النص المفهرس

صفحات 121-140

ليته سكت. ثم لا يشك أن الثلاثة في عادته و سير كالمرة في حق غيره، فعلم أنه كان
قد زاد على الثلاث، ثم مراد الشيخ التأكيد اللفظي، أما المعنوي فنص النحويون
على أن ألفاظه الصناعية كلها تجمع، وفرقوا بما سبق .
الرابع: أن التأكيد نظير الاستثناء وحينئذ فيأتي فيه شروطه السابقة من اعتبار
النية فيه ومحلها واتصاله بالمؤكد، لكن جوز النحويون الفصل بينهما، كقوله تعالى:
﴿ويرضين بما آتيتهنّ كلهن﴾ [سورة الأحزاب / ٥١].
الخامس: إن كون التوكيد يرفع التجوز إنما هو بالنسبة إلى الفاعل، فإذا قلت:
جاء زيد احتمل مجيئه / بنفسه ومجيء جیشه، فإذا قلت: نفسه، انتفى الثاني. أما ٧٥/ب
التأكيد بالمصدر نحو ضربت ضربا، فنص ثعلب في ((أماليه)) وابن عصفور في
((شرح الجمل الصغير)) والأَبَّذي في قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكلما﴾ [سورة
النساء/ ١٦٤] أنه يدل على رفع المجاز، وأنه کلمه بنفسه، وهکذا احتج بها أصحابنا
المتكلمون على المعتزلة في إثبات كلام الله، وهو غلط، لأن التأكيد بالمصدر إنما
يرفع التجوز عن الفعل نفسه لا عن الفاعل فإذا قلت: قام زيد قياما، فالأصل قام
زيد قام زيد، فإن أردت تأكيد الفاعل أتيت بالنفس، وههنا إنما أكد الفعل، ولو
قصد تأكيد الفاعل لقال: وكلم الله نفسه موسى، فلا حجة فيه إذن عليهم .
السادس: في الفرق بين الترادف والتأكيد: أن المؤكَّد يقوي المؤكَّد، وهو اللفظ
الأول كقولنا: جاء زيد نفسه، بخلاف الترادف، فإن كل واحد منهما يدل على
المعنى بمجرده، والتأكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر مستقل ليخرج التابع،
والفرق بينه وبين التابع قد سبق .
١٢١

مَباحث المشترك
وهذا هو الأصل، وقد يحذفون ((فيه)) إما لكثرة دورانه في كلامهم، وإما لكونه
جعل لقبا .
قال ابن الحاجب في ((شرح المفصل)): وهو اللفظ الواحد الدال علي معنيين
مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواء كانت الدلالتان
مستفادتين من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال، أو استفيدت إحداهما من
الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال، وهو في اللغة على الأصح .
وقد اختلف فيه هل هو واجب أم لا؟ وبتقدير أن لا يكون واجبا، فهل هو
ممتنع أو ممكن؟ وبتقدير إمكانه، فهل هو واقع أو لا؟ فهذه احتمالات أربع بحسب
الانقسام العقلي، وقد ذهب إلى كل منها فريق، فأحاله ثعلب وأبو زيد البلخي
والأبهري على ما حكاه ابن العارض المعتزلي في كتاب ((النكت)) وصاحب
((الكبريت الأحمر))، ومنعه قوم في القرآن خاصة، ونسب لأبي داود الظاهري،
ومنعه آخرون في الحديث .
ونقل عبد الجبار عن جماعة من متأخري زمانه إنكار أن يكون اللفظ موضوعا
لضدين، فإن خصوه بهما دون غيرهما كما هو ظاهر كلامه فهو قول آخر، وقد صار
إليه الإمام فخر الدين، فقال: يمتنع بين النقيضين فقط لخلوه عن الفائدة، ورد
عليه صاحب ((التحصيل)) بأنه إنما يلزم بالنسبة إلى واضع واحد، والظاهر أنه مراد
الإمام، لأن عدم العبث بالنسبة إلى فاعلين لا يلزم من فعل أحدهما علم الآخر به
١٢٢

وقيل: يمتنع في اللغة الواحدة من واضع واحد، ويجوز في لغتين من واضعين. حكاه
الصفار في ((شرح سيبويه)). وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): مذهب الأكثرين:
أن المشترك أصل في الوضع والمتعين كالمتباين والمترادف .
وذهب قوم إلى أنه ليس بأصل في ذلك، وإنما هو في المتباينة أو المترادفة في حق
الوضع، والتعين كالمجاز من الحقيقة، فتحصلنا على تسعة مذاهب .
وقد منع بعض المتأخرين القول بالوجوب، وقال: ليس إلا قولان الوقوع
وعدمه، لأن الوجوب ههنا هو الوجوب بالغير، إذ لا معنى للوجوب بالذات،
والممكن الواقع هو الوجوب بالغير. اهـ .
ولا معنی لإنکار ذلك وهو قول ثالث منقول، وقول الوجوب كما قاله شارح
((المحصول)): إن الحاجة العامة اقتضت أن يكون في اللغات، وقول الوقوع مع
الإمكان معناه أن المصلحة لم تقتض ذلك، ولكنه وقع اتفاقا مع إمكانه كوقوع
سائر الألفاظ .
والمختار : جوازه عقلا ووقوعه سمعا .
قال سيبويه: ((ويل له)) دعاء وخبر، والصحيح وقوعه في القرآن كما في ((القرء))
و((الصريم)) و﴿الليل إذا عسعس﴾ [سورة التكوير/ ١٧] فلا وجه لمن أنكر ذلك.
ومنع قوم الاشتراك بين الشيء ونقيضه، ويرد ((عسعس)) فإنه موضوع للإقبال
والإدبار، إلا على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه .
واختلفوا في وقوع الأسماء المشتركة الشرعية:
قال الرازي: والحق: الوقوع لأن لفظ الصلاة مستعمل في معان شرعية مختلفة
بالحقيقة ليس فيها قدر مشترك بين الجميع، وقال تلميذه الحوبي: في ((الينابيع)):
أما في لغتين فلا شك فيه، فإن الشهر في العربية لزمان ما بين الاستهلالين، وفي
الفارسية للبلد، وهو مكان ما بين حدين، وأما في لغة واحدة فالظاهر أن أحدهما
أصل والآخر فرع كالعين في العضو أصل بدليل أنه اشتق منه فعل، تقول: عانه
أصابه بعينه، والذهب سمي به لعزته كعزة العين وسمى الفوارة عينا لخروج الماء
منها كما أن العين منبع النور والماء عزيز كنور العين، ومنه ما وضع لمعنى جامع
١٢٣

