النص المفهرس

صفحات 81-100

ونقصت حركة الضاد فجعل الهمزة وحركتها زائدتين، وقد تقدم الكلام عليه .
وبينا أن الزيادة إنما تعتبر في الحركة بأن تكون على ما كان ساكنا في الأصل، وأن
الألف المتحركة زائدة واحدة .
ثاني عشرها : زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه:
نحو قادر وعاصم وراحم وكاتب زيد فيها الألف، وحركت العينات ونقص
منها التاء التي هي أواخرها .
ومَثَّله البيضاوي وابن جعفربـ ((خاف)) من الخوف، وقال: نقصت الواو وزيدت
الألف وفتحت الفاء ، ولا يخفى بما تقدم فساده .
ثالث عشرها : نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها:
نحو انْصر من النصرة، وارحم من الرحمة، واقدر من القدرة، زيد فيها
حركات العينات، ونقص منها تاء التأنيث وحركات فاء الكلمة / وحركتها . ٦/٧٠
ومثله البيضاوي بـ ((عد)) من الوعد،زيدت فيه كسرة العين، ونقصت الواو وحركة
الدال، ولا يخفى ما فيه مما تقدم .
رابع عشرها : نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه:
نحو ((يخرج))، و((يقصد))، زيد فيه حرف المضارعة، ونقص منه الواو التي في
المصدر، وفتحة فاء الكلمة ، ومثّله البيضاوي وابن جعفر بـ((كال)) من الكلال،
وقال: زيد فيه الألف بعد الكاف، ونقص منه الألف التي كانت بين اللامين،
وفتحة اللام الأولى المدغمة والكلام فيه كما في عاد، وقد تقدم.
خامس عشرها : زيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا:
كالاحمرار من الحمرة، نقصت منه التاء وحركة الحاء وزيدت فيه الراء الأولى
والألف التي بعدها وحركة الميم، وكذلك ما أشبهه من الاصفرار ونحوه .
ومثله ابن الخباز والسراج الأرموي بـ(استنوق)) الجمل أي تحول الجمل ناقة ، وهو
مشتق من الناقة، نقصت منه التاء وحركة النون وزيدت فيه السين والتاء وحركة
٨١

الواو التي كانت ألفا ساكنة في الناقة، وفيه نظر، لأن ((استنوق)) إنما هو مشتق من
مصدره الذي هو الاستنواق، لدلالته عليه، فالأولى أن يجعل الاستنواق الذي هو
المصدر هو المشتق من الناقة والغرض يحصل به، لأن النقصان والزيادة المطلوبين
في المثال موجودان فيه، لأن المصدر زيدت فيه السين والتاء والألف التي بعد الواو
وحركة الواو ونقص منه التاء وفتحة النون، وكان جعله هو المشتق أولاً أولى .
ومَثَّله البيضاوي وابن جعفر بـ((ارمِ)) من الرمي، وقال: زيدت فيه الألف وكسرة
الميم، ونقصت حركة الواو والياء ، وفيه نظر. أما ألف الوصل فقد تقدم الكلام
عليها، وأما الياء فلم تحذف للاشتقاق بل لمعنى آخر، وهو حمل المبني على المعرب
لشبهه به في الصحيح، فجعل المعتل كذلك. ألا ترى أن هذه الياء تحذف في
المعرب في قولنا: لم يرم ليجزم؟ فكذلك حذفت في قولنا: ارم للبناء حملا للمبني
على المعرب في الصورة. ألا ترى أن الياء تعود عند اتصال الضمير بالفعل في
قولك: ارميا. وعند اتصال النونين الثقيلة والخفيفة في قولك: ارمينْ وارمينّ ،
وعند اتصال ضمير جماعة الإناث في قولك: ارمين يا نسوة ؟ فعلم أن الياء ما
حذفت للاشتقاق، وكلامنا فيها يحذف له أو يزاد له، فتحصل به المغايرة بين صورة
المشتق والمشتق منه لا فيها يحذف أو يزاد لمعنى آخر .
وزاد الشيخ جمال الدين بن الشريشي قسمين آخرين: أحدهما: ما فيه تغيير
ظاهر، نحو حذر من الحذر، وفرح من الفرح، وجزع من الجزع ونحوه، وقعت
المغايرة بين الفعل والمصدر بحركة العين، فإنها في المصدر مفتوحة وفي الفعل
مكسورة . ثانيهما : ما فيه تغيير مقدر نحو طلب من الطلب، وهرب من الهرب،
وغلب من الغلب ونحوه، وإنما قدرنا التغيير، لأنه يجب أن يكون صورة المشتق
وبنيته مخالفة لصورة المشتق منه، ورأينا هذه الأفعال لا تخالف صورة المصادر
المشتقة منها، وليس لها مصادر غيرها فوجب أن يكون فيها تغيير مقدر كما قالت
النحاة في الفُلك : إنه يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد، ولابد من التغاير بينهما
فتقدر الضمة إذا كان جمعا غير الضمة التي فيه إذا كان مفردا .
٨٢

