النص المفهرس
صفحات 1-20
وزارة الأوقاف الشئون الإسلامية ، ◌َالحُمط ٧ ، في أصول الفقه للزَّرُكَشِي وهو بدرالدين محمد بن مجاور بن عدابت الشّائِى (٧٤٥ - ٧٩٤هـ) الجزء الثانى قَام بتحَريْره الشيخ عبد القادر عبداللَّهَ العَانِى ٦ وَرَاجَعَه د.عمر سليمان الأشقر 1 1>3 $ 2 0 7 w - ٧ في أصول الفقه حقوق الطبع محفوظة لوزارة الأوقاف والشئون الإِسلامية بالكويت الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م مَبَاحِ اللّغْيَةُ وإنما ذكرناها في أصول الفقه لأن معظم نظر الأصولي في دلالات الصيغ، كالحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، وأحكام الأمر والنهي ، ودليل الخطاب ومفهومه. فاحتاج إلى النظر في ذلك تكميلا للنظر في الأصول ، ونسمه بمقدمتين: إحداهما : تعلم اللغة فرض كفاية. قال أبو الحسين بن فارس : تعلم علم اللغة واجب على أهل العلم لئلا يحيدوا في تأليفهم أو فتياهم عن سنن الاستقراء . قال : وكذلك الحاجة إلى علم العربية فإن الإعراب هو الفارق بين المعاني ، ألا ترى إذا قلت : ما أحسن زيد لم تفرق بين التعجب والاستفهام والنفي إلا بالاعراب ؟ ونازع الإمام فخر الدين في «شرح المفصل» في کونهما فرض كفاية ، لأن فرض الكافية إذا قام به واحد سقط عن الباقين . قال : واللغة والنحو ليس كذلك، بل يجب في كل عصر أن يقوم به قوم يبلغون حد التواتر ، لأن معرفة الشرع لا تحصل إلا بواسطة معرفة اللغة والنحو، والعلم بهما لا يحصل إلا بالنقل المتواتر ، فإنه لو انتهى النقل فيه إلى حد الآحاد، لصار الاستدلال على جملة الشرع استدلالا بخبر الواحد، فحينئذ يصير الشرع مظنونا لا مقطوعا، وذلك غير جائز . الثانية : نبّه الأبْياري في كلام له على شيء ينبغي معرفته هنا ، وهو أن الأصولي إنما احتاج إلى معرفة الأوضاع اللغوية ليفهم الأحكام الشرعية ، وإلا فلا حاجة بالأصولي إلى معرفة ما لا يتعلق بالأحكام والألفاظ، وإذا كان كذلك افتقرنا إلى ٥ تقديم أمر آخر، وهو أن الشرع هل له تصرف في اللغة أم لا؟ فإن ثبت عدم التصرف اكتفى الأصولي بمعرفة وضع اللغة ، فإن ذلك مقنع في معرفة الأحكام ، وإن ثبت تصرف الشرع اكتفى الأصولي بمعرفة وضع الشرع للاسم ولا يحتاج معه إلى معرفة اللغة في ذلك اللفظ ، وإن عرف وضع اللغة ١/٦٠ والتبس عليه هل للشرع تصرف / في الاسم أم لا ؟ لم يجزله الحكم بوضع اللغة حتى يستقر له وضع الشرع، ولهذا إن الفقهاء قل ما يتكلمون على الألفاظ باعتبار وضع اللغة، لأنهم يرون تصرف الشرع في الأسماء فتراهم يجنحون إلى الإجماع وغيره، وهم في ذلك على بصيرة أن عرف الشرع مكتفى به ومضاف إليه ، وعرف اللغة على هذا التقدير عند احتمال التغيير لا يفيد . [مَادة اللغة ومَقصُودها وموضوعهَا] ويتعلق النظر بمادتها ومقصودها وموضوعها . أمامادتها: فتختلف بالنسبة إلى الأولين، إما التوقيف أو الاصطلاح على الخلاف الآتي ، وأما في حق من بعدهم فمادتها النقل عن أهل اللغة . وأما مقصودها : فالتشبيه بأهل تلك اللغة في إعلام ما في أنفسهم . وأما موضوعها . فالألفاظ وما يعرضها لذات الألفاظ وهو ما يبحث اللغوي عنها في ذلك الموضوع إما في حال الأفراد ككون هذه الكلمة حقيقة أو مجازاً أو مشتركة أو مترادفة أو متباينة ، وككون فاء هذه الكلمة أو عينها أصليا أو مقلوبا عن غيره صحيحا أو معتلا مفتوحا أو مضموما أو مكسورا، وغير ذلك مما يتعلق بعلم التصريف ، وإما في حال تركيبها ككون هذه الكلمة مبتدأ أو خبراً أو فاعلا أو مفعولا إلى غير ذلك من الأعراض الذاتية للألفاظ ، فالألفاظ هي موضوع اللغة وهذه أعراض ذاتية للألفاظ . ٦ [أمور مهمة تتعلق بمباحث اللغة] ثم الكلام في مهمات: الأول : في الوضع وهو يطلق على أمرين: أحدهما: جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الإنسان ولده زيداً، وكإطلاقهم على الحائط مثلا الجدار، وما في معناه، وذلك بأن يخطر المعنى ببال الواضع فيستحضر لفظا يعبر به عن ذلك المعنى ، ثم يعرفه غيره بطريق من الطرق ، فمن تكلم بلغته يجب أن يحمله على ذلك المعنى عند عدم القرائن . والثاني : غلبة استعمال اللفظ على المعنى حتى يصير هو المتبادر إلى الذهن حال التخاطب به ، وذلك في العرف الشرعي، والعرف العام والخاص . [العرف الشرعي] أما العرف الشرعي: فكإطلاقهم الصلاة على الحركات المخصوصة ، والصوم على الإمساك المخصوص ، والزكاة على إخراج مخصوص ، فإن الشارع لم يضع اللفظ لهذه المعاني ، وإنما استعمله فيها من غير وضع ، وتكرر الاستعمال فيها حتى صارت هي المتبادرة إلى الذهن حال التخاطب . [العرف العام] وأما العرف العام: فكإطلاقهم الدابة على ذوات الأربع أو على دابة مخصوصة عند قوم كالفرس والحمار ، ومفهوم الدابة في اللغة لكل ذات دبّت سواء ذوات الأربع وغيرها ، وأهل العرف لم يضعوا اللفظ لهذا المعنى الذي هو ذوات الأربع، وإنما غلب استعمالهم للفظ الدابة، حتى صار هو المتبادر إلى الذهن حالة التخاطب . [العرف الخاص]: وأما العرف الخاص: فكاصطلاح كل ذي علم على ألفاظ خصوها بمعان مخالفة للمفهوم اللغوي، كاصطلاح المتكلم في الجوهر والعرض ، واصطلاح الفقيه في ٧ الجمع والفرق ، واصطلاح الجدلي في الكسر والنقض والقلب ، واصطلاح النحوي في الرفع والنصب والجر ، فجميع هذه الطوائف لم يضعوا هذه الألفاظ لتلك المعاني المخصوصة، وإنما استعملوها استعمالا غالبا حتى صارت هي المتبادرة إلى الذهن حالة التخاطب ، فهذا هو معنى الوضع في العرف الشرعي والعام والخاص ، وزاد بعضهم للوضع معنى ثالثا وهو استعمال اللفظ في المعنى ولو مرة واحدة، وهذا هو معنى قولهم : المجاز هل من شرطه أن يكون موضوعا أم لا؟ وفيه قولان مبنيان على أن المجاز هل من شرطه أن يكون مسموعاً أولا ؟ ويتعلق بالوضع مباحث : أحدها في شروطه : وهي ثلاثة : أحدها : أن لا يبتدئه بما يخالفه . ثانيها : أن لا يختمه بما يخالفه . ثالثها : أن يكون صادرا عن قصد فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم وعلى السامع التنبه لهذه الشروط . وقد حكى الرُّؤْياني عن صاحب ((الحاوي)) فيما إذا قال لزوجته: طلقتك، ثم قال : سبق لساني ، وإنما أردت طلبتك، أن المرأة إذا ظنت صدقة بأمارة فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه، وأنه من عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ، ولا يشهد عليه . قال الرُّؤْياني وهذا هو الاختيار . الثاني في سببه : وهو أن الله تعالى خلق النوع الإنساني وصيره محتاجا إلى أمور لا يستقل بها، بل يفتقر إلى المعاونة عليها ، ولابد للمعاون من الاطلاع على ما في النفس ، وذلك إما باللفظ أو الإشارة أو المثال ، واللفظ أيسر لما سيأتي . فالحاجة داعية إلى الوضع لأجل الإفهام بالمخاطبة ، ويلزم من ذلك كلما اشتدت الحاجة إلى التعبير عنه أنه يوضع له، وإلا كان ذلك مخلاً بمقصود الوضع الذي ذكرناه ، وما لا تشتد الحاجة إليه جاز فيه الأمران يعني الوضع وعدم الوضع ، أما عدم الوضع، فلأنه ليس مما تدعو الحاجة إليه، وأما الوضع فللفوائد الحاصلة به . ٨ [الموضوع]: الثالث: في الموضوع ، وهو اللغات على اختلافها، وفيه نظر أن أحدهما : نظر كلي يشترك فيه كل اللغات ، وهو من وجوه يعرف في علم آخر . والثاني فيما يختص بآحاد