً و البليد حمارا . ١٧٨ فصل اختلفوا في أن المجاز موضوع أم لا ؟ فقيل: موضوع كالحقيقة إلا أن الحقيقة بوضع أصلي ، والمجاز بوضع طار ، وقيل ليس بموضوع، بل الموضوع طريقه دون لفظه ، لأن في وضعهم الحقيقة غنية عن وضع المجاز، ولكن وضعوا الطريق توسعة للناس في الكلام ، وقيل : لم يضعوا لفظه ولا طريقه ، لأنه علة له ، ومتى كانت العلة موضوعة كان الحكم منصوصاً عليه ، كالعلة في الأحكام الشرعية إذا كانت منصوصة كان الحكم الثابت فيها منصوصاً فيفسد باب المجاز ، وهو خلاف إجماع أهل اللغة أن الكلام حقيقة ومجاز، لكن المجاز عرف بالتأمل في أشعارهم ، وهذا الخلاف حكاه صاحب ((الميزان)) من الحنفية . تنبيه الوضع في المجاز خلاف الوضع في الحقيقة، فإنه في الحقيقة تعلق اللفظ بإزاء المعنى الذي جعل اللفظ حقيقة له ، وأما الوضع في المجاز على الخلاف فيه ، فالمراد به كما قاله الأصفهاني في ((شرح المحصول)) : أن يكون نوع ذلك المجاز منقولا عن العرب استعماله فيه ، كاستعمالهم الكل في الجزء وعكسه ، هكذا جعل هذا الخلاف هو الخلاف الآتي في أنه هل يشترط النقل ؟ وفيه نظر كما سبق، وقيل: الخلاف فيه يلتفت على تفسير الوضع بأنه التعيين مطلقا ، أو التعيين الذي بنفسه بغير واسطة ، وقال بعضهم: هو موضوع لا بمعنى توقف الاستعمال بعد المناسبة بإذن الواضع، بل بمعنى أنه يتفرع على وضع الحقيقة ، ولهذا كان وضعا غير أولى . ١٧٩ مَسألة إذا قلنا : إنه موضوع انقسم كالحقيقة إلى ثلاثة أقسام؛ لغوي وشرعي وعرفي، فالشرعي والعرفي يجىء فيهما الخلاف السابق في الحقيقة الشرعية والعرفية . وأما اللغوي فالمجاز واقع في اللغة خلافا للأستاذ أبي إسحاق حيث قال: لا مجاز فيها، لأن الحقائق شملت جميع المسميات، فلا حاجة إلى التجوز . قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه ، وإن أراد أهل اللغة لم يسموه بذلك بل اسمه مع قرينة حقيقة فممنوع ، فإن كتبهم مشحونة بتلقيبه مجازا ، ولو صح كون المجموع حقيقة لم يقدح في تسميتهم الاسم بانفراده مجازا ، وقيل الخلاف لفظي ، إذ هو لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله، بل يشترط في ذلك القرينة، ويسميه حينئد حقيقة، ولكن ينكر تسميته مجازا. قاله إِلْكِيا الطبري . وقال الغزالي في ((المنخول)): لعل الأستاذ أراد أنه ليس بثابت ثبوت الحقيقة، ولا يظن بالأستاذ إنكار الاستعارات مع كثرتها ، ثم قال في باب التأويل: مَسألة قال الأستاذ أبو إسحاق: الظاهر هو المجاز، والنص هو الحقيقة، ورب مجاز هو نص، كقولنا: الخمر محرمة، والتحريم لا يتعلق بالخمر حقيقة، كقوله تعالى: ﴿والحافظات﴾ بعد قوله: ﴿والحافظين فروجهم﴾ [سورة الأحزاب/٣٥] مجاز في حفظ الفرج على الخصوص، وهو نص في مقصوده، فالوجه أن يقال: الظاهر ما يغلب على الظن فهم معنى منه. اهـ. فلينظر في مطابقة هذا النقل للمنقول منه هنا . ورأيت بخط ابن الصلاح في فوائد رحلته أن أبا القاسم بن كج حكى عن أبي على الفارسي إنكار المجاز كقول الأستاذ، وهو غريب، عكس مقالة تلميذه ابن جني، وفيه نظر ، فإن تلميذه أبا الفتح بن جني أعرف بمذهبه ، وقد نقل عنه في كتاب ((الخصائص)) عكس هذه المقالة : أن المجاز غالب اللغات كما هو مذهب ١٨٠ .