النص المفهرس

صفحات 401-420

استحالة تكليفهم عقلا ، ومنهم من لم يحله، ولكنهم مع الجواز لم يكلفوا .
وقال القاضي : أقطع بالجواز ، ولا أقطع بأن هذا الجائز وقع، ولكن يغلب
على الظن وقوعه .
والثالث : أنهم مكلفون/ بالنواهي دون الأوامر ، لأن الانتهاء ممكن في حالة ٤٩/ب
الكفر، ولا يشترط فيه التقرب، فجاز التكليف بها دون الأوامر ، فإن شرطها
العزيمة، وفعل التقريب مع الجهل بالمقرب إليه محال ، فامتنع التكليف بها .
وحكى النووي هذه الثلاثة في ((التحقيق)) أوجها للأصحاب، وسبق حكاية
الأستاذ وابن كج الأولين قولين للشافعي، وعلله الشيخ أبو المعالي عزيري بن عبد الملك في
كتاب ((بيان البرهان)) بأن العقوبات تقع عليهم في فعل المنهيات دون ترك المأمورات. ألا ترى
أنهم يعاقبون على ترك الإيمان بالقتل والسبى وأخذ الجزية، ويحد في الزنى والقذف ويقطع في
السرقة، ولا يؤمر بقضاء شيء من العبادات، وإن فعلها في كفره لم تصح منه؟ ونقله صاحب
((اللباب)) من الحنفية عن أبي حنيفة وعامة أصحابه.
[تكليف الكفار بالنواهي]
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا خلاف في تكليفهم بالنواهي، وإنما الخلاف في
تكليفهم بالأوامر. قاله الشيخ أبو حامد الأسفرايني في كتابه ((الأصول)» والبندنيجي
في أول كتاب قسم الصدقات من ((تعليقه)) قال: وأما المعاصي فمنهيون عنها بلا
خلاف بين المسلمين، وهذه طريقة جيدة .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في كتابه في الأصول : لا خلاف أن
خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه على الكفار كما يتوجه على المسلمين. اهـ.
وهذا يوجب التوقف فيها حكاه الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق فيما إذا قتل
الحربي مسلما أو أتلف عليه مالاً ثم أسلم أنه يجب ضمانها إذا قلنا: إن الكفار
مخاطبون بالفروع. قال: وذكر العبادي أنه يعزى ذلك أيضا للمزني في ((المنثور)).
وقال المازري: لا وجه لهذا التفضيل، لأن النهي في الحقيقة أمر ، وكأنهم قالوا :
إن التروك لا تفتقر إلى تصور بخلاف الفعل .
٤٠١

والرابع : أنهم مخاطبون بالأوامر فقط. حكاه ابن المرحل في ((الأشباه والنظائر)) ولعله
انقلب مما قبله، ويرده الإجماع السابق على تكليفهم بالنواهي.
والخامس : أن المرتد مكلف دون الكافر الأصلي. حكاه القاضي عبد الوهاب في
(الملخص)) والطرطوشي في ((العمد))، لالتزام المرتد أحكام الإسلام. ولا معنى
لهذا التفصيل ، لأن مأخذ النفي فيهما سواء ، وهو جهله بالله تعالى ، ومقتضى
هذا أن الخلاف يطرق الأصلي والمرتد لكن ظاهر عبارة الإمام في ((المحصول)) أن
الخلاف لا يطرق المرتد ، والأشبه الأول. ولهذا نقل الأصحاب عن الحنفية أن الردة
تسقط الأعمال السابقة وتمنع الوجوب في الحال. ولهذا قالوا : إن المرتد لا يقضي
صلاة أيام ردته، وعندنا تلزمه .
وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)): يمكن بنا الخلاف في إحباط الردة الأعمال
على أن الكفار مخاطبون بالشرائع أم لا؟ فإن قيل: لو ساوى المرتد الأصلي لم يجب
عليه قضاء أيام ردته .
قلت : إنما وجب القضاء على المرتد، لأن الإسلام بخروجه منه لا يسقط
بخلاف الأصلي ، وقد قال الشافعي: في الزكاة على المرتد قولان أحدهما: يجب ،
والثاني موقوف. قال ابن أبي هريرة: وهو نظير الصلاة ، لأنه كما إذا أسلم يزكى
فكذا إذا أسلم يصلي .
والسادس : أنهم مكلفون بما عدا الجهاد، أما الجهاد فلا، لامتناع قتالهم
أنفسهم، حكاه القَرَافي. قال: ولا أعرف أين وجدته.
قلت : صرح به إمام الحرمين في ((النهاية))، فقال : والذمي ليس مخاطبا بقتال
الكفار ، وكذا قال الرافعي في ((كتاب السير)): الذمي ليس من أهل فرض الجهاد .
ولهذا إذا استأجره الإمام على الجهاد لا يبلغ به سهم راجل على أحد الوجهين،
كالصبي والمرأة. نعم يجوز للإمام استئجاره على الجهاد على الأصح ، وهذا يدل
على أنه غير فرض عليه ، وإلا لما جاز كما لا يجوز استئجار المسلم عليه .
السابع: الوقف. /حكاه سليم الرازي في ((تقريبه)) عن بعض الأشعرية، وحكاه
الشيخ أبو حامد الأسفرايني عن الأشعري نفسه .
٤٠٢