تنبيهَات
[الشبيه] الاول
قد تقرر من جعل التغيير من أركان الاشتقاق وجود التغيير في كل مشتق بالنسبة
إلى أصله، وقد نجد أفعالاً من مصادر من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من
الطلب، وغلب من الغلب، وجلب من الجلب، فإنها مساوية لمصادرها في
الحروف والصيغ بلا تفاوت مع اشتقاقها منها ، وذلك يقدح في كون التغيير ركناً
للاشتقاق، لامتناع تحقق الشيء بدون ركنه ، وحلّه : أن التغيير وإن لم يكن
موجودا ظاهراً لكنه مقدر، كما سبق تقريره .
وأجاب رضي الدين بن جعفر بأن حركة الإعراب ساقطة الاعتبار في الاشتقاق
غير معتد بها تغييرا ، إذ الاشتقاق إنما هو من صيغة المصدر الذي بني عليها وحركة
الإعراب طارئة على الصيغة بعد تمامها منتقلة غير قارّة ، وأما حركة البناء في آخر
الفعل الماضي فإنها لثباتها ولزومها وبناء الكلمة عليها من أول وهلة صارت داخلة
في صيغة الفعل جارية مجرى حركة أوله وحشوه فاعتد بها في الاشتقاق، وجعل
التغيير بها زيادة ونقصانا، وإنما نبهنا على هذا، لأنهم لم يعتدوا بحركة الإعراب ،
واعتدوا بحركة البناء، وجعل التغيير بها زيادة ونقصاناً .
مثال الزيادة: طلب من الطلب، لأنهم مثلوه لزيادة الحركة ، فإن طلب اعتد
بحركة الباء في آخره زيادة لكونها حركة بناء، ولم يعتدوا بالحركة التي في آخر
المصدر ، وهو الطلب لكونها حركة إعراب .
ومثال النقصان: حذر اسم فاعل من حذر، نقص من اسم الفاعل حركة البناء
التي كانت في الفعل، فقد يظن ظانّ من اعتبارهم التغيير اللاحق للمشتق استلزم
حصول التغيير في كل مشتق بالنسبة إلى أصله مع أنه نحن نجد أفعالا مأخوذة من
مصادر من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من الطلب، وحذر من الحذر فإن هذه
٨٣
:

الأفعال مساوية لهذه المصادر، وأنه يقدح في كون التغيير ركنا في الاشتقاق .
وجوابه : أن حركة الإعراب غير معتد بها، وحركة البناء معتد بها .
ونازعه الشيخ جمال الدين بن الشریشي ، وقال: حرکة الإعراب کما لا يعتد بها
في صيغة الكلمة وبنيتها فكذلك حركة البناء، لأن كل واحدة منهما طارئة على
الكلمة بعد حصول صيغتها وتقرير بنيتها إن كانت لها بنية، وإنما يفترقان في أن
حركة الإعراب تتغير عند تغير العامل، ألا ترى أنك تقول: خرج زيد خرج عمرو
فلا يتغير آخر خرج، وإن دخل عليه العامل ، وتقول: خرجت ودخلت بتغير
آخره لاتصال الضمير به مع أن أحداً من النحاة لا يقول أن بنية الفعل تغيرت؟
فعلم أن حركة لام الكلمة أو سكونها غير معتد بها في بنية الكلمة، فلا يعد
وجودها زيادة ولا زوالها نقصاً .
وقوله : إن الفعل الماضي بني في أول وهلة على الحركة ممنوع، بل كان يجب أن
٧٠/ب يكون ساكنا كما هو الأصل، ولكن بني على حركة لعلة أخرى غير/ الاشتقاق ،
وهي جواز وقوعه موقع المعرب بخلاف فعل الأمر، فعلم أن حركة البناء في الفعل
طارئة عليه بعد حصول بنيته، وإذا كانت حركة الإعراب غير معتد بها في بنية
الكلمة لكونها طارئة ومتغيرة فكذلك حركة البناء ، ولا يكون ثبوتها في الفعل زيادة
في الصيغة، ولا زوالها نقصا فيها .
[التنبيه] الثاني
أن المراد بزيادة الحرف أو الحركة أو نقصانهما جنس الحرف وجنس الحركة لا
واحد فقط ، فقد يكون المزيد من الحروف أكثر من واحد ، وكذلك في الحركة ،
وكذلك في النقصان، وعلى هذا فتكثر الأقسام ولا يخفى حينئذ أمثلتها .
[التنبيه] الثالث
أنه لا اعتبار بتنوع الحركة بالرفع والنصب والجر إذ لو اعتبرت لكثرت
الأقسام .
٨٤

[التشبيه] الرابع
أنهم جعلوا من أركان الاشتقاق المشاركة بين الأصل والفرع في الحروف
الأصلية والتغيير، ثم جعلوا من أقسام التغيير نقصان الحروف، وذلك تناقض في
الظاهر فإنه متى نقصنا أحد حروف المشتق من المشتق منه زالت المشاركة بينهما في
الحروف.
وأجاب ابن جعفر بأمرين :
أحدهما: أن المشاركة بينهما في الحروف الأصلية قد تكون بحق الأصل ، ثم
يطرأ النقصان العارض نقيضه كقولنا : خف من الخوف، ونم من النوم، فإن
الواو سقطت فيهما بعد انقلابهما ألفاً لعارض التقاء الساكنين، فالمشاركة فيهما
حاصلة بالفعل، لحصولهما في الأصل قبل طروّ الحذف العارض .
الثاني: أن المصادر ذوات الزيادة كالإنبات والغشيان والنزوان إذا اشتققنا منها
أفعالا كنّبَتَ وغَشىَ ونَزَا حصلت المشاركة بينها وبين المصادر في الحروف الأصلية،
ووفر(١) التغير بنقصان الحرف الزائد فقد صدق بمجموع الأمرين فيهما أعني
المشاركة مع النقصان، فإنا لم نشترط المشاركة في الحروف الأصلية مع نقصان
حرف أصلي .
[التنبيه] الخامس
[ مذهَب الكوفيين والبصريين]
[في اشتقاق الأُفعَال من المصادر]
مذهب الكوفيين أن المصادر مشتقة من الأفعال، وعكس البصريون ذلك وهو
الصحيح، لأن مفهومه واحد، ومفهوم الفعل متعدد لدلالته على الحدث والزمان،
والواحد قبل المتعدد، وإذا كان أصلا للأفعال يكون أصلا لمتعلقاتها، أو لأنه
اسم، والاسم مستغن عن الفعل .
(١) وفر (يَفِرُ) وفوراً: تم وكمل، المصباح المنير.
٨٥

