النص المفهرس
صفحات 441-460
[الكتاب] [الكتاب] القرآن ، وقيل: بل متغايران ، ورد بقوله تعالى: عن الجن ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا﴾ [سورة الجن / ١] وقال في موضع آخر: ﴿إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى﴾ [سورة الأحقاف / ٣٠] فدل على ترادفهما وهو أم الدلائل، وفيه البيان لجميع الأحكام . قال الله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [سورة النحل / ٨٩] قال الشافعي رضي الله عنه في ((الرسالة)): وليست تنزل بأحد نازلة في الدنيا إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها ، وأورد من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة ، وأجاب ابن السَّمْعاني بأنه مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأنه أوجب عليه(١) فيه اتباع الرسول ، وحذرنا من مخالفته . قال الشافعي : فمن قبل عن رسول الله وَ﴿ فعن الله قبل. ويطلق القرآن، والمراد به المعنى القائم بالنفس الذي هو صفة من صفاته ، وعليه يدل هذا المتلو، وذلك محل نظر المتكلمين ، وأخرى ويراد به الألفاظ المقطعة المسموعة ، وهو المتلو . وهذا محل نظر الأصوليين والفقهاء وسائر خدمة الألفاظ كالنحاة والبيانيين والتصريفيين واللغويين، وهو مرادنا . [تعريف القرآن]: فنقول : هو الكلام المنزل للإعجاز بآية منه المتعبد بتلاوته . (١) كذا في جميع النسخ ولعله ((علينا)). ٤٤١ فخرج ((بالمنزل)) الكلام النفسي، والألفاظ وإن كانت لا تقبل حقيقة النزول ولكن المراد المجاز الصّوري. وقولنا: ((للإعجاز)) خرج به المنزل على غير النبي وَّل كموسى وعيسى عليهما السلام، فإنه لم يقصد به الإعجاز، والأحاديث النبوية. وقد صرح الشافعي في ((الرسالة)): بأن السنة منزلة كالكتاب. قال الله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي﴾ [سورة النجم/ ٣ - ٤]. وخرج بقولنا: ((المتعبد بتلاوته)) ما نسخت تلاوته. وقلنا بآية منه ولم نقل بسورة كما ذكره الأصوليون، لأن أقصر السور ثلاث آيات، والتحدي قد وقع بأقل منها في قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ [سورة الطور/٣٤]. وصرح أصحابنا في كتاب الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة فلقنها بعض آية، ثم نسيت لا يحسب له شيء، لأنه لا يسمى قرآنا، لعدم الإعجاز فيها. كذا قال ابن الصباغ. وقضيته أنه لا يحرم مثل ذلك على الجنب، لكن صرح الفُورَاني وغيره بالمنع . وأما الآية والآيتان فحكى في ((الشامل)): وجهين: أحدهما: المنع، لأن الإعجاز إنما يقع بثلاث آيات، وذلك قدر سورة قصيرة. والثاني: يجوز، لأن الآية تامة من جنس ما فيه إعجاز، فأشبه الثلاث. على أن أصحابنا اختلفوا في أن الإعجاز ممكن بالسورة، فإن البلغاء من العرب قد يقدرون على القليل دون الكثير. وقال الآمدي، في ((الأبكار)) : التزم القاضي في أحد جوابيه الإعجاز في سورة الكوثر وأمثالها تعلقا بقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة مثله﴾ [سورة يونس / ٣٨] والأصح : ما ارتضاه في الجواب الآخر، وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحابنا: أن التحدي إنما وقع بسورة تبلغ في الطول مبلغا يتبين فيه رتب ذوي البلاغة ، فإنه قد يصدر من غير البليغ أو ممن هو أدنى في البلاغة من الكلام البليغ ما يماثل بعض الكلام البليغ الصادر عمن هو أبلغ منه ، وربما زاد عليه ، ولا يمكن ضبط الكلام الذي يظهر فيه تفاوت البلغاء ، بل إنما ضبط بالمتعارف المعلوم بين أهل الخبرة والبلاغة . قال الآمدي: ما ذكرناه إن كان ظاهر الإطلاق في قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة ٤٤٢ مثله﴾ [سورة يونس / ٣٨] غير أن تقييد المطلق بالدليل واجب ، فإن حمل التحدي . على ما لا يتفاوت فيه بلاغة البلغاء ، ولا يظهر به التعجيز يكون ممتنعا. انتهى . تنبيه [الاعّجَاز في قرَاءة كَلام الله] الإعجاز يقع عندنا في قراءة كلام اللّه لا في نفس كلامه على الصحيح من أقاويل أصحابنا كما قاله الأستاذ أبو منصور في ((المقنع)). واحتج عليه بأن الإعجاز دلالة الصدق ودلالة الصدق لا تتقدم الصدق ، وكلام الله تعالى أزلي، فوجب أن ينصرف ذلك إلى القراءة الحادثة ، ولأن الإعجاز وقع في النظم ، والنظم يقع في القراءة، وكلام اللّه ليس بحرف ولا صوت. فأما قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ [سورة الإسراء / ٨٨] فالمراد قراءة القرآن بدليل أنه تحدى بالسورة ، والسورة ترجع إلى القرآن لا إلى المقروء . قال: وذهب بعض أصحابنا إلى إثبات نفس كلام الله معجزة للرسول الله ، واقتدى ببعض سلفنا في ذلك ممن كان يتعاطى التفسير. والتحقيق: ما ذكرناه . مسألة [الكَلام] الكلام عند جمهور الأشعرية مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي ، لأنه قد استعمل فيهما ، والأصل في الإطلاق الحقيقة، أما استعماله في العبارات، فلقوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول﴾ [سورة المجادلة /٨] ﴿وَأَسِرّوا قولكم أو اجهروا به﴾ [سورة الملك/١٣] وقيل: حقيقة في النفسي مجاز في ٤٤٣ اللساني، وقيل: عكسه ، والثلاثة محكية عن الأشعري، حكاها ابن برهان عنه . والكلام النفسي عند الأشعري نسبة بين مفردين قائمة بذات المتكلم ، ويعنون بالنسبة بين المفردين تعلق أحدهما بالآخر وإضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي. أي: بحيث إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها كان ذلك اللفظ إسنادا إفاديا. ومعنى قيام هذه النسبة بالمتكلم : أن الشخص إذا قال لغيره : اسقني ماء ، فقبل أن يتلفظ بهذه الصيغة قام بنفسه تصور حقيقة السقي وحقيقة الماء والنسبة الطلبية بينهما ، فهذا هو الكلام النفسي والمعنى القائم بالنفس ، وصيغة قوله : اسقني ماء عبارة عنه ودليل عليه . وقال القَرَافي : معنى الكلام النفسي أن كل عاقل يجد في نفسه الأمر والنهي والخبر عن كون الواحد نصف الاثنين، وعن حدث العالم ، وهو غير مختلف ، ثم يعبر عنه بعبارات ولغات مختلفة ، فالمختلف هو الكلام اللساني، وغير المختلف هو الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ، ويسمى ذلك العلم الخاص سمعاً ، لأن إدراك الحواس إنما هو علوم خاصة أخص من مطلق [علم]، فکل إحساس علم وليس كل علم إحساساً. فإذا وجد هذا العلم الخاص في نفس موسى المتعلق بالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى سُمّي باسمه الموضوع له في اللغة وهو السماع. وقال الغزالي في بعض عقائده : من أحال سماع موسى كلاما ليس بصوت ولا ١/٥٥ حرف / فليحل يوم القيامة رؤية ذات ليست بجسم ولا عرض . مسألة [أنزل القرآن بلغة العَرب] وأنزله الله تعالى بلغة العرب . قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [سورة إبراهيم / ٤] وأورد ابن السَّمْعاني سؤالا حسنا، وهو أنه كان من تقدم من الأنبياء عليهم السلام مبعوثا إلى قومه خاصة فجاز أن يكون مبعوثا ٤٤٤ بلسانهم . أما نبينا محمد ◌َّ فمبعوث إلى جميع الأمم ، فلم صار مبعوثا بلسان بعضهم ؟ أجاب : بأنه لا يخلوا إما أن يكون عليه السلام مبعوثا بلسان جميعهم، وهو خارج عن العرف والمعهود من الكلام، ويبعد بل يستحيل أن ترد كل كلمة من القرآن مكررة بكل الألسنة، فتعين أن يكون بلسان بعضهم، وكان اللسان العربي أحق من كل لسان، لأن أوسع وأفصح، ولأنه لسان أولى بالمخاطبين. قال الشيخ جمال الدين بن مالك : ونزل بلغة الحجازيين إلا قليلا ، فإنه نزل بلغة التميميين(١) فمن القليل إدغام ﴿من يشاق الله ورسوله﴾ [سورة الحشر / ٤] في سورة الحشر ، ﴿ومن يرتد منكم عن دينه﴾ [سورة المائدة / ٥٤] في قراءة غير نافع وابن عامر فإن الإدغام في المجزوم والأمر المضاعف لغة تميم ، والفك لغة أهل الحجاز. وكذلك نحو ﴿من يرتدد منكم عن دينه﴾ [سورة البقرة / ١٧] ﴿فليكتب وليملل﴾ [سورة البقرة /٢٨٢] و﴿يحببكم الله﴾ [سورة آل عمران / ٣١] و﴿يمددكم﴾ [سورة آل عمران / ١٢٠] و﴿من يشاقق﴾ في النساء [آية / ١١٥] والأنفال [آية / ١٣] و﴿من يحادد الله﴾ [سورة التوبة / ٦٣] و﴿استفزز﴾ [سورة الأنبياء /١٠٣] ﴿فليمدد﴾ [سورة مريم/ ٧٥] و﴿احلل﴾ [سورة طه /٢٧] و﴿اشدد به أُزري﴾ [سورة طه / ٣١] و﴿من يحلل عليه﴾ [سورة طه /٨١] قال: وقد أجمع القراء على نصب ﴿إلا اتباع الظن﴾ [سورة النساء / ١٥٧] لأن لغة الحجازيين التزام النصب في المنقطع ، وإن كان بنو تميم يتبعون، كما أجمعوا على نصب ﴿ما هذا بشرا﴾ [سورة يوسف / ٣١] لأن القرآن نزل بلغة الحجازيين، وزعم الزمخشري أن قوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ [سورة النمل / ٦٥] أنه استثناء منقطع جاء على لغة بني تميم ، ثم نازعه في ذلك . (١) وفي باقي النسخ: ((اليمنيين)). ٤٤٥ مسألة [الإعجاز في النظم والإعراب] ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز، لأن العرب عجزوا عن معارضته. واختلفوا في سببه هل كان لكونه معجزا أو لمنع الله إياهم عن ذلك مع قدرتهم عليه ، وهو المسمى بالصرفة؟ على قولين : والثاني : قول المعتزلة . والأول : قول الجمهور. وقيل : الإعجاز لخروجه عن سائر أساليب العرب فزادهم أسلوبا لم يكن فيما بينهم في لغتهم، لأنها محصورة في الرجز والشعر والرسالة والخط ومنظوم الكلام ومنثوره ، والقرآن خارج عن ذلك، فجرى مجرى إحياء الموتى في زمن عيسى عليه السلام، لأن في وقته كان الأطباء يدعون تصحيح المرضى، ولم يكن دعوى إحياء الموتى فزاد عليهم إحياء الموتى ، وكذلك عصا موسى. وقيل: الإعجاز في بلاغته وجزالته وفصاحته المجاوزة لحدود جزالة كلام العرب . قال إمام الحرمين في ((الأساليب)): والمختار : أن الإعجاز في جزالته مع أسلوبه الخارج عن أساليب كلام العرب، والجزالة والأسلوب معا متعلقان بالألفاظ، والمعنى في حكم الشائع للفظ ، واللفظ هو المتبوع ، ومن ثم لا تقوم ترجمة القرآن مقامه في إقامة فرض الصلاة خلافا للحنفية ، واختار ابن السمعاني في ((القواطع)) نحوه . وحكي عن الجاحظ أن الإعجاز منع الخلق عن الإتيان به، وليس هذا قول الصرفة المعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري والمعتزلة . فإن قول الصارفة معناه : أن قواهم كانت مجبولة على الإتيان بمثله، ثم سلبهم الله تلك القوة، فصاروا عاجزين ، والإعجاز حاصل بهذا حصوله ابتداء، لأن سلب الإنسان قدرته أعجز له وأبلغ من تحديه بما لم يقدر عليه . وقيل : الإعجاز فيه غرابة النظم مع الإخبار عن الغيب وإتيانه بقصص الأولين والآخرين . ٤٤٦ مسألة وهل الإعجاز في النظم وحده دون الإعراب أو في النظم والإعراب معا؟ خلاف. حكاه المتولي في ((التتمة)) والروياني في ((البحر)) في باب صلاة الجماعة، وفرعا عليه ما لو لحن في الصلاة ولم يغير المعنى ، كما لو قال: الحمد لله، ونصب الها ، هل تجزئه؟ وجهان بناء على هذا الأصل . قالت الحنفية : القرآن عبارة عن النظم الدال على المعنى . مسألة لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها بل يجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه ، ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسنة. قال الله تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ [سورة الشعراء / ١٩٥] هذا لو لم يكن متحدى بنظمه وأسلوبه، وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي المتحدى بنظمه فأحرى أن لا تجوز بالترجمة بلسان غيره. ومن ههنا قال القفال في «فتاويه)) : عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية. قيل له : فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن . قال : ليس كذلك، لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض . أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله . وفرق غيره بين الترجمة والتفسير، فقال: يجوز تفسير الألسن بعضها ببعضه، لأن التفسير: عبارة عما قام في النفس من المعنى للحاجة والضرورة. والترجمة: هي بدل اللفظة بلفظة تقوم مقامها في مفهوم المعنى للسامع المعتبر لتلك الألفاظ، فكأن الترجمة إحالة فهم السامع على الاعتبار، والتفسير تعريف السامع بما فهم المترجم، وهذا فرق حسن، وما أحاله القفال من ترجمة القرآن ذكره الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس عن كتاب ((فقه العربية)) أيضا. فقال : لا يقدر أحد من المترجمين على أن ينقل القرآن إلى شيء من الألسنة كما ٤٤٧ نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية ، وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية ، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب . ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله جل وعلا: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [سورة الأنفال / ٥٨] لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعت فيه حتى تبسط مجموعها وتفك منظومها وتظهر مستورها فتقول : إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً ، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم، وأذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء . وكذلك قوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا﴾ [سورة الكهف /١١] اهـ . وظهر من هذا أن الخلاف المحكي عن أبي حنيفة في جواز قراءته بالفارسية لا یتحقق لعدم إمکان تصوره على أنه قد صح عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك. حكاه ٥٥/ب عبد العزيز / في ((شرح