لشيئين، فاستعمل في كل منهما، فطن اله مشترك، ويمكن أن يكون القرء من
ذلك.
مسألة
العلم بكون اللفظ مشتركا يحصل إما بالضرورة وهو ما يدرك بحاسة السمع
من أهل اللغة كونه مشتركا، وإما بالنظر بأن يوجد في كل من المعنيين طريق من
الطرق الدالة على كون اللفظ حقيقة، ومنهم من قال: يستدل عليه بحسن
الاستفهام عن مدلول اللفظ، لأن الاستفهام هو طلب الفهم، وهو لما یکون عند
تردد الذهن بين المعنيين، وردّه الإمام، فإن الاستفهام قد يكون لمعان شتى غير
الاشتراك، ومنهم من قال: يستدل عليه باستعمال اللفظ بين معنيين ظاهرا
وضعفه الإمام .
مَسألة
في حقيقة وقوع المشترك
وذلك بأحد أمرین:
أحدهما: وهو الأكثر يقع من واضعين بأن يضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم يضعه
الآخر لمعنى آخر، كالسدفة في لغة نجد الظلمة، وفي لغة غيرهم الضوء. قاله
الجوهري في ((الصحاح))، ولا حاجة لقيد التباس الواضعين كما قاله الأصفهاني في
((شرح المحصول)) زاعما أن اللفظ بالنسبة إلى كل واحد منفرد، إذ ليس ذلك
بشرط، لأنه صدق عليه أنه موضوع لمعنيين، وإن كان واضعاه معروفين .
الثاني: واضع واحد وله فوائد. منها: غرض الإبهام على السامع حیث یکون
التصريح سببا لمفسدة، ومنها: استعداد المكلف للبيان، هكذا قاله الإمام الرازي
وغيره .
١٢٤

وعن المبرد وغيره من أئمة اللغة إنكار وقوعه من واضع واحد، وسبق كلام
[ابن] الحوبي.
مَسألة
[المشترك خلاف الغالب]
وهو خلاف الأصل والمراد بالأصل هنا الغالب، فإذا جهلنا كون اللفظ مشتركا
أو منفردا فالغالب عدم الاشتراك، فيحكم بأنه منفرد للاستقراء أن أكثر الألفاظ
مفردة، وإلا لما / حصل التفاهم في الخطاب دون الاستفسار وقبوله دونه معلوم. ١/٧٦
فإن قلت: إن الاشتراك أغلب، لأن الحروف كلها مشتركة بشهادة النحاة،
والماضي مشترك بين الخبر والدعاء، والمضارع بين الحال والاستقبال، والأسماء فيها
الاشتراك كثير، فإذا ضممتها إلى القسمين كان الاشتراك أكثر .
أجيب بأن أغلب الألفاظ أسماء والاشتراك فيها قليل.
مَسألة
[اللفظ المشترك أصل]
قال صاحب ((الكبريت الأحمر)): مذهب الأكثرين أن اللفظ المشترك أصل في
الوضع والتعيين كالمتباين والمترادف ، وذهب قوم إلى أنه ليس بأصل في تلك ،
وإنما هو من المتباينة أو المترادفة في حق الوضع والتعيين كالمجاز من الحقيقه ، لأن
الكلام وضع للإفهام، والمشترك إلى الإبهام أقرب منه إلى الإفهام، فكيف يكون
أصلا في وضع الافهام ؟
ولنا أنه يستعمل على السوية في المعاني، والاستعمال دليل الحقيقة، ولا
إبهام مع القرينة المميزة .
١٢٥

مَسألة
[المشترك لَهَ مفهومَان فصَاعداً]
المشترك لا بد له من مفومين فصاعدا فمفهوماه إما أن يتباينا ، أي : لا يمكن
الجمع بينهما في الصدق على شىء واحد كالقرء للطهر والحيض وسواء تباينا بالتضاد
أو غيره على الأصح خلافا لمن منع وضعه للضدين ، وإما أن يتواصلا فإما أن
يكون أحدهما جزءاً للآخر أو لا زماله ، والأول كالإمكان العام والخاص ، والثاني
كالكلام، فإنه مشترك بين النفساني واللساني مع أن اللساني دليل على النفساني،
والدليل يستلزم مدلوله .
مَسألة
[تجرد المشترك من القرينة]
المشترك إما أن يتجرد عن القرينة فمجمل يتوقف على المرجح إن منعنا حمل
المشترك على معنييه ، وكذا إن قرن به ما يوجب اعتبار الكل وكانت معانيه متنافية
فإن لم تكن متنافية ، فقال بعضهم : يقع التعارض بين القرينة وبين الدلالة المانعة
من إعمال المشترك في مفهوماته، فيصار إلى الترجيح وهو خطأ ، لأن الدلالة المانعة
قاطعة لا تحتمل المعارضة ، ولئن قلته فلا معارضة هنا، فيجب حمله عليهما. قاله
الإمام في ((المحصول)) مع أنه لا يعمل المشترك في معنييه، وقد يمثل لهذه المسألة
بقوله تعالى : ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ [سورة النساء/ ٤٣] فإنه يحتمل إرادة نفس الصلاة
ومواضعها ، وقوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ [سورة النساء / ٤٣] قرينة الإرادة
الصلاة ، وقوله: ﴿إلا عابرى سبيل﴾ [سورة النساء/٤٣] قرينة لإرادة مواضعها،
ويسميه أهل البديع الاستخدام .
[اقتران القرينة بالمشترك]
وإما أن تقترن به قرينة ، وهو على أربعة أضرب :
١٢٦