ويقال: مصدر، لأن هذه الأشياء تصدر عنه، وكذلك الصفات كأسماء
الفاعلين والمفعولين، وتوسط الفارسي فقال: الصفات مشتقة من الأفعال لجريانها
عليها، وعلى تقدير القول به فهي وإن كانت مشتقة من الأفعال بهذا الاعتبار
فالأفعال أصولها القريبة، والمصادر أصولها البعيدة.
وذهب أبو بكر بن طلحة إلى أن كلا من المصدر والفعل أصل بنفسه، ليس
أحدهما مشتقا من الآخر، فالحاصل أربعة مذاهب .
وقد استشكل المازَري في شرح ((البرهان)) حقيقة الخلاف في هذه المسألة وقال:
إن أريد بذلك أن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، فالحقيقة أصل للمجاز ، فهذا لا
يقوله أحد، فلا خلاف أنا إذا قلنا: قام زيد قياما، فإن قولنا: ((قام)) لفظة من
الحقائق لا تجوّز فيها، وقولنا: ((قياماً)) لفظة من الحقائق لا تجوّز فيها أيضاً، فقد وضح
بطلان صرف الأصلية والفرعية إلى هذا الوجه ، وإن أرادوا بقولهم: هذا أصل
وهذا فرع أن اللفظين حقيقتان، ولكن النطق بهذه سبق، فهذا غيب لا يعلمه إلا
الله والبحث عنه عِيُّ لا يجدي ولا فائدة فيه، وأي فائدة في السؤال عن تسمية
الحائط والجدار أي اللفظين نطق به أولاً؟ انتهى .
وقال بعضهم: إذا قيل: هذا مشتق من هذا فله معنيان:
أحدهما: أن بين القولين تناسبا في اللفظ والمعنى وسواء تكلم أهل اللغة
بأحدهما قبل الآخر أم لا وعلى هذا إذا قلنا: المصدر مشتق من الفعل أو بالعكس
كان كل منهما صحيحا، وهذا هو الاشتقاق الذي يقوم عليه أساس التصريف.
والثاني: أن يكون أحدهما أصلا للآخر، فهذا إن عُنيَ به أن أحدهما تكلم به
بعد الآخر لم يقم على هذا دليل في أكثر المواضع، وإن عُنيَّ به أن أحدهما مقدم على
الآخر في العقل لكون هذا مفرداً وهذا مركباً، فالفعل مشتق من المصدر .
[التشبيه] السادس
أنه لابد في معرفة الاشتقاق من التصريف وهو معرفة اختلاف أبنية الكلمة وما
يعرض لها من زيادة ونقص وقلب وبدل وإدغام ، ليعرف الأصلي من الزيادة ،
٨٦

ويرد المقلوب إلى أصله ويعرف البدل من المبدل منه ، والمدغم من المدغم فيه .
وحروف الزيادة عشرة يجمعها قولك: سألتمونيها، فإذا عرف الأصلي والزائد
قابل في ميزان التصريف الأصلي بفاء فعل وعينه ولامه، والزائد بلفظه تقول: وزن
ضارب فاعل ، فالألف زائد مذكور بلفظه، والضاد والراء والباء أصول مقابلة
بالفاء والعين واللام، وكذلك مضروب مفعول من الضرب فالواو والميم زائدتان،
وميعاد وميزان مفعال من الوعد والوزن فالميم والألف زائدتان والياء هي منقلبة عن
واو، لظهورها فيما منه الاشتقاق.
فإن قيل: جعلتم معرفة الاشتقاق متوقفة على معرفة التصريف وأهل التصريف
يجعلون معرفته متوقفة على معرفة الاشتقاق لتعريف الزائد فيحكم بزيادته، فإنا لا
نعلم أن كوثراً مشتق من الكثرة حتى يعلم أن الواو زائدة ، ولا نعرف أنها زائدة
حتى نعلم أنه مشتق من الكثرة، وذلك دور فيمتنع.
قلنا : إذا عرفنا الأصلي من الزائد حكمنا باشتقاقه من الأصلية، فكل من
التصريف والاشتقاق يفتقر إلى الآخر ولا يتوقف عليه .
[التنبيه] السَابع
القياس يقتضي أن المعنى المشتق منه كالعلة في القياس والعلاقة في المجاز حيث
وجد وجد الاشتقاق، كما أن العلة حيث وجدت وجد الحكم، لكن لم يطرد ذلك
في الاشتقاق، فإنا رأيناهم سموا الأسد ضيغما من الضغم، ولم يسموا الجمل به،
وإن كان الضغم هو العض الشديد موجوداً فيه، وسموا المنزل الذي بعد الثريا
دبرانا لاستدباره إياها أو القبلة، ولم يسموا كل مستدبر للثريا أو القبلة دبرانا،
وسموا الثريا باسمها لاشتقاقها من الثروة، وهي الكثرة لاجتماع نجومها، ولم
يسموا كل أعداد مجتمعة ثريا، وسموا القارورة وهي الوعاء الخاص لاستقرار الماء
فيها، ولم يسموا كل مستقر لمائع أو غيره كالحوض ونحوه قارورة .
والضابط في ذلك: أنه إما أن يجعل وجود معنى الأصل في محل التسمية من
حيث إنه داخل فيها والمراد ذات ما باعتبار نسبته إليها، فهذا يطرد في كل ذات،
٨٧

١/٧١ فهذا هو المطرد، / وإن كان المراد ذاتا مخصوصة على شخصه امتنع التعدية، لأن
الاشتقاق من الثروة والاستدبار والضيغم والاستقرار بمنزلة جزء العلة المركبة من
القياس، والجزء الآخر كون هذا المشتق علما لهذا الموضع أو خاصا به.
[التنبيه] الثامن
قال ابن عصفور: لا يدخل الاشتقاق في سبعة أشياء وهي الأسماء العجمية
كإسماعيل والأصوات، كـ ((غاق))، والحروف وما أشبهها من المتوغلة في البناء نحو
((من)) و((ما))، والأسماء النادرة نحو ((طوبى له)) اسم للنعمة ، واللغات المتداخلة
نحو ((الجون)) الأسود والأبيض ، والأسماء الخماسية كسفرجل ، ويدخل فيما عدا
ذلك . انتهى .
وأثبت ابن جني الاشتقاق في الحروف، ولعل مراده الأكبر .
مَسألة
وقد يطرد بأن يطلق على كل صورة وجد فيها معنى المشتق منه كاسم الفاعل
والمفعول وغيرهما من الصفات، كضارب ومضروب وحسن وقد يختص كالقارورة
لا يطلق على غير الزجاجة .
والضابط : أن المطرد ما كان لذات، قصد فيه المعنى، والمختص ما قصد مجرد
الذات، والمعنى تابع، وقد يقال: إن وجود معنى الأصل في كل التسمية قد تعتبر
من حيث إنه داخل في التسمية، والمراد ذات ما باعتبار نسبة له إليها، فهذا يطرد
في كل ذات فيه معنى الأصل كالأحمر، فإنه لذاتٍ باعتبار أن الحمرة داخلة فيه،
وقد يعتبر من حيث إنه مصحح للتسمية مرجح لها كتسمية الذات التي له الحمرة
بالأحمر، لكونها أحمر، لكن لا باعتبار دخول الحمرة في مسماه، ولهذا لو زالت
حمرته يصح إطلاق الأحمر عليه بخلاف الاعتبار الأول .
وهذا مستمد من قول السكاكي: وإياك والتسوية بين تسمية إنسان له حمرة
٨٨

