النص المفهرس

صفحات 461-480

إطلاق الظاهر كما سيأتي عند جواز ورود العموم وتأخر الخصوص عنه ، وكذلك
الحديث .
قال الشافعي في ((الرسالة)): وكلام رسول الله وَ لر على ظاهره، وقال الأستاذ
أبو إسحاق : كل ما ورد في خطاب من يلزم المصير إليه فله وجه في اللغة .
واختلف أصحابنا ، فقال بعضهم : كل ما ورد منه فهو مجموعه وما اتصل به
جملة قبله أو بعده يقتضي ظاهرا لا يحتاج معه إلى تأويل يحمل عليه ، ومن ظن ذلك
فيه فقد أخطأ الحق. ومن زعم أن كلام الله ورسوله ورد على وجه محتاج فيه إلى
تأويل له بدليل يقترن به ، فكأنه قال : إنه متكلم بكلام لا يصح الكلام بمثله .
وقال آخرون : إنه يصح أن يرد من كلامه ما لا يستعمل ظاهره ، ويحمل على
خلافه بدليل يبين مقصوده إذا جاز في تلك اللغة مثله ، وهو اختلافهم في قوله
تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾
[سورة النساء / ٨٣] فقال : ما كان أنهم يعرفون مجموع الخطاب في مقتضى الظاهر
ويحكمون به ، وقيل : معنى قوله : ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ هو من عرف
الأدلة والوجوه التي يحمل عليها الخطاب عرف ما أريد به وإن كان ظاهره يقتضي
خلافه .
مسألة
[بِقَاء المجمل في القرآن بَعَد وَفاة النبي ◌ِلَه]
هل بقى في القرآن مجمل لا يعرف معناه بعد وفاة النبي ◌َّ؟ منعه بعضهم ،
لأن الله تعالى أكمل الدين. وقال آخرون بإمكانه ، وفصل إمام الحرمين وابن
القشيري فجوزاه فيما لا يكلف فيه ، ومنعاه فيما فيه تكليف خوفا من تكليف ما لا
يطاق .
٤٦١

مسألة
[النص وَالظاهر]
وينقسم باعتبار آخر إلى نص وظاهر :
أما النصّ فهو في اللغة: الظهور والارتفاع، ومنه يقال: نصصت بمعنى
أظهرت، ومنه نصت الصبية جيدها إذا أظهرته ، وقولهم للمنارة: منصة ، ومنها
المنصة التي تجلس عليها العروس ، وفي الحديث (كان إذا وجد فرجة نصَّ) أي
دفع في السير وأسرع .
ويطلق باصطلاحات:
أحدها : مجرد لفظ الكتاب والسنة ، فيقال : الدليل إما نص أو معقول وهو
اصطلاح الجدليين . يقولون : هذه المسألة يتمسك فيها بالنص ، وهذه بالمعنى
والقياس .
الثاني : ما يذكر في باب القياس ، وهو مقابل الإيماء .
الثالث : نصّ الشافعي فيقال لألفاظه نصوص باصطلاح أصحابه قاطبة .
الرابع : حكاية اللفظ على صورته كما يقال: هذا نص كلام فلان .
الخامس : يقابل الظاهر وهو مقصودنا ، وقد اختلف فيه ، فقال الكيا
الطبري : نص الشافعي على أن النص كل خطاب علم ما أريد به من الحكم ،
قال: وهذا يلائم وضع الاشتقاق، لأنه إذا كان كذلك كان قد أظهر المراد به
وكشف عنه ، ثم على هذا ينقسم النص إلى ما يحتمل وإلى ما لا يحتمل .
وقال ابن برهان : لعل الشافعي إنما سمى الظاهر نصا ، لأنه لمح فيه المعنى
اللغوي ، قال المازري : أشار الشافعي والقاضي أبو بكر إلى أن النص يسمى
ظاهرا ، وليس ببعيد، لأن النص في أصل اللغة الظهور ، وقال الأبياري، يطلق
النص على ما لا يتطرق إليه احتمال وسواء عضده بالدليل أم لا ، وهذا الذي
٤٦٢

ذكره الشافعي هو اختيار القاضي ، وقد يكون نصّاً بوضع اللغة وقد يكون
بالقرينة ، وقيل : ما استوى ظاهره وباطنه ، وأشار بالباطن إلى المفهوم، وإلا
فليس للفظ ظاهر ولا باطن في الحقيقة، وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): قال
الشافعي في حد النص : إنه خطاب يعلم ما أريد به من الحكم سواء كان مستقلا
بنفسه ، أو علم المراد به بغيره ، ولا يسمى المجمل نصا ، وبهذه حدّة الكرخي .
وذكر عبد الجبار أن النص هو خطاب يمكن أن يعرف المراد به . وشروطه
ثلاثة : أن يتكون لفظا ، وأن لا يتناول إلا ما هو نصٍ فيه ، وإن كان نصا في عين
واحدة وجب أن لا يتناول ما سواها، وإن كان نصاً في أشياء كثيرة وجب أن لا
يتناول ما سواها .
والثالث : أن تكون إفادته لما يفيده ظاهره غير محتمل .
وقال الأستاذ أبو منصور : النص في عرف أهل اللغة : / اللفظ الذي لا يمكن ٥٧/ب
تخصيصه ، كقولك : أعط زيدا أو خذ من عمرو وافعل أنت ونحوه ، ومنه قوله
وَّ لأبي بُرْدَة: (ولن تجزيء عن أحد بعدك).
وأصله الظهور. قال: وحكى عن بعض أصحابنا قال: لا لفظ في كلام العرب إلا
وأصله التخصيص، وذهب هذا القائل إلى أن الألفاظ كلها نصوص، عموما كان أو
ظاهرا، وزعم أن الاحتمال في قوله عليه السلام لأبي بردة: «مجزئك» جواز قیاس
الدلالة على أن غيره في معناه. قال: وهذا لا ينفي الأول، لأن الاحتمال في غير النص.
اهـ.
[بُعد قول من أنكر وجود النص]
ومقابل هذا في البعد قول من أنكر وجود النص ، وحكاه الباجي عن أبي محمد
بن اللبان الأصفهاني ، وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن أبي علي الطبري أنه
قال : يعز وجود النص إلا أن يكون كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ [سورة
الأنفال /٦٤] و﴿قل هو الله أحد﴾ [سورة الإخلاص /١] قال: والصحيح: خلافه.
قال في ((المنخول)): قال الأصوليون: لا يوجد النص في الكتاب والسنة إلا في ألفاظ
متعددة، كقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [سورة الاخلاص /١] ﴿محمد رسول الله﴾
٤٦٣

