النص المفهرس

صفحات 141-160

راكبا وماشيا حنث . قال : تناول الحقيقة والمجاز . قال : لو قال : اليوم الذي
يدخل فلان الدار فعبده حر، فدخل ليلا ونهارا حنث .
وقالوا في ((السير الكبير)): لو أخذ الأمان لبنيه دخل بنوه وبنو بنيه، والظاهر من
مذهبنا في الأولى عدم الحنث ، لأنه لا قرينة على إرادة الأشهر فخالفنا القاعدة
لهذا، وفي الثانية موافقتهم، لأنه نقل الرافعي عن ((التتمة)) لو قال : أنت طالق
اليوم طلقت في الحال وإن كان بالليل . ويلغوا اليوم ، لأنه لم يعلق ، وإنما سمى
الوقت بغير اسمه ، وفي الثالثة عدم الدخول كما في الوقف على الأولاد، ولم يحكوا
بقية المذاهب السابقة في الحقيقتين ولا يبعد مجيئها .
وأما الحمل فالمنقول عن الشافعي الجواز طرداً لأصله هناك ، وأما القاضي أبو
بكر فسبق عنه هناك الإجمال، وأنه لا يحمل إلا بقرينة .
وأما ههنا فقال إمام الحرمين في ((البرهان)): وقد عظم نكير القاضي على من
يرى الحمل على الحقيقة والمجاز معا، وقال في تحقيق إنكاره : اللفظة إنما تكون
حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أصل اللسان ، وإنما تصير مجازا إذا تجوز
بها عن مقتضى الوضع ، ويحيل الجمع بين الحقيقة والمجاز محالة الجمع بين
النقيضين .
قلت : من هنا نقل عن القاضي أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته
ومجازه معا كما يلزم منه في الجمع بين النقيضين ، ولم يرد القاضي ذلك ، وقد صرح
في ((التقريب)) بجواز الإرادة ، وإنما الذي منعه الحمل عليهما.
قال الإمام : وقول القاضي هو جمع بين النقيضين يرجع إلى اشتقاق الحقيقة
والمجاز، وقال المازري في ((شرح التلقين)): استدرك بعض المحققين على القاضي
هذا ، وقال : إنما يمنع في حق من خطر بباله من المخلوقين في خطابه حقيقة
الحقيقة وحقيقة المجاز ، وأما إذا كان القصد إرسال اللفظة على جميع ما تطلق عليه
دون القصد إلى حقائق أو مجاز، فإن هذا يصح دعوى العموم فيه .
وحقق ابن القشيري مذهب القاضي ، فقال : واعلم أنه يجوز أن يطلق المطلق
لفظ اللمس، ويريد به الحقيقة والمجاز ، فيقول : اللمس ينقض الوضوء وهو
١٤١

یعنیهما ، وقد صرح بتجويزه في بعض كتبه .
قال القاضي : وفي هذا أصل يدق على الفهم ، وهو أن مطلق اللفظ لو خطر له
أن يستعمل اللفظ حقيقة ويستعمله مجازا لم يتصور الجمع بين المعنيين ، لأن
الحقيقة تقتضي قصرها ، والتجوز يقتضى تعديتها عن أصل وضعها ، وأما من أراد
باللفظ المسميين من غير تعرض الاستعمال حقيقة وتجوزاً ، فهذا هو الجائز .
قال ابن القُشَيْري: يعني بهذا أن اللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازا في شىء
واحد، حتى يكون الأسد في البهيمية حقيقة ومجازاً ، وأيضا لا يجوز أن يستعمل
هذا اللفظ حقيقة من غير تعدية في حال ما تريد أن تستعمله مجازا مع التعدية،
فإنه متناقض .
قال : وما أوهمه كلام إمام الحرمين من أن للقاضي خلافا في المسألة فهو وهم ،
٧٨/ب لأنه صرح بهذا الذي ذكرناه ، فقال : كل لفظة تنبىء، عن معينين متناقضين /
لا يجتمعان، فلا تجوز إرادتهما باللفظة الواحدة كلفظ ((افعل)) عند منكري الصيغة
مترددا بين الإيجاب والندب والإباحة والنهي ، فلا يصح إرادة هذه المعاني باللفظة
الواحدة لتناقضها.
قلت : هذا إنما قاله القاضي شرطا للجواز، وهو أنه حيث يصح الجمع كما
اشترط ذلك في الحقيقتين لامتنع للإرادة مطلقا .
وقال في ((التقريب)) ولخصه الإمام في ((التلخيص)): اعلم أن إرادة الجمع إنما
تصح ممن لا يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز ، ولكن يقتصر على إرادة المسميين
من غير تعرض لوجه الاستعمال حقيقة وتجوزاً ، وفي المسألة مذهب ثالث صار إليه
القاضي عبدالوهاب في ((الملخص)) أنه يحمل على الحقيقة خاصة ، لأنها الأصل ،
ورابع حكاه القاضي أيضا أنه يتوقف فيه حتى يبين المراد .
١٤٢