الأول : أن توجب تلك القرينة اعتبار واحد معين، مثل إني رأيت عينا
باصرة ، فتعين حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد قطعا .
الثاني : أن توجب اعتبار أكثر من واحد، فيتعين ذلك الأكثر عند من يجوز
إعمال المشترك في معنييه . كقوله : رأيت عينا صافية ، والصفاء مشترك بين
الجارية والباصرة والشمس .
الثالث : أن توجب تلك القرينة إلغاء البعض ، فينحصر المراد في الباقي، أي
يتعين ذلك الباقي إن كان واحداً نحو دعي الصلاة أيام أقرائك .
الرابع : أن توجب إلغاء الكل، فيحمل على مجازه بحسب تلك الحقائق، فإذا
كان ذا مجازات كثيرة وتعارضت فهى متساوية أو بعضها راجح، فإن رجح بعضها
فالحقائق إما متساوية أو بعضها أجلى ، فإن كانت متساوية حمل على المجاز
الراجح ، وإلا حمل على الأجلى إن كان حقيقة ذلك المجاز الراجح .
مَسألة
[في حكمه بالنسبة الى معنييه أومعانيه]
اعلم أن معاني المشترك إما أن يمتنع الجمع بينهما كالضدين والنقيضين إذا فرعنا
على جواز الوضع لهما ، وهو الصحيح فلا يحمل على معنييه قطعا ، وكذا
الاستعمال فيهما بلا خلاف كذا قالوا ، لكن حكى صاحب ((الكبريت الأحمر)» عن
أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يراد به معنياه ، وإن كان بينهما منافاة وهو
غريب .
مثال النقيضين : لفظة ((إلى)) على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية
وعدمه .
ومثال الضدين: صيغة ((افعل)) عند من يجعلها حقيقة في الطلب وفي التهديد ،
فإنها مشتركة بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ولا الحمل عليهما ، ولهذا
لو قال : أنت عليّ حرام ونوى الطلاق والظهار لم يثبتا ، لأنهما وإن اشتركا في
١٢٧

التحريم لحن بينهما منافاة ، لأن الطلاق يفك قيد الزوجية بخلاف الظهار .
قال الأستاذ أبو منصور وابن القشيري: وحينئذ يصير مجملا فيطلب البيان من
غيره. قال الأستاذ : وكذلك في الحقيقة والمجاز والكناية والصريح ، لكن ها هنا
الحقيقة أولى من المجاز، والصريح أولى من الكناية ، قال : ولولا الإجماع على أن
المراد بآية القرء في العدة أحد الجنسين من طهر أو حيض لحملناها عليهما لوقوع
اسم القرء عليهما ، لكن لما أجمعوا على أن المراد به أحدهما توقف في الدليل
الكاشف عن المراد .
وما حكيناه عن الإجماع على المنع في هذه الحالة حكاه غير واحد منهم الأستاذ .
وأغرب صاحب ((الكبريت الأحمر)) فقال: وقال أبو الحسن الأشعري: يجوز
ذلك وإن کان بينهما منافاة ، وأما إذا أمكن الجمع بينهما، فإن تكلم به مرات جاز
أن يستعمل في كل مرة غير ما استعمله في الأخرى ، وإنما الخلاف فيما إذا تكلم به
مرة واحدة .
ثم الكلام فيه في مواطن ثلاثة : استعمال اللفظ في حقيقته، وفي حقيقته ومجازه،
وفي مجازيه.
فأما الأول: فله مقامان :
أحدهما : هل يجوز أن يراد به جميع المتناولات ؟ فيه مذاهب :
أحدها : الجواز ونسب للشافعي، وقطع به ابن أبي هريرة في ((تعليقه))، ومثله
بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون﴾ (سورة الأحزاب/٥٦) فالاسم واحد ،
واختلف المراد به فكانت الصلاة من الله رحمة ، ومن المؤمنين دعاء ، ومن الملائكة
استغفار، وكذلك : ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ [سورة آل
عمران/١٨] فكانت شهادته علمه وشهادة الملائكة إقرارهم بذلك ، وقوله : ﴿لا
تقربوا الصلاة﴾[سورة النساء/ ٤٣] يعني موضعها للجنس ، وموضعها وفعلها
للسكران ، وهو الذي نص عليه القاضي في ((التقريب)) قال: ولا يحتاج إلى
تكرارها والتكلم بها في وقتين لعلم كل عاقل أنه يصح قصده من نفسه بقول : لا
١٢٨