وقال إمام الحرمين في ((المدارك)) عزى إلى الشافعي ترديد القول في خطاب
الكفار بالفروع، ونصه في ((الرسالة)): الأظهر أنهم مخاطبون بها .
قلت : وقد يخرج من تصرف الأصحاب في الفروع مذهب ثامن: وهو
التفصيل بين الحربي فليس بمكلف دون غيره، وهذا يقولون في القصاص والسرقة
والشرب وغير ذلك : لا يجب حدها على الحربي، لعدم التزامه الأحكام بخلاف
الذمى . وحكى الطرطوشي في ((العمد)) أن الواقفية من علمائهم وافقوا على كونهم
مخاطبين إلا أنهم قالوا: إن دخولهم في الخطاب لم يكن بظواهرها، وإنما دخلوها
بدلیل. اهـ. وبه يخرج مذهب تاسع .
وقال إمام الحرمين في ((التلخيص)) الصائرون إلى أنهم مخاطبون لا يدعون ذلك
عقلا وجوبا بل يجوزون في حكم العقل خروجهم عن التكليف في أحكام
الشرع. كيف وقد أخرج كالحائض عن التزام الصلاة والصيام؟ ولكن هؤلاء
يزعمون أن تكليفهم سائغ عقلا وترك تكليفهم جائز عقلا غير أن في أدلة السمع
ما يقتضي تكليفهم، وأما الذين صاروا إلى منع تكليفهم، فاختلفوا، فمنهم من
صار إلى استحالته، ومنهم من جوزه عقلا ومنع إبطال أدلة السمع بهم .
تنبيهات
[التنبيه] الأول
[استحالة مخاطبَة الكافر بإنشاء فرع على الصحَة]
في تحقيق مقالة أصحابنا: قال إمام الحرمين : التحقيق أن الكافر مستحيل أن
يخاطب بإنشاء فرع على الصحة، وكذا المحدث يستحيل أن يخاطب بإنشاء الصلاة.
الصحيحة مع بقاء الحدث، ولكن هؤلاء مخاطبون بالتوصل إلى ما يقع آخرا، ولا
يتنجز الأمر عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط، ولكن إذا مضى من الزمان ما
يسع الشرط والمشروط والأوائل والأواخر، فلا يمنع أن يعاقب الممتنع على حكم
٤٠٣

