النص المفهرس
صفحات 41-60
ضرورة ، وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه، فافهم هذا التقرير فإنه الصواب، وفي عباراتهم إيهام، واللازم الثاني في الوجود وهو كون المسمى بحيث يلزم من حصوله في الخارج حصول الخارجي فيه . إذا عرفت ذلك فلا خلاف في أن المعتبر في دلالة الالتزام اللزوم الذهني، سواء كان في ذهن كلٍ واحد كما في المتقابلين ، أو عند العالم بالوضع ، وزاد الإمام فخر الدين: ((ظاهراً)) لأن القطعي غير معتبر، وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه ، فإن اليد لا تستلزم القدرة قطعا، لأن اليد تكون شلاء بل ظاهراً ، ومثله قول السَّكّاكي في ((المفتاح)): المراد باللزوم الذهني البين القرينة بحيث ينتقل الذهن من فهمه إلى فهمه، كالشجاعة للأسد، فإنها لازمة ظاهرة يصح إطلاق الأسد لإرادتها بخلاف البخر، وإن كان لازما للأسد لا أنه أخفى، فلا يجوز إطلاق الأسد لإرادته . واختلفوا في اللازم الخارجي هل يعتبر في دلالة الالتزام ؟ فذهب جماعة من الأصوليين إلى اعتباره، فيستدلون باللفظ على كل ما يلزم المسمى ذهنيا أو خارجيا ، ورجحه ابن الحاجب . وذهب المنطقيون ووافقهم الإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي إلى أنه لا يشترط الحصول الفهم بدونه كما في الضدين، وإذا لم يمكن فهم فلا دلالة ، ويرد عليهم أنواع المجازات . والحق : التفات هذا الخلاف على أصل سبق في تفسير الدلالة هل يشترط فيها أنه مهما سمع اللفظ مع العلم بالوضع فهم المعنى أم لا ، بل يكفي الفهم في الجملة؟ وبه يظهر رجحان كلام الأصوليين، بل قد توسع البيانيون فأجروها فيما لا لزوم بينهما أصلا، لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، فحصل ثلاثة مذاهب أوسعها الثالث ، وهو الأظهر . واحتج الإمام بأن الجوهر والعرض متلازمان في الخارج ، واللفظ الدال على أحدهما لا يدل على الآخر بالالتزام وهو ضعيف لوجهين: ٤١ أحدهما : أن دلالة اللفظ على المعنى غير استعماله فيه، فلا يلزم من انتفاء استعمال لفظ الجوهر في العرض وعكسه انتفاء دلالة أحدهما على الآخر بالالتزام ، إذ ليس الاستعمال نفس الدلالة ولا لازمها كما في الوضع الأول قبل الاستعمال . الثاني : أنه إنما يتم أن لو لزم من وجود الشرط وجود المشروط، فلم يلزم من وجود اللزوم الخارجي بدون دلالة الالتزام عدم كونه شرطا لها ، لجواز أن يكون شرطا أو لازما أعم . والعجب من الإمام أنه صرح عقيب هذا الاستدلال أن اللزوم الذهني شرط لا موجب، فبتقدير أن يكون اللزوم الخارجي معتبرا كان كذلك ، فكيف استدل بوجوده مع عدم الاستعمال على عدم الاعتبار؟ التنبيه الثالث [الملازمة الذهنية شرط في الدلالة الالتزامية] إذا شرطنا الملازمة الذهنية فهي شرط في الدلالة الالتزامية، وإطلاق اللفظ سبب ، لأنه المناسب . وقال الإمام: هذا اللازم شرط لا سبب ، يعني أن مجرد اللزوم من غير إطلاق اللفظ ليس بسبب في حصول دلالة الالتزام، بل السبب إنما هو إطلاق اللفظ، فاللزوم شرط، وقيل: يعني أن الملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم، لأن اللفظ إذا أفاد معنى غير مستلزم لآخر لا ينتقل الذهن إلى ذلك الآخر إلا بسبب منفصل ، فتكون إفادته مضافة لذلك المنفصل لا للفظ ، فلا يكون فهمه دلالة اللفظ بل أثراً للمنفصل ، ولا يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق، فإن الملازمة في نفس الأمر، والفهم معدوم من اللفظ، أذ اللفظ معدوم، فهو حينئذ شرط، والإطلاق هو المسبّب . ٤٢ التنبيه الرابع [دلالة المطابقة لفظية وَالخلاف] [فى دلالَة التضَن والالتزام] لا خلاف أن دلالة المطابقة لفظية ، واختلفوا في التضمن والالتزام على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنهما عقليان ، لأن دلالة المعنى عليهما بالواسطة ، وهذا ما ذهب إليه الغزالي وصاحب ((المحصول)) واختاره أثير الدين الأبهري