تنكح ما نكح أبوك إلى نهيه عن العقد ، وعن الوطء جميعا ، ونقله إمام الحرمين / ٧٦/ب
في ((التخليص)) عن مذاهب المحققين وجماهير الفقهاء .
قال ابن القشيري في ((أصوله)): قال القاضي - وهو الاختيار عندنا - أنه يجوز
إذا دلت عليه القرينة، فلا يمتنع أن تقول: العين مخلوقة، ونعنى جميع محاملها ،
وحكاه صاحب ((المعتمد)) ((والقواطع)) عن أبي على الجبائى والقاضي عبد الجبار .
وقال ((صاحب الكبريت)) الأحمر: إنه مذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة وحكاه
أبو سفيان في ((العيون)) عن أبي يوسف ومحمد ، وحملوا من حلف لا يشرب من
الإناء على الكرع والشرب من الإناء ، وحمله أبو حنيفة على الكرع ، ونسبه
القاضي عبدالوهاب لمذهبهم. قال: وهو قول جمهور أهل العلم ، وقد قال
سيبويه: يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر على حال المدعو عليه
نحو: ((الويل له)) فهذا دعاء عليه وخبر عنه ولهما معنيان مختلفان.
ثم اختلف المجوزون في موضعين:
أحدهما : أن استعماله في الجميع هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز؟
قال الأصفهاني : واللائق بمذهب الشافعي جواز استعماله بطريق الحقيقة ،
لأنه يوجب حمله على الجميع ونقله الآمدي عن الشافعي والقاضي كسائر الألفاظ
العامة في صيغ العموم ، ولهذا حملت على التجرد على الجميع . ونقل صاحب
((التلخيص)) عن الشافعي أنه بطريق المجاز، وهو ميل إمام الحرمين، واختاره ابن
الحاجب .
الثاني : اختلفوا في أنه إذا أراد المعنيين، هل يتعلق بهما إرادة واحدة أم
إرادتان .
وقال الإمام في ((التلخيص)) وابن القشيري: والأصح: أن الإرادة الواحدة لا
تتعلق إلا بمراد واحد، فلا يتحقق إرادة المرادين إلا بإرادتين .
وفصل القاضي في ((التقريب)) فقال: إن كان المتكلم بها هو الله عز وجل ،
فإنما يريدها وجميع إراداته بإرادة واحدة ، وإن كان المتكلم محدثا فإنما يريدهما جميعا
١٢٩

بإرادتين غير متضادتين ، ولو كان يريدهما بإرادة واحدة لاستحال أن يراد أحدهما
دون الآخر .
وشرط أبو الحسن بن الصائغ النحوى في ((شرح الجمل)) كون المشترك يدل على
معنى يعم مدلوليه ، وهو الصريح في الاشتراك ، كاللمس الذي يراد به المس
مطلقا والوقاع . قال : فإن لم يدل فينبغي امتناعه بلا خلاف كما لو قلت : رأيت
زيدا أو عمرا أخاك، وأردت برأيت زيدا أبصرته ، وبه مع ما بعده علمت أو
رأيت زيداً والطائر . تريد في الطائر ضربت رئته، وفي زيد الإبصار، فينبغي أن
يجوز هذا باتفاق لعدم الصراحة .
المذهب الثاني: المنع: ونصره ابن الصباغ في ((العدة)) وإليه ذهب أبو هاشم
والكرخي وأبو عبدالله البصرى وفخرالدين وغيرهم .
قال الأستاذ: وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة .
وقال أبو بكر الرازي : كان الكرخي يحكي عن أبي حنيفة ، وأن أبا يوسف
جوزه .
وقال القاضي في ((التقريب)) زعم ابن الجبائي ، ووافقه جماعة من أصحاب أبي
حنيفة أنه غير جائز ، وأنه متى أريد بها معنيان مختلفان فلا بد من تكرارها والتكلم
بها في وقتين يراد بها في أحدهما أحد المعنيين ، وفي الآخر المعنى الآخر. اهـ.
ومراده بابن الجبائي أبو هاشم كما قاله القاضي عبدالوهاب .
قال صاحب ((المعتمد)): وشرط أبو عبد الله في المنع شروطا أربعة: اتحاد
المتكلم، والعبارة، والوقت، وأن يكون المعنيان مختلفين، لا ينتظمهما فائدة
واحدة ، فمتى انخرم شرط جاز أن يرادا .
وما حكيناه عن أبي هاشم صرح به أبو الحسين في ((المعتمد)) عنه، لكن أفاد
صاحب ((الكبريت الأحمر)) أن له في المسألة قولين، وأنه ذهب في كتاب
((البغداديات)) إلى الجواز إذا لم يكن بينهما منافاة. وفي غيره إلى المنع مطلقا .
ثم اختلف المانعون في سبب المنع ، فقيل : أمر يرجع إلى القصد، أي : لا
يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا ،
١٣٠