التكليف معاقبة من يخالف أمرا نوجبه عليه ناجزا . فمن أبى ذلك قضى عليه قاطع
العقل بالفساد ، ومن جوز تنجز الخطاب بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط فقد
سوغ تكليف ما لا يطاق، ومن أراد أن يفرق بين الفروع وأواخر العقائد وبين
صلاة المحدث فهو مبطل مطلقا .
وقال في كتاب الفرائض من ((النهاية)): من زعم أنهم مخاطبون أراد ربط المأثم
بهم في درئهم الشرع المشتمل على تفصيل الأحكام ولم يتعرضوا لاستحقاق العقاب
على كل محرم في الشرع اقتحموه وكل واجب تركوه ، فأما ما يتعلق بهم بقواعد
الشريعة وشرائطها فلا سبيل إلى التزامها. انتهى.
وقال إلْكِيا الطبري : إطلاق القول بتكليفهم لا يصح، لأنه كيف يكلفون بما
لو فعلوه لما صح؟ ولأنه تكليف ما لا يطاق.
والصواب : أن نقول : مكلفون بالتوصل إلى الفروع به وتقدم الأصل، فإذا
مضى زمن يمكن فيه تحصيل الأصل والفرع أثموا عليهما معا كالمحدث على ترك
١/٥٠ الصلاة. / وهذا نافع في الجمع بين إطلاق أصحابنا في الأصول التكليف، وفي
الفروع أن الصلاة والزكاة والصيام والحج لا تجب على الكافر الأصلي، ولم يزل
هذا الإشكال يدور في النفس .
وجمع الإمام فخر الدين الرازي والنووي وغيرهما بأن مراد الفقهاء أنه لا يطالب
بها في الدنيا مع كفرهم ، فإذا أسلم أحدهم لا يلزمه قضاء الماضي ولم يتعرضوا
العقوبة الآخرة . ومراد الأصوليين العقاب الآخروي زيادة على عقاب الكفر، ولم
يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، وهذه الطريقة فاسدة أوقعهم فيها قول الأصوليين :
فائدته مضاعفة العقاب في الآخرة، وهو صحيح. ولم يريدوا به أنه لا تظهر فائدة
الخلاف في خطاب الكفار بالفروع إلا في الآخرة ، بل هو جواب عما التزم الخصم
في مسائل خاصة لا تظهر للخلاف فيها فائدة دنيوية كالزكاة ونحوها ، وذلك الأمر
الخاص، ولا يستلزم من ذلك عدم الفائدة مطلقا، فإن الفقهاء فرعوا على هذا
الخلاف أحكاما كثيرة تتعلق بالدنيا: وما ذكره هؤلاء في الجمع يقتضي أن لا يصح
التخريج أصلا للتصريح بأن المراد هنا غير مراد ثمّ .
٤٠٤

[التنبيه] الثاني
[هَل يخاطب الكافر بالفروع]
زعم الشيخان أبو حامد الأسفرايني في كتابه وأبو إسحاق في ((شرح اللمع))،
وإمام الحرمين في باب السير من ((النهاية))، ووالده الشيخ أبو محمد في ((الفروق))،
وأبو الحسين في ((المعتمد))، والقاضي عبد الوهاب في ((الملخص))، والإمام في
((المحصول))، وغيرهم : هل الخلاف إنما يظهر في استحقاق العقاب لأجل إخلاله
بالشرعيات أم لا؟ للاتفاق على أنه لا يلزم الفعل حال الكفر على أن يكون قضاء
منه لكفره ، وعلى أنه لا يلزم القضاء إذا أسلم، وحكاه صاحب ((المصادر)) أيضا
عن الشريف المرتضى، فقال : فائدة الخلاف : أن من قال . بالخطاب قال:
يستحقون الذم منا والعقاب منه تعالى على الإخلال بها ، كما يستحقون ذلك
بالإخلال بالإيمان، ومن قال : ليسوا مخاطبين فإنهم لا يستحقون ذلك على
الإخلال بالعبادات بل على الكفر وترك الإيمان لا غير .
وقال القرافي: له فوائد:
منها: تيسير الإِسلام، فإنه إذا علم أنه مخاطب وهو خبر النفس بفعل الخيرات
كان ذلك سببا في تيسير إسلامه.
ومنها: الترغيب في الإسلام وغير ذلك .
وقد قال أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا في كتاب ((شرائط الأحكام)): إن
عدم وجوب الصلاة وغيرها من العبادات على الكافر مفرع على القول بأنهم غير
مخاطبين. قال : فإن قلنا بالصحيح إنهم مخاطبون فليس الإسلام من شروط
وجوب الصلاة بل تجب الصلاة على الكافر كلما دخل الوقت.
٤٠٥