[سورة الفتح / ٢٩] وقوله عليه السلام: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا) وقوله: (ولا
تجزىء عن أحد بعدك) .
قال: وأما الشافعي فإنه يسمي الظاهر نصا ، ثم قسم النص إلى ما يقبل
التأويل وإلى ما لا يقبله . قال : والمختار عندنا أن النص ما لا يتطرق إليه تأويل .
وتسمية الظاهر نصا صحيح لغة وشرعا ، لأنه ظاهر اللفظ .
قال : وقال الأستاذ أبو إسحاق : الظاهر هو المجاز والنص هو الحقيقة. اهـ.
وقال القاضي أبو حامد اْمَرْ وَرَوْذِي : النص ما عرى لفظه عن الشركة وخلص
معناه من الشبهة ، حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ ، وقيل: هو الذي لا
يحتمل إلا معنى واحدا ، وقيل : المقطوع على المراد . وقيل: ما استوى ظاهره
وباطنه ، حكاها الأستاذ أبو منصور قال : وإنما تصح هذه الأقول على القول بأن
الظاهر المجمل والعموم ليس بنص .
قال: والصحيح في حد النص عندنا : أنه الدال على الحكم باسم المحكوم
فيه(١) سواء كان ذلك النص محتملا للتأويل والتخصيص أو غير محتمل ، قال :
وإلى هذا ذهب الشافعي، وأشار إليه في كتاب ((الرسالة)) ، وكذلك حكاه أبو
الحسن الكَرْخِي عن أصحاب الرأي .
وعلى هذا الأصل يكون العموم نصا، وكذلك المجمل نص في الإيجاب ، وإن
كان مجملا في صفة الواجب أو مقداره أو وقته .
وقال في كتاب ((التحصيل)): اختلف أصحابنا في تسمية العموم والظواهر
المحتملة نصوصا ، فقيل : إنه مختص بالذي لا يحتمل التخصيص كقوله عليه
الصلاة والسلام: (ولن تجزىء عن أحد بعدك) .
وقال الجمهور : إن العموم والظواهر كلها نصوص .
[الفرق بين النص والظاهر]
وقال الرُّؤْياني في ((البحر)) في الفرق بين النص والظاهر وجهان:
(١) لعله: عليه. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية.
٤٦٤

أحدهما : أن النص ما كان لفظه دليله والظاهر ما سبق مراده إلى فهم سامعه .
والثاني: النص ما لم يتوجه إليه احتمال، والظاهر ما توجه إليه احتمال .
وقال أبو نصر بن القشيري : اختلف الناس في النص ، فقيل : ما لا يتطرق
إليه تأويل ، وقيل : ما استوى ظاهره وباطنه ، ونوقض بالفحوى، فإنها تقع نصاً
وإن لم يكن معناه مصرحا به لفظا ، وأجيب بأنه لا استقلال له ، ثم صار
الصائرون إلى عزة النصوص في الكتاب حتى لا يوجد إلا قوله : ﴿قل هو الله
أحد﴾ و﴿ محمد رسول الله﴾ وفي السنة (لن تجزىء عن أحد بعدك) و(اغد يا أنيس
إلى امرأة هذا) وهذا ليس بشيء، بل كل ما أفاد معنى على قطع مع انحسام
التأويل فهو نص. والشافعي قد يسمى الظاهر نصاً في مجاري كلامه، وهو
صحيح في وضع اللغة ، لأن النص من الظهور ولكن الاصطلاح ما ذكرنا .
قال : ويلتحق بالنص ما حذف من الكلام لدلالة الباقي على المحذوف، ولكن
لا يشك في معناه ، كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من
أيام أخر﴾ [سورة البقرة / ١٨٤] فإن معناه: فأفطر .
وأما الظاهر ، فقال القاضي : هو لفظة معقولة المعنى لها حقيقة ومجاز ، فإذا
وردت على حقيقتها كانت ظاهراً وإن عدلت إلى جهة المجاز كانت مؤولة . وهذا
صحيح في بعض الظواهر .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير لجهة يفهم
الفاهم منه معنى، وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدره الفهم .
قال ابن القُشَيْري : وهذا أمثل .
قال : ومن الظواهر مطلق صيغة الأمر ، فإن ظاهره الوجوب ، ومنه صيغ
العموم وفحوى الخطاب لا يدخله التخصيص والتأويل، لأنه نص .
قال: والظهور قد يقع في الأسماء وفي الأفعال والحروف مثل ((إلى))، فإنه ظاهر في
التحديد والغاية، مؤول في الحمل على الجمع.
٤٦٥