في ((كشف الحقائق)) والصفي الهندي . قال: وإنما وصفتا بكونهما عقليتين، إما لأن / العقل يستقل باستعمال اللفظ ١/٦٥ فيهما، من غير افتقار إلى استعمال أهل اللسان اللفظ فيهما وهذا يستقيم على رأي من لم يعتبر الوضع في المجاز، وإما لأن المميز بين مدلوليهما وهو الجزء واللازم هو العقل . والثاني: أنهما لفظيان ونسبه بعضهم إلى الأكثرين، واختاره ابن واصل في ((شرح جمل الخونجي)). والثالث : أن دلالة التضمن لفظية والالتزام عقلية، وبه قال الآمدي وابن الحاجب، لأن الجزء داخل فيما وضع له اللفظ بخلاف اللازم فإنه خارج عنه . وقال الهندي : وهذا ضعيف، لأنه إن جعلت لفظية لأجل أن فهم الجزء منها إنما هو بواسطة اللفظ فدلالة الالتزام كذلك، لأن فهم اللازم إنما هو بواسطة اللفظ الدال على الملزوم ، وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فباطل ، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز، فاللازم أيضا كذلك إن اعتبر الوضع في المجاز ، والأقيس منهما : الوضع، وإن كان لأجل أن الجزء داخل في المسمى، واللازم خارج عنه فهو تحكم محض واصطلاح من غير مناسبة . وقال صاحب ((الدقائق)): ومن جعل الالتزام لفظية فقد أخطأ ، لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى معناه، ومن معناه إلى اللزوم ، والتضمن غير خارج عن ٤٣ مسمى اللفظ بخلاف الالتزام ، وإلا فكل منهما منسوب إلى اللفظ، وكل منهما عقلي بوجه واعتبار . التنبيه الخامس [دلالة المطابقة قد تنفك عن التضْمن] إن دلالة المطابقة قد تنفك عن التضمن، وذلك يكون مدلول اللفظ بسيطاً لا جزء له ، وهل تنفك عن دلالة الالتزام أم لا؟ قال الهندي: ذهب الأكثرون إلى أنه لا ينفك ، لأن كل ماهية لابد وأن يكون لها لازم أقله أنها ليست غيرها، ومنهم من جوز الانفكاك زاعماً أن شرط دلالة الالتزام أن يكون اللازم بحيث يكون تصوره لازماً لتصور الملزوم، وهو ممنوع فيما ذكر من اللازم ، هذا لأنه يمكننا أن نعقل الماهية مع الذهول عن الاعتبار المذكور ، وأما المطابقة فلازمة لاستحالة وجود التابع من حيث إنه تابع بدون المتبوع . وقيل : أصل الخلاف أن لكل ماهية لازما أو بعض الماهيات لا لازم لها؟ فإن قلنا : لكل شيء لازم ، فالمطابقة والالتزام متساويان، قال الامام في ((التلخيص)): لكل شيء لازم، وأدناه أنه ليس غيره ، ورد عليه بأن الكلام في اللازم البين الذي يلزم من حضور الملزوم حضوره ، وإن قلنا : إن بعض الماهيات لا لازم لها فالمطابقة أعم . التنبيه السَادس [دلالة المطابقة لا تحتاج الى نية] إن دلالة المطابقة هي الصريح من اللفظ فلا يحتاج إلى نية، وأما دلالة التضمن لا ٤٤ فتحتاج إلى نية عندنا، ومن ثم لو قال : أنت طالق ، ونوى الثلاث وقع خلافاً لأبي حنيفة . لنا أن ((طلقت)) فعل يدل على الحدث والزمان ، والحدث الذي هو المصدر جزؤه ودلالته عليه بالتضمن ، فيصح نية الثلاث كما لو ذكر المصدر صريحا ،فقال: أنت الطلاق . وأما دلالة الالتزام كدلالة البيت على الأرض، فقال صاحب ((المقترح)) من أصحابنا في الخلاف لا تعويل عليها في الأحكام وهو صحيح، لأن النية إنما تعمل في الملفوظ، والملتزم غير ملفوظ، والطلاق بالنية المجردة عن اللفظ لا يقع . التنبيه السَابع [دَلالة الاسْتِدعَاء] ما ذكرناه من انحصار الدلالات في الثلاث هو المشهور، وزاد الجزولي من النحويين دلالة رابعة وسماها : بالاستدعاء، وجعل دلالة الفعل على المحل وهو المفعول به، وعلى الباعث يعني الذي بعث على الفعل، وهو المفعول لأجله، وعلى المصاحب وهو المفعول معه من قبيل هذه الدلالة، وأنكره الآمدي ، وقال: دلالة الفعل على المحل والباعث والمصاحب من قبيل دلالة الالتزام عندنا إلا أن المكان يلزم جميع الأفعال متعديها ولازمها ما وقع فيها عمدا وسهوا، والمحل إنما يلزم من الأفعال المتعدي خاصة، والباعثة إنما تلزم من الأفعال ما يوقعه القاصد للإيقاع، ولا يلزم