تنبيهات
[التنبيه] الأول
إذا قلنا بالحمل في هذه الحالة، فإنما يكون عند قيام قرينة المجاز لا عند
الإطلاق كما اقتضاه كلام ابن السَّمْعانى ، إذ قال : واللفظ الواحد يجوز أن يحمل
على الحقيقة والمجاز إذا تساويا في الاستعمال، لكن إذا عري عن عرف الاستعمال
لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن يقوم الدليل على أنه مراد به ، وقيام الدلالة على
إرادة المجاز لا ينفي عن اللفظ إرادة الحقيقة هذا لفظه ، وهو الحق .
قال: والمسألة مفروضة في اللفظ الذي اشترك في عرف استعماله الحقيقة
والمجاز معا .
وقال ابن حاتم الأزدي صاحب القاضي : إذا كان اللفظ موضوعا حقيقة لشىء
ومجازا لغيره ، ثم ورد هل يحمل على الحقيقة مطلقا، وبالقرينة على المجاز، أم
تتوقف الدلالة، ولا يحمل على واحد منهما إلا بدليل ؟
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال : يحمل على الحقيقة عند الإطلاق ،
ومنهم من قال : لا يصرف إلى واحد منهما إلا بدليل. اهـ .
قال ابن السَّمْعاني : واللفظ والحالة هذه حقيقة ومجاز باعتبارين .
وزعم ابن الحاجب أن اللفظ حينئذ مجاز قطعا ، لأنه حينئد استعمال في غير ما
وضع له، وحكاه ابن عبد السلام في كتاب ((المجاز)) عن بعضهم .
وقال بعض المتأخرين: الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا ظهر قصد المجاز
بقرينة مع السكوت عن الحقيقة ، أو قصدهما معا ، أما إذا قصد الحقيقة فقط
فالحمل عليها فقط بلا نزاع ، أو المجاز فقط اختص به بلا نزاع ، وإن لم يظهر
قصد، فلا مدخل للحمل على المجاز ، فإن اللفظ إنما يحمل على مجازه بقرينة ،
ولهذا قالوا فيما إذا قال : وقفت على أولادي ونظائره : أنه لا يدخل أولاد الأولاد
على الصحيح، ونظيره ما لو أوصى لأخوة فلان وكانوا ذكورا وإاناثاً أخوة
وأخوات .
١٤٣

قال الإمام، في باب الوصية من ((النهاية)): مذهب أبي حنيفة وظاهر مذهب
الشافعي أنه يختص بالوصية الإخوة دون الأخوات ، وقال أبو يوسف ومحمد:
للجميع وكذا كلام ابن السَّمْعاني السابق ، وقد أفاد حالة أخرى، وهي ما إذا
تساويا في الاستعمال بأن يكثر المجاز كثرة توازي الحقيقة فيتساويان فيهما عند
الإطلاق ، فيحصل أن الصور أربع :
أحدها : أن تدل قرينة على إرادة المجاز مع السكوت عن الحقيقة .
ثانيها : أن تدل على إرادتهما جميعا .
ثالثها : أن لا تكون قرينة ، ولكن للمجاز شهرة وازى بها الحقيقة ، والخلاف
ثابت في الكل والصحيح عندنا : الحمل عليهما .
رابعها : حالة الإطلاق مع عدم شهرة المجاز فلا يحمل فيهما على المجاز بلا
خلاف ، لأن الخلاف مدفوع ما لم يدل عليه دليل ، وإذا ضممت الخلاف في هذه
المسألة إلى المشترك خرج منه مذاهب :
ثالثها : التفصيل بين الحقيقتين فيجوز، وبين الحقيقة والمجاز فيمتنع ، وهو
ظاهر كلام القاضي ، وتفارق هذه الحالة ما قبلها على مذهب الشافعي : أن
المشترك يحمل على معنييه حالة الإطلاق ، والحقيقة والمجاز لا يحمل عليهما إلا إذا
ساوى المجاز الحقيقة لشهرة أو نحوهما كما تقدم .
ورابعها : عكسه وهو المنع في الحقيقتين قطعا، وتردد في الحقيقة والمجاز،
وإليه صار الغزالي في ((المستصفى))، فإنه قطع بالجمع في الحقيقتين، ثم قال في
الحقيقة والمجاز: هو عندنا كالمشترك، وإن كان التعميم منه أقرب قليلا .
الشبيه الثاني
احتج ابن دقيق العيد في ((شرح الألمام)) للجمع بين الحقيقة والمجاز بقوله ويليه (صبوا
عليه ذنوبا من ماء). من جهة أن صيغة الأمر توجهت إلى صب الذنوب، والقدر الذي
يغمر النجاسة واجب في إزالتها، فتناول الصيغة لها استعمال للفظ في الحقيقة، وهو
١٤٤

الوجوب، والزائد على ذلك مستحب، فتناول الصيغة له استعمال في الندب، وهو مجاز
فيه، فقد استعملت صيغة الأمر فى حقيقتها ومجازها .
وذكر الأبياري من فوائد الخلاف أنه هل يصح أن يعلق الأمر بشيئين: أحدهما
على جهة الوجوب، والآخر على جهة الندب ؟ كقوله تعالى : ﴿واتموا الحج
والعمرة لله﴾ [سورة البقرة/١٩٦] فإن ((أتموا)) يقتضي وجوب إتمام الحج، واستحباب
إتمام العمرة إن قلنا بعدم وجوبها .
التنبيه الثالث
احتجو على الحقيقتين بقوله تعالى : ﴿إن الله وملائكته يصلون﴾[سورة
الأحزاب /٥٦] فإن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ، واستشكل ذلك
بأن الفعل متعدد لتعدد الضمائر ، فكأنه كرر لفظ يصلي ، فلا تكون الآية من
موضع النزاع .
وأجيب بأن التعدد بحسب المعنى لا بحسب اللفظ لعدم الاحتياج إليه .
والظاهر أن الآية ليست من باب استعمال اللفظ في معنييه ، لأن سياقها إنما هو
الإيجاب اقتداء المؤمنين بالله تعالى وملائكته في الصلاة على النبي مصر، فلا بد من
اتحاد معنى الصلاة في الجمع ، لأنه لو قيل : إن الله يرحم النبي والملائكة
يستغفرون له ، يا أيها الذين آمنوا ادعوا له لكان ركيكا ، فلا بد من اتحاد معنى
الصلاة إما حقيقة أو مجازا . أما حقيقة، فالدعاء ايصال الخير إلى النبي (4* [و]
من لوازمه الرحمة، ليس لأن الصلاة مشتركة بينهما ، وأما مجازا فكإرادة الخير
ونحوها مما يليق بالمقام ، ثم إن اختلف ذلك المعنيان لأجل اختلاف الموصوف لم
يضر ، وليس من الاشتراك بحسب الوضع ، وكذلك الاحتجاج بآية السجود
ليس من هذا الباب لإمكان أن يكون المراد بالسجود الانقياد في الجميع ، أو وضع
الجبهة ، ولا يستحيل في الحادث ، لأن القدرة حاصلة لهذا .
الموطن الثالث : في إستعمال اللفظ في مجازيه إذا خرجت الحقيقة عن الإرادة مثل
١٤٥