اللغات . ولما جاءت شريعتنا بلغة العرب وجب النظر فيها، وكيفية دلالتها من حيث صيغها ، ومن لطف الله تعالى حدوث الموضوعات، لأنها أكثر إفادة من هذه الثلاثة وأيسرها ، أما كثرة إفادتها فلأنها تعم كل معلوم موجود ومعدوم وغيره بخلاف الإشارة ، فإنها تختص بالموجود المحسوس ، وبخلاف المثال ، وهو أن يجعل لما في الضمير شكلا لتعذره ، وأما كونها أيسر فلأنها موافقة للأمر الطبيعي ، لأن الحروف كيفيات تعرض للنفسي الضروري . مَسألة [المفردات موضوعَة] لا خلاف أن المفردات موضوعة كوضع لفظ ((إنسان)) للحيوان الناطق، وكوضع ((قام)) لحدوث القيام في زمن مخصوص، وكوضع ((لعل)) للترجي ونحوها . [اختلاف العلماء في المركبات هل هي موضوعة أم لا ؟] واختلفوا في المركبات نحو قام زيد وعمرو منطلق ، فقيل : ليست موضوعة، ولهذا لم يتكلم أهل اللغة في المركبات ، ولا في تأليفها، وإنما تكلموا في وضع المفردات ، وما ذاك إلا أن الأمر فيها موكول إلى المتكلم بها ، واختاره فخر الدين الرازي، وهذا هو ظاهر كلام ابن مالك حيث قال: إن دلالة الكلام عقلية لا وضعية، واحتج له في كتاب ((الفيصل على المفصل)) بوجهين: أحدهما : أن من لا يعرف من الكلام العربي إلا لفظين مفردين صالحين لإسناد ٩ ٠٠ أحدهما إلى الآخر ، فإنه لا يفتقر عند سماعهما مع الإسناد إلى مُعرِّفٍ لمعنى الإسناد بل يدركه ضرورة . وثانيهما : أن الدال بالوضع لابد / من إحصائه ومنع الاستئناف فيه كما كان ذلك في المفردات والمركبات القائمة مقامها ، فلو كان الكلام دالا بالوضع وجب ذلك فيه ، ولم يكن لنا أن نتكلم إلا بكلام سبق إليه ، كما لا يستعمل في المفردات إلا ما سبق استعماله ، وفي عدم ذلك برهان على أن الكلام ليس دالا بالوضع. اهـ. وحكاه ابن إياز(١) عن شيخه . قال : ولو كان حال الجمل حال المفردات في الوضع لكان استعمال الجمل وفهم معناها متوقفا على نقلها عن العرب كما كان المفردات كذلك ، ولوجب على أهل اللغة أن يتتبعوا الجمل ويودعوها كتبهم كما فعلوا ذلك بالمفردات ، ولأن المركبات دلالتها على معناها التركيبي بالعقل لا بالوضع، فإن من عرف مسمى ((زيد))، وعرف مسمى ((قائم))، وسمع ((زيد قائم)) بإعرابه المخصوص، فهم بالضرورة معنى هذا الكلام وهو نسبة القيام إلى زيد . نعم يصح أن يقال : موضوعة باعتبار أنها متوقفة على معرفة مفرداتها التي لا تستفاد إلا من جهة الوضع ، ولأن للفظ المركب أجزاء مادية وجزءا صورياً ، وهو التأليف بينهما، وكذلك لمعناه أجزاء مادية وجزء صوري ، والأجزاء المادية من اللفظ تدل على الأجزاء المادية من المعنى، والجزء الصوري منه يدل على الجزء الصوري من المعنى بالوضع . والثاني : أنها موضوعة فوضعت ((زيد قائم)) للإسناد دون التقوية في مفرداته ولا تنافي بين وضعها مفردة للإسناد بدون التقوية ووضعها مركبة للتقوية ، ولأنها تختلف باختلاف اللغات، فالمضاف مقدم على المضاف إليه في بعض اللغات ، ومؤخر عنها في بعض، ولو كانت عقلية لفهم المعنى واحداً سواء تقدم المضاف على المضاف إليه أو تأخر ، وهذا القول ظاهر كلام ابن الحاجب حيث قال : أقسامها : مفرد ومركب . (١) هو الحسين بن بدر بن إياز بن عبدالله أو محمد العلامة جمال الدين. ت ٦٨١ هـ (بغية الوعاة ٥٣٢/١). ١٠ قال القَرَافي : وهو الصحيح، وعزاه غيره للجمهور بدليل أنها حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات، فقالت : إن من قال: إن قائم زيدا ليس من كلامنا ، ومن قال : إن زيداً قائم فهو من كلامنا ، ومن قال: في الدار رجل فهو من كلامنا، ومن قال: رجل في الدار فليس من كلامنا الخ إلى ما لا نهاية له في تراكيب الكلام ، وذلك يدل على تعرضها بالوضع للمركبات . والحق : أن العرب إنما وضعت أنواع المركبات، أما جزيئات الأنواع فلا ، فوضعت باب الفاعل لإسناد كل فعل إلى من صدر منه ، أما الفاعل المخصوص فلا ، وكذلك باب إن وأخواتها أما اسمها المخصوص فلا ، وكذلك سائر أنواع التركيب، وأحالت المعين على اختيار المتكلم، فإن أراد القائل بوضع المركبات هذا المعني فصحيح وإلا فممنوع ، ويتفرع على هذه القاعدة أن المجاز هل يدخل في المركبات أم لا ؟ وأنه هل يشترط العلاقة في الآحاد أم لا ؟ وحقيقة هذا الخلاف يرجع إلى أن دلالة الكلام المركب على معناه هل هي عقلية كدلالة المتكلم من وراء الحائط على أنه إنسان أو وضعية؟ تنبيه [المثنى والمجموع مَوضوعَان] لم أر لهم كلاماً في المثنى والمجموع ، والظاهر أنهما موضوعان، لأنهما مفردان وهو الذي يقتضيه حدّهم للمفرد، ولهذا عاملوا جموع التكسير معاملة المفرد في الأحكام. لكن صرح ابن مالك في كلامه على حدّها بأنهما غير موضوعين ، ويبعد أن يقال: فرّعه على رأيه في عدم وضع المركبات، لأنه لا تركيب فيها لا سيما أن المركب في الحقيقة إنما هو الإسناد ، وكذا القول في أسماء الجموع والأجناس مما يدل على متعدد ، فالقول بعدم وضعه عجيب ، لأن أكثره سماعي . وقد صرح ابن مالك بأن شفعا ونحوه مما يدل على اثنين موضوع . وقال ابن الجويني : الظاهر لي أن التثنيه وضع لفظها بعد الجمع لمسيس الحاجة ١١ إلى الجمع كثيرا، ولهذا لم يوجد في سائر اللغات تثنيه ، والجمع موجود في كل لغة ، ومن ثم قال بعضهم: أقل الجمع اثنان، لأن الواضع قال : الشيء إما واحد وإما كثير لاغير، فجعل الاثنين في حد الكثرة . [الموضوع له] الرابع : في الموضوع له ؛ وقد اختلف في أن اللفظ موضوع للمعنى الذهني أو الخارجي أو لأعمّ منهما أو للقدر المشترك على مذاهب: أحدها : أنه لم توضع الألفاظ للدلالة على الموجودات الخارجية بل وضعت للدلالة على المعاني الذهنية، وبواسطة ذلك تدل على المعنى الخارجي ، وهذا كالخط فإنه يدل على اللفظ، وبواسطة ذلك يدل على المعنى ، فإذا قلت : العالم حادث فلا يدل على كونه حادثا، بل يدل على حكمك بحدوثه ، وهذا مذهب الإمام فخر الدين الرازي وتبعه البيضاوي وابن الزَّمَلْكاني في ((البرهان))، والقرطبي في ((الوصول))، واحتجوا عليه : أما في المفردات فلأنا لو رأينا شبحا من بعيد ظنناه رجلا فإذا قرب رأيناه شبحا ، فلما اختلفت الأسامي عند اختلاف الصور الذهنية دل على أن اللفظ لا دلالة له إلا عليها . وأما في المركبات فلأن قولنا : قام زيد، لا يفيد قيام زيد، وإنما يفيد الحكم به والإخبار عنه ، ثم ننظر مطابقته للخارج أم لا ، وقد أجيب عن هذا الدليل بأن الاختلاف إنما عرض لاعتقاد أنها في الخارج كذلك ، لا لمجرد اختلافها في الذهن من غير نظر إلى الخارج ، وأيضا إنما يلزم أن يكون اللفظ مما يشخص في الخارج مجازا . وقال الأصفهاني : من نفى الوضع للمعنى الخارجي، إن أراد أنها لم توضع للدلالة على الموجودات الخارجية ابتداء من غير توسط الدلالة على المعنى الذهني ، فهذا حق ، لأن اللفظ إنما يدل على وجود المعنى الخارجي بتوسط دلالته على المعنى الذهني ، وإن أراد أن الدلالة الخارجية ليست مقصودة من وضع اللفظ فباطل ، لأن المخبر إذا أخبر غيره بقوله : جاء زيد ، فإن قصده الإخبار بمجيئه في الخارج . الثاني : أن اللفظ موضوع للمعنى الخارجي لا الذهني ، لانه مستقر الأحكام ، ١٢ وهذا ما جزم به الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع))، ويلزم الرازي من نفيه الوضع للخارجي أن يكون دلالة اللفظ عليها