النص المفهرس
صفحات 61-80
وسميت متباينة من البين الذي مو التباعد، لأن مسمى هذا غير مسمى داك، أو من البين الذي هو الفراق، لمفارقة كل واحد من الآخر لفظا ومعنى . الثالث: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى، فهي المترادفة كالإنسان والبشر . قال ابن خروف النحوي: وإنما يكون في الأجناس لا الأعلام. انتهى. واشتقاقه من ردف الدابة، يشبه اجتماع الراكبين على معنى واحد باجتماع الراكبين على دابة واحدة، ثم إن اتحد مسماها ظهر الترادف، وإن اختلف بوجه من الوجوه فلا ترادف، وقد يخفى وجه الاختلاف فيقع الغلط، ومما اعتبره بعضهم في هذا النظر في الاشتقاق اللفظي، ويجعل التباين واقعاً فيه، ومن ثم أنكره بعضهم كما سيأتي . الرابع: عكسه، فإما أن يكون قد وضع للكل أي : لكل واحد من تلك المعاني أو، لا. والأول: المشترك كالعين لمدلولاتها المتعددة. والثاني: أن لا يوضع لكل واحد بل لمعنى، ثم ينتقل إلى غيره، فإما أن ينتقل العلاقة أو، لا، فإن لم ينتقل لعلاقة فهو المرتجل، قاله الإمام، وهو مخالف لاصطلاح النحاة، فإن المرتجل عندهم هو الذي لم يسبق بوضع، كغطفان مأخوذ من قولهم: شعر مرتجل أي لم يسبق بفكر مأخوذ من الرجل، لأنه إذا لم يسبق بفكر متأمله كالواقف على رجل، فإنه لا يتمكن من النظر، وإن نقل لعلاقة فإما أن تقوى في الثاني أو، لا. والأول: المنقول، ثم إن كان الناقل الشرع كالصلاة سمي بالألفاظ الشرعية، أو العرف العام فالعرفية، أو الخاص كاصطلاح النحاة على المبتدأ والخبر سمي بالاصطلاحية، وإنما أطلق على هذا نقلا مجازا، لأن الالفاظ لا تبقى زمنين، وما لا يقبل البقاء لا يقبل التحويل، ولكن لما وضع لشيء ثم استعمل في غيره حتى غلب عليه، فكأنه قد حول من موضع إلى موضع. والثاني : وهو أن لا يكون دلالة اللفظ على المنقول إليه أقوى من دلالته على المنقول عنه، فإن الأول يسمى بالنسبة إلى استعماله في الأول حقيقة، والثاني مجازا . ٦١ وقال بعضهم: المجاز ثلاثة أقسام، لأن استعمال اللفظ في غير موضوعه إن لم يكن لمناسبة بينه وبين ما وضع له فهو المرتجل، وإن كان فإن لم يحسن فيه أداة التشبيه فهو الاستعارة، وإن حسن ذلك فهو مجاز التشبيه، وفائدة المرتجل التوسع في الكلام . واعلم أن الأقسام الأول المتحدة المعنى نصوص، لأن لكل لفظ منها فردا معينا لا يحتمل غيره، وقولنا: المتحدة المعنى يخرج العين والقرء ، فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأجل الاشتراك، وأما القسم الرابع فإما أن تكون دلالته علی کل واحد من المعاني على السواء أي : متساويان في الفهم، فليس اللفظ بالنسبة إليها معا مشتركا وبالنسبة إلى كل واحد بعينه مجملا، وإلا فإن كانت دلالته على بعضها أرجح فالطرف الراجح ظاهر لما فيه من الظهور بالنسبة إلى أحد معنييه، وقد سماه الشافعي أيضا نصا لملاحظة المعنى اللغوي، والمرجوح مؤول، لأنه يؤول إلى الظهور عند مساعدة الدليل، فقوله وَله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ظاهر في نفي الإجزاء راجح ، وهو مرجوح في نفي الكمال والقدر المشترك بين النص والظاهر من الرجحان يسمى المحكم لإحكام عبارته وإثباته ، فالمحكم جنس لنوعي النص والظاهر، ومقابلهما المجمل والمؤول، والقدر المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى المتشابه، فهو جنس لنوعي المجمل والمؤول . وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [سورة آل عمران/ ٧]. ٦٢ تقسيم اللفظ المركب وهو إما / تام أو غير تام، فأما التام فهو الذي يحسن السكوت عليه، ويسمى ٦٧/ب كلاما. قال الزمخشري: وجملة، والصواب: أن الجملة أعم من الكلام، لأن شرط الكلام الإفادة بخلاف الجملة، ولهذا يقولون: جملة الشرط جملة الجواب، وهو ليس بمفيد، فليس كلاما . وقال: ابن دقيق العيد: شرط قوم من النحاة أن يكون مفيدا للسامع فائدة غير معلومة له. والصواب : حصول حقيقة الكلام بمجرد الإسناد الذي يصح السكوت عليه، وإلا لزم أن تكون القضايا البديهية كلها ليست كلاما، وهو باطل، لوجوب انتهاء جميع الدلائل إليها . وحكى ابن فارس عن بعضهم: أن المهمل يطلق عليه كلام ، وخَطّأه. قال: وأهل اللغة لم يذكروه في أقسام الكلام . وحكى بعض شراح ((اللمع)) أن أبا إسحاق حكى في كتابه ((الإرشاد)) وجهين لأصحابنا في أن المهمل كلام أو، لا؟ قال: والأشبه أنه يسمى كلاما مجازا، ولا يتألف الكلام إلا من اسمين، أو اسم وفعل، إما ملفوظ به كقام زيد أو مقدر كيازيدُ، فإن حرف النداء في تقدير الفعل، وهو أدعو زيداً . واعترض على هذا بأنه لو كان كذلك لاحتمل التكذيب والتصديق، وسنذكر جوابه . وزاد بعضهم تركيب الحروف مع ما هو في تقدير الاسم نحو، أما أنّك ذاهب بفتح ((أنّ)، وزعم ابن خروف أن هذا من باب يازيد على مذهب أبي علي، وهو مردود بأن (أن)) وإن کان في تقدیر مفرد، فإن في الكلام مسندا ومسنداً إليه، وجوز القاضي أبو بكر وإمام الحرمين ائتلافه من فعل وحرف نحو قد قام، وهو مردود بأن ٦٣ هذا إنما يفيد لتصور ضمير في الفعل الذي هو في ((قام))، فيكون المعنى قد قام فلان . واشترط القاضي أبو بكر فيه أن يكون من ناطق واحد، فلو اصطلح اثنان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ، والآخر فاعل ذلك الفعل أو خبر ذلك المبتدأ ، فليس بكلام، وتبعه الغزالي في ((المستصفى)) في الكلام على تخصيص العام هل يغير صفته؟ ورد ابن مالك ذلك، وقال: المجموع كلام، لاشتماله على حده، ولا يشترط اتحاد الناطق كما لا يشترط اتحاد الكاتب في كون الخط خطأً . ثم اختلف المتكلمون فيه في مواضع: أحدها : أنه هل يحد؟ فمنعه بعضهم، وقال إنما يبين بالتفصيل، لأنه مركب من الأمر والنهي والخبر والاستخبار، ولا عبارة تحيط بذلك إلا بتطويل يصان الحد عنه، والجمهور على أنه يحدّ، وللقاضي فيه قولان، واستقر رأيه على أنه يجد کالعلم . ثم اختلفوا فقال الأشعري: ما أوجب لمحله كونه متكلما، وقال الأستاذ أبو إسحاق: القول القائم بالنفس التي تدل عليه العبارات، وزيف بأن الكلام هو القول فكيف يحد الشيء بنفسه؟ وقوله: القائم بالنفس مجاز ، فإن القائم من صفات العقلاء، ثم إن الدلالة لا تستقل بها الألفاظ، بل لابد معها من قرينة . الثاني: اختلفوا وهل هو حقيقة في اللساني أو النفساني؟ فيه ثلاثة أقوال تقدمت محكية عن الأشعري والأول قول المعتزلة، والمختار الثاني. ويتخرج على ذلك مسألتان: إحداهما : أن الكلام في الصلاة مطلقا مبطل، فلو نظر المصلي في مكتوب غير قرآن وردد ما فيه في نفسه لم تبطل، وقيل: تبطل إن طال، حكاه ابن كج عن النص . الثانية: إذا حلف لا يتكلم فتكلم في نفسه من غير أن يخاطب أحدا أو صلى وسلم في صلاته هل يحنث؟ ٦٤ قال الخوارزمي في ((الكافي)): يحتمل وجهين : أحدهما: لا يحنث ويحمل على الكلام المتعارف بين الناس. قال : والأصح أنه يحنث، لأنه كلام حقيقة. واعلم أنه لم يفرع أئمتنا على الكلام النفسي ولا اعتبروه بمجرده في إثبات العقود ولا في فسخها، ولم يوقعوا الطلاق والعتاق بالنية، وإن صمم عليها بقلبه لأن النية غير المنوى، فلا يستلزم أحدهما الآخر، ويمكن أن يستدل له بقوله وَ له: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل) ووجه اختلاف قول الأصحاب فيما لو حرك لسانه بالطلاق، ولم يرفع صوته بحيث يسمع السميع بنفسه، أن تحريك اللسان نطق، وإنما لم يثبتوا له حكم الكلام على أحد الوجهين كما لم يجعلوه قراءة إذا لم يسمع نفسه، ولأن العقود المفتقرة إلى الإشهاد تفتقر إلى سماع الشاهد وطريقه الصوت، والله أعلم . [أقسام الكلام باعتبار ما يترتب عليه من المعنى] وينقسم الكلام باعتبار ما يترتب عليه من المعنى إلى أقسام ثلاثة: لأنه إما أن يفيد طلبا بالوضع أو، لا، والأول إن كان الطلب لذكر ماهية الشيء فهو الاستفهام كقولك ما هذا؟ ومن هذا؟ وإن كان لتحصيل أمر من الأمور فإن كان مع الاستعلاء فأمر، أو مع التساوي فالتماس، أو مع التسفل فدعاء . والثاني: إما أن يحتمل الصدق والكذب أو، لا، والأول الخبر والثاني التنبيه، ويندرج فيه التمني والترجي والقسم والنداء ، ويسمى الخبر قضية، لأنك قضيت فيها بأحدهما على الآخر، ويسمى الأول من جزأيها محكوما عليه، والآخر محكوما به، والمنطقيون يسمون الأول موضوعا والثاني محمولا . ثم القضية إما كلية أو جزئية أو صالحة لهما، وتسمى المهملة، وصدقها على الجزئي ضروري، فأما صدقها على الكلي فمنعه المنطقيون. وأما لغة العرب قتقتضى الحكم عليه بالاستغراق، وعليه جرى الأصوليون، وما ذكرناه من كون النداء من جملة أقسام الإنشاء لا شك فيه، وزعم ابن بابشاذ ٦٥ النحوي أن قولهم في القذف: يا فاسق يازاني مما يدخله الصدق والكذب، وغلطوه بأن التكذيب لا يرد على النداء، إذ لا فرق بين نداء الاسم والصفة فيما يرجع إلى حقيقة التذكير، وإنما يرد على أنه ليس فيه تلك الصفة نفسها، وذلك غير النداء، ونحوه قول ابن برهان: في ((الغرة)) إذا ناديت وصفا فالجملة خبرية، وإذا ناديت. اسما فالجملة ليست بخبرية، ولهذا لو قال: يازانية وجب الحدّ. نعم . اختلفوا في ناصب المنادي، فقيل: فعل مضمر أي أدعو زيدا، وفيه نظر لأنه إخراج النداء إلى باب الإخبار الذي يدخله الصدق والكذب، وقيل الحرف، وهو ((يا)» لأنه صار بدلا من الفعل المحذوف بدليل أنها أميلت. وقال العبدري: ((يا)) اسم فعل فنصبت كنصبه، لأن ((يا)) اسم لقولك أنادي كما أن ((أف)) اسم لقولك: أتضجر، وردّ بأن ((أنادي)) خبر وليس ((يا)) بخبر، ومن شرط اسم الفعل أن يوافقه في قبول الصدق والكذب وعدمه . ١/٦٨ وقد خطأ الإمام فخر الدين في تفسيره / في أوائل البقرة من فسر قولنا: يازيد بأنادي زيداً من وجوه، حاصلها يرجع إلى أن ((يازيد)» إنشاء ، وقولنا أنادي خبر، ولأنه لو كان كذلك لصلح قولنا: ((يازيد)) أن يكون خطابا لعمر وكما صلح قولنا: أنادي زيداً لذلك . ورد عليه بعضهم بأنا لا نسلم أن ((أنادي)) الذي هو بمعنى ((يازيد)) خبر، وإنما هو إنشاء، نعم: الخبر الذي هو أنادي زيدا ليس هو بهذا المعنى. وأجاب الشيخ شرف الدين المرسي بأن الخبر قد ينقل من الخبرية إلى الإنشائية كألفاظ العقود التي يقصد بها استحداث الأحكام بأنها بعد نقلها إلى الإنشاء لم تبق تحتمل الصدق والكذب، فكذلك هذا . وكل هذا غفلة عن تحقيق المحذوف في المنادي، وسيبويه لم يقدر ((يازيد)» بأنادي زیدا ، بل قدره «ياأنادي زیداً)) کان «یا» أولاً تنبيه غیر خاص یمکن أن یتنبه به من سمعه، فبين المنبه بعد هذا التنبيه غير الخاص أنه خاص، فتقدير الفعل في النداء على مذهب سيبويه لا يحيل المعنى، ولا يغيره من باب الإنشاء إلى الخبر، كما قالوا: بل هو كتقدير المتعلق في قولك: ((زيد عندك)) الذي هو مستقر إذا قدرت فقلت: ٦٦ زيد مستقر عندك. في أنه لا يحيل المعنى ولا يغيره، وهذه فائدة جليلة تصيدتها من كلام الأستاذ النحوي أبي علي الشلوبين رضي الله عنه . ٠٠٠ ٦٧ خاتمَة في أمرين يتعين الاهتمام بهمَا [مبحث الاسم عين المسمّى أو غيره] أحدهما: الكلام في أن الاسم هل هو المسمى أو غيره؟ وقد كثر خبط الناس فيها، وقولهم: إن الخلاف غير محقق، وأنه لو كان الاسم هو المسمى لاحترق من نطق باسم النار، ولو كان غيره للزم كذا وكذا، وكل ذلك ناشىء عن عدم فهم المسألة . فنقول: إذا سميت شيئاً باسم، فالنظر في ثلاثة أشياء: ذلك الاسم وهو اللفظ ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها، وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ، والذات واللفظ متغايران قطعا، والنحاة إنما يطلقون الاسم على اللفظ، لأنهم إنما يتكلمون في الألفاظ، وهو غير المسمى قطعا عند الفريقين، والذات هو المسمى عند الفريقين، وليس هو الاسم قطعا . والخلاف في الأمر الثالث، وهو معنى اللفظ قبل التلقيب، فعلى قواعد المتكلمين يطلقون الاسم عليه ويختلفون في أنه الثالث أولا . فالخلاف عندهم حينئذ في الاسم المعنوي هل هو المسمى أم لا؟ لا في الاسم اللفظي ، وأما النحاة فلا يطلقون الاسم على غير اللفظ، لأنهم إنما يبحثون في الألفاظ، والمتكلم لا ينازع في ذلك، ولا يمنع هذا الإطلاق ، لأنه إطلاق اسم المدلول على الدال، ويريد شيئاً دعاه علم الكلام إلى تحقيقه في مسألة الأسماء والصفات ، وإطلاقهما على الباري تعالى . مثاله: إذا قلت : عبد الله أنف الناقة، فالنحاة يريدون باللقب لفظ: أنف ٦٨ الناقة، والمتكلمون يريدون معناه، وهو ما يفهم منه من مدح أو ذم . وقول النحاة: إن اللقب ۔ ویعنون بهاللفظ یشعر بضعة أو رفعة - لا ينافيه، لأن اللفظ مشعر لدلالته على المعنى، والمعنى في الحقيقة هو المقتضى للضعة أو الرفعة، وذات عبد الله يعني اللقب عند الفريقين، فهذا تنقيح محل الخلاف، وبه يظهر أن الخلاف خاص بأسماء الأعلام المشتقة لا في كل اسم، والمقصود إنما هو المسألة المتعلقة بأصول الدين في الأسماء والصفات. وقال بعض الأئمة: التحقيق أن الاسم هو المسمى من حيث المدلول، وهو غير المسمى من حيث الدلالة، فإن الدلالة تتغير وتتبدل وتتعدد، والمدلول لا يتعدد ولا يتبدل . وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: قال شيخنا ابن عمرون: هذا الخلاف لفظي، ثم قال: ولا حاجة لي إلى الخوض في ذلك، بل أقول: بدل الاسم العبارة ، وبدل المسمى المعبر عنه ، وهذا لا نزاع فيه . وقال الشيخ بهاء الدين : والذي يظهر أن هذا الخلاف الصحيح أن يحمل على اختلاف حالات فإنا إذا قلنا: ضربت زيداً أو أكرمت زيدا لا شك أن المراد هنا بزيد ليس هذه الحروف بل المسمى، وإذا قلنا: كتبت زيدا، أو محوت زيداً ليس المراد به إلا هذه الحروف لا المسمى، فعرفنا أن الخلاف يرجع إلى اختلاف عبارات . الثاني: أن إثبات الفعل هل يستدعي إثبات مطاوعه أم لا؟ مثاله: إذا قلت أخرجته ، فهل يستدعي ذلك حصول الخروج أولا يستدعيه؟ حتى يصح أن تقول: أخرجته فما خرج وعلمته فما تعلم، وبهذا صرح في ((المحصول)) في الكلام على أن اللغة توقيفية، وينسب إلى ((النهاية)) لإمام الحرمين حكاية فيه. ولا شك أن الموارد مختلفة والاستعمالان واقعان في العرف بحسب اختلاف الموارد . ٦٩ ونقل عن الشيخ علاء الدين الباجي: أنه كان يذهب إلى أن الفعل لا يستدعي مطاوعه ويقول: لو لم يصح علّمته فما تعلم لما صح علمته فتعلّم. يعني بدنك أن التعليم لو كان علة لحصول العلم لما عطف عليه بالفاء ، لأن العلة مع معلولها لا تعقيب بينهما، وإن قلنا: إن المعلول يتأخر لم يكن فائدة في قولنا: فتعلم، لأن التعلم فهم من قولنا: علمته، وهذا كلام ضعيف لأنا إن سلمنا أن العلة غير سابقة للمعلول زمناً فهي سابقة بالذات إجماعا ، وذلك كاف في تعقيب معلولها، فإن قلت : أليس يقال: كسرته فما انكسر؟ فما وجه صحة قولنا مع ذلك علمته فما تعلم؟ قلت: فرق بينهما الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى بأن العلم في القلب من الله تعالى يتوقف على أمور من المعلم والمتعلم فكان علمته موضوعاً للجزء الذي من العلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم بخلاف الكسر، فإنه أثر لا واسطة بينه وبين الانكسار. ورجح بعض أذكياء المتأخرين أن الفعل يستدعي حصول مطاوعه محتجا بقوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾ [سورة الأعراف / ١٧٨] فأخبر عن كل من هداه بأنه اهتدى ، واهتدى مطاوع هدی ، وأنه حيث وجدناه في الاستعمال بغير ذلك فهو مجاز، لكن يشهد لوجود الفعل دون مطاوعه قوله تعالى : ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ [سورة الإسراء/٥٩] وقوله: ﴿ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيراً﴾ [سورة الإسراء / ٦٠] فإن كلاً منهما يتضمن حصول التخويف، ولم يحصل للكفار خوف أعني الخوف النافع الذي يصرفهم إلى الإيمان، فإنه هو المطاوع للتخويف المراد في الآية ، وأما قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [سورة فصلت / ١٧] فليس من ذلك، لأن الهدى هنا بمعنى الدعوة لا بمعنى الرشاد ، لقوله تعالى: ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [سورة فصلت / ١٧]. ٧٠ ٦٨/ب / مبَاحث الاشتقاق هو افتعال من الشق بمعنى الاقتطاع من انشقت العصا إذا تفرقت أجزاؤها، فإن معنى المادة الواحدة تتوزع على ألفاظ كثيرة مقتطعة منها، أو من شققت الثوب والخشبة، فيكون كل جزء منها مناسباً لصاحبه في المادة والصورة، وهو يقع باعتبار حالين : أحدهما: أن ترى لفظين اشتركا في الحروف الأصلية والمعنى، وتريد أن تعلم أيهما أصل أو فرع . والثانية: أن ترى لفظا قضت القواعد بأن مثله أصل، وتريد أن تبني منه لفظا آخر، والأولى تقع باعتبار عام غالبا ، والثانية باعتبار خاص، إما بحسب الإحالة على الأولى أو بحسب ما يخصها ، فمن الأولى الكلام في المصدر والفعل أيهما أصل والآخر فرع؟ ومن الثانية الكلام في كيفية بناء اسم فاعل من له الطلاق مثلا . واعلم أن الأسماء المشتقة تفيد المعرفة بذات الشيء وصفته، وأنشد ابن السَّمْعاني في ذلك للحسن بن هانىء : ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا وإن اسم حسنى لوجهها صفة فيجمع اللفظ معنيين معا فهي إذا سميت فقد وصفت وقال الأئمة: الاشتقاق من أشرف علوم العربية وأدقها وعليه مدار علم التصريف في معرفة الأصلي والزائد والأسماء والأفعال لبنية يحتاج إلى معرفتها في الاشتقاق، وتوقف عليه في النحو، والكلام فيه في مواطن : ٧١ الأول : في ثبوته . وحكى ابن الخشاب فيه ثلاثة مذاهب : أحدها: جوازه مطلقا، فيشتق ما يمكن اشتقاقه وما يبعد أو يستحيل. قاله ابن درستويه . قلت: وكذلك أبو إسحاق الزجاج صنف كتابا، وذكر فيه اشتقاق جميع الأشياء . والثاني: منعه مطلقا، وليس في الكلام مشتق من آخر، بل الجميع موضوع بلفظ جديد، وهو مذهب محمد بن إبراهيم المعروف بنفطويه . قال: وكان ظاهريا في ذا، وفي مذهبه، وكان من أجلة أصحاب داود، ووافقه أبو بكر بن مقسم المقري، وهذان المذهبان طرفان. والثالث: وهو الصحيح المشهور، وعليه الحذاق من أهل علم اللسان كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبي عبيد وقطرب وغيرهم أن في الكلام مشتقا وغير مشتق، وهو المرتجل . قال ابن السراج : لو جمدت المصادر وارتفع الاشتقاق من كل كلام لم توجد صفة لموصوف ، ولا فعل الفاعل، ولولا الاشتقاق لاحتيج في موضع الجزء من الكلمة إلى كلام كثير، ألا ترى كيف تدل ((التاء)) في تضرب على معنى المخاطبة والاستقبال، والياء في يضرب على معنى الغيبة والاستقبال؟ وكذا باقي حروف المضارعة، ولو جعل لكل معنى لفظ يتبين به من غير أصل يرجع إليه لانتشر الكلام وبعد الإفهام ونقصت القوة . الثاني في حده: قال الرماني: هو اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريف الأصل. قال ابن الخشاب: وهذا الحد صحيح وهو عام لكل اشتقاق صناعي وغير صناعي. ٧٢ وقال الرماني في موضع آخر: هو الإنشاء عن الأصل فرعا يدل عليه، وهو أيضا ما يكون منه النحت والتغيير لإخراج الأصل بالتأمل كأنك تشق الشيء ليخرج منه الأصل ، وكأن الأصل مدفون فيه، فأنت تشقه لتخرجه منه . قال ابن الخشاب وظاهره : أنك استخرجت الأصل من الفرع، وإنما الحق أنه رد الفرع إلى أصله بمعنى جمعهما، وهو خاص في أصل الوضع بالأصل . وقال الميداني: أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر . وقال صاحب الكشاف : أن ينتظم من الصفتين فصاعدا معنى واحد، وهو غير مانع فإن الضارب والمضروب قد انتظما في معنى واحد وهو الضرب مع أنه لا اشتقاق فيهما، وكذلك ينتظم الأفعال كلها في معنى واحد، وهو معنى المصدر مع أن بعضها ليس مشتقاً من بعض، لكن الظاهر أن مراده أن الاشتقاق يكون من ذلك المعنى الذي ينتظمهما، وهو الضرب مثلا . والتحقيق : أن الاشتقاق يحد تارة باعتبار العلم، وتارة باعتبار العمل. ففي الأول إذا أردت تقرير أن الكلمة ممّ اشتقت؟ فإنك تردها إلى آخر لتعرف أنها مشتقة، وفي الثاني إذا أردت أن تشتق الكلمة من شيء فإنك تأخذها منه ، فقد جعلتها مشتقة منه، فالتفاوت إنما يحصل من الرد والأخذ، فهذا قبل الاشتقاق، والأول بعده . والمختار على الأول : أنه رد لفظ إلى آخر أبسط معنى منه حقيقة أو مجازا لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية كضارب وضَرَبَ من ضَرْب، فحكمنا باشتقاق ضَرَبَ وضارب لأن ضربا أبسط منه، والبسيط قبل المركب فشمل اللفظ الأسماء والأفعال على المذهبين والحروف . قال ابن جني: الاشتقاق كما يقع في الأسماء يقع في الحروف، فإن ((نعم)) حرف جواب. وأرى أن نعم، والنعم، والنعماء، والنعيم، مشتقة منه، وكذلك أنعم صباحا ، لأن الجواب به محبوب للقلوب، وكذلك سوّفت من ((سوف)) الذي هو حرف تنفيس، ولوليت إذا قلت له : لولا، وليليت إذا قلت له: لا لا ، ثم قد ٧٣ يكون المعنى في المشتق حقيقة، كضارب من الضرب، وقد يكون مجازا على جهة الاتساع نحو ضرب في الغنيمة وغيرها بسهم أي أخذ، وضارب لفلان بماله، ومال فلان ضربت(١) أي : نيل، لأنهم كانوا إذا اقتسموا غنيمة أو غيرها ضربوا عليها بسهام القرعة وهي الأقلام، ثم اضطرد ذلك في كل من أخذ نصيبا من شيء قد ضرب فيه بسهم ، والمضاربة بالمال