بأحمر، وبين وصفه بأحمر أن تزل ، فإن اعتبار المعنى في التسمية لترجيح الاسم على
غيره حال تخصيصه بالمسمى واعتبار المعنى في الوصف لصحة إطلاقه عليه فأين
أحدهما من الآخر؟
وحاصله : الفرق بين تسمية الغير لوجوده فيه أو بوجوده فيه، فهو مع اللام
إشارة إلى العلمية، ومع الباء إشارة إلى المصاحبة .
مَسألة
[شرط صدق المشتق صدق المشتق منه]
شرط صدق المشتق اسما كان أو فعلا صدق المشتق منه، فلا يصدق قائم على
ذات إلا إذا صدق القيام على تلك الذات، وسواء كان الصدق في الماضي أم في
الحال أم في الاستقبال، وأما إن ذلك هو بطريق الحقيقة أم لا ، فسيأتي.
والكلام في هذه المسألة مع أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم ، وهما لم يصرحا
بالمخالفة في ذلك، ولكن وقع ذلك منهما ضمنا حيث ذهبا إلى القول بعالمية الله دون
علمه. أي ذهبا إلى أن العالم وغيره من الصفات أسماء مشتقة من العلم ونحوه ،
ثم إنهما يطلقان على الله تعالى هذه الأسماء وينكران حصول العلم والحياة والقدرة
الله تعالى، لأن المسمى بهذه الأسماء هي المعاني التي توجب العالمية والقادرية، وهذه
المعاني غير ثابتة للّه تعالى، فلا يكون للّه علم ولا قدرة ولا حياة مع أنه عالم قادر
حي، وفرارا من أن يكون الذات قابلا وفاعلا.
وأما أصحابنا فاتفقوا على أنه تعالى عالم بالعلم قادر بالقدرة حي بالحياة .
[هل العلم نفس العالمية؟]
واختلفوا بعد ذلك هل العلم نفس العالمية أو القدرة نفس القادرية أو هي زائدة
عليها؟ والأول: قول الشيخ أبي الحسن وأتباعه، والثاني: قول القاضي أبي بكر،
وأما المعتزلة فقالوا: عالم بالذات لا بالعلم، قادر بالذات لا بالقدرة، وهكذا فقد
٨٩

جوزوا صدق المشتق الذي هو العالم بدون صدق المشتق منه .
واعلم أنهما يعللان العالمية بالعلم مطلقا، كما صرحوا به في كتبهم الأصولية،
ويقولان : إن العلم في اللّه غير ذاته، فهما لا يسلبان عنه إلا العلم الزائد على ذاته
لا العلم مطلقا، وحينئذ فتخصيص عالميتنا بالعلم، كما قاله البيضاوي، أو إثبات
عالمية اللّه تعالى مع سلب العلم عنه كما قاله في ((المحصول)) وغيره أيضا باطل،
لأنهما لا يقولان بسلب عليتها عنه بل يقولان: إن علية العالمية هي العلم، وهي
غير ذات الله تعالى .
هذا أصل الخلاف، ومنه أخذ هذه المسألة الأصولية، ولا ينبغي ذلك لجواز أن
يكون هذا القائل يقول : مقتضى اللغة ما ذكرتم، ولكن الدليل العقلي منع هنا،
فاستثنى ذلك من المشتقات لوجود المانع الخاص، وحينئذ فلا يصح تعميم
المشتقات بذلك، ويخرج الكلام منها عن أصول الفقه إلى علم الكلام، ويصير
الخلاف معنويا لا لفظيا لغويا.
وإن رجعنا بها إلى أصول الفقه فنقول: المشتق إما أن يغلب عليه الاسمية.
أو، لا، فالأول: لا يشترط في صدقه وجود المعنى وذلك الحارث والعباس، فإنهما
يسمى بهما وليس بحارث، ولا كثير العبوس، ومع ذلك فقد لاحظ (١) ذلك المعنى
المطلق أو الشائع في بعض الأعيان، ومن ثم كان النبي ◌َلم يستحب أحسن الأسماء
ويكره قبيحها .
وأما الذي لا يغلب عليه الاسمية فهو الباقي على أصل الصفة كالعالم والقائم،
ويشترط في صدقه حقيقة وجود المعنى المشتق منه ، وإطلاقه مع عدمه مجاز محض،
غير أنه قد كثر هذا المجاز في بعض الأسماء واشتهر، وذلك كالمؤمن فإنه يطلق على
الغافل والنائم والميت مع قيام موانع الإيمان استصحابا للمعنى السابق، والحكم
اللاحق فدل على أنه مجاز هنا، وإن كثر استعماله حقيقة في أصله وإن قل
استعماله، وبهذا يرتفع خلاف أبي هاشم في هذا فإنه يقول: إن وجود المعنى
المشتق منه ليس شرطا في صدق الاسم المشتق، فإن أراد أنه ليس شرطا في أصل
(١) في نسخة: ((لوحظ)).
٩٠