أن تقول : والله لا أشترى ، وتريد به السوم وشراء الوكيل ، وفيه الخلاف
السابق. صرح به ابن السَّمْعاني في ((القواطع))، والهندي والأصفهاني في ((شرح
١/٧٩ المحصول))، وشرط للجواز أن لا تكون تلك المجازات / متنافية كالتهديد
والإباحة إذا قلنا : إن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز في الإباحة والتهديد ،
ولم يتعرض الجمهور للحمل في هذا الموطن ، والقياس جوازه إذا تساوى
المجازان ، ويكون من باب الاحتياط .
ويجب هنا طرد قول الإجمال في الحقيقتين بل أولى، وبه صرح في ((المحصول))
في تفاريع المسألة . قال : وتصير هذه اللفظة مجملة بالنسبة للمجازات ضرورة ،
ولا يجوز الحمل على جميعها بناء على امتناع حمل اللفظ على مجموع معانيه سواء
كانت حقيقية أو مجازية ، وبه صرح الآمدي وابن الحاجب في باب المجمل مع أنهما
هنا رجحا خلافه في الحقيقتين، والإمام مشى على منوال واحد حيث منع في
الموضعين .
وقال ابن الصباغ في أواخر ((العدة)) وبعض شراح ((اللمع)): إذا كان الاسم
له حقيقة ومجاز، وورد الخطاب به، فإنه يحمل على الحقيقة ، فإن قام دليل على أنه
لم يرد به الحقيقة نظر ، فإن كان له مجاز واحد حمل عليه ، وإن كان أكثر نظر ، فإن
كان محصوراً كلفظ الأمر انبنى على المسألة قبلها ، فإن قلنا : لا يجوز حمل اللفظ
الواحد على معنيين فهذا أولى ، فعلى هذا يكون اللفظ مجملا ، وإن قلنا : يجوز ثَمَّ
نظرت ، فإن كان بين المعاني تضاد وتعذر الجمع . قال ابن عبدربه : حمل على
أحدهما على سبيل البدل .
قال الشارح : ويحتمل أن لا يحمل على واحد منهما إلا بدليل ، إذ ليس أحدهما
أولى من الآخر ، وإن لم يكن بينهما تضاد وأمكن الجمع، فهل يحمل على أحدهما أو
على الجميع ؟ وجهان . وإن كان مجازه غير محصور كلفظ الدابة فإن دل على المراد
به دليل صرنا إليه، وإلا انبنى على الوجهين في المسألة قبلها .
١٤٦

مَسألة
مفرعة على امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز .
الخطاب الذي له حقيقة ومجاز ، وموجب المجاز ثابت في بعض الصور ، هل
يقتضى إسناده إلى ذلك المجاز، حتى يكون مراداً من ذلك الخطاب، ويستلزم أن لا
يحتمل ذلك الخطاب على الحقيقة ، وأن لا يلزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه
وهو باطل ، لأنا نفرع على هذه المسألة أم لا يقتضى ذلك ؟
فاختار القاضي عبد الجبار والرازي في ((المحصول)) أن موجب المجاز لا يدل على
أنه مراد بالخطاب، واختار البصري من المعتزلة أنه يدل ، ونُسِبَ إلى الكَرْخِي ،
مثال: لفظ الملامسة حقيقة في الجس باليد ، وهو مجاز في الوقاع ، فقد ثبت
موجب المجاز في قوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [سورة المائدة/٦] لانعقاد الإجماع
على وجوب التيمم عند فقد الماء ، وثبوت معنى ههنا لا يدل على أنه مراد
بالخطاب ، فيلزم أن لا تكون الحقيقة مرادة بالخطاب على ما بينا ، فصار النزاع في
أن ثبوت موجب المجاز في صورة من الصور يمنع إجراء الخطاب على حقيقته على
رأي ، ولا يمنع على الآخر .
وأوضحهما القاضي عبد الجبار في ((العمد)) فقال : اعلم أنه يجب أن يعتبر
الحكم الثابت بالدليل ، فإن كان لفظ النص يتناوله على الحقيقة قطعنا بأنه مراد به
إن لم يمنع منه دليل ، وإن كان لفظ النص يتناوله على جهة المجاز لم يجب أن نقطع
بذلك إلا بدليل ، فإن دل عليه دليل قضي به، وإلا حكم بثبوته بالدليل الذي
أوجب ذلك . مثاله : أنه إذا ثبت أن الصلاة تجب إقامتها ، وكان قوله تعالى :
﴿واقيموا الصلاة﴾ [سورة البقرة/٤٣] يتناولها على الحقيقة قطع بأنها مرادة ، وإذا
ثبت أنه يجب على المصلي أن يصلي على محمد وآله في التشهد كان قولنا : صلاة
يتناولها على جهة المجاز لم يجب أن يكون ذلك مراداً بقوله : ﴿وأقيموا الصلاة﴾
وإلا أن يدل الدليل سوى ذلك ثابت وجوبه يدل على أنه قد أريد ذلك ، ولهذا لم
يصح عندنا إبطال ما يقوله الشافعي : إن اللمس هو باليد بأن يقال : قد ثبت أن
١٤٧