فعل الساهي والنائم، والمصاحب إنما يلزم ما يشرك فيه الفاعل غيره . وقد أورد القَرَافي على الحصر في الثلاث دلالة العام على أفراده، وقال: إنها خارجة عنهن ، وجوابه يعلم من باب العام . ومنهم من أورد دلالة اللفظ المركب على مفرداته ، فإن الواضع لم يضعه لمفهومه ولا لشيء ذلك المفهوم داخل فيه، ولا لخارج عنه لازم له. ٤٥ وأجيب بأن المراد بوضع اللفظ للمعنى وضع عينه لعينه ، أو وضع أجزائه لأجزائه بحيث يطابق مجموع اللفظ مجموع المعنى ، والثاني موجود في المركب ، فإن الواضع وإن لم يضع مجموع زيد قائم لمدلوله، فقد وضع كل جزء من أجزائه لجزء من مفهومه، فإنه وضع زيداً للذات وقائما للصفة والحركة المخصوصة، أعني دفعهما لإثبات الثاني للأول . ٤٦ القسم الثاني باعتبار التركيب والإفراد ويطلق المفرد باصطلاح النحويين على أربعة معان : أحدها : مقابل المثنى والمجموع ، وهو اللفظ بكلمة واحدة . والثاني : مقابل المضاف في باب النداء ولهذا يقولون : المنادى مفرد ومضاف . والثالث: مقابل الجملة في باب المبتدأ وهو المراد بقولهم : الخبر قد يكون مفردا وقد يكون جملة . الرابع : مقابل المركب . وأما المفرد باصطلاح المنطقيين فهو ما دل على معنى ولا جزء من أجزائه يدل بالذات على جزء من أجزاء ذلك المعنى كإنسان ، وإن شئت فقل: هو ما لا يراد بالجزء منه دلالة أصلا على معنى حين هو جزؤه كأحمد . [تعريف المركب]: وأما المركب فما دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه حين هو جزؤه سواء كان تركيب إسناد كقام زيد ، وزيد قائم أم تركيب مزج كخمسة عشر ، أو إضافة كغلام زيد ، وأما عبد الله فإن كان دالا على الذات فهو مفرد، وإن كان دالا على الصفات فهو مركب . والمراد بالجزء ما صار به اللفظ مرکبا کحروف زيد ، فلا يرد الزاي من زید قائم ، فإنها لا تدل على جزء المعنى، وكذلك أوردوا على أنفسهم كون الماضي يجب ٤٧ أن يكون مركبا ، لأن مادته تدل على المصدر وزنته على خصوص الزمن ، فأجابوا بأن المعنى بقولنا الجزء ليس مطلق الجزء، بل الأجزاء المترتبة في السمع، وقالوا: ونحو بَعْلَبَكّ مركب عند النحويين، لأنه كلمتان ومفرد عند الأصوليين ، لأنه لا يدل جزؤه على جزء معناه ، و((أقوم)) و((نقوم)) و((يقوم)) مركب عند الأصوليين، لأن جزؤه يدل على جزء معناه ، لأن حرف المضارعة منها يدل على الفاعل المتكلم وحده والمتكلم ومعه غيره، والمخاطب منها ونفس الكلمة تدل على الحدث ٦٥/ب والزمان ، / ومفرد عند النحويين ، لأنه لفظ بكلمة واحدة . أما ((يقوم)) بالغيبة ، ففيه قولان عند المنطقيين ، فقيل: هو مفرد، وقيل: هو مركب ، ونقل عن ابن سينا ، والصحيح عند المتأخرين : أنه مركب كسائر الأفعال المضارعة ، وإنما قالوا : حين هو جزؤه ليحترزوا من مثل أبكم ، وإنسان، فإن كل واحد من جزئه يدل على معنی لكن لا على جزء مسماه حين هو جزؤه، وإنما يدل على معنى في الجملة ألا ترى أن ((الأب)) اسم للوالد، و((كم)) اسم للعدد؟ لكن لا من حيث أن كل واحد من اللفظين جزء من الآخر حين هو جزؤه، وكذلك: إنسان ألا ترى أن ((إن)) حرف شرط يدل على الشرطية؟ لكن لا من حيث هي جزء ((إن)) . وزعم الزمخشري وتبعه ابن يعيش في أول ((شرح المفصل)) وابن إياز : أن الرجل مركب فإنه يدل على معنيين التعريف والمعرف ، وهو من جهة النطق لفظة واحدة وكلمتان، وكذلك ((ضربا)) و((ضربوا))، قال الزنجاني في ((الهادي)): وهذا غلط، لأن الرجل ونظائره لفظتان لا لفظة واحدة، ثم ينتقض ما ذكره بنحو ((ضرب))، فإنه يدل على معنيين الحدث والزمان ، وأنه كلمة باتفاق . قلت : لعل الزمخشري بناه على أن المُعرِّف اللام وحدها، وحينئذ فهي لفظة واحدة، واللام كالتنوين في زيد، فإن قلنا: إن الْمُعَرِّف ((أل)) فهو لفظتان لإمكان التلفظ بها وحدها . والحاصل : أن أمثلة المضارع خلا الغائب مركبات قطعا، وأمثلة الماضي مفردات قطعا ، وأمثلة الأوامر مركبات عند