الوضع فليس بصحيح، لأنه يلزم منه عدم الفرق بين المشتق وغيره، وإن أراد
الاستعمال العرفي فهو صحيح على ما بيناه .
مَسأله
[بقاء مَعنى المشتق هَل هُو شَرط؟]
في أن دوام ما منه الاشتقاق أعني بقاء معنى المشتق منه هل هو شرط في إطلاق
اسم المشتق بطريق الحقيقة أم لا؟ فمن لم يشترط وجوده لم يشترط دوامه قطعا،
وأما الذين يشترطون وجوده فاختلفوا فيه.
فنقول: إطلاق الاسم المشتق كاسم الفاعل والمفعول باعتبار الحال حقيقة بلا
خلاف كتسمية الخمر خمرا، وباعتبار المستقبل مجاز بلا خلاف كتسمية العنب
والعصير خمرا ، وأما إطلاقه باعتبار الماضي كإطلاق الضارب على من صدر منه
الضرب . انتهى .
وهذا هو محل الخلاف، فقال الجمهور منهم الرازي والبيضاوي: إنه مجاز .
/وقال ابن سينا والفلاسفة وأبو هاشم من المعتزلة: إنه حقيقة، ونقل الآمدي وابن ٧١/ب
الحاجب مذهبا ثالثا أن معنى المشتق منه إن كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود
اشترط بقاؤه في كون المشتق حقيقة وإلا فلا، كما في المصادر السيالة مثل الكلام
وأنواعه، ونسبه الصفي الهندي في ((النهاية)) إلى الأكثرين ويحتاج إلى تثبت، فإن
الرازي ذكره في أثناء المسألة على سبيل البحث، وقال: إنه لم يقل به أحد ، فإن
كان مستند نقلهم هذا فقد علمت حاله ، لكن الإمام في جواب المعارضة صرح
باختياره ومنع الإجماع فقال: قلنا: المعتبر عندنا حصوله بتمامه إن أمكن ، أو
حصول آخر جزء من أجزائه، ودعوى الإجماع على فساد هذا التفصيل ممنوعة ،
هذا لفظه في ((المسودة الأصولية)) وقيل: إن ما يعدم عقب وجود مسماه كالبيع
والنكاح والاغتسال والتوضؤ فإن الاسم يقع عليه بعد ذلك حقيقة، وما يدوم بعد
وجود المسمى كالقيام والقعود، فإذا عدم المسمى جميعه كان مجازا .
٩١

ونقل الأصفهاني عن بعضهم تفصيلاً آخر، وقال: إنه الحق، وهو أنه إذا وجد
معنى في المحل، واشتق له منه اسم فبعد ذلك إن لم يطرأ على المحل ما يناقضه
ويضاده بقي صدق المشتق كالقاتل والزاني والسارق، فأما إذا طرأ على المحل ما
يضاده، واشتق له منه اسم المشتق الأول، فحينئذ لا يصدق المشتق الأول كاللون
إذا قام به البياض يسمى أبيض، فإذا اسودّ لا يقال في حالة السواد: إنه أبيض،
والدليل على ذلك: أن الله تعالى أمر بجلد الزاني وقطع السارق ولو كان بقاء وجه
الاشتقاق شرطاً لما أمكننا امتثال الأمر، لأن حالة الجلد والقطع ليس بزان ولا
سارق حقيقة، فلا يقع الامتثال بالأمر .
ويخرج من كلام القاضي أبي الطيب الطبري في مسألة خيار المجلس قول
خامس بالتفصيل بين إطلاقه عقب المعنى المشتق منه فيسوغ، وبين أن يتطاول
الزمان فلا ، ومن كلام أبي الخطاب من الحنابلة سادس، وهو التفصيل بين ما
يطول زمنه كالأكل والشرب، وبين ما يقصر كالبيع والشراء، وهو قريب من
الخامس، وكلام ابن الحاجب يقتضي التوقف في المسألة فإنه ذكر شبه الفرق،
وأجاب عن الجميع فتحصلنا على سبع مذاهب يشترط بقاؤه حقيقة ومجازا،
التفصيل بين الممكن وغيره. التفصيل بين طرو ما يناقض التفصيل بين الإطلاق
عقبه أو بعده. التفصيل بين طول الزمان وقصره، الوقف .
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن المخالف في الأول يقول بصدق المشتق
كالعالم والقادر، وإن لم یکن ما منه الاشتقاق قائما بالمشتق منه ولا في وقت ما، وأما
المخالف في هذه فإنه يقول: إن قام ما منه الاشتقاق بالشيء فهو صادق حقيقة
حينئذ، وإذا انقضى ولم يقم به فهو يصدق عليه مجازا لا حقيقة، وعلى المذهب
الآخر عكسه .
٩٢

تنبيهَات
[الشبيه] الاول
[اسم الفاعل حقيقة فِي الحَال]
معنى قولهم: حقيقة في الحال أي : حال التلبس بالفعل لا حال النطق به، فإن
حقيقة الضارب والمضروب لا يتقدم على الضرب، ولا يتأخر عنه، لأنهما طرفا
النسبة فهما معه في زمن واحد .
ومن هذا يعلم أن نحو قوله ◌َ له: (من قتل قتيلا فله سلبه) أن ((قتيلا)) حقيقة
وأن ما ذكروه من أنه سمى ((قتيلا)) باعتبار مشارفته الفعل لا تحقيق له .
إذا علمت ذلك فما ذكروه من نقل الإجماع على أنه حقيقة في الحال ينبغي أن
يكون موضعه بعد وجود ما يتناوله الاسم المشتق منه، فأما حالة الشروع قبل وجود
ذلك كالتساوم من المتبايعين قبل الإيجاب والقبول، والأكل حين أخذ اللقمة قبل
وجود مسمى الأكل، فقال القاضي أبو الطيب لا يسمى فاعلا إلا مجازا، وإنما
يكون حقيقة بعد وجود ما يسمى بيعا وأكلا، وينبغي أن لا يشترط في الإطلاق تمام
الفعل، ولهذا قال ابن مالك: المراد بالحال ما قارن وجود لفظه لوجود جزء من
معناه، كقولك: هذا زيد يكتب، فيكتب مضارع بمعنى الحال ووجود لفظه مقارن
لوجود بعض الكتابة لا لجميعها، لا ما يعتقده كثير من الناس أن الحال هو المقارن
وجود معناه لوجود لفظه، لأن مدة وجود اللفظ لا تتسع لوجود معنى الفعل، وإنما
عبر بالحال عن اللفظ الدال على الجميع لاتصال أجزاء الكلمة بعضها ببعض .
٩٣