في الخارج ليست مطابقة ولا تضمنا ، ويلزمه أيضا نفي الحقائق ، لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له ، وعنده إنما وضع للذهني، ولكنه استعمل للخارجي ، ويلزم على قول الشيخ أبي إسحاق أن لا يكون الآن شيء موضوع ، لأن الوضع زال وهو صحيح . الثالث : أن اللفظ موضوع للمعنى من حيث هو أعم من الذهني والخارجي، وليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى محتاج إلى اللفظ ، واختاره بعض المتأخرين، ورد مذهب الإمام إليه . الرابع : أنه للقدر المشترك، ونسب القاضي شمس الدين الخولي القول / ١/٦١ الأول للفلاسفة . قال : وأصله الخلاف في أن الاسم عين المسمى أو غيره . مسألة [وَضْع اللفظ المشهور في مَعنى خفِى جدًّا] منع الرازي أن يوضع اللفظ المشهور في معنى لمعنى خفي جداً، فالغرض من هذه المسألة الرد على مثبتي الحال، لأنهم يقولون : الحركة اسم لمعنى يجعل الاسم متحركا، والمشهور نفس الانتقال لا معنى أوجب الانتقال ، وجوزه الأصفهاني فإن أسماء اللّه تعالى مشهورة، وبإزائها معان دقيقة غامضة لا يفهمها إلا الخواص العارفون بالله ، وبأن الانسان يدرك معاني لطيفة فيخترع لها ألفاظاً بإزائها . [فائدة الوضع]: الخامس : في فائدة الوضع ، والمعاني المفردة معلومة في الذهن قبل وضع اللفظ ، وفائدة وضع اللفظ تصورها عند التلفظ لتوقف فهم النسبة التركيبية عليه ، فإذن الفائدة الحاصلة من الألفاظ المفردة تصور معانيها وشعور الذهن بها لا معرفة معانيها، فلا يلزم الدور ، وتصور النسبة موجود في الذهن قبل وجود اللفظ ، والفائدة الحاصلة باللفظ مع الحركات المخصوصة والتركيب المخصوص ١٣ معرفتها واقعة أو وقعت أو ستقع ، فالموقوف عليها التصديق لا التصور فلا دور أيضا . [الواضع] السادس : في الواضع : وقد اختلف فيه على مذاهب : أحدها : قول الشيخ أبي الحسن الأشعري وبعض أتباعه كابن فُورَك أنها توقيفية ، وأن الواضع هو الله تعالى وحده ، وأعلمها للخلق بالوحي إلى الأنبياء أو بخلق الأصوات في كل شيء أو بخلق علم ضروري لهم ، وحكاه ابن جني في ((الخصائص)) عن أبي علي الفارسي، وجزم به ابن فارس . والثاني : أنها إلهام من الله تعالى لبني آدم كأصوات الطيور والبهائم حيث كانت أمارات على إرادتها فيما بينها بإلهام الله تعالى، حكاه صاحب ((الكبريت الأحمر)) عن أبي علي الفارسي، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) عن جابر أن رسول اللّه ◌ُ له تلا ﴿قرآنا عربيا لقوم يعلمون﴾ [سورة فصلت /٣] ثم قال: (أُلهمَ إسماعيل هذا اللسان إلهاما) ثم قال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي في ((مختصره)): حقه أن يقول على شرط مسلم ، ولكن مدار الحديث على إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الغسيلي ، وكان ممن يسرق الحديث. انتهى . والثالث : مذهب أبي هاشم وأتباعه أنها اصطلاحية على معنى أن واحدا من البشر أو جماعة وضعها وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كتعريف الوالدين لغتهما للأطفال ، وحكاه ابن جني في ((الخصائص)) عن أكثر أهل النظر . وقال إنْكِيا الطبري : معنى الاصطلاح أن يعرفهم الله مقاصد اللغات ، ثم يهجس في نفس واحد منهم أن ينصب أمارة على مقصوده ، فإذا نصبها وكررها واتصلت القرائن بها أفادت العلم ، كالصبي يتلقى من والده . والقائلون بالتوقيف : يقولون لابد وأن يلهموا الأمارات . قال : ومن فهم المسألة وتصورها لا يحيل تصويرها ، نعم يستحيل تواطؤ العالمين على أمارة واحدة مع اختلاف الدواعي ، فإن عنى بالاصطلاح هذا فمسلم، وإن عنى ما ذكرناه ، فلا ، وإذا تعارض الإمكانات توقف على السمع . ١٤ والرابع : أن بعضه من اللّه وبعضه من الناس ، ثم اختلفوا هل البداءة من الله والتتمة من الناس ؟ ونسبه القرطبي إلى الأستاذ ، وأما عكسه، وقد ذهب إليه قوم فتصير المذاهب خمسة . وقد اختلف في النقل عن الأستاذ ، فحكى الآمدي وابن الحاجب عنه أن القدر المحتاج إليه في التعريف توقيفي، والباقي محتمل للتوقف وغيره ، وحكى في ((المحصول)) عنه أن الباقي مصطلح وسبقه إلى حكايته أيضا أبو نصر بن القشيري ، والصواب عنه : الأول ، فقد رأيته في كتاب ((أصول الفقه)) للأستاذ أبي إسحاق ، ونقله عن بعض المحققين من أصحابنا ، ثم قال : إنه الصحيح الذي لا يجوز غيره ، وعبارته : أنه لابد من أن يعلمهم أو يخلق لهم علما بمقدار ما يفهم بعضهم من بعض لمعنى الاصطلاح والوقوف على التسمية ، فإذا عرفوه جاز أن يكون باقيه توقيفا منه لهم عليه ، وجاز أن يكون اصطلاحا فيهم ، ولا طريق بعده إلى معرفة ما كان منه فيه إلا بخبر نبي عنه. هذا لفظه ، وكذلك نقله عنه ابن برهان في ((الأوسط))، والأستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه . الخامس : قول القاضي وإمام الحرمين وابن القُشَيْري وابن السَّمْعاني وابن برهان وجمهور المحققين كما قاله في ((المحصول)) التوقف، بمعنى أن الجميع ممكن لتعارض الأدلة ، وأما تعيين المواقع من هذه الأقسام، فليس فيه نص قاطع، ومال إليه ابن جني في أواخر الأمر . وقال الآمدي : والحق أنه كان المطلوب في هذه المسألة تعيين الواقع ، فالحق ما قاله الشيخ . وقال ابن دقيق العيد : الواقف إن توقف عن القطع فلا بأس به ، وإن أراد التوقف عن الظن فظاهر الآية ينفيه . وقال التِّلْمساني في ((الكفاية)): قال المتأخرون من الفقهاء: هذا الخلاف إن كان في الجواز العقلي فهو ثابت بالنسبة إلى جميع المذاهب ، إذ لا يلزم منه محال أصلا ، وإن كان في الوقوع السمعي فباطل ، لأن الوقوع إنما يكون بالنقل، ولم يوجد فيه خبر متواتر، ولا برهان عقلي بنفي رجم الظنون بلا فائدة . ١٥ وحكى الأستاذ أبو منصور قولاً آخر أن ما وقع التوقيف في الابتداء على لغة واحدة، وما سواها من اللغات وقع التوقيف عليها بعد الطوفان من الله في أولاد نوح حتى تفرقوا في أقطار الأرض . قال : وقد روي عن ابن عباس أن أول من تكلم بالعربية المحضة إسماعيل ، وأراد بها عربية قريش التي نزل بها القرآن، وأما عربية قحطان وحِمِيَر فكانت قبل إسماعيل عليه السلام . وقال في ((شرح الأسماء)): قال الجمهور الأعظم من الصحابة والتابعين من المفسرين : إنها كلها توقيف من اللّه ، وقال أهل التحقيق من أصحابنا : لابد من التوقيف في أصل لغة واحدة لاستحالة وقوع الاصطلاح على أول اللغات من غير معرفة من المصطلحين، يعني ما اصطلحوا عليه ، وإذا حصل التوقيف على لغة واحدة جاز أن يكون ما بعدها من اللغات اصطلاحا ، وأن يكون توقيفا ، ولا يقطع بأحدهما إلا بدلالة . قال : واختلفوا في لغة العرب ، فمن زعم أن اللغات كلها اصطلاح ، فكذا قوله في لغة العرب ، ومن قال بالتوقيف على اللغة الأولى وأجاز الاصطلاح فيما سواها من اللغات اختلفوا في لغة العرب ، فمنهم من قال : هي أول اللغات وكل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفا أو اصطلاحا، واستدلوا بأن القرآن كلام الله وهو عربي ، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات وجوداً ، ومنهم من قال : لغة العرب نوعان: أحدهما : عربية حمير وهي التي تكلموا بها في عهد هود ومن قبله ، وبقي بعضها إلى وقتنا . ٦١/ب والثاني : العربية المحضة التي نزل بها القرآن ، وأول / من أطلق لسانه بها إسماعيل فعلى هذا القول يكون توقيف إسماعيل على العربية المحضة محتملا أمرين : إما أن يكون اصطلاحا بينه وبين جرهم النازلين عليه بمكة ، وإما أن يكون توقيفا من الله، وهو الصواب. اهـ. وحكى ابن جني في ((الخصائص)) قولا آخر أن أصل اللغات إنما هو من ١٦ الأصوات والأسماع ، كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء ونهيق الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونحوه ، ثم تولدت اللغات عن ذلك فيما بعد . قال: وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل. قال : وأبو الحسن الأخفش يذهب إلى أنها توقيفية، لكنه لم يمنع القول بالاصطلاح . تنبيهات [التنبيه] الأول أن للمسألة مقامين : أحدهما: الجواز على اللغة : لا يجوز أن يكون إلا توقيفا أو إلا اصطلاحا . الثاني : أنه ما الذي وقع على تقدير كل من الأمرين؟ والقول بتجويز كل من الأمرين هو مذهب المحققين ، ونقلوه عن الأشعري ، وقيل : إنه إنما تكلم في الوقوع مع تجويز صدور اللغة اصطلاحا ، ولو منع الجواز لنقله عنه القاضي وغيره ، وذكر إمام الحرمين الخلاف في الجواز ، ثم قال : إن الوقوع لم يثبت وتبعه ابن القُشَيْري وغيره . [التنبيه] الثاني معنى التوقيف في معنى التوقيف ، قال ابن فارس : لعل ظانا يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد ، وليس كذلك، بل وقف الله آدم عليه الصلاة والسلام على ما شاء أن يعلمه إياه، ثم احتاج إلى علمه في زمانه، فانتشر من ذلك ما شاء ، ثم علم بعد ذلك آدم من عرف من الأنبياء صلوات الله عليهم نبيا نبيا ما شاء أن يعلمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا وَّر، فآتاه من ذلك ما ! يؤت أحدا ، ثم قرّ الأمر قراره، فلا نعلم لغة من بعده حدثت . ١٧ [التشبيه] الثالث [الاسمَاء التى عَلمَهَا الله آدم] قال ابن عطية : اختلفوا في أي الأسماء علم اللّه آدم ؟ فقيل : جميع المخلوقات حقيرها وجليلها ، وقيل : أسماء الأجناس ، وقيل : علم الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته ، وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال : علم اللّه آدم كل شيء حتى أنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه ، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ . وقال أكثر العلماء : علمه منافع كل شيء وما يصلح . [التنبيه] الرابع ان الخلاف في هذه المسألة يوجب الظن بأن لا فائدة للخوض فيه لأحد أمرين إما تكميل العلم بهذه الصناعة إذ معظم النظر فيها يتعلق بدلالة الصيغ أو جواز قلب ما لا تعلق له بالشرع فيها ، كتسمية الفرس ثوراً ، والثور فرسا إلى غير ذلك ، وقيل : الخلاف فيها طويل الذيل قليل النيل، ولا يترتب عليها معرفة عمل من أعمال الشريعة ، وإنما ذكرت في علم الأصول ، لأنها تجرى مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها ، كما يصور الحيسوب مسائل الجبر والمقابلة ، فهذه من أصول الفقه من رياضياته بخلاف مسألة : الأمر للوجوب أو الفور ، والنهي يقتضي الفساد ، فإنها من ضروراته . ومنهم من خرج عليها مسائل من الفقه ، كما لو عقدا صداقاً في السر، وآخر في العلانية ، أو استعملا لفظ المفاوضة ، وأرادا شركة العنان حيث نص الشافعي على الجواز ، أو تبايعا بالدنانير وسميا الدراهم ، قال ابن الصباغ : لا يصح، وكما لو قال لزوجته : إذا قلت : أنت طالق ثلاثاً لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي وتقعدي ، ثم قال لها : أنت طالق ثلاثا وقع . ١٨ وحكى الإمام في باب الصداق وجهاً : أن الاعتبار بما