المنطقيين . ٤٨ وصرح ابن مالك في أول ((شرح التسهيل)) بأن ((ياء)) النسب، و((ألف)) ضارب ((وميم)) مكرم، يدل على معنى ، ولكن لا بالوضع . وقال ابن الساعاتي : المجموع هو الدال على شخص مسمى بذلك، لا أن الحرف دل بنفسه . ومأخذ الخلاف بينهم أن النحاة يترجح نظرهم في جانب الألفاظ، وأولئك يترجح نظرهم في جانب المعاني، وعلى هذا ((عبد الله)) ونحوه، إن أريد به العلمية كان مفردا بمثابة زيد وعمرو ، لأن جزءَها لا يدل على معناها ، وإن أريد به نسبة العبودية إلى مستحقها، فهي مركبة، لدلالة جزئها على جزء معناها . وقد اجتمع الأمران في حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال : كان ابن عمر يحدث أن النبي و 18 رآه وعليه إزار يتقعقع، يعني جديداً، فقال: (من هذا؟ فقلت: عبد الله فقال : إن كنت عبد الله فارفع إزارك ، قال : فرفعته وكان طويلا). فَقَوْلُ ابن عمر : عبد الله، يعني أنا عبد اللّه فهو مفرد ، لأنه أراد العلمية ، وقول النبي ◌ّ (إن كنت عبد الله) فهو مركب تركيبا إضافيا، لأن مراده نسبة العبودية إلى الله ، فالإفراد العلمي طَارٍ على التركيب الإضافي ، وهو يلوح فيه . ويقال للمركب: مؤلف لا فرق بينهما عند المحققين كما قاله الأصفهاني، ومنهم من فرق بينهما بأن المركب ما دلت أجزاؤه إذا انفردت، ولا تدل إذا كانت أجزاء كعبد الله، فإنه إذا كان علما كان بمنزلة زيد ، فلا تدل أجزاؤه في هذه الحالة على شيء ، ولو انفردت الأجزاء كانت دالة، لأن عبداً دل على ذات اتصفت بالعبودية ، والمؤلف ما دلت الأجزاء في حال البساطة وحال التركيب، كقولنا : الإنسان حيوان، فإن كل واحد من هذه الأجزاء يدل إذا انفرد، وإذا كان جزءا . [انقسام المفرد باعتبار أنواعه] وينقسم المفرد باعتبار أنواعه إلى اسم وفعل وحرف، وبعضهم يزيد رابعا ويسميه خالفا ، وهو الظرف والجار والمجرور أو أسماء الأفعال . ٤٩ والصواب : أنهما من قبيل الأسماء، قالوا : ودليل الحصر أن المعاني ثلاثة: ذات، وحدث، ورابطة للحدث بالذات. فالذات : الاسم، والحدث : الفعل ، والرابطة : الحرف . قال ابن الخباز: ولا يختص انحصار الكلمة في الأنواع الثلاثة بلغة العرب، لأن الدليل الذي دل على الانحصار في الثلاثة عقلي ، والأمور العقلية لا تختلف باختلاف اللغات . قلت: وفي كتاب ((الإيضاح)) لأبي القاسم الزجاجي في قول سيبويه : الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، قيل : قصد به الكلم العربي دون غيره ، وقيل : أراد الكلم العربي والعجمي. اهـ. [الكلي والجزئي] ثم الاسم ينقسم إلى كلي وجزئي، لأنه إما أن لا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه أو يمنع ، والأول الكلي، ومعنى اشتراك الأشخاص فيه أن معناه مطابق لمعانيها بالاسم والحدّ، لا بمعنى أنه موجود فيها ، وهو تارة تقع فيه الشركة كالحيوان ، وتارة لا تقع ، أما مع الإمكان كالشمس عند من يجوز وجود مثلها أو الاستحالة كهي عند من لا يجوزه ، وحذفت تمثيل المنطقيين عمداً أدبا، وليس الكلي وهميا مرسلا، بل له وجود في العقل، وهو ما يجده كل عاقل من نفسه من المعاني التي لو نسبها إلى الشخصيات المناسبة لكانت مطابقة لها، كالمتمثل من معنى الإنسان والفرس ، ولا معنى لكونه في العقل غير تميزه في النفس، لا بمعنى أن صورته قائمة بنفس العاقل، وإلا لكان من يعقل الحرارة والبرودة حاراً وبارداً . [الطبيعي والمنطقي والعقلي] وينقسم إلى طبيعي ومنطقي وعقلي ، لأنا إذا قلنا: الإنسان حيوان مثلا ، وأنه كلي وأردت الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسان غيره فطبيعي وهو موجود في الخارج ، لأنه جزء من الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود ، وإن أردت به أنه غير مانع من الشركة فهو المنطقي ، ولا وجود له في الخارج لاشتماله على ما لا يتناهى . ٥٠ وقيل : بل هو موجود . ومدركه الخلاف في أن الاضافة هل لها وجود في الأعيان؟ والكلي المنطقي نوع من مقولة المضاف . قال الإمام فخر الدين: ونازعه ابن واصل، وقال: بل الكلي المنطقي لا وجود له في الأعيان سواء قلنا: إن الاضافة موجودة في الأعيان أم لا ، لأن الكلي الطبيعي موجود في الخارج، فلو كان المنطقي موجودا في الخارج، كان المركب منهما ضرورة موجودا في الخارج والمركب منهما هو الكلي العقلي، فيكون أيضا موجودا في الخارج لتركبه من جزأين موجودين، وسنبين أنه ليس كذلك. اهـ. وإن أردت الأمرين أعني الحيوانية التي وقعت بها الشركة مع كونها غير مانعة فهو العقلي فعند الحكماء: أنه موجود في الذهن لا في الخارج. قاله ابن واصل ، وحكى غيره في وجوده في الخارج خلافاً أيضا ، والصحيح: أنه لا وجود له لاشتماله على ما لا يتناهى ، وهو غير متشخص . وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان وأن الإنسان الكلي موجود في الخارج . [الفرق بين الكلي والكل] والفرق بين الكلي والكل من أوجه: أحدها : أن الكل موجود في الخارج، ولا شيء من الكلي بموجود في الخارج كذا قيل ، وهو / منازع بما سبق . ١/٦٦ وثانيها : أجزاء الكل متناهية وأجزاء الكلي غير متناهية . وثالثها : الكل لابد من حضور أجزائه معا بخلاف الكلي . [أقسام الكلي] ثم الكلي ينقسم باعتبارات: أحدها : إلى متواطىء ومشكك، لأنه إن كان حصول معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية على السواء، كالإنسان فهو المتواطىء وإن لم يكن على السواء بل في بعض أفراده أقدم وأولى وأشد فهو المشكك ، وسمي بذلك ، لأنه يشكك الناظر هل هو متواطىء لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك لما بينهما من الاختلاف؟ ٥١ وذلك كالبياض الذي هو في الثلج أشد منه في العاج، وجوز الهندي فيه فتح الكاف وكسرها . إما أنه اسم فاعل للتشكيك أو اسم مفعول، لكون الناظر یتشكك فيه . ومنهم من أنكر حقيقة هذا القسم ، لأنه إما أن تستعمل مع ضميمة تلك الزيادة أولا ، فإن لم يكن فهو المتواطىء، وإن كان فهو المشترك . والصحيح: أنه قسم ثالث . قيل : وأول من قال به ابن سينا ، لأن تركب الشبهين يخرجه إلى حقيقة أخرى كالخنثى، فالمتواطىء أن يضع الواضع للقدر المشترك بقيد عدم الاختلاف في المحال مع اختلاف المحال في أمور من غير جنس المسمى كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة، وهذا معنى قولهم : المتواطىء ما استوى محاله ، ويسمى: اسم الجنس كالرجل ، ويسمى المطلق. وقيل : هو الموضوع لمعنى كلي مستوفي محاله ، فكلي احتراز من العلم ومستوٍ احتراز من المشكك ويسمى بذلك، لأن معناه في كل محل موافق لمعناه في الآخر . والتواطؤ التوافق. قال تعالى: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ [سورة التوبة / ٣٧] والمشكك أن يضع للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى كالنور في الشمس، واستحالة التغيير في الواجب، فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك وافترقا بقيديهما . تنبيهَات [التنبيه] الأول [اطلاق المتواطئ على كل أفراده هَل هُوَحَقيقة أو مَجَاز؟] إطلاق المتواطىء على كل من أفراده هل حقيقة أو مجاز؟ فيه بحث لكثير من المتأخرين، فقيل: إنه مجاز، لأنه موضوع للقدر المشترك فإذا استعمل في ٥٢ الخصوص فقد استعمل في غير ما وضع له فيكون مجازا ، وقيل: إن استعمل فيه بحسب ما فيه من القدر المشترك فهو حقيقة، وإن استعمل فيه بخصوصه كان مجازا. والمختار: الأول، ولا تحقيق في هذا التفصيل ، فإن الاستعمال في الخصوص إنما هو بحسب الخصوص، أما إذا أردت العموم فلم تستعمله، فلا وجه الخصوص ، فلا حاجة إلى التفصيل، وإن كان حقا . الثاني : أن المتواطىء قد يغلب استعماله في بعض أفراده دون بعض . [التنبيه] الثانى [ينقسم الكلّ باعتبَار لفظه إلى مشتق وَغيره] باعتبار لفظه إلى مشتق وغيره، لأنه إما أن يدل على الماهية بصفة فهو المشتق