[الشبيه] الثاني
نقل الإجماع على أنه مجاز باعتبار المستقبل فيه نظر، فإن الشافعي رد قول أبي
حنيفة في خيار المجلس: سميا متبايعين لشروعهما في تقرير الثمن والمبادلة .
فقال الشافعي: لا يسميان متبايعين بل متساومين، ولهذا لو قال: امرأته
طالق إن كنا متبايعين، وكانا متساومين لا يحنث، لأنه لم يوجد التبايع .
والتحقيق: أن اسم الفاعل له مدلولان:
أحدهما: أن يسلب الدلالة على الزمان، فلا يشعر بتجدد ولا حدوث نحو
قولهم: سيف قطوع، وزيد صارعُ مصرٍ، أي: شأنه ذلك، فهذا حقيقة، لأن
المجاز يصح نفيه، ولا يصح أن يقال في السيف: ليس بقطوع .
والثاني: أن يقصد الفعل في المستقبل. فإن لم يتغير الفاعل كأفعال الله سبحانه
من الخلق والرزق فإنه يوصف في الأزل بالخالق والرازق حقيقة، وإن قلنا: إن
صفات الفعل حادثة وإن كان يتغير(١) فهو موضع المسألة .
وكان بعض الفضلاء، يقول: مقتضى قول ابن سينا وغيره من المنطقيين أنه
باعتبار المستقبل حقيقة أيضا لقولهم: إذا قلنا: كل إنسان حيوان، فمعناه كل ما
هو إنسان في الحال أو قبله أو بعده فهو حيوان .
وأجاب بعضهم بأنه لا تعارض بل معنى قولهم: إن الحكم على مسمى الإنسان
ومسمى الإنسان أعم من أن يكون ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا، وهو حقيقة في
الأحوال الثلاثة ، لأنه مستعمل فيما وضع له، لأنا لما أطلقنا اللفظ ما أردنا به إلا
ذلك المعنى، وهذا مرادنا بقولنا: إن إطلاق اللفظ باعتبار الحال حقيقة، أي: إذا
أريد منه الحال التي فيها كذلك. وإن أطلق الإنسان مثلا على النطفة أو الطين
باعتبار ما سيصير إليه فهذا مجاز، لأنه أريد به غير مسمى الإنسان لعلاقة بينه وبين
مسماه، وكذلك إذا أطلق عليه بعد خروجه عن الإنسانية، وأريدت تلك
الخارجة، وهو المنقول فيه الخلاف عن ابن سينا .
(١) أي : الفاعل .
٩٤

[التنبيه] الثالث
أن في نقل الخلاف عن ابن سينا وأبي هاشم في هذه المسألة / نظر، بينه ١/٧٢
الأصفهاني في ((شرح المحصول)). أما ابن سينا فلا يوجد له موضوع في أصول
الفقه ولا في العربية حتى يؤخذ خلافه منهما. نعم. قال: إن الاصطلاح في علم
المنطق أن قولنا: كل ((ج ب)) أنا لا نعني به ما هو ((ج)) دائما. أو في الحال أو في
وقت معين، بل ما هو أعم من ذلك، وهو أنه ما صدق عليه أنه ((ج)) سواء كان في
ذلك الماضي أو المستقبل أو الحال دائما أو غير دائم، فهذا ما اصطلح عليه، فعلى
هذا إذا قيل: الضارب متحرك، لا يلزم أن يكون ذلك حكما على الضارب في
الحال، بل على ما صدق عليه الضارب سواء كان ذلك الصدق في الماضي أو
المستقبل أو الحال، ومن المعلوم أن الاصطلاحات لا مناقشة فيها، ولا يلزم من
الاصطلاح المنطقي أن يكون موافقا للأوضاع اللغوية العربية إلا إذا ادعى
صاحب الاصطلاح الموافقة، وابن سينا وغيره من المنطقيين يدعون(١) ذلك، على
أن الرازي في كتبه المنطقية قد وافق ابن سينا في هذا الاصطلاح، وأما ما نقل عن
أبي هاشم ففيه بحث أيضا، لأنه نقل عنه في المسألة السالفة أنه يجوز صدق المشتق
بدون ما منه الاشتقاق، فكيف يستقيم منه أن يشترط في صدق المشتق أن يقوم به
ما منه الاشتقاق؟ وذلك تناقض ظاهر، لأن الإمام يقول: إن الضارب لا يصدق
حقيقة إلا في حال صدور الضرب من الضارب، وأبو هاشم يقول: يكفي في
صدق الضارب حقيقة أن يكون الضرب وجد في الوجود وانقضى ، فإن لم يكن
وجد أصلا فلا يقول بصدق الضارب حقيقة، فيلزمه التناقض، إلا أن يقال: إن
ما نقل عنه أولاً صورته في صفات الله تعالى خاصة بخلاف غيرها من المشتقات
فحينئذ ينتظم الكلام، لكن الإمام جعل المسألتين من حيث اللغة .
(١) قال ناسخ نسخة دار الكتب المصرية: تأمل لعل العبارة لا يدعون، أو العبارة من غير لا. اهـ.
٩٥