البزدوي)). والذين لم يطلعوا على الرجوع من أصحابه قالوا : أراد به عند الضرورة والعجز عن القرآن ، فإن لم يكن كذلك امتنع ، وخكم بزندقة فاعلة . وجعل القفال فيما حكاه القاضي الحسين في ((الأسرار)): مأخذ الخلاف في ذلك القول بخلق القرآن، وفيه نظر، ورأيت في كلام بعض الأئمة المتأخرين من المغاربة أن المنع مخصوص بالتلاوة ، فأما ما ترجمته بالفارسية ") فإن ذلك جائز للضرورة ، وينبغي أن يقتصر من ذلك على بيان الحكم المحكم منه والقريب المعنى بمقدار الضرورة إليها من التوحيد وأركان العبادات ، ولا يتعرض لما سوى ذلك ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربي . قال: وهذا هو الذي يقتضيه الدليل، ولذلك لم يكتب النبي وَيّه إلى قيصر إلا بآية واحدة محكمة بمعنى واحد ، وهو توحيد الله تعالى والتبري من الإشراك، لأن النقل من لسان إلى لسان قد تقصر الترجمة عنه لا سيما من العربي إلى العجمي . فإن كان معنى المترجم عنه واحدا عدم أو قل وقوع التقصير فيه بخلاف المعاني إذا كثرت لا سيما إذا اشتركت الألفاظ وتقاربت، أو تواصلت المعاني أو تقاربت . وانما ٤٤٨ فَعَلَ النبيِ وَ سير ذلك لضرورة التبليغ، أو لأن معنى تلك الآية كان عندهم مقرراً في كتبهم وإن خالفوه . وإفراد هذه المسألة بكلامي هذا لا تجده في كتاب فاشكر الله على هذا المستطاب . مسألة [الألفاظ غير العَربيَة في القرآن] لا خلاف أنه ليس في القرآن كلام مركب على غير أساليب العرب، وأن فيه أسماء أعلام لمن لسانه غير اللسان العربي كإسرائيل ، وجبرائيل ، ونوح ، ولوط ، وإنما اختلفوا هل في القرآن ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب؟ فذهب القاضي إلى أنه لا يوجد ذلك فيه ، وكذلك نقل عن أبي عبيدة ، وادعى أن ما وجد فيه من الألفاظ المعربة مما اتفق فيه اللغات . وبحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية، وذهب الشافعي إلى وجودها فيه، وستأتي المسألة في ذيل الحقيقة الشرعية . مسألة في القرآن المجاز خلافا للأستاذ وأبي بكر بن داود الظاهري . وسيأتي أيضا إن شاء الله تعالى . ٤٤٩ مسألة [المحكم والمتشابه] في القران محكم ومتشابه كما قال تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [سورة آل عمران/٧] وقد يوصف جميع القرآن بأنه متشابه بمعنى أنه متماثل في الدلالة والإعجاز، قال الله تعالى: ﴿كتابا متشابها مثاني﴾ [سورة الزمر/٢٣]، وقد يوصف بأنه محكم بمعنى أنه أحكم على وجه لا يقع فيه تفاوت. قال الله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [سورة هود/١] والمحكم إما بمعنى المتقن كقوله: ﴿أحكمت آياته﴾، والقرآن كله محكم بهذا المعنى، وإما في مقابلة المتشابه كقوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾ . واختلف فيه بهذا المعنى على أقوال كثيرة منتشرة. أحدها : أنه ما خلص لفظه من الاشتراك ولم يشتبه بغيره، وعكسه المتشابه . الثاني : أن المحكم ما اتصلت حروفه، والمتشابه ما انفصلت، كالحروف المتقطعة في أوائل السور ، وهو باطل فإن الكلمة قد تتصل ولا تستقل بنفسها ، وتتردد بين احتمالات وتعد متشابهة . الثالث : أن المحكم ما توعد به الفساق ، والمتشهابه ما أخفى عقابه ، وقد حرمه كالكذبة والنظرة. حكاه الأستاذ أبو منصور عن واصل ابن عطاء وغيره . ومنهم من حكى عنه أن المحكم هو الوعيد على الكبائر والمتشابه على الصغائر، ونسبه لعمرو بن عبيد أيضا . الرابع : أنه ما احتج به على الكفار. حكاه الاستاذ أبو منصور عن الأصم . الخامس : أنه الوعد والوعيد في الأحكام ، والمتشابه : القصص وسير ٤٥٠ الأولين ، لأن المحكم ما استفيد الحكم منه، والمتشابه ما لا يفيد حكما . حكاه الإمام في ((التلخيص)) قال: واللغة لا تشهد لذلك. السادس: أنه نعت رسول الله وَله في التوراة والكتب المتقدمة، والمتشابه نعته في القرآن ، ونسب للأصم . السابع : أنه الناسخ ، والمتشابه : المنسوخ . ونقل عن ابن عباس أن المنسوخ لا يستفاد منه حكم ، ولفظ النسخ فيه إجمال ، فكأنهم أرادوا قوله تعالى: ﴿فينسخ الله. ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ [سورة الحج /٥٢] ولكن القرآن كله محكم . الثامن : المتشابه : آيات القيامة، والباقي محكم. قاله الزجاج إذا لم ينكشف الغطاء عنها بدليل قوله تعالى ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ [سورة آل عمران /٣] وكانوا لا يتبعون إلا أمر الساعة بدليل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ [سورة النازعات / ٤٢] . التاسع : أن المتشابه ما عسر إجراؤه على ظاهره كآية الاستواء . قال في المنخول : وإليه مال ابن عباس . العاشر : أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا ، والمتشابه ما احتمل أوجها ، وحكاه الماوردي في ((تفسيره)) عن الشافعي، وجرى عليه أكثر الأصوليين . قال الماوردي ، ويحتمل أن يقال : المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة بخلاف المتشابه ، كأعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان . الحادي عشر : أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتاج إلى بيان ، وحكاه القاضي من الحنابلة عن الإمام أحمد . قال : والمتشابه هو الذي يحتاج إلى بيان ، فتارة يبين بكذا وتارة بكذا، لحصول الاختلاف في تأويله. قال : وذلك نحو قوله تعالى : ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [سورة البقرة /٢٢٨] لأن القرء مشترك بين الحيض والطهر ، وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة الأنعام / ١٤١] قال: وهذا قول عامة الفقهاء . ٤٥١ قلت : وهو قريب من الأول . والثاني عشر : أن المحكم ما أمكن معرفة المراد بظاهره أو بدلالة تكشف عنه ، والمتشابه : ما لا يعلم تأويله إلا الله. قال الأستاذ أبو منصور ، وهذا هو الصحيح عندنا . وقال ابن السمعاني : إنه أحسن الأقاويل ، وهو المختار على طريقة السنة . قال : وعلى هذا فالوقف التام على قوله: ﴿ما يعلم تأويله إلا الله﴾ [سورة آل عمران / ٧] وأما إمام الحرمين في ((التلخيص)) فقال : هو قول باطل لأن اللغة لا تساعده على ذلك ، ورب كلام يفهم معناه وهو متناقض. قال : والسديد أن يقال : المحكم : السديد النظم والترتيب الذي يفضي إلى إثارة المعاني المستقيم من غير مناف. والمتشابه : هو الذي لا يحيط العلم بالمعنى المطلوب منه من حيث اللغة إلا أن تقترن أمارة أو قرينة، ويندرج تحته المشترك كالقرء . واختار بعض المتأخرين: أن المحكم هو الواضح المعني الذي لا يتطرق إليه إشكال مأخوذ من الإحكام ، وهو الإتقان ، والمتشابه نقيضه ، فيدخل في المحكم النص والظاهر ، وفي المتشابه الأسماء المشتركة كالقرء واللمس وما يوهم التشبيه في حق الله تعالى . قال : ولا يدخل في ذلك الحروف في أوائل السور، إذ ليست موضوعة ١/٥٦ باصطلاح سابق فتوهم / الإشكال، ولم يثبت فيها توقيف فيتبع بل نقول فيها كما قال الصديق رضي الله عنه: إنها من أمر الله تعالى. ومقصود هذا البحث: أن محكم القرآن يعمل به ، والمتشابه يؤمن به ويوقف في تأويله إن لم يعينه دليل قاطع . وقال الأستاذ أبو منصور : اختلفوا في إدراك علم المتشابه ، فقال كثير من أصحابنا المتكلمين والفقهاء كالحارث والقلانسي : إنه لا يعلم تأويله إلا الله ، ووقفوا على قوله: ﴿إلا الله﴾ [سورة آل عمران / ٧] وذهب أبو الحسن الأشعري والمعتزلة إلى أنه لابد أن يكون في جملة الراسخين من يعلم المتشابه ، ووقفوا على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾ [سورة آل عمران / ٧] قال: والقول الأول أصح ٤٥٢ عندنا ، لأنه قول الصحابة، مثل ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب ، وهو اختيار أبي عبيد والأصمعي وأحمد بن يحنى النحوي ، وبه نقول . قال : وتدخل الحروف المقطعة في أوائل السور في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وأقوال المتأولين لها متعارضة ليس بعضها أولى من بعض اهـ . وحكى الخلاف أيضا أستاذه الأستاذ أبو إسحاق، ثم قال : ولا يجرى هذا الخلاف في أحكام الشريعة، إذ ليس شيء منها إلا وعرف بيانه، وليس في السنة ما يشاكله . وما اختاره الأستاذ أبو منصور حكاه البغوي في ((تفسيره)) عن الأكثرين من الصحابة والتابعين والنحويين وأيده بقراءة ابن مسعود: ((إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون: آمنا به)) . وقال عمر بن عبد العزيز: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا . قال البغوي : وهذا القول أحسن في العربية وأشبه بظاهر الآية اهـ ، وقطع به الزبيري من كبار أئمتنا في أول كتابه ((المسكت))، فقال : دلت الآية على أن من القرآن شيئا غيبه الله عن خلقه ، ليلزمهم النقص في أنفسهم، لأنهم لا يبلغون من الأمر إلا ما قدر الله لهم ، وقد بين ذلك في كتابه ، فقال : ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [سورة البقرة / ٢٥٥] انتهى. ورجح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي القول الثاني ، وقال : ليس في القرآن شيء استأثره اللّه بعلمه بل وقف العلماء عليه ، لأن الله تعالى أورد هذا مدحا للعلماء فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة وبطل مدحهم . وكذلك صححه سليم الرازي في ((التقريب)) واستدل بقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [سورة هود /١] قال: فأخبر أن الكتاب كله فصلت آياته وبَيّنَت ، وبقوله وَله: (وبينهما متشابهات لا يعلمن كثير من الناس) فدل على أن القليل من الناس يعلمها وهم الراسخون ، وقال ابن الحاجب: والظاهر الوقف على ((والراسخون في العلم»، لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد. ٤٥٣ سعد قلت: وحكاه القاضي أبو المعالي شيدله في كتاب ((البرهان)) عن أكثر القراء والنحاة ، واختاره . قال : وهو مذهب ابن مسعود وأبي بن كعب ، وهذا عكس حكاية الأستاذ والبغوي لكن حكاه ابن السمعاني عن شرذمة قليلة . قال : واختاره الغبتي .. قال : وقد كان يعتقد مذهب السنة لكنه سها في هذه المسألة . قال : ولا غرو فلكل جواد كبوة ، ولكل عالم هفوة . قال : وقد نقل عن مجاهد، ولا أعلم تحققه . وقال ابن برهان في كلامه على معاني الحروف: الوقف التام على قوله : ((إلا الله)) ثم ابتدأ بالراسخين، وتوسط القفال الشاشي فقال في آخر كتابه في أصول الفقه : القولان محتملان ولا ينكر أن يكون في المتشابه ما لا يعلم ، ويكون الغرض منه الإيمان ، وأنه من عند الله . وقال الغزالي في المنخول : وقف أبو عبيدة على قوله: ((إلا الله)).، وليس هذا من غرض الأصولي، وغرضنا أن المتشابه في الآيات المتضمنة للتكليف محال ، ويبين المقصود منه رسم المسألة في آية الاستواء . قال مالك : لما سئل عنه: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة . وقال سفيان بن عيينة : يفهم منه ما يفهم من قوله : ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [سورة فصلت/] وقد تحزب الناس فيه، فضل قوم أجروه على الظاهر ، وفاز من قطع بنفي الاستقرار، وإن تردد في مجمله ورآه فلا يعاب عليه . قال : وتكليف تعليم الأدلة على نفي الاستقرار لا نراه واجبا على الآحاد بل يجب على شخص في كل إقليم أن يقوم ليدفع البدع إذا ثارت. انتهى . وقيل: الراسخون يعلمون على الجملة والله يعلم على التفصيل ، وبهذا يصح القولان جميعا ولا يتنافيان، وهو الذي يعضده الدليل، لأن الصحابة قد خاضوا في التأويل . ٤٥٤ والمختار: الوقف على ((إلا الله)) لوجوه: أحدها : أنه قول الجمهور بل لم يذهب إلى الوقف على ﴿والراسخون في العلم﴾ إلا شرذمة قليلة من الناس كما قاله ابن السمعاني . الثاني: أن ((أما)) في لغة العرب لتفصيل المجمل فلابد أن يذكر في سياقه قسمان : إما لفظا ، وهو الأكثر وإما تقديراً ، وسببه إما الاستغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر ، كقوله تعالى: ﴿فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين﴾ [سورة القصص / ٦٧] ولم يذكر القسم الآخر لدلالة المذكور عليه ، فكأنه قال : وأما من لم يؤمن ولم يعمل صالحا فلا يصلح أن يكون من المفلحين ، وإما بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك كهذه الآية فإنه سبحانه قال : ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغا تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فهذا تمام القسم الأول المذكور في سياق ((أما)) فاقتضى وضع اللغة ذكر قسم آخر فكان تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم ، ودل على ذلك قوله ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ [سورة آل عمران /٧] أي: من المحكم والمتشابه من عند الله والإيمان بهما واجب، وكأنه قيل : وأما الراسخون في العلم فيقولون. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ [سورة البقرة / ٢٦]. الثالث: أن الواو في قوله: ((والراسخون)) وإن احتملت أن تكون غير عاطفة غیر أنها ههنا استئنافیة من وجوه: أحدها : أنه لو أراد العطف ، لقال : ويقولون آمنا به عطفا ليقولون على يعلمون المضمر، إذ التقدير، وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يعلمونه ويقولون آمنا به ، فأما قولهم: إنّ ((يقولون)) جملة حالية مع إضمار فعلها العامل فيها ، فلو جاز هذا لجاز عبد الله راكبا بمعنى أقبل ، وهو ممتنع، ولذلك لا يجوز ، والراسخون قائلون بتقدير يعلمونه قائلين . ٤٥٥ الثاني: ما روى عبد الرزاق في ((تفسيره)) عن