تواضعا عليه . ولو سمى أمته حرة ولم يكن ذلك اسمها ، ثم قال بعد ذلك : يا حرة ففي ((البسيط)) أن الظاهر أنها لا تعتق إذا قصد النداء، وجعله ملتفتا على هذه القاعدة . قال في ((المطلب)): والأشبه عدم بنائه على ذلك لأنا نفرع على جواز وضع الاسم بالاصطلاح ، وإذا جاز صار كالاسم المستمر ولو كان اسمها بعد الرق حرة وناداها به ، وقصد ذلك لم يقع ، فكذا هنا ، وغير ذلك من الصور . والحق : أنه لا يتخرج شيء من ذلك على هذه القاعدة لأن مسألتنا في أن اللغات هذه الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف ؟ لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على تغيير الشيء عن موضوعه ، نعم يضاهيها قاعدة في الفقه وهي أن الاصطلاح الخاص هل يرفع الاصطلاح العام أم لا ؟ فيه خلاف ، وعليها تتفرع هذه الفروع، كما بينته في كتاب ((الأشباه والنظائر)). ومنهم من قال: فائدتها النظر في جواز قلب اللغة، فالقائلون بالتوقيف يمنعونه مطلقا والقائلون بالاصطلاح يجوزونه إلا أن يمنع الشرع منه ، ومتى لم يمنع كان للشيء اسمان . أحدهما : متوقف عليه ، والآخر متواضع عليه ، وبذلك قال القاضي وإمام الحرمين وغيرهما ، وأما المتوقفون، فقال المازري : اختلفت إشارة المتأخرين فذهب الأزدي إلى التجويز كمذهب الاصطلاح ، وأشار أبو القاسم عبد الجليل الصابوني إلى المنع وجوز كون التوقيف وارداً على أنه وجب أن لا يقع النطق إلا بهذه الألفاظ . وقال ابن الأنباري: الصحيح عندي أنه لا فائدة في هذه المسألة . وقال الماوَرْدي في ((تفسيره)) : فائدة الخلاف أن من جعل الكلام توقيفيا جعل التكليف مقارنا لكمال العقل، ومن جعله اصطلاحيا جعل التكليف متأخرا عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام، ثم فيه وجهان: أحدهما : أن التعليم إنما كان مقصورا على الاسم دون المعنى . ١٩ الثاني : أنه علم الأسماء ومعانيها، إذ لا فائدة في تعليم علم الأسماء بلا معان ، لتكون المعاني هي المقصودة، والأسماء دلائل عليها ، وإذا قلنا بالأول ، وهو أن التعليم إنما كان مقصودا على ألفاظ الأسماء دون معانيها ، ففيه وجهان، أحدهما : أنه علمه إياها باللغة التي يتكلم بها، والثاني: أنه علمه بجميع اللغات ، وعلمها آدم ولده فلما تفرقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وألفوه ، ثم نسوا غيره بتطاول الزمان . وزعم قوم أنهم أصبحوا وكل قوم منهم يتكلمون بلغة قد نسوا غيرها في ليلة واحدة ، ومثل هذا في العرف ممتنع. اهـ. وعزى بعض الحنفية التوقيف لأصحابهم، والاصطلاح لأصحابنا ، ثم قال: وفائدة الخلاف أنه يجوز التعلق باللغة عند الحنفية لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع ، وبنوا أن حكم الرهن الحبس ، لأن اللفظ ينبىء عنه ، وعند أصحاب الشافعي أن التعلق باللغة لإثبات الحكم الشرعي لا يجوز، لأن الواضعين في الأصل كانوا جهالاً، وضعوا عبارات لمعبرات لا لمناسبات ، ثم استعملت وصارت لغة. انتهى. وعلى القول بأنها / اصطلاحية أو توقيفية فاختار ابن جني في ((الخصائص)) أنها متلاحقة بعضها يتبع بعضا، لا أنها وضعت في وقت واحد ، قال: وهو قول أبي الحسن الأخفش وهو الصواب على معنى أن الواضع وضع في أول الأمر شيئا ثم احتیج للزيادة عليه حصول الداعية إليه فزید فيه شيئا فشيئا إلا أنه علی قیاس ما سبق منها في حروفه ، وقد سبق مثله عن ابن فارس . ١/٦٢ فائدة [أسْمَاء الله توقيفيه] ذكرها الأستاذ أبو منصور في كتاب ((التحصيل)) فقال: أجمع أصحابنا على أن أسماء اللّه توقيفية، ولا يجوز إطلاق شيء منها بالقياس، وإن كان في معنى ٢٠