مسألة
[القراءات السَبع]
القراءات عن الأئمة السبعة متواترة عند الأكثرين، منهم إمام الحرمين في
((البرهان))، خلافا لصاحب ((البديع)) من الحنفية ، فإنها اختار أنها مشهورة .
وقال السروجي في باب الصوم من ((الغاية)): القراءات السبع متواترة عند الأئمة
الأربعة ، وجميع أهل السنة خلافا للمعتزلة فإنها آحاد عندهم . وقال في باب
الصلاة : المشهور عن أحمد كراهة قراءة حمزة لما فيها من الكسر والإدغام وزيادة
المد، ونقل عنه كراهة قراءة الكسائي، لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام .
وهذا خطأ، لأن الأمة مجمعة ما عدا المعتزلة على أن كل واحدة من السبع ثبتت عن
رسول الله وَلّ بالتواتر فكيف تكره؟. اهـ.
وقال بعض المتأخرين : التحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، وأما تواترها
عن النبي وَلَّ ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة لهذه القراءات موجودة في
كتبهم ، وهي نقل الواحد عن الواحد، فلم تستكمل شروط التواتر .
وقد يجاب عن هذا على تقدير التسليم بأن الأمة تلقتها بالقبول، واختاروها
لمصحف الجماعة ، وقطعوا بأنها قرآن، وأن ما عداها ممنوع من إطلاقه ، والقراءة
به ، كما قاله القاضي أبو بكر في ((الانتصار)). وبهذا الطريق حكم ابن الصلاح أن
أحاديث الصحيحين مقطوع بها وإن رويت بالآحاد، لتلقي الأمة لها بالقبول، وهو
قول جمهور الأصوليين، أي : أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول أفاد القطع ،
وإذا كان كذلك فيما يثبت بالواحد ، فما ظنك فيما وجد فيه غالب شروط التواتر أو
کلها؟ لكن كلام ابن الصلاح هذا قد رده کثیر من الناس كما سيأتي إن شاء الله
تعالى .
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتاب ((المرشد الوجیز)): کل فرد فرد منها
٤٦٦

متواتر، أما المجموع منها فلا حاجة إلى البينة على تواتره . قال : وقد شاع ذلك
على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم . قالوا : والقطع بأنها منزلة من ٦/٥٨
عند الله واجب .
قال: ونحن نقول بهذا، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه
الفرق مع أنه شائع من غير نكير، فإن القراءات السبع المراد بها: ما روي عن الأدمة
السبعة القراء المشهورين، وذلك المروي عنهم ينقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم تختلف
فيه الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه بقيت نسبته إليهم في بعض الطرق،
فالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافاً كثيراً، ومن تصفح كتبهم أحاط
بذلك، فلا ينبغي أن يقرأ بكل قراءة تعزى إلى إمام من هؤلاء السبعة حتى يثبت ذلك
ويوافق لغة العرب.
قال : وأما من يهول في عبارته قائلا بأن القراءات السبعة متواترة ، لأن القرآن
أنزل على سبعة أحرف فخطؤه ظاهر، لأن الأحرف المراد بها غير القراءات
السبعة .
والحاصل : أنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء،
بل القراءات كلها تنقسم إلى متواتر وغيره ، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور
منها كإدغام أبي عمرو ، ونقل الحركة لورش ، ووصل ميمي الجمع وهاء الكناية
لابن كثير أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءات إليه بعد أن يجهد
نفسه في استقراء الطرق والواسطة إلا أنه يبقى عليه التواتر من ذلك الإمام إلى
النبي و ﴿ في كل فرد فرد من ذلك. وههنا تسكب العبرات، فإنها من ثم لم تنقل
إلا آحاداً إلا اليسير منها ، بل الضابط : أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها
وموافقتها خط المصحف ، ولم ينكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمدة ، وما
عدا ذلك شاذ وضعيف. اهـ.
وكذا كلام غيره من القراء يوهم أن القراءات السبعة ليست متواترة كلها وإن أعلاها
ما اجتمع فيه صحة السند وموافقة خط المصحف والإمام(١)، والفصيح من لغة
(١) كذا في سائر النسخ ولعل الواو زائدة ، أو جيء بها لعطف التفسير، والمشهور المصحف الإمام .
٤٦٧