ولكنه يمكن أن يقصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة ويكون
خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد ، ولكل أحد أن يطلق لفظاً، ويريد به
ما شاء .
وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري وهو ضعيف ، إذ لا استحالة
في ذلك .
وقيل : سببه الوضع الحقيقي : أي : أن الواضع لم يضع اللفظ المشترك لهما
على الجميع بل على البدل ، فلا يصحح إطلاقه بطرق الحقيقة على الجميع ، ولا
يلزم من وضع اللفظ لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما على الجميع .
والمشترك إنما وضع لكل منهما على البدل، فاستعماله في الجميع استعمال اللفظ
في غير موضوعه، ولكن يجوز أن يراد جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة
مشعرة بذلك .
وهذا ما اختاره ابن الحاجب والسهروردي في ((التنقيحات)) وفخر الدين الرازي
وغيرهم، وكلام إمام الحرمين محتمل لهما).
و[المذهب] الثالث : لا يستعمل في الجميع إذا تجرد عنه القرائن ، ويجوز مع
القرينة ((المتصلة)) وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في ((البرهان)).
و[المذهب] الرابع : الفرق بين النفي والإثبات:
والفرق : أن النكرة في سياق النفي تعم، فيجوز إرادة مدلولاته المختلفة ، ورد
بأن النفي لا يرفع إلا ما يقتضي الإثبات ، وهذا القول حكاه ابن الحاجب ، وإنما
هو احتمال أبداه صاحب ((المعتمد))، وتبعه في ((المحصول)). وقيل: إن الماوردي
حكاه وجها لأصحابنا في كتاب الأشربة وهو ظاهر كلام الحنفية، فإنهم قالوا : إذا
حلف لا يكلم موالي فلان يتناول الأعلى والأسفل ، وقوله تعالى : ﴿ولا تنكحوا ما
نكح آباؤكم من النساء﴾ [سورة النساء/٢٢] يتناول الوطء والعقد، إن قلنا : إنه
مشترك .
و[المذهب] الخامس: يجوز في الجمع كقوله اعتدي بالأقراء دون المفرد ، لأن
الجمع في حكم تعديد الأفراد ، وحكاه الماوردي عن بعض أصحابنا في كتاب
١٣١

الأشربة ، وهذا مفرع على جواز تثنية المشترك وجمعه .
وقد منعه أكثر النحاة وجوزه ابن الأنباري وابن مالك، وقال ابن الحاجب :
الأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبنيّ على الخلاف في المفرد ، فإن جاز ساغ وإلا فلا ،
وقيل : بل يجوز وإن لم يجز في المفرد، وذكر في ((شرح المفصل)) أن تثنيته شاذة ،
وأن الأكثر المستعمل خلافه .
[المذهب] السادس: أنه ينظر في المعنى ، فإن كان أحدهما يتعلق بالآخر من جهة
١/٧٧ المعنى / كالنكاح، فإنه يتناول العقد والوطء ، واللمس . يتناول الوطء والمس
باليد ، وكل منهما متعلق بالآخر يجوز إرادتهما والحمل عليهما ، وإن كان أحدهما
غير متعلق بالآخر لم تجز إرادتهما والحمل عليهما بلفظ واحد. حكاه بعض شراح
((اللمع)) وهو غريب.
[المذهب] السابع: الوقف، واختاره الآمدي ونبه القاضي في ((التقريب)) على أن
محل الخلاف في إرادتهما في وقت واحد من غير تكرار ، وأنه متى أريد بهما المعنيان
وكررا في وقتين أريد به في أحدهما أحد المعنيين ، وفي الآخر الأخرى فلا خلاف في
الجواز .
المقام الثاني : إذا جوزنا الاستعمال فهل يجب على السامع حمله على ذلك إذا
تجرد عن قرينة صارفة ؟ فيه مذاهب:
أحدها :
أنه يحمل على جميع المعاني ، قال ابن القشيري : وعليه يدل كلام الشافعي ،
لأنه لما تمسك بقوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ (سورة النساء/٤٣) فقيل: أراد
بالملامسة المواقعة ، فقال : أحمله على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا، يعني
وإذا قال ذلك في الحقيقة والمجاز ففي الحقيقتين أولى .
وقال الأستاذ أبو منصور: إنه قول أكثر أصحابنا ، ولهذا حملنا آية اللمس على
الجماع، وعلى الجس باليد ، ونقله غيرهما عن الشافعي ، والقاضي صريحا .
وقال القرطبي : الحق أن في النقل عنهما في هذا خللا ، ونقله الإمام الرازي في
((المناقب)) عن القاضي عبد الجبار والبيضاوي في الكلام على الجمع المنكر عن
١٣٢

الجبائي ، لأنه لو لم يجب، فإما أن يحمل على واحد منهما، ويلزم تعطيل النص ،
ولأن العمل بالدليل واجب ما أمكن ، وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ
المشترك من غير قرينة ، فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة تعميم ، ولما فيه من
الاحتياط .
والثاني : المنع ، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة.
وقال الرافعي في باب التدبير : إنه الأشبه ، فقال : والأشبه أن اللفظ المشترك
مراد به جميع معانيه ، ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها، وليس كما قال ، وإنما
هذا مذهب الحنفية كما قاله أبو زيد الدبوسي في ((تقويم الأدلة)). قال : ولهذا قال
علماؤنا: من أوصى لمواليه، وله موال أعتقوه وموالٍ أعتقهم أن الوصية باطلة ،
لأن معنى الولاءين مختلف ، فيراد بالوصية للأعلى الجزاء ، وللأسفل زيادة
الإنعام ، وإذا قال لامرأة : إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى العقد والوطء
جميعا ، لأنهما مختلفان . ا هـ.
وبه قال الإمام فخر الدين تفريعا على القول بجوازا الاستعمال .
والثالث : التوقف لا يحمل على شىء إلا بدليل ويصير مجملا ، وبه قال
القاضي كما سنذكره .
قال القاضي أبو منصور : وهو قول الواقفية في صيغ العموم. اهـ .
واختاره ابن القشيري في ((أصوله)) و ((تفسيره))، لأنه ليس موضوعا للجميع،
بل لآحاد مسميات على البدل ، وادعاء إشعارها بالجميع بعيد . قال : نعم،
يجوز أن يريد المتكلم به جميع المحامل ، ولا يستحيل ذلك في العقل ، وفي مثل
هذاَ فقال : يحتمل أن يكون المراد كذا ، ويحتمل أن يكون كذا. اهـ .
والرابع : إن كان بلفظ المفرد فهو مجمل ، أو بلفظ الجمع وجب به الحمل ،
وهو قول القاضي عن الحنابلة في ((الكفاية)). هذا كله حيث لا قرينة تعين مراد
اللافظ ، فإن وجدت قرينة بواحد منها نظر ، فإن كان بين تلك المعاني منافاة بقى
اللفظ مجملا إلى ظهور المرجح ، وإن كانت معانيه متساوية ، فالمشهور أنه يجب
حمل اللفظ عليها ، وإن قلنا: لا يحمل عند عدم القرينة .
١٣٣