الجماع يتعلق به الحكم المذكور وهو النقض ، فيجب أن يكون مراداً بها وإذا صار
مراداً بها بصل ، أو يراد بها اللمس باليد من وجهين :
أحدهما: أن كون الجماع مراداً لا يمنع كون اللمس مراداً.
والثاني: أن ثبوت هذا الحكم للجماع لا يوجب أن يكون مراداً بالأمر ،
وكذلك القول في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكحٍ آباؤكم﴾ [سورة النساء/٢٢] أن
ثبوت الوطء مراد به لا يمنع ثبوت العقد مراداً به .
تنبيه
[حمل المتواطىء على معانيه]
وأما المتواطىء فهل يحمل على معانيه ؟
قال الأصفهاني في ((قواعده)) لا عموم فيه إجماعا، وصرح في المحصول ((في باب
المجمل)) بأنه مجمل، وألحقه بالمشترك على رأيه ، ومثله بقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه
يوم حصاده﴾[سورة الأنعام / ١٤١] ..
وأما المشكك فقال ابن الصائغ النحوي في ((شرح الجمل)): من جوز ذلك في
المشترك ربما يجوزه في المشكك ، وفيما قاله نظر ، لأن أفراده متفاوتة ، فينبغي
الحمل على الأقوى رعاية لتلك الأولوية بخلاف المشترك فإنها متساوية ، وهاتان
المسألتان قلّ من تعرض لهما .
١٤٨

مَسألة
[اتفاق اللفظين وَاختلاف المعنيين]
تقدم أن الأقسام أربعة : اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، وهو القياس
الذي يجب أن تكون عليه الألفاظ ، لأن بذلك تنفصل المعاني ولا تلتبس ،
واختلاف اللفظين والمعنى واحد وهو الترادف ، وعكسه الاشتراك، وبقي قسم
آخر أهمله الأصوليون ، وهو اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ، وهو باب
الأضداد .
قال أبو محمد بن الخشاب في بعض مؤلفاته : الضد معناه : الملء، يقال:
ضددت الإناء أضده ضداً : إذا ملأته، فإن كل واحد من الضدين يشغله الحيز
عن الآخر قد ملىء دونه ، قال : وقد صنف اللغويون فيها كتبا كالأصمعي
وغيره ، وأحسن من جاء بعده أبو بكر بن محمد بن القاسم الأنباري ، وممن أنكره
أحمد بن يحيى بن ثعلب، ولم يوافقه الأكثرون على مذهبه .
قال الفارسي: ولا خلاف في أن اللفظة الواحدة تقع للشىء وخلافه، كوجدت
استعمل بمعنى غضبت ، وبمعنى حزنت ، فإذا جاز ذلك جاز وقوعها للشىء
وضده ، لكون الضد ضربا من الخلاف. انتهى . هكذا نسب ابن الخشاب
الجواز للأكثرين .
وقال أبو إسحاق الزجاج في كتاب ((إفساد الأضداد)) : ذهب الخليل وسيبويه
وجميع النحويين الموثوق بعلمهم ذهبوا إلى ماذا؟ والذي كان عليه شيخا البصريين
والكوفيين محمد بن يزيد المبرد وأحمد بن يحيى بن ثعلب دفع أن تكون العرب
وضعت اسما واحدا للشىء وضده إلا ما وضعت من أسماء الأجناس نحو ((لون))
فإنه لمعنى ينطلق على السواد والبياض ، وكذلك الفعل يطلق على القيام والقعود .
وقال أبو الفتح بن جني : إن الاضداد واقعة في اللغة، لكن تتداخل اللغات لا
أنها اجتمعت على وضعها قبيلة واحدة / في وقت واحد ، بل قبائل ثم فشت ٧٩/ب
اللغات، وتداخلت بالملاقاة والمجاورة، فلنْقُلت إلى كلّ لغة صاحبه .
١٤٩