العرب، وأنه يكفي فيها الاستفاضة، وليس الأمر كما ذكر هؤلاء، والشبه دخلت
علیھم من انحاصر أسانيدها في رجال معروفين، فظنوها كأخبار الآحاد.
وقد أوضح الإمام كمال الدين بن الزَّمَلْكَاني رحمه الله ذلك .
فقال : انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم ، فقد
كان يتلقاه أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم ، وكذلك دائما ،
فالتواتر حاصل لهم ، ولكن الأئمة الذين قصدوا ضبط الحروف، وحفظوا
شيوخهم منها جاء السند من جهتهم، وهذا كالأخبار الواردة في حجة الوداع هي
آحاد، ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم التواتر عن مثلهم في كل
عصر، فهذه كذلك ، وهذا ينبغي التفطن له ، وأن لا يغتر بقول القراء فيه ، والله
أعلم .
وقال القاضي ابن العربي في ((القواصم))(١) : وقال بعضهم كيفية القراءة اليوم
أن يقرأ بما اجتمع فيه ثلاثة شروط : ما صح نقله ، وصح في العربية لفظه ،
ووافق خط المصحف ، وذكر خلافا كثيرا في ذلك . قال : وإنما أوجب ذلك كله أن
جميع السبع لم يكن بإجماع ، وإنما كان بإخبار واحد واحد ، والمختار : أن يقرأ
المسلمون على خط المصحف فكل ما صح في النقل لا يخرجون عنه، ولا يلتفتون
إلى ما سواه. قال : والمختار لنفسي إذا قرأت بما نسبت لقالون أن لا أهمز ولا أكسر
منونا ولا غير منون ، فإن الخروج من كسرة إلى ياء مضمومة لم أقدر عليه ، وما
كنت لأمد مد حمزة، ولا أقف على الساكن ، ولا أقرأ بالإدغام الكبير، ولو رواه
سبعون ألفا ، ولا أمد ميم ابن كثير ولا أضم هاء عليهم وإليهم ، وهذه كلها أو
أكثرها عندي لغات لا قراءات ، لعدم ثبوتها ، وإذا تأملتها رأيتها اختيارات مبنية
على معان ولغات. قال : وأقوى القراءات سندا قراءة عاصم وابن عامر، وقراءة
أبي جعفر ثابتة لا كلام فيها .
قال : وطلبت أسانيد الباقين فلم أجد فيها مشهورا ، ورأيت بناء أمرها على
اللغات ، وأطلق الجمهور تواتر السبع، واستثنى ابن الحاجب وغيره ما ليس من
(١) وهو كتاب ((العواصم من القواصم)) نشرته المكتبة السلفية بالقاهرة.
٤٦٨

قبيل الأداء كالمد واللين والإمالة وتخفيف الهمز يعنى أنها ليست بمتواترة ، وهذا
ضعيف.
والحق: أن المد والإمالة لا شك في تواتر المشترك منها وهو المد من حيث هو مد،
والإمالة من حيث هي إمالة، ولكن اختلفت القراء في تقدير المدّ في اختياراتهم، فمنهم
من رآه طويلا، ومنهم من رآه قصيرا، ومنهم من بالغ في القصر، ومنهم من تزايد
کحمزة وورش بمقدار ست ألفات، وقیل خمس، وقيل: أربع، وعن عاصم: ثلاث،
وعن الكسائي: ألفين ونصف، وقالون: ألفين، والسوسي: ألف ونصف.
وقال الداني في ((التيسير)) أطولهم مدا في الضربين جميعا يعني المتصل والمنفصل ورش
وحمزة، ودونهما عاصم، ودونه ابن عامر والكسائي، ودونهما أبو عمروا من طريق أهل
العراق، قال: و[قالون] من طريق أبي نشيط(١) بخلاف عنه، وهذا كله على التقريب
من غير إفراط، وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحذق. اهـ.
فعلم بهذا أن أصل المدّ متواتر ، والاختلاف والطرق إنما هو في كيفية التلفظ .
وكان الإمام أبو القاسم الشاطبي (رحمه الله) يقرأ بمدّين طولي لورش وحمزة ،
وَوَسَطِي لمن بقي، وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول
المد وغيره ، وقال : لا تعجبني، ولو كانت متواترة لما كرهها . إلا أن يقال : إنما
كره كيفيتها لا أصلها .
وكذلك أجمعوا على أصل الإمالة، وإنما اختلفوا في حقيقتها مبالغة وقصرا ،
فإنها عندهم قسمان: محضة، وهي أن ينحى بالألف إلى الياء ، وبالفتحة إلى
الكسرة ، وبين بين، وهي كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب وهي أصعب
الإمالين ، وهي المختارة عند الأئمة ، وكذلك تخفيف الهمزة أصله متواتر ، وإنما
الخلاف في كيفيته .
وأما الألفاظ المختلف فيها بين القراء فهي ألفاظ قراءة واحدة ، والمراد تنوع
القراء في أدائها ، فإن منهم من يرى المبالغة في تشديد الحرف المشدد ، فكأنه زاد
(١) هو محمد بن هارون المروزي ت ٢٥٨ هـ. معرفة القراء الذهبي ٢٢٢/١ والتيسير في القراءات السبع
للداني والزيادة منه ص ٣١.
٤٦٩

حرفا ، ومنهم من لا يرى ذلك ، ومنهم من يرى الحالة الوسطى ، فهذا هو الذي
ادعى أبو شامة عدم تواتره، ونوزع فيه، فإن اختلافهم ليس إلا في الاختيار، ولا
يمنع قوم قوماً .
مسألة
[يجوزاثبات قراءة حكما لاعلما بخير الواحد]
قال القاضي أبو بكر في ((الانتصار)): قال قوم من الفقهاء والمتكلمين : يجوز
إثبات قراءات وقراءة حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل
الحق ، وامتنعوا منه .
وقال قوم من المتكلمين : إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة
٥٨/ ب وأوجه وأحرف إذا كان صوابا في اللغة ، ومما / سوغ التكلم بها ولم يقم حجة بأن
النبي ◌َّلي قرأ بها بخلاف موجب رأي القائسين واجتهاد المجتهدين، وأبى ذلك
أهل الحق ومنعوه وخطأوا من قال بذلك وصار إليه. اهـ.
مسألة
[ليسَت القراءات اختياريَة]
وليست القراءات اختيارية، ولهذا قال سيبويه في ((كتابه)) في قوله تعالى: ﴿ما
هذا بشرا﴾ [سورة يوسف /٣١] وبنو تميم يرفعونها إلا من درى كيف هي في
المصحف، وإنما كان ذلك، لأن القراءة سنة مروية عن النبي بَل#، ولا تكون
القراءة بغير ما روي عنه. اهـ. خلافا للزمخشري حيث اعتقد أن القراءات
اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء .
٤٧٠