وحكى في ((المحصول)) عن بعضهم : أنه يتعارض الدليل المانع من حمل
المشترك على جميع معانيه ، والقرينة الموجبة تحمله عليها ، فيعتبر بينهما الترجيحات.
قال : وهذا خطأ، لامكان الجمع بأن يقال : المتكلم تكلم به مرات، وأراد
بكل مرة معنى من معانيه ، والدليل المانع لا ينفي ذلك .
وقال بعض شراح ((اللمع)): إن دل الدليل على أحدها حمل عليه قطعاً ، وإن دل
على أن المراد أحدها، ولم يعين وجب الوقف حتى يعلم ذلك الواحد بعينه قطعا
وإن لم يعلم المراد به فهو موضع الخلاف .
تنبيهات
التنبيه الأول
في تحرير النقل عن الشافعي والقاضي في هذه المسألة:
أما الشافعي فقد اشتهر عنه في كتب المتأخرين القول الأول، وقد أنكر ذلك أبو
العباس بن تيمية ، وقال: ليس للشافعي نص صريح فيه ، وإنما استنبطوا هذا
من نصه فيما إذا أوصى لمواليه، وله موال أعلى وأسفل أو وقف على مواليه ، فإنه
يصرف للجميع ، وهذا الاستنباط لا يصح لاحتمال أنه يرى أن اسم الموالي من
الأسماء المتواطئة ، وأن موضوعه للقدر المشترك بين الموليين ، ولا يلزم من هذا أن
يحكى عنه قاعدة كلية في الأسماء التي لا شركة بين معانيها ، وإنما الاشتراك بينهما
في مجرد اللفظ .
قلت : وهذا نقله ابن الرفعة في ((الكفاية)) عن شيخة الشريف عمادالدين وإن
تناول الاسم لهما معنى واحد على جهة التواطؤ وهي الموالاة والمناصرة ، ثم نازع فيه
في باب الوصية من ((المطلب)) بأن هذا يقتضى التصحيح وصرف الريع والوصية
إليهما ، والسؤال إنما يتجه على القول بعدم الصحة. اهـ .
١٣٤

ويحتمل أن يقال : إن مواليه جمع مضاف، فالتعميم من هذه الحيثية لا من
جهة الاشتراك ، لكن كلام الشافعي في مواضع يدل للقول الأول ، منها : أنه
احتج في ((الأم)) على استحباب الكتابة فيما إذا جمع العبد بين الأمانة والقوة على
الكسب بقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [سورة النور/ ٣٣] ففسر
الخير بالأمرين . قال : وأظهر معاني الخير قوة العبد بدلالة الكتاب: الاكتساب مع
الأمانة ، فأحب أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا. اهـ .
ومنها: أنه نص في ((الأم)) في لفظة ((عند)) المشتركة بين إفادة الحضور والملك في
حديث حكيم بن حزام: ((لا تَبْعْ ما ليس عندك)). قال: وكان نهى النبي وَلّ أن
يبيع المرء ما ليس عنده يحتمل أن يبيع بحضرته، فيراه المشترى كما يراه البائع عند
تبايعهما ، ويحتمل أن يبيع ما ليس عنده ما ليس يملك تعيينه فلا يكون موضوعا
مضمونا على البائع يؤخذ به ، ولا في ملكه، فيلزمه أن يسلمه إليه ، لأنه يعينه
وعنى هذين المعنيين .
ومنها : حمله اللمس في الآية كما سبق عن القشيري.
فإن قيل : فلم لم يحمل الشفق على معنييه، بل اعتبر في آخر وقت المغرب
غيبوبة الشفق الأحمر ؟
قلنا : لأنه ورد في حديث آخر تعيينه بالأحمر ، فلهذا لم يقل بالاشتراك .
وأما [النقل عن] القاضي فأنكره ابن تيمية أيضا : قال : لأن من أصله الوقف
في صيغ العموم ، وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ
العموم كيف يجزم في الألفاظ / المشتركة بالاستغراق بغير دليل، وإنما الذي ذكره ٧٧/ب
في كتبه إحالة الاشتراك أصلا، وأن ما يظن من الأسماء المشتركة هي عنده من
الأسماء المتواطئة .
قلت : وممن استشكل ذلك الأبياري وتابعه القَرَافي، لكن القاضي إنما ينكر
وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها وكلامنا في الاستعمال ، ويحتمل أنه فرعه على
القول بصيغ العموم، على أن الذي رأيته في ((التقريب)) للقاضي بعد أن قرر صحة
إرادة المعنيين من المتكلم . قال : فإن قيل: هل يصح أن يراد المعنيان ، أي يحمل
١٣٥