كالأسود، ويسمى في اصطلاح النحويين صفة، وإما أن لا يدل، وحينئذ إن دل على نفس الماهية فقط فهو اسم الجنس، كالإنسان والفرس إذا كان ((الألف واللام)) لتعريف الماهية ، وإن دل على الماهية وعلى قيد آخر زائد عليها بأن كان ذلك القيد هو الوحدة أو الكثرة الغير المعينة فهو النكرة ، وإن كان هو الكثرة المعينة الغير المنحصرة ، فهو العام، وإن كانت منحصرة فهو اسم العدد . قال الأصفهاني: والدال على الجنس ینقسم إلى اسم جنس کأسد، وعلم جنس كأسامة ، وليسا مترادفين، لأن اسم الجنس موضوع للماهية الكلية، وعلم الجنس موضوع لتلك الماهية بقيد تشخصها في الذهن، فإن تلك الماهية لابد أن تمتاز عن غيرها وتتشخص في الذهن، ومع ذلك فإنها تصدق على الأفراد الجزئية والخارجية على ما تلخص في علم المنطق من صدق المعاني الكلية على الجزئيات . ٥٣ [التشبيه] الثالث باعتبار معناه والكلي إما تمام الماهية أو جزء منها أو خارج عنها ، والمراد أن الماهية إما أن تعتبر من حيث إنها ماهية مع قطع النظر عما يعرضٍ لها من العوارض كالجزئية والخارجية، أو يعتبر مع العارض نحو كونها جزءاً لغيرها أو خارجاً عن ماهية غيرها ، فالأول تمام الماهية، والثاني جزء منها، والثالث خارج عنها . واعلم أن المقول في جواب ما هو إنما هو الأول ، لأنه سؤال عما به هوية الشيء وهو تمام الماهية ، وأما الكلي الذي هو جزء الماهية فهو المسمى بالذاتي على رأي الأكثرين، فتمام المشترك هو الجنس، وتمام التمييز هو الفصل . وأما الخارج فإن اختص بنوع واحد لا يوجد في غيره فهو الخاصة، وإن لم يختص فهو العرض العام . ومما يغلط فيه كون العرض ههنا هو المقابل للجوهر، وليس كذلك فإن العرضي قد يكون جوهرا كالأبيض، وقد لا يكون كالبياض، والعرض لا يكون جوهراً كالبياض، ثم العرض قد يكون لازما لحقيقة الشيء كالضحك للإنسان أعني بالقوة . [الفرق بين العرضي اللازم والذاتي] والفرق بين العرضي اللازم والذاتي: أن العرض اللازم يكون بعد تحقق الشيء والذاتي يكون مقدما على حقيقة الشيء، فإن الضحك وصف للإنسان بعد تحققه إنسانا، والحيوان وصف له مقدم ذهنا على كون الإنسان إنسانا ، وقد يكون لازما لوجوده كسواد الحبشي، وكون الإنسان موجودا . والعرضي قد يكون غير لازم في الوجود ولا في الوهم لجواز زواله إما سريعاً كالقيام أو بطيئا كالسواد . ٥٤ [الجزئي] وأما الجزئي : فإما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد، وإلا فإن احتاج إلى قرينة إما تكلم أو خطاب أو غيبة، فهو المضمر ((كأنا)) و((أنت)) و((هو)) أو إشارة أو صلة، وهو الموصول. هذا هو الذي عليه الأكثرون، منهم الرازي وأتباعه أعني أن المضمر جزئي ، وقد رأيته مصرحا به في كتاب القَفَّال الشاشي في أول باب العموم . وحجتهم ، أن الكلي نكرة والمضمرات أعرف المعارف ، ولأنه لو كان موضوعا لكلي لما أفاد الشخص، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص، ورجح القَرَافي والأصفهاني كونه موضوعا لكلي ، لأنه لو کان جزئي لما دل على شخص آخر إلا بوضع آخر، فلما صدقت لفظة ((أنا)) على ما لا يتناهى من المتكلمين وكذلك ((أنت)) على ما لا يتناهى من المخاطبين، و((هو)) على ما لا يتناهى من الغائبين من غير احتياج لوضع دل على أنه كلي، ومال إليه أبو بكر بن طلحة من النحاة . فقال: / إن المضمر لا ينعت ، لأنه لا يقع فيه عموم فيفتقر إلى تخصيص ٦٦/ب ولا اشتراك فيفتقر إلى إزالة كذا يقوله النحويون المتقدمون ، وفيه نظر، فإنه يبدل منه للبيان، ولو لم يقع فيه اشتراك لما أبدل منه أصلا، وكذا قولهم: المتكلم أعرف من المخاطب، والمخاطب أعرف من الغائب، اعتراف منهم بدخول الاشتراك ، وإنما لم ينعت لأمر آخر . وقال الشيخ أبو حيان : هو کلي في الوضع جزئي في الاستعمال، وهو حسن، وبه يرتفع الخلاف. والحق: أن الضمير بحسب ما یعود إلیه، فإن عاد علی عام كان عاما في كل فرد أو على جمع فهو له، وإن عاد