فإن قيل : كيف تجب عليه وهي لا تصح منه؟
قلنا : كالمحدث لا تصح منه ومع ذلك تجب عليه بشريطة الوضوء، فيقال له :
أسلم وصلّ ، كما يقال للمحدث: توضأ وصلّ.
وقال القاضي أبو القاسم بن كج في ((التجريد)) والماوَرْدي في باب قسم
الصدقات: اختلف أصحابنا في المشركين هل هم مخاطبون بالزكاة وإن لم تؤخذ
منهم؟ على وجهين . بناء على اختلاف أصحابنا هل خوطبوا مع الإيمان
بالعبادات ؟ فذهب أكثر أصحابنا إلى ذلك لمخاطبتهم بالإيمان وأنهم يعاقبون على
تركه .
وقال آخرون وهو قول العراقيين : إنهم في حال الكفر إنما خوطبوا بالإيمان
وحده ولم يتوجه إليهم الخطاب بالعبادات إلا بعد الإيمان. اهـ.
وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)) في كتاب الزكاة : الإسلام شرط في وجوب
الإخراج لا في وجوب الزكاة ، لأن الكفار مخاطبون بالشرائع ، فأما الإخراج فلا
يجب عليهم إلا المرتد في أحد القولين . هذا كلامه وبه يجتمع كلام الأصوليين
والفقهاء أيضا .
وبنى القفال عليه فيما حكاه القاضي الحسين في ((الأسرار)) إذا غنم الكفار أموال
المسلمين لا يملكونها عندنا خلافاً لأبي حنيفة .
قال القاضي : قلت : لو كانوا مخاطبين لما سقط الضمان عنهم، فقال القفال:
الضمان واجب غير أنه سقط بالاسلام لئلا يرغبوا عنه خيفة انتزاع ما ملكوه من
أيديهم. وبنى عليه القاضي الحسين إحباط العمل بالردة كما سبق . وبنى عليه
المتولي حرمة التصرف في الخمر عليهم. قال: وعندنا أن التصرف في الخمر حرام
عليهم خلافا لأبي حنيفة .
وبنى عليه القاضي مجلي في ((الذخائر)) أنه إذا أسلم هل يصلي على قبر من مات
من المسلمين في كفره؟ إذا قلنا: لا يصلي عليه إلا من كان من أهل الفرض . وبنى
عليه أيضا صحة النذر من الكافر، وقضية البناء تصحيحه، لكن الأصح: المنع،
٤٠٦

لأنه قربة . وتقدم عن الأستاذ أبي إسحاق أن إيجاب الضمان على الحربي إذا أسلم
مفرع على خطابهم .
ومنها : لو مر الكافر بالميقات وهو مريد النسك فجاوزه، ثم أسلم وأحرم ولم
يعد اليه، فعليه دم مع أنه حالة مروره لم يكن مكلفا عندهم بمعنى أنه يلزمه ذلك ،
وقال أبو حنيفة والمزني: لا دم عليه جريا على هذا الأصل .
ومنها : لو قهر حربي حربيا ملكه ، ويخالف المسلم إذا قهر حربيا، فإنه لا
يجرى على من قهره الرق حتى يرقه الإمام أو نائبه، لأن للأمام اجتهادا في أسارى
الكفار، والمسلم مأمور برعايته، والحربي لا يؤاخذ بمثل ذلك.
إذا عرف هذا فلو قهر الحربي أباه الحربي أو ابنه فهل يعتق عليه بمجرد ذلك كما
لو ملك المسلم فرعه أو أصله أو، لا؟ بل يجوز له بيعه لأنه غير مكلف وجهان. أشبههما في
الرافعي وغيره: الأول.
ومنها: يحرم على المسلم نكاح الوثنية قطعا، وهل تحل للذمي؟ فيه وجهان في
((الكفاية)) لابن الرفعة ولعل مدركها هذا الأصل .
ومنها: تحريم نظر الذمية إلى المسلمة على الأصح .
ومنها: أن المضطر المسلم إذا لم يجد إلا ميتة آدمي فيه وجهان أصحهما: نعم ،
لأن حرمة الحي أعظم. قال الدارمي : والخلاف في ميتة المسلم. أما الكافر فيحل
قطعا انتهى .
ولو كان المضطر كافرا ووجد ميتة مسلم ففي حله وجهان. أقيسهما في زوائد الروضة:
المنع .
ومنها : أن الكافر يمنع من مس المصحف. قاله النووي في باب نواقض
الوضوء من ((شرح المهذب))، و((التحقيق)) وقياسه: أنه لا يمكن من قراءته جنبا.،
وقال الماوَرْدي: الكافر لا يمنع من تلاوة القرآن ويمنع من مس المصحف ذكره في
باب نية الوضوء . وفيه نظر مع جزمه بجواز تعليمه ممن يرجى إسلامه . وظاهر
إطلاقهم ذلك تمكينه من حمل المصحف واللوح اللذين يتعلم فيهما، وقد يكون
جنبا .
٤٠٧