عليهما بالظاهر أم بدليل يقترن بهما ؟ قيل : بل بدليل يقترن بهما لموضع احتمالهما
للقصد تارة إليهما وتارة إلى أحدهما ، وكذلك سبيل كل محتمل من القول ، وليس
بموضوع في الأصل لأحد محتمليه. ا هـ .
وزاد عند إمام الحرمين في ((تلخيص التقريب)) فإنا نقول : إذا احتمل إرادة
المعنيين واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف في معنى اللفظ على قرينة تدل
على الجمع والتخصيص ، وكيف لا نقول ذلك ونحن على نصرة نفي صيغة
العموم ؟ انتهى . فظهر أن الصواب في النقل عن القاضي: المذهب الثالث وهو
التوقف .
التنبيه الثاني
إن الخلاف في حمل المشترك على معانیه إنما هو في الکلي العددي أي في كل فرد فرد،
وذلك بأن يجعله يدل على كل منهما على حدته بالمطابقة في الحالة التي تدل على المعنى
الآخر بها، وليس المراد الكلي المجموعي أي بجعل مجموع المعنيين مدلولا مطابقا
كدلالة الخمسة على آحادها، ولا الكلي البدلي أي : بجعل كل واحد مدلولا مطابقا على
البدل. ذكره صاحب ((التحصیل)).
وكذا قال عبد العزيز في ((شرح البزدوي)): إن محل الخلاف فيها إذا أريد
بالمشترك كل واحد من معنييه ، وأما إرادة المجموع من حيث هو مجموع فلا نزاع
فيه ، لأنه يصير كل واحد من المعنيين جزءاً لمعنى بخلاف الأول، فإنه يصير كل
واحد منهما هو المعنى بتمامه .
وقال الأصفهاني في ((شرح المحصول)): إنه رآه في تصنيف آخر لصاحب
(التحصيل)) أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي ، فإن
أكثرهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام
١٣٦

التشبيه الثالث
إ جعل النقشواني في ((التلخيص)) محل الخلاف في المذكور بلفظ الجمع المعرف.
قال : فأما المفرد المنكر إذا لم يكرر فلا يجوز استعماله فيهما سواء كان مثبتا أو
منفيا ، لأن التنكير يقتضي التوحيد ، فإن تكرر بقوله: اعتدي قرءاً وقرءاً فقد جوز
استعماله فيهما حقيقة، وإن كان مفردا معرفا ((بأل)) مكررا فكذلك، وإن لم يتكرر
وكانت هناك قرينة تدل على أحدهما بخصوصه وجب الحمل عليه، وإن لم توجد
القرينة إلى وقت الحاجة فهو موضع الخلاف ، فالشافعي يوجب الحمل على
المعنيين جميعا في هذا الوقت .
قال الأصفهاني : وجعله موضع الخلاف عند الحاجة إلى العمل ممنوع بل
نقول : جواز الخطاب باللفظ المشترك عند الحاجة إلى العمل بمقتضاه ينبني على أن
اللفظ المشترك هل يحمل عند الإطلاق على جميع معانيه أم لا ؟ فإن قلنا بالحمل
فلا حاجة إلى البيان ، وإن قلنا بالمنع فلا يجوز وروده عند الحاجة من غير بيان
التنبيه الرابع
إذا قلنا بالحمل فهل هو من باب العموم أو الاحتياط ؟ فيه طريقتان :
إحداهما : وعليها إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي والآمدي وابن الحاجب
أنه كالعام ، وأن نسبة اللفظ المشترك إلى جميع معانيه كنسبة العام إلى أفراده،
والعام إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على الجميع بطريق الحقيقة فكذا المشترك ،
وضعفه النّقّشواني ، لأنه يصير اللفظ حينئذ متواطئا لا مشتركا .
قال : ولا يبعد أن الأئمة لم يريدوا العموم ، وأن هذه الزيادة من جهة الناقل
عنهم لما رأى في كتبهم حمل المشترك على معنييه ظن أنهم ألحقوه بالعام بالنسبة إلى
أفراده ، وليس كذلك .
ونازعه الأصفهاني لما فيه من توهيم الأئمة .
١٣٧

قال : وما استبعد النقل ضعيف ، فإن مرادهم أن المشترك كالعام في معنى
استغراقه لمدلولاته ووجوب الحمل على جميع معانيه المختلفة عند التجرد عن
القرائن فهو كالعام من هذا الوجه ، لأن الأفراد الداخلة تحت المشترك مثل الأفراد
الداخلة تحت العام حتى يلزم التواطؤ .
والطريقة الثانية : وعليها الإمام الرازي أنه من باب الاحتياط .
وتقديرها أن للسامع أحوالا ثلاثة : إما أن يتوقف فيلزم التعطيل لا سيما عند
وقت الحاجة ، أو يحمل على أحدهما فيلزم الترجيح بلا مرجح لم يبق إلا الحمل
على المجموع ، وهو أحوط لاشتماله على مدلولات اللفظ بأسرها ، ولأن تأخير
البيان عن وقت الحاجة غير جائز ، فإذا جاء وقت العمل بالخطاب ولم يتبين أن
المقصود أحدهما علم أن المراد المجموع ، وعلى هذه الطريقة جرى الشيح تقي
الدين بن دقيق العيد . فقال : إن لم يقم دليل على تعيين أحد المعنيين للإرادة
حملناه على كل منهما ، لا لأنه مقتضى اللفظ وضعا ، بل لأن اللفظ دل على أحدهما
ولم يتعين ، ولا يخرج عن عهدته إلا بالجميع .
قال : ولا فرق في ذلك بين أن یکون الحكم وجوبا أو كراهة ، ولو لم يقم دليل
على تعيين القرء للطهر عند من يراه ، ولا على تعيينه للحيض عند من يراه لوجب
أن تتربص المرأة منهما جميعا ، لأنه يتبين تعلق الوجوب بالقرء ، وإنما المبهم تعين
المراد منهما ، ولا يخرج عن عهدة وجوب التربص والحل للأزواج إلا بذلك ،
وكذلك أقول : إن صح أن الشفق مشترك بين الحمرة والبياض ، ولم يقم دليل
على تعيين أحدهما للإرادة وجب أن لا تصح صلاة العشاء إلا بعد غيبوبة
آخرهما وهو البياض ، ومن رجح الحمل على أحدهما فلا بُدَّله من دليل يدل على
تعيينه للإرادة بخصوصه .
فإن قلت : قد ذكر أنه يعمل على تقدير الاشتراك بالأمرين مع أن عدم تعين
المراد يوجب الإجمال، والإجمال يوجب التوقف، وذلك خلاف ما قلت .
قلت : هذا صحيح إذا لم يكن تعلق المبين من وجه كما لو قال : ائتني بعين ،
وأما إذا كان مبينا من وجه كالنهي عن القزع مثلا ، وكان الامتثال ممكنا ، فإنه
١٣٨