وحاول بعضهم ما جاء من ذلك على التواطؤ، فيقول في ((الصريم)): إنما سمي
الليل والنهار صريما لانصرام كل واحد منهما عن صاحبه ، والضوء والظلمة إنما
سميا ((سدفة)) من قولك : أنا في سدفك أي مستتر بك ، وهذا في الظلمة
واضح ، وفي الضوء لأنها تقال في الظلمة التي يخالطها مقدمة ضوء . وتقول في
مثل (الجلل)) إنه العظيم بحق الإثبات وعلى الصغير بالسلب ، كقولهم: ب (١)،
ونائم ، وأعجمت الكتاب ، ورجل مبطن أي خميص البطن، فعلى هذا القول
يكون اجتماع الأضداد في الشعر إيطاء.
وقال ابن الحاج الأشبيلي تلميذ الشلوبين: الحق أن التضاد في اللغة موجود على
ما صورته من التداخل ، ولعمري لقد كان يمكن دون تداخل، ولكن بتواضع
واحد ، ولكن بحسب قصدين أو وقتين وإنما المحال أن يقصد الواضع وضع لفظ
المعنيين ضدين أو غيرين ملتبسا لذلك غير مبين له ، فإن ذلك يقتضي وضع اللغة
ويبطل حكمة المخاطبة .
وقال ابن سيده في ((المخصص)): أما في اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين
فينبغي أن لا يكون قصدا في الوضع ولا أصلا، لكنه من تداخل اللغات ، أو
يكون لفظه يستعمل لمعنى، ثم يستعار لشىء، فيكثر ويغلب فيصير بمنزلة الأصل .
قال الفارسي : وكان أحد شيوخنا ينكر الأضداد التي حكاها أهل اللغة ، وأن
تكون لفظة لشىء وضده ، والقول في ذلك أنه لا يخلو إنكاره لذلك من حجة
سماعا أو قياسا ، فلا حجة له من جهة السماع ، بل الحجة من هذه الجهة في الرد
عليه ، لأن أهل اللغة كأبي زيد وغيره وأبي عبيدة والأصمعي ومن بعدهم قد
حكوا ذلك وصنفوا فيه الكتب ، فإن قال : الحجة من الجهة الأخرى ، وهي أن
الضد بخلاف ضده، فإذا اشتركا في لفظة واحدة، ولم يخص كل واحد منهما بلفظ
يتميز به ألبس وأشكل، فصار الضد شكلا والشكل ضداً ، وهذا إلباس . قيل
له : هل يجوز عندك أن يجىء في اللغة لفظان متفقان لمعنيين مختلفين ؟ فإن منع
ذلك فقد منع ما ثبت جوازه ، وقول العلماء له فإذا لم يكن سبيل إلى منع هذا ثبت
(١) بهامش نسخة دار الكتب المصرية: انظر هذا الرمز.
١٥٠

جواز اللفظة الواحدة للشىء وخلافه ، وإذا جاز وقوعها للشىء وخلافه جاز
وقوعها للشىء وضده . إذ الضد ضرب من الخلاف ، وإن لم يكن كل خلاف
ضداً .
قال : ويدل على جواز وقوع اللفظة الواحدة المعنيين مختلفين قوله تعالى في
وصف أهل الجنة : ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ [سورة الأعراف/٤٦] فلا يكون
الطمع هذا إلا بمعنى اليقين ، ولا يجوز أن يكون من الذي يطمع فيه، ويقع
خلافه ، لأنه ليس في الآخرة شك ، وكذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم:
﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ [سورة الشعراء/٨٢] فهذا لا يكون
إلا بمعنى العلم، لأن إبراهيم لا يشك في المغفرة. انتهى .
٠
١٥١

مَباحث الحقيقة والمجَاز
قال ابن فارس: الحقيقة من قولنا: حق الشىء إذا وجب ، واشتقاقة من الشىء
المحق وهو المحكم .
تقول : ثوب محقق النسج، أي : محكم ، وقال غيره : اشتقاقها من
الاستحقاق لا من الحق ، وإلا لكان المجاز باطلا .
وتطلق الحقيقة ويراد بها ذات الشىء وماهيته ، كما يقال حقيقة العَالِمِ : مَنْ قام
به العلم وحقيقة الجوهر: المتحيز، وهذا محل نظر المتكلمين.
وتطلق بمعنى اليقين، وفي الحديث: (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان) وليس غرضنا
هنا .
وتطلق ويراد بها المستعمل في أصل ما وضعت له في اللغة، وهو مرادنا ، وقد
منع قوم أن يكون قولنا : حقيقة ينطلق على ماعدا هذا ، لأن معنى الحقيقة لا
يصح إلا فيما يصح فيه المجاز ، حكاه القاضي عبدالوهاب ، وزيفه بأن اللغة لا
تمنع ، وقد بينا للحقيقة فيها استعمالات ، ولأن من الكلام ما هو حقيقة وإن لم
يصح المجاز فيه .
فقولنا : المستعمل خرج به اللفظ قبل الاستعمال ، فليس بحقيقة ولا مجاز ،
وقولنا : ما وضع له أخرج المجاز إن قلنا : إنه ليس بموضوع ، فإن قلنا : موضوع
قلنا : وضع أولا .
وهل إطلاقها بهذا الاصطلاح حقيقة أو مجاز؟
١٥٢

اختلفوا فيه، فذهب الإمام وأتباعه إلى أنه مجاز، لأن الحقيقة ((فعيلة)) من الحق
إما بمعنى الفاعل أي: الثابت ، ولهذا دخلت التاء، وإما بمعنى المفعول أي :
المثبت ، وعلى هذا فدخول التاء فيها لنقل الاسم من الوصفية إلى الاسمية
المحضة .
والحق : إنها إن كانت بمعنى الفاعل فهي على بابها للتأنيث ، وإن كانت بمعنى
المفعول، فيحتمل أنها للتأنيث والتاء لنقل الاسمية .
وقال السَّكَّاكي: هي عندي للتأنيث في الوجهين لتقدير لفظ الحقيقة قبل
الاسمية صفة مؤنث غير مجراة على الموصوف وهو الكلمة ، ثم نقلت إلى الاعتقاد
المطابق ، ثم من الاعتقاد إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له تحقيقا لذلك الوضع ،
فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية، بل مجازاً
واقعا في المرتبة الثالثة .
والذي يقتضيه إطلاق أكثر الأصوليين أنه حقيقة، وهو الذي يظهر ترجيحه بهذا
المعنى، ويدل عليه كلام أهل اللغة .
قال ابن سيده في ((المحكم)): الحقيقة في اللغة: ما أقر في الاستعمال على
أصل وضعه، والمجاز بخلاف ذلك، وحكاه في ((المحصول)) عن ابن جني ،
وقال : إنه غير جامع لخروج الشرعية والعرفية ، وهو غير وارد ، لأن كلامه
كالمصرح بأن المراد اللغوية فقط ، والظاهر أن مراده لفظ الحقيقة لا المعنى ، ثم
تعداد هذه المراتب وجعله مجازا في المرتبة الثالثة لا ضرورة إليه . ولم لا يكون نقل
من أول وهلة إلى المقصود والعلاقة موجودة ؟ ثم إن دعوى المجاز في لفظي الحقيقة
والمجاز إنما هو بحسب الوضع اللغوي ولا إشكال في أنهما صفتان عرفيتان .
١٥٣