ومنها : إذا وجبت عليه كفارة فأدّاها حال كفره، ثم أسلم لا تجب عليه
الإعادة، وهذا بخلاف ما لو اغتسل عن جنابته، أو توضأ أو تيمم، ثم أسلم،
فالمذهب الصحيح: وجوب الإعادة خلافا لأبي بكر الفارسي .
[التنبيه] الثالث
[استثناء بعض الصور]
٥٠/ ب إن القائلين بتكليفه / ورجوع الفائدة لأحكام الدنيا استثنوا صوراً لا يجرى عليه
فيها أحكام المسلمين، لأجل عقيدتهم بإباحته في صور:
منها : شرب الخمر لا يحدّون به على المذهب لاعتقادهم إباحته .
ومنها : لو غصب منه الخمر ردت عليه .
ومنها : لا يمنع من لبس الحرير في الأصح .
ومنها : الحكم بصحة أنكحتهم على ما يعتقدون .
ومنها : إذا ترافعوا إلينا في اللعان نحلفهم حيث يعظمون لا في مساجدنا .
ومنها: أنه لا يحرم على الكافر الجنب اللبث في المسجد ، لأن الكفار كانوا
يدخلون مسجد النبي وَلّ ويطيلون الجلوس، ولا شك أنهم كانوا يجنبون .
ويخالف المسلم، فإنه يعتقد حرمة المسجد، فيؤاخذ بموجب اعتقاده والكافر لا
يعتقد حرمته ولا يلزم تفاصيل التكليف، فجاز أن لا يؤاخذ به كذا علله
الرافعي :. ثم قال : وهذا كما أن الكافر لا يحد على شرب الخمر ، لأنه لا يعتقد
تحريمه والمسلم يحدّ .
ومنها: تفضيل معاملتهم على معاملة المسلمين ، فإنا إذا قلنا: ليسوا مخاطبين
كانت معاملتهم فيما أخذوه على خلاف القواعد الشرعية أخف من معاملة المسلم ،
لأنه عاص بذلك العقد، وقد نهاه الله عنه ولم ينه الكافر. ولذلك قال الشيخ عز الدين:
٤٠٨

ما يأخذه الإفرنج من أموال بعضهم بعضا يملكونه بالقهر بخلاف أخذهم أموال المسلمين لا
يملكونها بالقهر، فيكون الحلال الذي بأيديهم أوسع من الحلال الذي بأيدي المسلمين.
وظهر بما ذكرنا أن الخلاف نشأ في هذه الفروع من كونه غير ملتزم لأحكام
المسلمين لا من أنه مخاطب أولا .
ولهذا قال الشيخ أبو محمد في ((الفروق)) وقد جزم بجواز المكث في المسجد
للجنب. فإن قيل: أليس الصحيح أنهم مخاطبون بالفروع كالمسلمين؟
قلنا: التعظيم ينشأ ويتصور من أصل العقيدة، والكافر غير معتقد سواء قلنا:
إنهم مخاطبون أولا ، وفائدة الخطاب زيادة عقوبتهم في الآخرة.
قلت : ولهذا إذا ترافعوا إلينا وفرعنا على وجوب الحكم بينهم وهو الأصح، فإنا
نجريهم على أحكامنا.
[التنبيه] الرابع
[إذا أسلم الكافرسقط عنه حَق الله تعَالى]
ان القائلين بتعلق الخطاب بهم قالوا: يشترط ما وجب منها عند الإسلام. قاله
ابن الرفعة في كتاب النذر من ((المطلب))، ثم استشكل ذلك بتخريج مجلي مسألة
نذر الكافر على هذا الأصل من جهة أن القائل بصحة النذر إنما يقول بوجوب
الوفاء إذا أسلم، ثم أجاب أن ذلك فيما إذا ألزمهم الشارع . أما إذا ألزمهم ذلك
بالتزامهم فلا يسقط بالإسلام ، ولهذا لو أتلف الحربي مال المسلم، ثم أسلم لا
ضمان عليه، ولو عامله ثم أسلم وجب قضاء دين المعاملة. اهـ.
وأقول : لا ينبغي إطلاق القول هكذا بل إذا أسلموا سقط عنهم حقوق الله
تعالى البدنية كالصلاة والصوم بمعنى أنه لا يجب عليهم قضاؤها.
أما المالية: فإن كانت زكاة فكذلك، لأن المغلب فيها حق الله تعالى ، وإن
٤٠٩