مشتقة من الضرب في الأرض وهو السفر، لأن المضارب يسافر عالما ليطلب الربح ، ثم اطرد ذلك في كل مسافر وإن لم يضارب . وخرج باشتراط المناسبة ما لا يناسبه أصلا، وبالحروف عما لا يوافقه في الحروف، بل في المعنى كمنع وحبس فلا يقال: إن أحدهما مشتق من الآخر ، وبالأصلية التناسب في الزيادة كدخل، فإنه مشتق من الدخول مع أنه غير موافق لمصدره في الواو، لأنها زائدة، والمناسبة في المعنى ما يوافق في اللفظ دون المعنى، كضرب بمعنى سافر، لا يكون مشتقاً من الضرب بمعنى القتل ، وشرط بعضهم الترتيب في الحروف أي أن تبقى حروف الأصل في الفرع على ترتيبها في الأصل، وترجع تفاريع المادة الواحدة منه إلى معنى مشترك في الجملة، كضرب من الضرب، وكما دل قولنا إلى آخر على تغاير اللفظين كذلك قولنا: لمناسبة بينهما في المعنى يدل على تغاير المعنيين ، إذ الشيء لا يناسب نفسه، وحينئذ فلا يرد المعدول، لأنه لا مناسبة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى. الثالث(٢) في فائدته: ١/٦٩ وسبق صدر البحث، / وقال ابن الحوبي: فائدته تسهيل السبيل على الواضع والمتعلم جميعا، فإن المعنى الواحد في الحقيقة يختلف بالعوارض، فإن وضع لكل واحد اسم على حدة من حروف متباينة احتاج الواضع إلى صيغ كثيرة، والمتعلم إلى حفظ أفراد كثيرة، فإذا قال الواضع: ما على وزن الفاعل من كل فعل هو الفاعل ذلك الفعل لم يحتج إلى وضع الضارب والقاتل والشاتم، والمتعلم إذا علم (١) هكذا في جميع النسخ ولعله ((ضُرِبَ)). (٢) أي : من المواطن. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٧٤ (ضرب)) علم ((الضارب)) و((المضروب)) والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والغيبة والحضور، وهذا هو عمدة العربية . الرابع : في تقسيمه : وهو أصغر وأكبر وأوسط ، فالأصغر : ما كانت الحروف الأصلية فيه مستوية في التركيب، نحو ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب . والأكبر ما كانت الحروف فيه غير مرتبة كالتراكيب الستة في كل من جهة دلالتها على القوة، فترد مادة اللفظين فصاعدا إلى معنى واحد، ونحو ما ذهب إليه ابن جني من عقد التغاليب الستة في القول على معنى السرعة والخفة نحو القول والقلو والولق والوقل واللوق ، وكذلك الكلام على الشدة كالملك والكمل واللكم . قال الشيخ أبو حيان: ولم يقل بهذا الاشتقاق الأكبر أحد من النحويين إلا أبا الفتح، وحكي عن أبي علي الفارسي أنه كان يتأنس به في بعض المواضع . قال أبو حيان: والصحيح: أن هذا الاشتقاق غير معول عليه لعدم اضطراده . قلت : قد ذهب إليه أبو الحسن بن فارس، وبنى عليه كتابه ((المقاييس)) في اللغة، فيرد تراكيب المادة المختلفة إلى معنى واحد مشترك بينهما، وقد يكون ظاهرا في بعضها خفيا في البعض، فيحتاج في رده إلى ذلك المعنى إلى تلطف واتساع في اللغة ، ومعرفة المناسبات. مثاله: من مادة ((ص رب)) تصبر وتربص وتبصر، والتراكيب الثلاثة راجعة إلى معنى التأني نحو : تصبر على فلان إنه معسر ثم طالبه و[قول الشاعر]: تطلق يوماأو يموت حليلها تربص بها ريب المنون لعلها ومن مادة (ع ب ر)» عبر وربع وبعر وبرع ورعب، وهذه المادة ترجع إلى معنى الانتقال والمجاوزة، ومن ذلك ((ح س د)) حسد ودحس وحدس ترجع إلى معنى التضييق، والحدس جودة الفراسة وإصابتها، لأن الحادس يضيق مجال الحكم حتى یتعین له محكوم واحد . وأما الاوسط: فهو أن تتفق أكثر حروف الكلمة كفلق وفلح وفلد يدل على ٧٥ الشق، ووقع هذا في كلام الزمخشري في مواضع . الخامس: في أركانه: وهي أربعة: المشتق، والمشتق منه، والمشاركة بينهما في الحروف الأصلية، والرابع التغيير اللاحق فلابد من التغيير اللفظي، ويحصل التغيير المعنوي بطريق التبع . السادس: في أقسامه : ولم يذكره الإمام فخر الدين من أقسام التعبير غير تسعة، وذكر لها مثالين أو ثلاثة وأعرض عن الباقي ظنا منه سهولة استخراجها . وذكر ابن الخباز الموصلي: أنها كلمة مشكلة التحصيل، وأنه ما يتأتى له استخراجها إلا بعد إطالة الفكر وإدامة الذكر ، وأنه مر عليه زمان وهو آيس من تحصيلها، وأنه بحث فيها مع شيخه فخر الدين عمر النحوي الموصلي فلم يزده على صورة أو صورتين . قال: ثم مَنَّ اللّه تعالى بفتح رتاج الإشكال فذكر أمثلة التسعة، وذكرها رضي الدين بن جعفر البغدادي والقاضي ناصر الدين البيضاوي وزاد عليها ستة أقسام، فبلغت خمسة عشر ، وقال ابن جعفر : لا تمكن الزيادة عليها، ورأيت للشيخ جمال الدين بن مالك زيادة عليها تسعة أخرى، فبلغت أربعة وعشرين . وقال: والذي ينبغي أن يسأل عن أمثلة تغيير المشتق بالنسبة إلى المشتق منه، ليدخل في ذلك الفعل فإنه أصل في الاشتقاق، إذ لا فعل إلا وهو مشتق من مصدر مستعمل أو مقدر ، والاسم تبع له، ولذلك كثر منه الجمود، وبعد ذلك فالاعتبار الصحيح يقتضي كون المشتق بالنسبة إلى مباينة المشتق منه عشرين قسما أو أكثر من ذلك . أولها : زيادة الحرف فقط، نحو كاذب من الكذب، وضاحك من الضحك، وكريم من الكرم، وجزوع من الجزع، زيدت فيها الحروف: الألف والياء والواو. ومثله ابن السراج الأرموي : بطالب ، وقال زيدت فيه الألف، ثم أورد عليه : ٧٦ سؤالا وهو فإن قلت : فيما ذكرتم زيادة حركة مع نقصانها فإنكم نقصتم فتحة اللام التي هي عين الفعل وزدتم كسرتها . وأجاب عنه فقال: المعنى بزيادة الحركة تحريك الساكن، وبنقصانها تسكين المتحرك، وإبدال حركة بحركة ليس من الزيادة والنقصان المذكورين في شيء، ولو جعلنا إبدال حركة بحركة زيادة حركة ونقصان أخرى لكان كاذبا من الكذب مثالا له . قال الشيخ جمال الدين بن الشريشي : وهذا كلام صحيح إلا أن قوله : ولو جعلنا إبدال حركة الخ لا يحتاج إليه، فإنه إبدال حركة بحركة لا زيادة ولا نقصان ، وإن كان قد ينزع به، وإنما المراد بالزيادة والنقصان ما قاله أولا من تحريك الساكن وتسكين المتحرك ، وهو المراد بالزيادة والنقصان عند أرباب العربية على ما هو مذكور في التصريف . ثانيها : زيادة الحركة فقط نحو عَلِمَ من العِلْمِ، وضَرَبَ من الضَّرْب، وظَرُفَ من الظُّرْف، زيدت حركة اللام والراء فإنها سواكن في المصدر . ومَثَّله ابن جعفر بقوله: طلب من الطلب ، وقال: زيد في الفعل حركة البناء التي في آخره ، وفيه نزاع سيأتي بيانه . ثالثها: زيادتهما معا كضارب وعالم وفاضل زيدت الألف وحركة عين الكلمة . ومَثَّله ابن جعفر بـ((طالَبَ)) الفعل الماضي. قال: وهو مشتق من الطلب زيدت فيه الألف وفتحة البناء، وهو فاسد، لأن ((طالب)) إنما هو مشتق من المطالبة كذا قال ابن الشريشي . قلت : الظاهر أن ابن جعفر إنما أراد ((طالب)) اسم فاعل، وبذلك مَثَّلَهَ ابن مالك . رابعها: نقصان الحرف كخرج من الخروج، وصهل من الصهيل، وذهب من الذهاب. نقص منه الواو والتاء والألف . ومَثَّلَه السراج الأرموي بشرس من الشراسة وقال: نقصت منه الألف والتاء ، ومثّله البيضاوي وابن جعفر ((بخّفْ)) فعل أمر من الخوف نقصت الواو . واعترض ٧٧ ٦٩/ب عليه بعضهم بأن الفاء صارت في هذا ساكنة / بعد أن كانت متحركة ، فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معا . وقال ابن الشريشي : هذا المثال غير جيد ، لأن عين الكلمة وهي الواو لم تحذف لأجل الاشتقاق، وإنما حذفت لأجل التقاء الساكنين. ألا ترى أنها تعود عند تحريك الآخر فيما إذا اتصل ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث في قولك خافا وخافوا وخافي؟ وليس الكلام إلا فيما حذف لأجل الاشتقاق حتى يقع به المغايرة بين المشتق والمشتق منه، وأما الحذف لالتقاء الساكنين، فلعلة أخرى بعد حصول صورة المشتق. ألا ترى أن قولنا: ((خافا)) قد عاد فيه المحذوف مع بقاء الكلمة مشتقة معبرة عن أصلها ، وحق هذه الألف أن تكون واواً متحركة لتقع المغايرة بين الفعل والمصدر بحركة هذه الواو، فإنها في المصدر ساكنة ، وحقها أن تكون في الفعل متحركة، ولكن طرأ عليها الاعتلال فانقلبت ألفاً ساكنة، ثم حذف بعد ذلك لالتقاء الساكنين لا للاشتقاق ، وكلامنا إنما هو فيما حذف للاشتقاق . خامسها : نقصان الحركة كأبيض من البياض وأصبح من الصباح ، ونحو اطلب واحذر واضرب ، فإنه نقص منها حركات أوائلها فإنها متحركة في المصدر ساكنة في الفعل . فإن قيل: هذه غير مطابقة، فإن فيها ألفاً زائدة في أوائلها ، فينبغي أن يذكر فيما زيد فيه حرف ونقصت منه حركة ، فالجواب أن الألف التي في أوائلها غير معتد بها في الاشتقاق، فإن