[التشبيه] الرابع
أطلقوا الخلاف في المسألة، وقضية كلام الإمام وغيره أن الخلاف لا يجري في
الصفات القارّة المحسوسة كالبياض والسواد، لأنا على قطع بأن اللغوي لا يُطْلِقُ
على الأبيض بعد اسوداده أنه أبيض .
وقال الإمام في المسألة: لا يصح أن يقال: إنه نائم باعتبار النوم السابق،
وادعى الآمدي فيه الإجماع، وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال
المنقضية، فإطلاق المشتق على محلها من باب الأحكام، فلا يبعد إطلاقه حال خلوه
عن مفهومه، لأنه أمر حكمي .
وقال القرافي أيضا، محله إذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك أو زان
أو سارق، فإن كان محكوما عليه كقولك السارق تقطع يده، فإنه حقيقة مطلقا
فيمن اتصف به في الماضي والحال والاستقبال. قال: ولولا ذلك لأشكل القطع
والجلد، لأن هذه الأزمنة: الماضي، والحال، والاستقبال، إنما هي بحسب زمن
إطلاق اللفظ المشتق، فتكون الآيات المذكورة ونظائرها مجازات باعتبار من اتصف
بهذه الصفات في زماننا، لأنهم في المستقبل غير زمن الخطاب عند النزول على عهد
رسول اللّه ◌َير، ولا مخلص عن هذا الإشكال إلا بما سبق.
قال: فالله تعالى لم يحكم في تلك الآيات بشرك واحد ولا زناه، وإنما حكم
بالقتل والجلد وغيرهما والموصوف بتلك الصفات يعم متعلق هذه الأحكام. هذا ما
ذكره القَرَافي، وكان يستشكل ذلك، وكان من في زمانه من الفضلاء يختبطون معه
في ذلك، ولم يوفقوا للصواب فيه .
وقال بعضهم: إنه مندفع بدون هذا فإن المجاز وإن كان الأصل عدمه إلا أن
الإجماع منعقد على أن المتصفين بهذه الصفات بعد ورود هذه النصوص يتناولهم،
وتثبت تلك الأحكام فيهم .
والحق: أن ههنا شيئان أحدهما: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى من غير تعرض
٩٦

لزمان، كقولنا: الخمر حرام، فهذا اللفظ صادق سواء كانت الخمرة موجودة أم
لا. وإطلاق الخمر في هذه القضية حقيقة، لأنه لم يقصد غير معناه، والحكم عليه
بالتحريم بالنسبة إلى حالة اتصافه بالخمرية لا قبله ولا بعده، فلا مجاز في ذلك،
وكذلك قولنا: القاتل مقتول ، ونحوه، ومنه قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني
فاجلدوا﴾ [سورة النور / ٢] ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [سورة المائدة / ٣٨] وقوله:
فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] وغير ذلك من النصوص والحكم في ذلك على
من اتصف بالزنى والسرقة والشرك ونحوها حاضرا كان أو مستقبلا ولم يقصد
بالزاني إلا من اتصف بالزنى حين زناه، وكذلك باقيها .
الثاني : إطلاقه باعتبار ما كان عليه فهو مجاز، وهو موضع الخلاف .
قال الشيخ الإمام أبو الحسن السبكي: وإنما الوهم سرى للقرافي قوله: بأن
الماضي والحال والاستقبال بحسب زمن إطلاق اللفظ، فحصل بذلك ما قاله من
الإشكال، ولا ينجيه ما أجاب به، والقاعدة صحيحة في نفسها ولكن لم يفهموها
حق فهمها .
قال: وههنا أمور:
أحدها : أن اسم الفاعل والمفعول ونحوهما إنما دل على شخص متصف
بالمصدر المشتق منه فضارب مدلوله شخص متصف بضرب صادر منه، ولا تعرض
له لزمان كما هو شأن الأسماء كلها، وإذا لم يدل على الزمان الأعم من الحال فلأن
لا يدل على الحال الأخص منه أولى ، فكيف يكون حقيقة فيه؟ وأعني بالحال هنا
زمن إطلاق اللفظ، فمن ظن أن اسم الفاعل يدل على ذلك فقد أخطأ، وإنما
التبس على بعض المبتدئين ذلك من جهة أنهم يفهمون من قولنا: زيد ضارب أنه
ضارب في الحال، واعتقدوا أن هذا لدلالة اسم الفاعل عليه .
وهذا باطل لأنك تقول: هذا حجر، وتريد إنسانا فيفهم منه الحال أيضا مع أن
الحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان .
فإن قلت: اسم الفاعل يدل على الفعل، والفعل لابد أن يكون في زمن، فاسم
الفاعل دال على الزمان بالالتزام .
٩٧

قلت : المعتبر في دلالة الالتزام اللزوم الذهني، وهو ممنوع ههنا، وعلى تقدير
تسليمه لا يضر، لأن المعنى فيه مطلق الزمان وإذا كنا نقول: إن اليوم وغدا وأمس
والزمان والآن أسماء مع أنها لا مدلول لها غير الزمان، فما ظنك بما يستلزمه؟ والذي
منعنا وجوده في الاسم هو دلالته على الزمان كما يدل الفعل عليه، وأعني به أنه يدل
على زمن ماض غير زمان الخطاب أو مقارن له أو مستقبل عنه، فهذا هو القدر
٧٢/ب الذي / اختص به الفعل ولا يوجد في شيء من الأسماء .
فإذا قلت: ((ضرب)) دل على زمان ماض غير زمن الخطاب، ومن ضرورته أن
زمن الخطاب مستقبل عنه، ويضرب واضرب بالعكس، وتضرب إذا جعلته
للحال دل على زمان ماض، وهو زمن الخطاب، فكل واحد من الأفعال دال على
زمانين زمن الخطاب وزمن منسوب إليه، وإن كانا في الحاضر متحدين، ومثل هذا
لا يوجد في شيء من الأسماء لا بمادته ولا بصورته .
وقول من قال: إن اليوم وأمس وغدا يدل على أحد الأزمنة الثلاثة بمادته،
وأخذه في حد الفعل أن يدل ببنيته ليحترز عن ذلك مدخول بما حررناه، فعلم
بذلك أن اسم الفاعل لا دلة له على زمن الخطاب البتة، وأن قولنا: إطلاق اسم
الفاعل بمعنى الحال حقيقة ليس بهذا المعنى خلافا لمن غلط في ذلك .
الثاني: أن مدلول اسم الفاعل شخص متصف بالفعل كما قدمنا حاضرا كان أو
ماضيا أو مستقبلا، يعني بالنسبة إلى زمن الخطاب، وهذا المدلول مركب بقيد
الاتصاف بالفعل لابد منه، لأنه أحد جزئي المدلول، فمتى لم يكن لذلك الفعل
وجود فيه في زمن ما، فلا شك أنه لا يصح إطلاق اللفظ عليه لعدم حصول
مدلوله ، ومتى اتصف بالفعل في زمن بقي ذلك الزمن المدلول حاصل بإطلاق
اسم الفاعل عليه حقيقة لأنه استعمال في مدلوله ، وإطلاقه عليه قبل حصوله
باعتبار توقع محصوله مجاز، لانه استعمال له في غير موضوعه، لأنه إنما وضع
للمركب من جزأين موجودين بالفعل، وهنا ليس كذلك، وإطلاقه عليه بعد
حصوله مجاز أيضا على الصحيح .
وهذا التقسيم ليس بالنسبة إلى وقت الخطاب، بل بالنسبة إلى وقت حصول
٩٨