كانت كفارة، كقتل الخطأ والظهار لم تسقط.
ولو جاوز الميقات، ثم أسلم وأحرم دونه لزمه دم، نص عليه، وقال المزني: لا
دم عليه ولو قتلَ صيدا في الحرم لزمه الجزاء على الأصح، فلو أسلم لم يسقط.
وأما حقوق الآدميين: فإن كان قد التزم حكمنا بجزية أو أمان لم يسقط نفسا
ولا مالا . ولهذا لو قتل ذميا ثم أسلم القاتل لم يسقط القصاص على المعروف. وفيه
وجه في ((الذخائر)). وإن لم يلتزم حكمنا سقط كالحربي إذا أتلف مالا أو نفسا في
حال الحرب على المسلمين. وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه يجب. قال الرافعي:
ويعزى للمزني في ((المنثور)).
وأما حدود الله تعالى: فنص الشافعي في ((الأم)) على أن الذمي إذا زنى ثم أسلم
لا يسقط عنه الحد، وأما ما وقع في ((الروضة)) من سقوط الحد والتعزيز عنه عن
نص الشافعي، وأن ابن المنذر نقله في ((الإشراف))، فقد راجعت كلام ابن المنذر
فوجدته نسبه لقوله إذ هو بالعراق فهو قدیم قطعا، ونص ((الأم)) جديد فحصل في
المسألة قولان. حكاهما الدارمي في ((الاستذكار)) وجهين .
[التنبيه] الخامس
[جَريان الخلاف في خطاب التكليف]
إن الخلاف جار في خطاب التکلیف بأسره، فکل واجب أو محرم هو من محل
الخلاف، وكذا المندوب والمباح بمعنى أن كل ما أبيح فهو مباح في حقهم عند من
يرى شمول الخطاب لهم. واستشكل بعضهم تعلق الإباحة بهم إذا قلنا
بتكليفهم، وقلنا: الإباحة تكليف، فإنه حكى الإجماع على أنه لا يجوز للمكلف
الإقدام على فعل وإن كان مباحا في نفس الأمر حتى يعلم حكم الله فيه، والكفار
لا يعتقدون حكم الله فيه حكما صحيحا، لأنهم يستندون فيه إلى شرعنا اللازم لنا
ولهم، وشرعهم منسوخ.
٤١٠

ومقتضى هذا البحث أن يأثموا في جميع أفعالهم حتى يؤمنوا، وفي كلام الشافعي
عن بعض أهل العلم ما يشهد له .
أما خطاب الوضع: فمنه ما يرجع إليه لكون الطلاق سببا لتحريم الزوجة ،
فكذلك، ومنه ما يكون من باب الإتلافات والجنايات فلا يجري فيها الخلاف بل
هي أسباب للضمان بالإجماع، وكذا ثبوت الدين في ذمتهم من هذا النوع،
ووجوب الحدود عليهم.
والحدود إنما تكون كفارة للمسلمين كما صرح به الشافعي، والكافر ليس من
أهل الأجر والثواب، وإنما هي في حقه كالدين اللازم، ولهذا تجب عليه كفارة
الظهار ونحوها، وينبغي أن يكون الطلاق والأيمان من هذا القبيل . كذا قاله بعض
المتأخرين .
قلت : ولا تصح دعوى الإجماع في الإتلاف والجناية بل الخلاف جار في
الجميع. وقد سبق عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الحربي إذا قتل مسلما أو أتلف عليه
مالاً ثم أسلم أنه يجب عليه ضمانها إذا قلنا : الكفار مخاطبون بالفروع. ونقلوا
وجهين أيضا فيما لو دخل الكافر الحرم وقتل صيداً هل يضمنه؟ أصحهما: نعم.
قال صاحب ((الوافي)): وهما شبيهان بالوجهين في تمكينه من المسجد إن كان جنبا.
يعني نظراً لعقيدته، بل قال إمام الحرمين في ((الأساليب)) من كتاب السير: إن
الكفار إذا استولوا على مال المسلمين فلا حكم لاستيلائهم، وأعيان الأموال
لأربابها، وكأنهم في استيلائهم وإتلافهم كالبهائم.
قال: ومن تقويم هذه المسألة على الخلاف في تكليفهم بالفروع . وقال : هم
منہیون عن استيلا. اهـ.ـ ،
ثم قال هذا المتأخر: ومنه الإرث والملك به، ولولا ذلك لما ساغ بيعهم لوارثهم وما
يشترونه، ولا معاملتهم وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف
في ذلك لا وجه له.
ومنه كون الزنى سببا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم، ولهذا رجم النبي ◌َّ
اليهوديين، ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع، فإنه كيف يقال
٤١١

بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه لكفرهم؟ وقد تقدم عن الأستاذ حكاية
١/٥١ الإجماع / على أن خطاب الزواجر من الزنى والقذف يتوجه عليهم.
وأما تعلق الزكاة بأموالهم: قلنا: خلاف هل هو تعلق رهن أو جناية أو شركة؟
وهو الأصح، فالظاهر أنه لا يثبت في حقهم. وإن قلنا: إنهم مخاطبون بالزكاة،
لأن المقصود تأثيمهم بتركها لا أخذها منهم حالة كفرهم، والتعلق المذكور إنما
يقصد به تأكد الوجوب لأجل أخذ النصاب الواجب عن الضياع فلا معنى لإبقائه
في حق الكافر، لأنه إن دام على الكفر لم يؤخذ منه، وإن أسلم سقطت، وما كان
كذلك فلا معنى للتعلق الذي هو يوثقه فيه، والموجود في حق الكافر إنما هو الأمر
بأدائها . وهذا مشترك بينهم وبين المسلمين، وثبوتها في الذمة قدر زائد على ذلك .
قد يقال به في الكافر أيضا، وإثبات تعلقها بالدين أمر ثالث يختص بالمسلم،
ولأن المعتمد في ثبوت الشركة قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [سورة
التوبة / ١٠٣] ولا يدخل الكافر في ذلك .
والحاصل: أن الأدلة تنقسم إلى ما يتناولهم نحو ((يا أيها الناس)) إذا قلنا
بتكليفهم بالفروع، وإلى ما لا يتناولهم نحو ((يا أيها الذين آمنوا)» ونحوه فلا
يتناولهم لفظا ولا يثبت حكمها لهم إلا بدليل منفصل ..
[التنبيه] السَادس
[حصول الشّرَط الشرعي ھَل هوَ شرط في التكليف؟]
إن من الناس من ترجم هذه المسألة بأن حصول الشرط الشرعي هل هو شرط
في التكليف أم لا؟ وفيه نظر من وجهين:
أحدهما. أن الطهارة عن الحيض والنفاس شرط شرعي مع أن حصولها شرط
التكليف بالصلاة والصوم، ولهذا استثنى بعضهم هذه المسألة من هذه الترجمة .
٤١٢

والثاني: قاله الصفي الهندي أن المُحْدِث مكلف بالصلاة إجماعا يعني، وقضية
هذه الترجمة وجود خلاف فيه .
قلت : زعم أبو هاشم: أن المُحْدِث غير مخاطب بالصلاة إجماعا ولو بقى سائر
دهره محدثا، وأنه لو مات عوقب على ترك الطهارة فقط، لأن الخطاب بالصلاة لا
يتوجه إلا بعد تحصيل الطهارة .
قال الأمام: وخرق الإجماع في ذلك، فإن أراد أنه غير مخاطب بفعل الصلاة
ناجزا مع بقاء حدثه، فصحيح .
قال المازّدي: وهذا الذي قاله ابن الجبائي صرح به ابن خويز منداد من
أصحابنا، فقال: إن المحدث غير مخاطب بالصلاة ولو دخل الوقت، وأشار إلى أنه
مذهب مالك، لقوله في الحائض: إذا طهرت قبل الغروب أعني في إدراكها الصلاة
أن يبقى من الوقت قدر ما تغتسل فيه وتدرك ركعتين من العصر .
قلت : وهو أحد قولي الشافعي. أعني اعتبار إدراك زمن الطهارة للوجوب.
وهذا كله وإن كان خلافا واهيا لكن شمول الترجمة له أولى .
ومنهم من ترجمها بأن الكفار مخاطبون بفروع الإيمان. قال ابن برهان: وهو
خطأ لأن الصلاة غير صحيحة من الكافر وهو منهي عنه، فكيف يخاطب بها؟ وهذا
أخذه من كلام إمام الحرمين السابق في تحقيق المذهب .
وقد يقال: بأنه خلاف قريب، لأن الإمام مُسَلَّمٌ أنهم يعاقبون بترك الفروع
لتركهم التوصل إليها على ما صرح به في المحدث، لا لتتجيز الأمر عليهم بإيقاعها
حالة الكفر، وهذا عين مذهب الأصحاب. وإنما الخلاف في أنا نقول: هم
معاقبون بترك الفروع، والإمام يقول بترك التوصل إليها، فآل الخلاف إلى اللفظ.
وقد قالوا: لو أتى الكافر الميقات مريدا لنسك ، فأحرم منه لم ينعقد إحرامه. وقال
في ((الشامل)): في انعقاد إحرامه قولان. قال في ((البحر)): وهو غلط عندي ولم
يذكره غيره .
٤١٣