مَسألة
[وجوب العَمَل بالحقيقة ]
وحكم الحقيقة وجوب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقته من غير بحث
عن المجاز ، وادعى بعضهم فيه الإجماع ، وأنه لا يتخرج على الخلاف الآتي في
١/٨٠ العام من العمل به قبل البحث عن / المخصِّص ، ولعل الفرق أن احتمال وجود
المخصص أقوى إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص كما قاله إمام
الحرمين .
لكن صرَّح القَرَافي بأن المسألتين على السواء في جريان الخلاف . ويقويه إذا
قلنا : إن المجاز غالب في اللغات .
وقال سليم الرازي في ((التقريب)): أما الحقائق فيمكن أن يقال: لا تحمل على
مسمياتها حتى ينظر هل هناك ما يعدل به عن حقيقته ؟
ويمكن أن يفرق بينهما بأنها إذا عدلت عن مقتضاها حملت على المجاز ، وقيل :
العموم إذا حمل على الخصوص لم يحمل على المجاز .
[أقسام الحقيقة] :
وتنقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية وشرعية، لأن الوضع المعتبر فيه إما وضع
اللغة وهي اللغوية كالأسد للحيوان المفترس أولا ، وهو إما وضع الشارع وهي
الشرعية كالصلاة، للأركان وقد كانت في اللغة للدعاء أولاً ، وهي العرفية المنقولة
عن موضوعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال ، ولتتنبه لأمرين :
أحدهما : أن اللغوية أصل الكل ، فالعرف نقلها عن اللغة إلى العرف ،
والشرع نقلها عن اللغة والعرف .
الثاني : أن الوضع في اللغوية غير الوضع في الشرعية والعرفية ، فإنه في اللغة
تعليق اللفظ بإزاء معنى لم يعرف به غير ذلك الوضع ، وأما في الشرعية والعرفية
١٥٤

فبمعنى غلبة الاستعمال دون المعنى السابق ، فإنه لم ينقل عن الشارع أنه وضع
لفظ الصلاة والصوم بإزاء معانيها الشرعية ، بل غلب استعمال الشارع لهذه
الألفاظ بإزاء تلك المعاني حيث صارت الحقيقة اللغوية مهجورة ، وكذلك
العرف، فإن أهله لم يضعوا لفظ القارورة مثلا للظرف من الزجاج على جهة
الاصطلاح ، كما أن الشرع لم يضع لفظ الزكاة لقطع طائفة من المال للفقراء . بل
صارت هذه الألفاظ شرعية وعرفية بكثرة الاستعمال دون أن يسبقه تعريف
بتواضع الاسم ، ومن ههنا منع بعضهم إدخال الأنواع الثلاثة في الحد لاختلاف
معنى الوضع فيها فإن الاصطلاح غير غلبة الاستعمال ، فإن خصصنا الوضع
بالاصطلاح خرجت الحقيقة الشرعية والعرفية ، وإن لم نخصه لزم أن يكون
مشتركا والحدود تصان عنه ، فينبغي إفرادها بحد كأن يقال : المستعمل فيما غلب
استعماله في الاصطلاح الذي يقع به التخاطب ، لكن هذه مضايقة لا طائل تحتها
بل لقائل أن يقول : إن الشرع وضع كاللغة فإن الوضع تعليق لفظ بازاء معنى ،
وهو يشملهما لكن يختلفان في سبب العلم بذلك ، ففي اللغة إعلام الغير بأنه
وضع لذلك ، وفي الشرع بكثرة الاستعمال ، ليرفع الوضع السابق إن كان .
وإذا علمت هذا فلنتكلم على هذه الأقسام فنقول : أما اللغوية فهي التي عليها
جل الشريعة عند قوم ، وهم المثبتون للنقل الشرعي والعرفي ، أو كلها عند
آخرين ، وهم النافون له ، فيقولون : إن جميع ما ورد في الشرع بحروف اللغة
ونظمها ، والمقصود به من نطق الشرع هو المقصود عندهم ، ثم لا خلاف في
إمكانها ووقوعها في المعنى الواحد .
وأما المفيدة للشىء وخلافه على طريق الاشتراك فمنعه قوم ، وقد سبقت في
مباحث الاشتراك .
وقال بعضهم : يمكن النزاع في الحقائق اللغوية بأن يقال : إنها انتسخت
وصارت الألفاظ بأسرها شرعية أو عرفية لكثرة النقل والتغيير في انتقالات الشرع
والعرف، وعلى هذا يجب تتبع الحقائق الشرعية إن وجدناها في ألفاظ الخطاب ،
فإن لم نجدها فالحقائق العرفية . وأما ما ينقل من واضعي اللغات فلا يجوز العمل
١٥٥