يتعين الخروج عن العهدة في التكليف المبين ، وذلك ممكن بالعمل في الأمرين ،
وصار هذا كقول بعض الشافعية في الخنثى المشكل أنه يختن في فرجيه معاً .
والختان إنما هو في فرج ، فأحد الفرجين ختنه ، والآخر ختنه ، ولما كان وجوب
الختان أمرا مبينا لا إجمال فيه والخروج عن العهدة ممكن بالختان فيهما أوجبوه .
قلت : / ولا ينبغي أن يفهم من الطريقة الأولى أنه كالعام حقيقة، كيف ١/٧٨
وأفراده محصورة ؟ وقد حملوه على مفهومية حالة الإفراد من غير تعريف ولا إضافة،
بل أجروه في الأفعال حيث مثلوا بقوله تعالى : ﴿إن الله وملائكته يصلون﴾[سورة
الاحزاب / ٦٥] وقوله: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [سورة النساء/ ٤٣] ومعلوم الفعل لا عموم
له.
[التنبيه] الخامس
أن القرء على الصحيح مشترك بين الطهر والحيض، ولو قال: أنت طالق في كل قرء
طلقة، طلقت في كل قرء طلقة، وقد يقال: لا، طلقت في الطهر واحدة، وفي الحيض
أخرى حملا للمشترك على معنییه .
وجوابه أن قصد المطلق بتفريق الطلاق أن لا يقع في بدعة وهو جمع الطلقات
الثلاث فلا توقعه في بدعة أشد منها، وهو الوقوع في الحيض ، ولأن اللفظ المطلق
يحمل على مقيد الشرع .
الموطن الثاني
في استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مثل أن يطلق النكاح، ويريد به العقد والوطء
جميعا، وفيه الحالان السابقان من الاستعمال والحمل. أما الاستعمال ففيه مذاهب.
أحدها : وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابنا كما قاله النووی في باب الأيمان
من ((الروضة)) جواز إرادة الحقيقة والمجاز بلفظ واحد ، وكأن الرافعي لم يقف على
١٣٩

النقل عندنا في ذلك ، فقال : استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز مستبعد عند أهل
الأصول، وهو قول القاضي صرح به في كتاب ((التقريب))، وغلط من نقل عنه
المنع ، وإنما منع الحمل لا الاستعمال كما سنحققه عنه .
وأما الشافعي فجرى على منوال واحد، فجوز استعمال اللفظ في حقيقته
ومجازه، وحمله عند الإطلاق عليهما .
وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك في ((الأم)) عند الكلام فيما إذا عقد لرجلين
على امرأة، ولم يعلم السابق منهما، ذكر ذلك في باب الوصية من ((المطلب)).
وقال إمام الحرمين وابن القشيري : إنه ظاهر اختيار الشافعي ، فإنه قال في
مفاوضة له في آية اللمس : هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع
مجازا .
قلت : وكذلك نصه في قوله تعالى : ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾[سورة
النساء/٤٣] فإنه احتج به على جواز العبور في المسجد لقوله : ﴿إلا عابري
سبيل﴾ [سورة النساء /٤٣]، وقال : أراد مواضع الصلاة ، وحمل اللفظ على الصلاة
وعلى مواضعها ، ودل على الصلاة قوله ((حتى تعلموا))، وعلى مواضعها قوله :
((إلا عابرى سبيل)) فحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وأما نصه في ((البويطى)) على
أنه لو أوصى لمواليه وله عتقاء ولهم عتقاء أنها تختص بالأولين مع أنهم مواليه ،
والآخرون مجازا بالسببية ، وكذلك لو وقف على أولاده لم يدخل ولد الولد على
الأصح ، فليس ذلك لأجل منع الجمع بين الحقيقة والمجاز ، بل لأن مسألتنا عند
الإطلاق والقرينة هنا عينت الحقيقة ، أما الأولى فلأن ولاء مواليهم لهم دونه ،
وأما الثانية: قال الغزالي: والتعميم بين الحقيقة والمجاز أقرب منه بين حقيقتين .
والمذهب الثاني : وهو قول الحنفية، واختاره من أصحابنا ابن الصباغ في
((العدة))، وابن برهان في (الوجيز))، ونقله صاحب ((المعتمد)) عن أبي عبدالله
البصري وأبي هاشم والكرخي ، لأن الحقيقة أصل والمجاز مستعار، فلا يتصور
اجتماعهما كما لا يتصور كون الثوب على اللابس ملكا وعارية في وقت واحد .
ونقض ابن الشُّمعاني علیهم بقولهم : لو حلف لا يضع قدمه في الدار، فدخل
١٤٠