صورة المشتق حاصلة بدونها في قولك: يازيد اضرب، وما أشبهه، فالألف ساقطة مع أن صورة الفعل المشتق حاصلة، وإنما يجاء بها في بعض الأحوال، وهو الابتداء بها لسكون أوائلها وتعذر الابتداء بالساكن ، ومثله البيضاوي بـ ((ضرْب)) المصدر من ضرَب الماضي على مذهب الكوفيين في اشتقاقهم المصدر من الفعل الماضي . ومثله ابن مالك بـ «ثار» من الثار،مصدر ثْرَ المکان إذا کثرت حجارته، ومثله ابن جعفر ((بحَرِر)) اسم فاعل من ((حَرَرَ)) الفعل الماضي فقد نقصت منه حركة البناء التي في الفعل وهو بناء على أصله من اعتبار حركة البناء في صيغة الفعل الماضي . ٧٨ سادسها : نقصانهما : نحو ((سر)) من السير، و((بع)) من البيع، نقصت الياء وحركة الراء من الأول والياء وحركة العين من الثاني، ومثله ابن مالك بـ((حيي)) من الحياة، ومثله الأرموي بـ ((عصى)) من العصيان . وقال : نص منه الألف والنون والفتحة التي كانت على الياء في المصدر. ومثله ابن الخباز بـ ((نزا)) وغلا من النزوان والغلیان، ومثله ابن جعفر بـ ((عدّ)) من العدّ، فنقصت منه ألفاً وحركة الدال. وفي هذه الأمثلة كلها نظر، لأن سقوط الحركة فيها إنما هو بسكون آخر الأفعال في عصى ونزا وغلا وعد، وسكون لام الكلمة وحركتها لا يعتبران في صيغة الكلمة وبنيتها، وإنما الاعتبار بالحشو، ألا ترى أن هذا السكون قد يزول مع بقاء صورة الكلمة على حالها ولا يعد زواله مغيراً للكلمة ؟ وذلك من قولنا: عصيا ونزوا وغليا وعدا، وإنما الاعتبار في التغيير بما إذا تغير من صورة الكلمة وبنيتها . ولقائل أن يقول : إنما تحرك آخر هذه الأفعال لاتصال الضمائر بها، وكان الأصل سكونها، فيكون القول الأول صحيحا . سابعها : زيادة حرف ونقصان حرف: نحو تدحرج من الدحرجة، نقص ((هاء)) التأنيث وزادت ((التاء))، وهذا القسم أهمله السراج الأرموي . ومثله ابن جعفر بـ ((دیان)) من الدیانة، وقال: نقصت منه التاء، وزیدت فيه الياء المدغمة الساكنة، ثم قال: وفيه نظر : ومثله ابن مالك بـ ((رؤف)) من الرأفة. ثامنها : زيادة الحركة ونقصان حركة أخرى: نحو اضرب واعلم واشرب، نقص منها حرکات فاء الكلمات، وزید فيها حركات عينها، وألف الوصل لا اعتبار بها كما تقدم. ومثله البيضاوي بـ ((حذر)) من الحذر زيدت فيه كسرة الذال ونقصت فتحته. ٧٩ ومثله ابن جعفر بـ ((كرم)) من الكرم و((شرف)) من الشرف، وقال: نقصت حركة الراء من المصدر وزيدت فيه ضمة الراء وفي («شرف» کسرتها . والحق: أن هذه الأمثلة غير مطابقة، وليس في هذا نقصان ولا زيادة، وإنما هو إبدال . تاسعها : زيادة الحرف ونقصان الحركة: نحو تُحَرِّرُ(١) وتُعَرِّجُ زيد فيه حرف المضارعة ونقص منه فتحة الحاء والياء(٢). وذكر البيضاوي وابن جعفر في مثاله: عاد من العدد، زيدت فيه الألف بعد العين، ونقصت حركة الدال الأولى وفيه نظر، لأن الدال المدغمة أصلها الحركة ، وإنما سكنت وأدغمت لمعنى آخر غير الاشتقاق، وهو توالي المثلين والنظائر . ومَثَّله السراج الأرموي بـ ((أكرم)) من الكَرَم، زيدت فيه الألف، ونقصت حركة الكاف، وفيه نظر، لأن أكرم مشتق من الإکرام الذي هو مصدر لدلالته علیه، ولو جعل الإكرام هو المشتق أولاً لحصل به الغرض. عاشرها : زيادة الحركة ونقصان الحرف: نحو قَدَرَ وَكَتَبَ وَرَحِمَ من القدرة والكتابة والرحمة، وحرم من الحرمان ، ونقص من النقصان. نقص من الأول التاء ومن الأخيرين الألف والنون، وزيد فيها كلها حركات العينات . ومَثِّله البيضاوي وابن جعفر بـ ((بنيت)) من البنيان، وقال: نقصت الألف وزیدت فيه فتحة البناء في الفعل، وسيأتي أن حرکة البناء لا يعتد بها. حادي عشرها : زيادة الحرف والحركة معا مع نقصان حركة أخرى: نحو يضرب، زيد في حرف المضارعة، وحركة عين الكلمة ونقص منه حركة فاء الكلمة، ومثله البيضاوي وابن جعفر(٣) وقال زيدت فيه الهمزة المكسورة، (١) قوله: (تحرر)) يقرأ فعلاً مضارعاً حتى تكون الحاء ساكنة، وكذا (تعرج))، ولعل المصدر ((تحرير)» و (تعریج)). كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. (٢) لعلها : والعين. (٣) لم يذكر المثال، فتأمله. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ولعل المثال: اضْرِبْ. ٨٠