ورد على حمزة قراءته ﴿الأرحام﴾ [سورة النساء/١] بالخفض، ومثله ما حكي عن أبي
زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي أنهم خطأوا حمزة في قراءته ﴿وما أنتم بمصرخيِّ﴾
[سورة إبراهيم/٢٢] بكسر الياء المشددة. وقالوا: إنه ليس ذلك في كلام العرب، وأنه كان
يلحن في القراءات، وما يروى أيضا أن يزيد بن هارون أرسل إلى أبي الشعثاء بواسط لا
تقرأ في مسجدنا قراءة حمزة.
وما حكي عن المُبُرِّد أنه قال: لا تحل القراءة بها يعني قراءة ﴿الأرحامٍ﴾
بالكسر .
والصواب: أن حمزة إمام مجمع على جلالته ومعقود على صحة روايته، ولقد
هجن المبرد فيما قال، إن صح عنه ، فقد نقلت هذه القراءة عن جماعة من
الصحابة والتابعين، منهم ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والنخعي
والأعمش، والقراءة سنة متبوعة متلقاة عن رسول الله وَ الر توقيفا، فلا يجوز لأحد
أن يقرأ إلا بما سمعه، ولا مجال للاجتهاد في ذلك ، وقراءة حمزة متواترة، وهي
موافقة لكلام العرب ، وقد جاء في أشعارهم ونوادرهم مثلها كثيراً ، ولهذا اعتد
بها ابن مالك في هذه المسألة ، واختار جواز العطف على المضمر المجرور من غير
إعادة الجار وفاقا للكوفيين .
مسألة
[البسملة في القرآن]
البسملة من أول الفاتحة بلا خلاف عندنا، وفيما عداها من السور سوى براءة
للشافعي أقوال:
أصحها : أنها آية من كل سورة ، ومن أحسن الأدلة فيه ثبوتها في سواد
المصحف. وأجمع الصحابة أن لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن ، وأن ما بين
الدفتين كلام الله .
٤٧١

والثاني : بعض آية .
والثالث : ليست من القرآن بالكلية ، وعزي للأئمة الثلاثة .
والرابع : أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور، وهذا غريب لم يحكه أحد
من الأصحاب، لكنه يؤخذ مما حكاه ابن خالويه في ((الطارقيات)) عن الربيع
سمعت الشافعي يقول : أول الحمد بسم الله الرحمن الرحيم، وأول البقرة ألم .
قال العلماء : وله وجه حسن، وهو أن البسملة لما ثبتت أولا في سورة الفاتحة
فهي في باقي السور إعادة لها وتكرار، فلا يكون من تلك السور ضرورة، ولا يقال:
هي آية من أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة .
قال بعض المتأخرين : وهذا القول أحسن الأقوال، وبه تجتمع الأدلة ، فإن
إثباتها في المصحف بين السور منتهض في كونها من القرآن، ولم يقم دليل على كونها
آية من أول كل سورة .
وحكى المتولي من أصحابنا وجها : أنه إن كان الحرف الأخير من السورة قبله
ياء ممدودة كالبقرة ، فالبسملة آية كاملة ، وإن لم يكن منها كـ﴿اقتربت الساعة﴾﴾
فبعض آية .
وحكى الماوردي وغيره وجهين في أنها هل هي قرآن على سبيل القطع كسائر
القرآن أم على سبيل الحكم ، لاختلاف العلماء فيها؟ ومعنى سبيل الحكم أنه لا
تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة ، ولا يكون قارئا لسورة بكمالها غير الفاتحة إلا
إذا ابتدأها بالبسملة سوى براءة ، لإجماع المسلمين على أن البسلمة ليست باية
فيها .
وضعف الإمام وغيره قول من قال : إنها قرآن على القطع . قال الإمام : هذه
غباوة عظيمة من قائله ، لأن ادعاء العلم حيث لا قاطع محال .
وقال الماوَرْدي : قال جمهور أصحابنا : هي آية حكما لا قطعا ، فعلى قول
الجمهور يُقْبَلُ في إثباتها خبر الواحد كسائر الأحكام ، وعلى القول الآخر بخلافه
كسائر القرآن ، وهو ضعيف كما قال الإمام، إذ لا خلاف بين المسلمين أنه لا يكفر
٤٧٢