على خاص كان خاصا، وأما إطلاقهم أن العلم جزئي، فهو في علم الشخص، أما علم الجنس فلا شك أنه كلي. [الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص واسم الجنس] واعلم أنه مما يكثر السؤال عنه الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص واسم الجنس، وهو من نفائس المباحث. ٥٥ قال القرافي: وكان اخسرو شاهي يقرره، ولم أسمعه من أحد إلا منه ، وما كان في البلاد المصرية من يعرفه ، وهو أن الوضع فرع التصور فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها، فتلك الصورة الثابتة في ذهنه هي جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة في هذا الزمان، ومثلها يقع في زمان آخر ، وفي ذهن شخص آخر، والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد، فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وقع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس، وهي من حيث عمومها وخصوصها تطلق على كل أسد في العالم، لأنا إنما أخذناها في الذهن مجردة عن جميع الخصوصيات فتطلق على الجميع، فلا جرم يطلق لفظ الأسد وأسامة على جميع الأسود لوجود الشركة فيها كلها فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنية . والفرق بين علم الجنس وعلم الشخص: أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد التشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني . اهـ. وقال ابن أياز رداً على من فرق بين اسم الجنس وعلم الجنس: أن علم الجنس وهو أسامة موضوع للحقيقة الذهنية من غير نظر للأفراد ، وعكسه اسم الجنس . قال: فيلزم أن أسامة إذا استعمل في الأفراد الخارجية أن يكون مجازا ، وليس كذلك بل هو حقيقة. وقال الشيخ أثير الدين في الرد على من فرق بينهما: الوضع مسبوق بالتصور، فإن كان للأفراد الخارجية فيلزم وضعه من غير قصد، وهو باطل. وقال صاحب ((البسيط)) من النحويين: إنما حكم لعلم الجنس بالعلمية، لأنهم عاملوه معاملة الأعلام في أربعة أمور: دخول (أل)) عليها، وإضافتها، وفي نصب الحال عنها نحو هذا أسامة مقبلاً، وامتناع صرفها عند وجود علتين فيها، وفي تحقق علميتها أربعة أقوال: أحدها لأبي سعيد، وبه قال ابن بابشاذ وابن يعيش أنه موضوع على الجنس بأسره بمنزلة تعريف الجنس باللام في نحو الدينار والدرهم ، ٥٦ ولهذا يقال: ثعالة يفر من أسامة، أي أشخاص هذا الجنس يفر من أشخاص هذا الجنس، وإنما لم يحتاجوا في هذا النوع إلى تعيين الشخص كغيرها من الأعلام، لأنها لا تحتاج الى تعيين أفرادها . قال ابن يعيش: وتعريفها لفظي، وهي في المعنى نكرات، لأن اللفظ وإن أطلق على الجنس فقد يطلق على أفراده، ولا يخص شخصا بعينه، وعلى هذا فيخرج عن حد العلم . والثاني: لابن الحاجب أنها موضوعة للحقائق المتحدة في الذهن بمنزلة التعريف باللام للمعهود الذهني نحو أكلت الخبز وشربت الماء ، فإذا أطلق على الواحد في الوجود فلا بد من القصد إلى الحقيقة، فالتعدد باعتبار الوجود لا باعتبار الوضع، والفرق بين أسد وأسامة أن أسداً موضوع لكل فرد من أفراد النوع على طريق البدل، فالتعدد فيه من أصل الوضع، وأما أسامة فإنه لزم من إطلاقه على الواحد في الوجود التعدد، فالتعدد جاء فيه ضمنا لا مقصودا بالوضع . والثالث: أنه لما لم يتعلق بوضعه غرض صحيح بل الواحد من حفاة العرب إذا وقع طرفه على وحش عجيب، أو طير غريب أطلق عليه اسما يشتقه من خلقته أو فعله أو وصفه، فإذا رآه مرة أخرى أجرى عليه ذلك الاسم باعتبار شخصه، ولا يتوقف على تصور أن هذا الموجود هو المسمى أولاً أو غيره، فصارت مشخصات كل نوع مندرجة تحت الأول. والرابع: قلته أنا: أن لفظ علم الجنس موضوع للقدر المشترك بين الحقيقة الذهنية والوجودية، فإن لفظ أسامة يدل على الحيوان المفترس عريض الأعالي، فالافتراس وعرض الأعالي مشترك بين الذهني والوجودي، فإذا أطلق على الواحد في الوجود، فقد أطلق