المعنى المقّضي للاشتقاق.
وانما تطرقت الحقيقة والمجاز إليه من جهة إطلاق اللفظ على موضوعه وعلى غير
موضوعه، فموضوعه هو التركيب وقت التركيب، فإن أريد كان اللفظ حقيقة فيه
سواء تكلم به في ذلك الوقت أم غيره، وإن أريد به غيره كان مجازا سواء تكلم به
ذلك الوقت أم غيره .
والخلاف راجع إلى أن حالة اقتران الفعل بالشخص هل هي شرط في المدلول
أم لا؟ والصحيح: أنها شرط لضرورة التركيب، فلذلك اعتبر الحال، وليس
معتبراً لكون الزمان مأخوذا في موضوعه، ولكن لأن اللفظ موضوع للمركب
وحقيقة المركب عقلا تستدعي وقت التركيب، فكان ذلك الزمان شرطا لوجود
المدلول الصحيح للاستعمال الحقيقي ، فهذا معنى قولهم: إن إطلاق اسم الفاعل
بالنسبة إلى الحال حقيقة أي : مقصود به الحال الذي وجد مدلوله فيها، وهي حال
قيام المعنى به، وإنما دل على ذلك قاعدة الاشتقاق واستدعاؤه وجود المعنى المشتق
منه، لأن المشتق مركب والمشتق منه مفرد، والمركب مستلزم للمفرد .
واعتقد كثير من الناس أن المقصود بهذا وقت الخطاب فغلط ، ومعنى قولهم:
إن إطلاقه بالنسبة إلى الماضي والمستقبل مجاز، أي إذا قصد تلك الحالة، وإن كان
الإطلاق قبلها أو بعدها .
ومعنى قولنا: قصد به تلك الحال، أي قصد مدلوله الكائن في تلك الحال، وأما
الحال، فليس اللفظ الموضوع موضوعا لها .
الثالث: قد عرفت أن اسم الفاعل لا يدل على الزمان، وأنه إن أطلق وأريد به
وقت حصول المعنى المشتق منه كان حقيقة، وإلا كان مجازا، ولا فرق في ذلك بين
أن يكون مفردا أو مركبا واقعا جزء كلام، ولا يستلزم كون المفرد يوصف بالحقيقة
والمجاز، فإنك إذا ذكرت الأسماء من غير عقد وتركيب وأردت بها حقائقها كانت
حقيقة وإلا مجازا .
وإذا وقع جزء الكلام، فإما أن يكون الكلام طلبا أو خبرا، فإن كان طلبا كقوله
تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] اقتضى طلب قتل مستقبل للاشخاص
٩٩

المتصفين بالشرك حين القتل، سواء كانوا موجودين حالة الخطاب أم حادثين
بعده، ومنهم من يشرك بعد حقيقة لا مجازا، لأنه ما قصد به إلا من هو متصف
بالشرك، فكيف يكون مجازا؟
ولا يدخل من أشرك ثم أسلم، ولا من ظن أنه مشرك بعد ذلك، لأن كلا منهما
لا يسمى مشركا حقيقة، بل مجازا لأن اللفظ إنما يحمل على حقيقته .
وبهذا يظهر أن سؤال القَرَافي لا وقع له، وقوله: إن المراد في هذه المسألة
المحكوم به يقال له: إن قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] معناه الذين هم
مشركون، فقد وقع اسم الفاعل محكوما به، وقوله: إن متعلق الحكم لیس یراد،
يرد عليه قولك: القاتل يقتل أو الكافر يقتل، وأردت به معهودا حاضرا، فإنه لا
يكون حقيقة حتى يكون القتل قائما به من حين الخطاب وهو مما اقتضته القاعدة في
المسألة . هذا حكم الأمر والنهي، وإن كان الكلام خبراً، فإن كان ماضيا واسم
الفاعل نكرة غير عامة، كقولك: قتلت كافرا فصدقه بوجود تلك الصفة في الماضي
حالة القتل، وإن كانت مضافة إليها ((كل)) كقولك: قتلت كل كافر اقتضت تعميم
القتل لكل كافر في الماضي ، وهل الكافر في المستقبل خارج عن ذلك بقرينة الفعل
الماضي فيكون مخصوصا أو لم يدخل البتة؟ في الدلالة فيه ما أشرنا إليه من
الاحتمالين .
والحاصل : أن اسم الفاعل حقيقة في شخص متصف بحدث حال قيامه به،
ومجاز فيما سيتصف به، وكذا فيما انقضى اتصافه به على الصحيح، ولا فرق في
الأقسام الثلاثة بين أن يكون إطلاق ذلك في تلك الحالة أو في غيرها، فالاعتبار في
الحقيقة والمجاز بزمان الاتصاف لا بزمان الإطلاق، ولا فرق بين أن يكون محكوما
عليه أو به أو تعلق الحكم حيث وجد في قضية فعلية مقيد بزمان فعلها، وفي قضية
اسمية إن قيدت تقيدت، وإن أطلقت حملت على الحال باسم فاعل كان المحكوم
أو غيره من الأسماء المشتقة أو الجامدة .
١٠٠