نافيها ، ولو كانت على سبيل القطع لكفر. على أن ابن الرفعة حكى وجها عن
صاحب ((الفروع)) أنه قال بتكفير جاحدها، وتفسيق تاركها.
ولنا مسلكان :
أحدهما : القطع بأنها منه ، فإن الصحابة أثبتوها في المصحف على الوجه الذي
أثبتوا به سائر القرآن، وأجمعوا [على] أن ما بين الدفتين كلام اللّه مع شدة اعتنائهم
بتجريده عما ليس منه ، فيجب أن يكون من القرآن كسائر الآي المكررة، في
الشعراء والرحمن والمرسلات .
وأما الخلاف فيها، فإنه لا يهتك حرمة القطع ، فكم من حكم يقيني قد
اختلف . أما في العقليات وما مبناه اليقين كالحسيات فكثير ، وأما في الفروع فإن
القائلين بأن المصيب فيها واحد ذهب أكثرهم إلى أنه لا يتعين . وكان القاضي أبو
الطيب يقطع بخطأ مخالفه . ونقل مثل ذلك عن أحمد بن حنبل ، وربما حلف على
المسألة .
والحق .. أنها منقسمة إلى يقينية وظنية كما سبق، لكن لما غلب على مسائل
الخلاف الظن ظن أن جميعها كذلك ، وليس كذلك .
وأما فصل التكفير فلازم لهم حيث لم يكفروا المثبتين كما يكفر من زاد شيئاً من
المكررات ، ثم الجواب أن مناط التكفير غير مناط القطع ، فكم من قطعي لا
يكفر منكره بل لابد أن يكون مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة .
والثاني : أنه يكتفى بالظن كما فعل غير واحد.
ثم نقول: نفس الآية لا تثبت إلا بقاطع، فأما تكرارها في المحال فلا يتوقف على
القاطع.
٤٧٣

مسألة
في القراءة الشاذة
حقيقة الشاذ لغة : المنفرد .
وفي الاصطلاح عكس المتواتر ، وقد سبق أن المتواتر كل قراءة ساعدها خط
المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب .
قال الشيخ أبو شامة : فمتى اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك
القراءة أنها شاذة . قال : وقد أشار إلى ذلك جماعة من الأئمة المتقدمين ونص عليه
أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني. ذكره شيخنا أبو الحسن السَّخَاوي في كتاب
((جمال القراء)).
ثم الكلام في مواضع :
أحدها : بالنسبة إلى المراد بها والمعروف أنها ما وراء السبع ، والصواب : ما
وراء العشر، وهي ثلاثة أخر: يعقوب وخلف وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ،
فالقول بأن هذه الثلاثة غير متواترة ضعيف جدا ، وقد ذكر البغوي في ((تفسيره))
الإجماع على جواز القراءة بها .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في [العواصم من] ضبط الأمر على سبع
قراءات ليس له أصل في الشرع ، وقد جمع قوم ثماني قراءات، وقوم عشراً ،
وأصل ذلك أنه وَّ قال: (أنزل القرآن على سبع أحرف) فظن قوم أنها سبع
١/٥٩ قراءات وهذا /باطل ، وتيمن آخرون بهذا اللفظ فجمعوا سبع قراءات. وبعد أن
ضبط اللّه الحروف والسور، فلا مبالاة بهذه التكليفات . وسبق عنه أن قراءة أبي
جعفر ثابتة لا كلام فيها. اهـ.
الثاني: بالنسبة إلى القراءة بها . قال الشيخ أبو الحسن السَّخَاوي : ولا تجوز
القراءة بشيء من الشواذ لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به
٤٧٤

القرآن، وهو المتواتر وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف ، لأنه جاء من طريق
الآحاد ، وإن كانت نقلته ثقات. قال أبو شامة : والشأن في الضبط ما تواتر من
ذلك وما اجتمع عليه، ونقل الشاشي في ((المستظهري)) عن القاضي الحسين أن
الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح، وقال النووي في ((فتاويه)): تحرم .
الثالث : في الاحتجاج بها في الأحكام وتنزيلها منزلة الخبر .
اعلم أن الآمدي نسب القول بأنها ليس بحجة إلى الشافعي . وكذا ادعى
الأبْيَاري في ((شرح البرهان)) أنه المشهور من مذهب مالك والشافعي وتبعه ابن
الحاجب وكذلك النووي ، فقال في ((شرح مسلم)) مذهبنا: أن القراءة الشاذة لا
يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول اللّه وَلير، لأن ناقلها لم ينقلها إلا على
أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وإذا لم يثبت قرآنا لم يثبت خبرا ، والموقع
لهم في ذلك دعوى إمام الحرمين في ((البرهان)): أن ذلك ظاهر مذهب الشافعي،
وتبعه أبو نصر بن القُشَيْري والغزالي في (المنخول)) وإلكِيا الطبري في ((التلويح))،
وابن السَّمْعاني في ((القواطع)) وغيرهم ، فقال إلكِيا : القراءة الشاذة مردودة لا
يجوز إثباتها في المصحف ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء .
قال : وأما إيجاب أبي حنيفة التتابع في صوم كفارة اليمين لأجل قراءة ابن
مسعود ، فليس على تقدير أنه أثبت نظمه من القرآن ، ولكن أمكن أنه كان من
القرآن في قديم الزمان ، ثم نسخت تلاوته ، فاندرس مشهور رسمه فنقل
آحاداً، والحكم باق ، وهذا لا يستنكر في العرف .
قال : والشافعي لا يرد على أبي حنيفة اشتراط التتابع على أحد القولين من هذه
الجهة ، ولكنه يقول : لعل ما زاده ابن مسعود تفسيراً منه ، ومذهبا رآه ، فلا بُعد
في تقديره ، ولم يصرح بإسناده إلى القرآن . فإن قالوا : لا يجوز ضم القرآن إلى
غيره، فكذلك لا يجوز ضم ما نسخت تلاوته إلى القرآن تلاوة . وهذا قد يدل من
وجهة على بطلان نقل هذه القراءة عن ابن مسعود ، فإنا على أحد الوجهين نبعد
قراءة ما ليس من القرآن مع القرآن .
وقال: والدليل القاطع على إبطال نسبة القراءات الشاذة إلى القرآن أن
٤٧٥