به لأنها تغيرت وانتسخت فلا يخاطبنا الشرع بها ، والجواب : هذا ممنوع بإجماع
الأمة على الوقوع لنقل اللغة في مدلولات الألفاظ الشرعية كما في الأمر بالوضوء
عند الأكل ، وبالصلاة لمن دعي إلى وليمة وهو صائم وغير ذلك .
وأما العرفية فتنقسم إلى خاصة وعامة ، فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت
خاصة ، وإن كان عامة الناس سميت عامة .
وقد أوضح معنى العرفية القاضي أبو بكر ، فقال في ((التقريب)»: معنى وصف
الاسم بأنه عرفي أن المفهوم من إطلاقه بغلبة الاستعمال في بعض ما وضع له أو
غيره مجازاً لا حقيقة ، والدليل على أن هذا المعنى عرفي : أنه لا يجوز أن يكون
معناه أنه ابتدىء وضعه لما جرى عليه ، لأن ذلك يقتضي أن يكون جميع الأسماء
عرفية ، ولا يجوز أن يكون معناه أنها أسماء مجردة مبتدأة ، لأن ذلك سبيل سائر
الأسماء اللغوية ، ولا يصح أن يكون معناه أنها أسماء ابتدأها ووضعها غير أهل
اللغة من العلماء بضروب العلامات ، ولا يمكن أن يكون أنه نقل عن معناه إلى
غيره ، لأن ذلك هو المجاز، وتسميته مجازا أحق وأولى . انتهى .
قال القاضي عبد الوهاب : والاعتبارات في العرف إنما هو بعرف من هو له
دون من ليس من أهل ذلك العرف لأنا قد قلنا : إن العرف بغلبة الاستعمال يقوم
مقام ابتداء المواضعة فإذا اختص ابتداء المواضعة، بأهلها فكذلك العرف. اهـ.
مَسألة
[امكان العرفية ]
ولا خلاف في إمكان العرفية ، وأما الوقوع فلا نزاع في وجود الخاصة منها
لاستقراء كلام ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة ، كالقلب
والنقض والجمع والفرق .
١٥٦

وأما العرفية العامة : فمنهم من أنكر وجودها ، والأكثرور، على الوقوع قاله
الهندي ، وتابع فيه في ((المحصول)) واستغرب شارحه الأصفهاني هذا الخلاف ،
وقال : إنما المعروف الخلاف في الشرعية .
قلت : حكى الخلاف صاحب ((المعتمد)) ثم قال : والذين أجازوا انتقال
الاسم عن موضوعه في اللغة بالعرف إنما أجازوا ذلك مالم يكن الاسم اللغوي
يتعلق به حكم شرعي ، فإن تعلق لم يجز نقله عن موضوعه إلى معنى آخر قطعا ،
لأنه يرجع حينئذ إلى التكليف. ا هـ .
فحصل ثلاثة مذاهب ، ويخرج من كلام القاضي وأتباعه والإمام الرازي
رابع ، فإنهم قسموا النقل العرفي إلى قسمين :
أحدهما : أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم تخصص بالعرف العام لبعض
أنواعه ، كلفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على وجه الأرض ، ثم خصصها
العرف العام بذات الحوافر .
وثانيهما : أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى، ثم كثر استعماله فيما
له به نوع مناسبة / وملابسة بحيث لا يفهم المعنى الأول كالغائط ، والأول نقل ٨٠/ب
إلى الحقيقة ، والثاني إلى المجاز .
قال القاضي : والأسماء العرفية منحصرة في هذين ، ولا ينبىء العرف عن
الوضع، للإجماع على اختصاصه ببعض الأسامي ، ولو صرف إلى أصل الوضع
للزم تسمية جملة اللغة عرفية ، ولا ينبىء عن تجديد الوضع بعد استقرار اللغة ،.
فإن هذا سبيل كل لغة سبقتها أخرى ، وإنما تنبىء عما يغلب استعماله عرفا من
المجازات أو يغلب تخصيصه ببعض المقتضيات، وكذا قال في ((المحصول)):
التصرف الواقع على هذين الوجهين هو الذي ثبت عن أهل العرف ، وأما على
غيرهما فلم يثبت عنهم ، ولا يجوز إثباته وذكر غيره من أقسام العرفية أن يوضع
اللفظ لشىء في اللغة لكن لم يستعمل فيما وضع له فيها ، فيستعمله العرف في غيره
كعسى ، فإنه وضع أولا للفعل الماضي، ولم يستعمل فيه قط، بل استعمل في
الإنشاء بوضع العرف، فصارت العرفية ثلاثة أقسام : أن يستعمل اللفظ فيما لم
١٥٧

يوضع له في اللغة أصلا إذا لم يستعمله اللغوي أيضا ، أو كان له وضع في اللغة،
واستعمل فيه، لكن هجر كالغائط، أو لم يهجر ولكن قصره العرف على بعض
موضوعاته كالدابة .
وأما الشرعية فهي من مهمات هذا الموضع ولم أر من أحكم شرحها .
ويتعلق بها مباحث:
الأول : في تحقيق المراد بالاسم الشرعي ، وهي اللفظة التي استفيد وضعها
للمعنى من جهة الشرع، كذا قاله في ((المحصول)) وسبقه إليه أبو الحسين في
((المعتمد)).
وقال القاضي عبد الجبار : ما كان معناه ثابتا بالشرع والاسم موضوع له فيه .
وقال ابن برهان : هو ما استفيد من الشرع واللفظ من اللغة ، ومرة يستفاد
المعنى من وضع اللغة واللفظ في الشرع والكل أسامي شرعية .
وقال بعضهم : هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً في الشرع ، وقيل :
الاسم المستعمل فيما وضع له في الشرع، لأن الاستقراء دل على عدم الفعل
والحرف الشرعيين إلا بالتبع .
وهل المراد بالحقيقة الشرعية كل ما ورد على لسان حملة الشريعة مما هو مخالف
للوضع اللغوي ، أو سواء كان موافقا للمدلول اللغوي أم لا ؟ والظاهر :
الأول ، فإن اللفظ الذي أراد به الشارع معنى يصح إطلاق ذلك اللفظ عليه في
اللغة حقيقة لا ضرورة بنا إلى أن نقول : إنه تجوز به عن الحقيقة الشرعية المرادة ،
كإطلاق الصلاة على الدعاء في قوله تعالى : ﴿وصل عليهم﴾ [سورة التوبة/ ١٠٣] لا
نقول إنه مجاز بحسب الصلاة ذات الأركان، بل هو الدعاء، وهذا حقيقة لغوية،
وإذا أمكنت فما الداعي للمجاز الشرعي .
[أقسام الحقيقة الشرعية]
وأقسامها أربعة :
الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك
١٥٨