ابن طاووس/عن ابنه قال : كان ٥٦/ب ابن عباس يقرؤها ((وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به)) فهذه القراءة مبينة إجمال الواو في الآية ، وأنها استئنافية لا عاطفة ، ثم إن كان ابن عباس سمعها من النبي ◌َّ فهي تفسير منه للآية ، وإن لم يكن فهو مرجح ، لأنها قول صحابي ، وتفسير الصحابي عند المحدثين في حكم المرفوع . الثالث : في ترجيح كونها استئنافية أن بتقدير ذلك تكون الجملة حالا ، والحال فضلة خارجة عن ركن الجملة ، وكون الجملة ركنا أقوى من كونها فضلة ، وإذا دار أمر اللفظة بين أقوى الحالين وأضعفهما كان حمله على الأقوى أولى . الوجه الرابع(١): أن الآية دلت على ذم مبتغي المتشابه، إذ وصفوا بزيغ القلوب وابتغاء الفتنة، وقد صرحت السنة بذمهم ففي الصحيحين مرفوعا: (إذا رأيتم الذين يبتغون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم). الخامس: أن قوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ سورة آل عمران/٧] يدل على تفويض وتسليم لما لم يقفوا على حقيقة المراد به، وهو من قبيل الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله وهو ظاهر في التسليم لمراد الله، وإن كان لا ينافي فهمهم المراد به. واحتج من قال : إن الواو للعطف بأن تسميتهم الراسخين في العلم يقتضي علمهم بتأويل المتشابه وإلا لم يكن لهم فضيلة على غيرهم ، نعم من المتشابه ما يعلم الراسخون منه ، ومنه ما استأثر الله بعلمه كالروح ووقت الساعة . وأجيب بأن المراد بالراسخين في العلم الراسخون في العلم بالله ومعرفته وأنه لا سبيل للوقوف على كنه ذاته وصفاته وأفعاله بغيره ، كما حكى عن الصديق أنه قال : العجز عن درك الإدراك إدراك، وقد قيل : حقيقة المرء ليس المرء يدركها فكيف كيفية الجبار في القدم ثم قيل : النزاع في المسألة لفظي، لأن من قال بأن الراسخ في العلم يعلم تأويله أراد به أنه يعلم ظاهراً لا حقيقة، ومن قال لا يعلم أراد به أنه لا يعلمه حقيقة وإنما ذلك إلى الله، والحكمة في إنزال المتشابه ابتلاء العقلاء . (١) أي من وجوه الوقف على إلا الله . ٤٥٦ وقال السهيلي: اختلف الناس في الوقف عند قوله: ﴿إلا الله﴾ والمختار عندي مذهب ثالث، وهو قول ابن إسحاق أن الكلام تم عند قوله: ﴿إلا الله﴾ وقوله: ﴿والراسخون﴾ مبتدأ ولكن لا نقول: لا يعلمون تأويله بل يعلمونه برد المتشابه إلى المحكم، وبالاستدلال على الخفي بالجلي، وعلى المختلف فيه بالمتفق عليه، فيتفق بذلك الحجة، والله تعالى يعلم تأويله بالعلم القدیم لا بتذکر ولا تفکر ولا دلیل، والراسخون يعلمونه بالتذكر والتدبر. مسألة [ورود المهمل في القرآن] لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلا ، لأنه مهمل ، والباري سبحانه منزه عنه ، أَوْلَهُ معنى ولكن لا يفهم ، أو يفهم لكن أريد به غيره خلافا ، ولهذا أولوا آيات الصفات على مقتضى ما فهموه . قال الغزالي : ولا يقال : إن فائدته في مخاطبة الخلق بما لا يفهمونه ، لأنا نقول : المقصود به تفهيم من هو أهل له ، وهم الأنبياء والراسخون في العلم وقد فهموه، وليس من شرط من يخاطب العقلاء بكلام أن يخاطبهم بما يفهم الصبيان والعوام بالإضافة إلى العارفين بل على من لم يفهم أن يسال من له أهلية الفهم ، كما قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [سورة النحل /٤٣] وأما الحروف التي في أوائل السور فقد اختلفوا فيها على نيف وثلاثين قولا، فقيل: إنما أسماء للسور. وقيل: ذكرها الله لجمع دواعي العرب إلى الاستماع، لأنها تخالف عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى الإصغاء فلم يذكرها لإرادة معنى. وقيل: إنما ذكرها كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام العرب تنبيها على أنه ليس يخاطبهم إلا بلغاتهم وحروفهم. ٤٥٧ وقال ابن عباس: کل حرف منها مأخوذ من اسم من أسماء الله، فالكاف من كاف، والهاء، من هادٍ، والعين من عليم، والصاد من صادق، فكأنه تعالى قال لنبيه: أنا کافیك وماديك. وقيل : إن الله تعالى أنزل هذه الأحرف إبطالا لحساب اليهود، فإنهم كانوا يحسبون هذه الأحرف حالة نزولها ويردونها إلى حساب الجمل، ويقولون: إن منتهى دولة الاسلام كذا، فأنزل الله هذه الأحرف تخبيطا للحساب عليهم. وقيل: ذكرها الله جريا على عادة العرب في ذكر النسيب(١) في أوائل الخطب والقصائد، ولهذا اختصت بالأوائل. وقيل : غير ذلك. وأعلم أن الرازي ترجم المسألة في المحصول بأنه لا يجوز أن يتكلم الله ورسوله بشيء ، ولا يعني به شيئا، ثم استدل بما يقتضي أن الخلاف في التكلم بما لا يفيد ، وبينهما فرق ، فإنه يمكن أن لا يعني به شيئا، وهو يفيد في نفسه ، ويمكن أن يفيد ولا يعني به شيئا ، فمحل النزاع غير منقح ، لأن في كلام القاضي عبد الجبار وأبو الحسين في ((المعتمد)) نصب الخلاف في أنه هل يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئاً ؟ وقال الأصفهاني : والحق أرجو أن الكلام بما لا يعني به مفرع على التحسين والتقبيح العقليين ، ووجهه ظاهر ، ثم قال : وحينئذ فيسهل المنع على مذهب المعتزلة . أما على رأي الاشاعرة ، فكيف يستقيم لهم المنع مع أنهم لا يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين ؟ قلت : لا جرم جزم ابن برهان بالجواز ، فقال : يجوز عندنا أن يشتمل كلام الله على ما لا يفهم معناه . ثم نقل عن بعضهم أنه لا يجوز، ثم تمسك بأسماء السور . قال : ومعلوم أنا لا نفهم معانيها ، وقد تعبدنا بها ، وخرج من كلامه أن (١) النسيب: نسب الشاعر بالمرأة ينسب - من باب ضرب - نسيبا: عرّض بهواها وحبها. المصباح المنير . ٤٥٨ الخلاف في أنه هل يجوز أن يشتمل كلام الله على ما لا يفهم معناه أم لا ؟ وهذا خلاف ما سبق من أن الخلاف في أنه لا يعني به شيئاً فإما أن يكونا مسألتين وهو الظاهر ويرتفع التخليط من كلامهم . وفصل ابن برهان فقال: ما يتعلق بالتكليف فلابد أن يكون معلوما عندنا وإلا لأدى إلى تكليف المحال ، وبين ما لا يتعلق به هل يجوز أن يشتمل الكتاب عليه وإن كان لا يفهم معناه؟ وسلك الأصفهاني في تصوير موضع الخلاف بأنه لا يخلو إما أن يكون المراد الكلام اللساني أو النفساني، فإن كان النفساني فیستحيل أن لا يكون له معنى، وإن كان اللساني فجوازه بين، لأنه من قبيل الأفعال، ويجوز عندنا أن يفعل ما يهدي به ويضل به، وأن يفعل مالا يضل به ولا يهدي به. مسألة [لازائد في القرآن] ولا يجوز أن يقال : فيه زائد إلا بتأويل ، بل يقول : إن واضع اللغة لا يجوز عليه العبث ، فليس فيها لفظ زائد/لا لفائدة، وقول العلماء: ((ما)) زائدة و((الباء)) ١/٥٧ زائدة ونحوها ، فمرادهم أن الكلام لا يختل معناه بحذفها أي: لا تتوقف دلالته على معناه الأصلي على ذكر ذلك الزائد لا أنه لا فائدة فيه أصلاً ، فإن ذلك لا يجوز من واضع اللغة فضلا عن كلام الحكيم . وجميع ما قيل فيه زائد ، ففائدته التوكيد ، لأن الزيادة في الكلام تقتضي أن ذلك لم يصدر عن غفلة ، وإنما صدر عن قصد وتأمل، وذلك من فوائد التوكيد اللفظي . وقال ابن الخشاب في ((المعتمد)): اختلف في هذه المسألة فذهب الأكثرون إلى جواز إطلاق الزائد في القرآن نظرا إلى أنه نزل بلسان القوم وبمتعارفهم ، وهو في كلامهم كثير، ولأن الزيادة بإزاء الحذف هذا للاختصار والتخفيف ، وذلك ٤٥٩ للتوكيد والتوطئة ولا خلاف بينهم أن في التنزيل محذوفات جاءت للاختصار لمعان رائقة ، فكذلك تقول في الزيادة . ومنهم من لا يرى الزيادة في شيء من الكلام، ويقول : هذه الألفاظ التي يحملونها على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها ، فلا أقضي عليها بالزيادة. وممن كان يرى هذا أبو محمد عبد الله بن درستويه، وكان عاليا في هذا الباب مغاليا في علم الاشتقاق، وكان يزاحم الزجاج فيه بمنكبه ، ويذكر أنه ناظره فيه . قال ابن الخشاب : والتحقيق : أنه إن أراد القائل بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فهذا باطل ، ولا يقوله أحد ، لأنه عبث فتعين أن إلينا به حاجة لكن الحاجة إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد فليست الحاجة إلى اللفظ الذي عَدّ هؤلاء زيادة كالحاجة إلى اللفظ الذي رأوها مزيدة عليه ، لأن هذا بالاتفاق منا ومنهم إن اختل اختلفت به الفائدة فلم يكن الكلام دونه كلاما ، والذي سموه زائدا إن اختل به كانت الفائدة دونه والجملة مقتصرا بها على ما يميزه أكثرية فائدة وأقرب ، وعلى هذا يرتفع الخلاف . مسألة [دلالَة الكلام على خلاف ظاهره] لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره مطلقا ، ولا يدل عليه دليل خلافا للمرجئة ، لأن اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه فهو كالمهمل ، والخطاب بالمهمل باطل . وفرعها أبو الحسين على قاعدة التحسين والتقبيح ، والخلاف في آيات الوعيد والأحاديث الدالة على وعيد الفساق لاغير على ما فهم من أدلتهم . أما الأمر والنهي فلا خلاف فيهما وإنما قلنا : مطلقا، لأنه يجوز ذلك عند ٤٦٠