الاهتمام بالقرآن من الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين يمنع
تقدیر دروسه وارتباط نقله بالآحاد .
قلت: وذكر أبو بكر الرازي في كتابه أنهم إنما عملوا بقراءة ابن مسعود
لاستفاضتها وشهرتها عندهم في ذلك العصر ، وإن كان إنما نقلت إلينا الآن
بطريق الآحاد ، لأن الناس تركوا القراءة بها ، واقتصروا على غيرها، وكلامنا إنما
هو في أصول القوم. اهـ.
وذكر أبو زيد في ((الأسرار)) وصاحب ((المبسوط)) من الحنفية اشتراط الشهرة في
القراءة عند السلف ، ولهذا لم يعملوا بقراءة أبي بن كعب ، ((فعدة من أيام أخر
متتابعة)) لأنها قراءة شاذة غير مشهورة، وبمثلها لا يثبت الزيادة على النص ، فأما
قراءة ابن مسعود فقد كانت مشهورة في زمن أبي حنيفة حتى كان الأعمش يقرأ ختما
على حرف ابن مسعود ، وختما من مصحف عثمان، والزيادة عندنا تثبت بالخبر
المشهور. اهـ.
تنبيهان :
[التنبيه] الأول :
إن الحامل لهم على نسبة أنها ليست بحجة للشافعي عدم إيجابه التتابع في صوم
كفارة اليمين مع علمه بقراءة ابن مسعود، وهو ممنوع، فقد سبق من كلام إلْكِيا
إبطال استنباطه منه ، وقد نص رحمه الله في ((مختصر البويطي)) على أنها حجة في
باب الرضاع ، وفي باب تحريم الجمع ، فقال : ذكر الله الرضاع بلا توقيت .
وروت عائشة التوقيت بخمس ، وأخبرت أنه مما أنزل من القرآن ، وهو وإن لم
يكن قرآنا فأقل حالاته أن يكون عن رسول الله وسلم، لأن القرآن لا يأتي به غيره
كما قال النبي وَلّه (لأقضين بينكما بكتاب الله)، فحكمنا به على هذا، وليس هو
قرآنا يقرأ. اهـ.
وظاهره أنه يعمل بها من جهة كونها خبراً لا قرآناً، وجرى عليه جمهور
الأصحاب منهم الشيخ أبو حامد والماوَرْدي والرُّؤْياني في الصيام والرضاع،
٤٧٦

والقاضي أبو الطيب في الصيام ووجوب العمرة، والقاضي الحسين في الصيام،
والمحاملي والرافعي في كتاب السرقة ، واحتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق
بقراءة ابن مسعود ((فاقطعوا أيمانهم)).
وقال الرُّؤْياني في ((البحر)) في كتاب الصلاة أنها تجري مجرى الخبر عن النبي وَل
أو الأثر عن الصحابة، نعم الشرط عند الشافعي في ذلك أن لا يخالف رسم
المصحف، ولا يوجد غيرها مما هو أقوى منها ، ولذلك لم يحتج بقراءة ابن عباس :
((وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية)) مع أن مذهبه وجوب الفدية كما نص عليه في
((المختصر)). قال شارحوه : إنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذه القراءة، لأنها
تشذ عن الجماعة، وتخالف رسم المصحف .
قلت: أولأنه رأى أنه لا استدلال بها مع وجود ما هو أقوى منها ، فإن الله تعالى
كان قد خيّر أولاً بين الصيام وبين الإفطار والفدية ، ثم حَتّم الصيام بقوله: ﴿فمن
شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [ سورة البقرة / ١٨٥] وبقي من لم يطق على حكم الأصل
في جواز الفطر ووجوب الفدية .
ويخرج من كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرط آخر، فإنه قال في كتابه
((التذكرة في الخلاف)): القراءة الشاذة إنما تلحق بخبر الواحد إذا قرأها قارئها على
أنها قرآن ، فإن ذكرها على أنها تفسير فلا، كقراءة ابن عمر: ((فإن خفتم فرجالاً
أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها)) وقراءة أبي بن كعب : ((فعدة من أيام
متتابعات)) . اهـ.
وفيما قاله في التفسير نظر على رأي من يجعله في حكم المرفوع إلى النبي وَله .
وممن صرح بها من الأصوليين أبو بكر الصَّيْرفي فقال في كتاب «الدلائل والأعلام»:
ما روي آحاداً من آي القرآن كرواية ابن عمر آية الرجم وخبر عائشة في الرضاع
وخبر زيد بن أرقم : (لو كان لابن آدم واديان من الذهب لابتغى لهما ثالثا) فإنها
ثابتة الأسانيد صحيحة من جهة النقل. ونحن نثبت ما قالوا على ما قالوا غير
متأولين عليهم ما لم يظهر لنا إلا أن لا نجد وجها غير التأويل ، وذلك لأن من
القرآن ما نسخ رسمه وبقي حكمه ، وإنما تجب تلاوة المرسوم ، فأما ما بقي حكمه
فلا تجب تلاوته .
٤٧٧