الاسم لذلك المعنى .
الثاني : أن يكونا غير معلومين لهم .
الثالث : أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم .
الرابع : عكسه والمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية .
ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق ،
وتخص بالدينية ، وما نقل إلى فروعه كالصلاة والزكاة وتختص بالفرعية .
قال الصفي الهندي : وهذه الأقسام الأربعة الأشبه وقوعها . أما الأول :
فكلفظ الرحمن لله ، فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم ، والثاني : كأوائل السور ،
والثالث : كلفظ الصلاة والصوم ، والرابع كلفظ الأبُّ، ولهذا لما نزل قوله تعالى
﴿وفاكهة وأبا﴾[سورة عبس/٣١] قال عمر: ما الأبُّ؟ اهـ.
والنزاع في الكل على السواء .
واعلم أن هذا القسم ذكره الإمام في ((المحصول)) فتابعوه ، وإنما ذكره صاحب
((المعتمد)) على أصل المعتزلة، وكذلك تفسير الشرعى بما سبق ، وهو ماشٍ على
مذهبهم الآتى ، وأما على أصلنا فلا يستقيم ذلك ، بل الشرط كما قاله
الأصفهاني : كون اللفظ والمعنى من حيث هو مجاز لغوي يعلمها أهل اللغة ،
لاستحالة نقل الشرع لفظة لغوية إلى معنى مجاز لغة ولا يعرفهما أهل اللغة .
الثانى: في إمكانها عقلا، ونقل الإمام في ((المحصول)) والآمدي في ((الإحكام))
الإجماع على إمكان الحقيقة الشرعية ، وأن الخلاف إنما هو في الوقوع وليس كذلك
ففي ((شرح العمد)) لأبي الحسين عن قوم إنكار إمكانها ، فقال : وقد أبى قوم جواز
ذلك ، واختلف تعليلهم فعلة بعضهم دالة على أنه منع من إمكان ذلك ، وعلة
الآخرين دالة على أنهم منعوا من حسنه. اهـ .
وممن حكى الخلاف أيضا ابن برهان في ((الأوسط)) فقال: وأما إمكان نقل
الأسامي ، أو نقلها من اللغة إلى الشرع فقد جوزه كافة العلماء ، ومنعه طائفة
يسيرة ، وبناء المسألة على حرف واحد ، وهو أن نقلها من اللغة إلى الشرع لا
١٥٩

يؤدي إلى قلب الحقائق، وعنده يؤدي .
الثالث : أنه إذا ثبت إمكانه فهو حسن وليس بقبيح ، وإنما هو بمثابة النسخ في
الأحكام الشرعية ، فإنه يجوز نسخها وتبديلها باعتبار المصالح ، ويكون ذلك
حسنا ، فلأن يحسن ذلك في الأسامي أولى .
وقيل : وإن جاز عقلا لكنه لا ينتقل ، لأنه قبيح لإفضائه إلى إسقاط الأحكام
الشرعية ، وهو لا يجوز إلا بالنسخ ، ذكره ابن برهان .
الرابع : إنه إذا ثبت هذا فهل وقع أم لا ؟
فيه مذاهب : أحدها : أنها ليست بواقعة مطلقا ، سواء الدينية وهي المتعلقة
بأصول الدين كالإيمان والكفر والفرعية وهي المتعلقة بالفروع .
قال المازري في ((شرح البرهان)): وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء
والأصوليين ، وهو قول القاضي أبي بكر، والإمام أبي نصر بن القشيري ، ونقله
عن أصحابنا ، فقال : وقال أصحابنا: لم ينقل الشرع شيئًا من الأسامي اللغوية ،
بل النبي بَّ كلم الخلق بلسان العرب، وإلى هذا ميل القاضي. ا هـ.
ونقله الأستاذ أبو منصور عن القاضي أبي حامد المرورُوذي والشيخ أبي الحسن
الأشعري فقال : أجمع أصحاب الشافعي على أنه قد نقل بالشرع أسماء كثيرة عن
معانيها في اللغة إلى معان سواها إلا أبا حامد الَرورُوذي، فإنه زعم أن الأسامي
كلها باقية على مقتضاها في اللغة قبل الشرع. وبه قال أبو الحسن الأشعري ،
ومثال ذلك : الإيمان في اللغة بمعنى التصديق ، وقد صار بالشرع عند أصحاب
الشافعي اسما لجميع الطاعات ، وعند الأشعري أنه الآن أيضا بمعنى التصديق ،
١/٨١ / وكذلك الصلاة والحج والعمرة أسماء لأفعال مخصوصة زائدة على ما كان مفعولا
منها في اللغة قبل الشرع عندنا ، وهي عند الأشعري ثابتة على ما كان عليه قبل
الشرع إلا أنها لا يحتسب بها إلا إذا أتى بها على الشروط التي علقتها الشريعة بها.
اهـ .
وكذلك حكاه عن الأشعري الأستاذ أبو بكر بن فُورَك في جزء جمعه في بيان
الإسلام والإيمان .
١٦٠