على ما وضع له لوجود القدر المشترك، ويلزم من إخراجه إلى الوجود التعدد ، فيكون التعدد من اللوازم لا مقصوداً بالوضع بخلاف أسد، فإن تعدده مقصود بالوضع. فإذا تقرر ذلك فالفرق بين علم الجنس واسم الجنس بأمور : أحدها: امتناع دخول ((اللام)) على أحدهما وجوازه في الآخر ، ولذلك كان ابن ٥٧ لبون وابن مخاض اسم جنس بدليل دخول ((لام)) التعريف عليهما . الثاني: امتناع الصرف يدل على العلمية . الثالث: نصب الحال عنها . الرابع: نص أهل اللغة على ذلك . وأما الإضافة فلا دليل فيها، لأن الأعلام جاءت مضافة . اهـ. وأحسن ما قيل فيه: أن اللفظ إن كان موضوعا بإزاء الحقيقة فلابد أن يتصور الحقيقة، ويحضر فرد من أفرادها في الذهن متشخصا، فالواضع تارة يضع للحقيقة لا بقید التشخص الخاص في ذهنه ، فیکون ذلك اسم جنس كمن حضر في ذهنه حقيقة الأسد، وتشخص في ذهنه فرد من أفراده، فوضع للحقيقة لا لذلك الفرد، وتارة يضع للتشخص الخاص في ذهنه بقيد ذلك الشخص الذي هو حاصل في أفراد كثيرة خارجية، فهذا علم الجنس، وتارة يضع للشخص الخارجي، فهو علم الشخص، وسمي هذا علما، لأن الوضع فيه للشخص، ليكون التشخيص للوضع الذهني والخارجي . وذهب الزمخشري إلى أن علم الجنس هو الذي لوحظ فيه خاصة من خواص ذلك الجنس، وضعف بأن العلم هو الموضوع للحقيقة بقيد التشخص الذهني، وليس هذا من باب الاصطلاح حتى لا يمنع، لأنا قدمنا أن العلم حقيقته الوضع ١/٦٧ للتشخص الذهني / والخارجي، فاعتبار الوصف لا مدخل له فيه ، فهذا هو الفرق الصحيح بين الثلاثة. وعبارة سيبويه تعطي ذلك حيث قال: هذا باب من المعرفة یکون فيه الاسم الخاص شائعا في أمته لیس واحد منها أولى به من الآخر، نحو قولك للأسد أبو الحارث وأسامة، وللثعلب ثعالة وأبو الحصين، وذكر أمثلة . وفرق بين أسامة وزيد بأن زيدا قد عرفه المخاطب بحليته أو أنه قد بلغه، وإذا قال أسامة، فإنما يريد هذا الأسد ولا يريد أن يشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيداً، ولكنه أراد بـ ((هذا)» الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم، فهذا الكلام منه يعطي ما قلنا، وانظر قوله: يكون فيه الاسم خاصا شائعا، فجعله خاصا باعتبار الصورة المشخصة الموضوع وشائعا باعتبار الصورة الخارجية، وإلى ٥٨ قوله: يريد هذا الأسد ولا يريد إلى شيء قد عرفته، وبهذا الفرق يتضح أن علم الجنس معرفة لفظا ومعنى، وأن قول ابن مالك: إنه معرفة لفظا ونكرة معنى وأنه في أسامة في السباع كأسد ممنوع، ووافقه أبو حيان على أن أسامة نكرة في المعنى، وفيه ما تقدم، فإذا ثبت هذا فلا إشكال في أنّ علم الجنس كلي، لأنه يشترك في مفهومه کثیرون . ٥٩ فصل فى نسبة الأسْمَاء إِلى المسمَيَات الاسم والمسمى إما أن يتحدا أو يتكثرا، أو يتكثر الاسم ويتحد المسمى أوعكسه. أربعة أقسام : الأول : أن يتحدا فإن كان نفس تصور ذلك العين يمنع من وقوع الشركة فيه فهو الجزئي، وإن لم يمنع وكان الاشتراك واقعا فيه بالفعل وعلى السوية، فمتواطىء وإلا فمشكك . فالمتواطئة : هي الألفاظ الدالة على الأعيان المتغايرة بالعدد المتفقة في المعنى الذي وضع اللفظ له، كدلالة لفظ الإنسان على زيد وعمرو وبكر، ودلالة لفظ الحيوان على الإنسان والفرس والحمار، ومنه دلالة اللمس على القبلة ، وعلى الجماع وعلى غيرها من أنواعه، ودلالة اللون على السواد والبياض وعلى غيرها من أنواعه . الثاني: أن يتكثرا فهي الألفاظ المتباينة كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة الموضوع لمعان متعددة، وذلك إما أن تتباين بذاتها . أي يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض والإنسان والحجر، أو تتباين بصفاتها مع إمكان اجتماعها بأن يكون بعضها اسما للذات، وبعضها اسما لها إذا اتصفت بصفة خاصة كالسيف والصارم ويسمى المزايلة، وقد يكون بعضها اسما للصفة وبعضها اسما لصفة الصفة كالناطق بالفعل والفصيح. ٦٠