والذي أجمع المسلمون عليه في الرسم هو الواجب تلاوته ، والذي لم يرسم يتلى
٥٩/ب وينقل حكمه / إذا كان القرآن المتلو يوجب شيئين:
أحدهما : إثبات حكمه وتلاوته والقطع عليه بما يعمل به والتسمية بما سماه
الناقل، وليس يثبت المتلو بخبر الواحد ، وإذا كان خبر الواحد قد يخص ظاهر
المتلو ويثبته تثبيت الأحكام كان أيضا كذلك ما أثبت حكمه من جهة الخبر أنه قرآن
في الحکم لا في الرسم والتلاوة. انتھی.
وقال الماوَرْدي في موضع آخر : إن أضافها القارىء إلى التنزيل أو إلى سماع
من النبي ◌َّر أجريت مجرى خبر الواحد ، وإلا فهي جارية مجرى التأويل. اهـ.
ويخرج من هذا التفصيل مذهب ثالث، وبه صرح الباجي في ((المنتقى)) فقال :
القراءة الشاذة هل تجرى مجرى خبر الواحد؟
فیه ثلاثة أقوال. ثالثها: التفصیل بین أن تستند أم لا. اهـ.
ويخرج من كلام أبي الحسين في ((المعتمد)) مذهب رابع، فإنه قال في باب
الأخبار: القرآن المنقول بالآحاد إما أن يظهر فيه الإعجاز أولا ، فإن لم يظهر جاز
أن يعمل بما تضمنه من عمل إذا نقل إلينا بالآحاد ، كقراءة ابن مسعود :
((متتابعات)) وإن ظهر فهو حجة للنبوة ، ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض
في عصر النبي ◌َّر مع سماع أهل عصره له، ولا يعلم ذلك إلا وقد تواتر نقل
ظهوره في ذلك العصر .
وأطلق القاضي ابن العربي دعوى الإجماع على أنها لا توجب علما ولا عملا ،
وليس كما قال .
وجعل القرطبي شارح (مسلم)) محل الخلاف بين الحنفية وغيرهم فيما إذا لم
يصرح الراوي بسماعها وقطع بعدم حجيتها . قال : فأما لو صرح الراوي
بسماعها من النبي لة فاختلفت المالكية في العمل بها على قولين، والأولى
الاحتجاج بها تنزيلا لها منزلة الخبر .
٤٧٨

[التنبيه] الثاني
أن ههنا سؤالا، وهو أن يقال : إن كان مذهب الشافعي أنها حجة فهلا أوجب
التتابع في صوم الكفارة اعتمادا على قراءة ابن مسعود ((متتابعات)) وهلا قال في
الصلاة الوسطى : إنها صلاة العصر اعتمادا على قراءة عائشة: ((وصلاة العصر))؟
وإن كان مذهبه أنها ليست بحجة فكيف اعتمد في التحريم في الرضاع بخمس
على حديث عائشة؟ وكيف قال: إن الأقراء هي الأطهار؟ واعتمد في ((الأم)) على
أنه عليه الصلاة والسلام قرأ: ((لقبل عدتهن)) والذي يفصل عن هذا الإشكال أن
لا يطلق القول في ذلك، بل يقال: لا يخلو إما أن تكون القراءة الشاذة وردت لبيان
حكم أو لابتدائه ، فإن وردت لبيان حكم، فهي عنده حجة ، كحديث عائشة في
الرضاع وقراءة ابن مسعود: ((أيمانهم))، وقوله: ((لقبل عدتهن)). وإن وردت
ابتداء حكم ، كقراءة ابن مسعود : ((متتابعات))، فليس بحجة إلا أنه قد قيل :
إنها لم تثبت عن ابن مسعود، ويدل له ما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن عائشة
كان مما أنزل: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) فسقطت ((متتابعات)).
أو يقال : القراءة الشاذة إما أن ترد تفسيرا أو حكما، فإن وردت تفسيرا فهي
حجة كقراءة ابن مسعود: أيمانهما ((وقوله)) .. وله أخ أو أخت من أم وقراءة
عائشة: ((والصلاة الوسطى صلاة العصر))، وإن وردت حكما فلا يخلو إما أن
يعارضها دليل آخر أم لا ، فإن عارضها فالعمل للدليل كقراءة ابن مسعود في
صيام المتمتع : ((فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) ، فقد صح أنه عليه
الصلاة والسلام قال: ((إن شئت فتابع أو لا))، وإن لم يعارضها دليل آخر
فللشافعي قولان ، كوجوب التتابع في صوم الكفارة.
وأما تحرير مذهب أبي حنيفة فنقل إمام الحرمين وابن القُشَيْري عنه أنه ينزلها
منزلة خبر الواحد ، قال ابن القُشَيري: وهذا يناقض قوله : إن الزيادة في الحديث
من بعض النقلة لا تقبل ، وقال أبو زيد الدبوسي في كتاب «تقويم الأدلة)): لا
تثبت القراءة بخبر الواحد، ولهذا قالت الأئمة ، فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد
بها ابن مسعود: إن صلاته لا تجوز كما لو قرأ خبرا من أخبار رسول الله وليه .
٤٧٩

قال : وإنما أخذنا بقراءة ابن مسعود: ((متتابعات)) الإيجاب التتابع في الكفارة،
فأخذنا بها عملا كما لو روى خبرا عن النبي وَيّر، لأنه إنما قرأها ناقلا عن النبي
وَّة، فلما لم يثبت قرآنا لفوات شرطه بقى خبراً، فإن قيل : ينبغي أن يفعلوا
كذلك في البسملة ليجب الجهر بها في الصلاة، وحرمة قراءتها على الجنب
والحائض الذي هو حكم القرآن .
قلنا : لأنا لو فعلنا ذلك لم يكن حكما بظاهر ما توجبه التسمية، بل كان عملا
بمقتضى أنها من الفاتحة، ولا عموم للمقتضى عندنا ، وإنما لا يعمل فيما لابد
منه(١) .
(١) هكذا في النسخ التي اطلعنا عليها.
٤٨٠