[التنبيه] السَابع
إن هذه المسألة فرعية، وذكرها في الأصول لبيان أصل مختلف فيه، وهو أن
الإمكان المشترط في التكليف هل يشترط فيه أن يكون ناجزا مع الخطاب أو، لا؟
وقال إلْكِيا الهراسي في ((مطالع الأحكام)): مأخذ هذه المسألة أنه ليس في ترتب
الثواني على الأوائل ما يخرجها عن أن تكون ممكنة. يعني أن ترتيب التكليف على
اشتراط تقدیم الإيمان، وهو ترتب أمر ثان على وجود أمر أول، ولیس ذلك ممتنعا،
ولا موجبا للامتناع كالآحاد المترتبة في مراتب العدد كل واحد منها مرتب الوجود
على ما قبله. الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وهَلُمَّ جَرّاً.
[التنبيه] الثامن
أن المسألة ظنية عند القاضي لتعلقها بالظواهر من مسالك الاجتهاد، وخالفه
إمام الحرمين، ورأى أنها قطعية، وقال: نحن نقطع بتكليفهم بالشرع جملة ونعامله
تفصيلا، واختاره الغزالي في ((المنخول)) ونقل عن القاضي التردد في القطع .
[التنبيه] التاسع
أنه قد كثر استدلال الناس من القرآن على تكليفهم، وطال النزاع فيه وليس فيه
أصرح من قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب
بما كانوا يُفْسِدُون﴾ [سورة النحل/٨٨] وقوله: ﴿لا هُنَّ حِلّ لهم ولا هُمْ يحلونَ هَنَّ﴾ [سورة
الممتحنة/ ١٠].
[التنبيه] العَاشر
إن القائلين بالتكليف يحتاجون إلى الجواب عن حديث الجبة التي أعطاها النبي
٤١٤

وَلّ لعمر، وكساها أخا له مشركا بمكة إلا أن يقال: عمر لم يأذن لأخيه في لبسها،
وکساه معناه ملكه، كما أن الكسوة في الكفارة المراد بها التمليك. وكذلك عن قوله
وَلّر في آنية الذهب والفضة: (فإنها لهم في الدنيا) إلا أن يقال: إنه خرج مخرج
التهديد لا الإباحة، ويبعده قوله: (ولكم في الآخرة) .
[التنبيه] الحادي عشر
[قرب الكفار]
ما يقع من الكفار من القُرَبِ التي لا تحتاج إلى النية فإنها تصح كالصدقة
والضيافة والعتق، ولا يثاب على شيء في الآخرة إن مات كافرا وتوسع دنياه(١) وإن
أسلم .
قال النووي: الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه يثاب عليها أي بدليل قوله وليه
(أسلمت على ما أسلفت من خير) قال: وأما ما يحتاج إلى النية فلا تصح منه لعدم
أهلیته. اهـ.
ويَردُ عليه المرتد إذا قلنا بوجوب الزكاة عليه فأخرجها في حال الردة ، فإنها
تجزىء، وذلك يقتضي أن الكفر لا يمنع من اعتبار النية، فإذا أخرجها الأصلي فهلا
نقول : إنه يوضع إثمها عنه في الآخرة، ثم نقول: نية التقرب ليست بشرط
وغيرها يمكن منه في الزكاة والصوم ونحوها فهلا صحت ، ولا سيما إذا صام يوماً
من رمضان يعتقد وجوبه لموافقته لوقت الصيام .
وقال ابن عطية: لا خلاف أن للكافر حفظة يكتبون سيئاته ، واختلف في
حسناته. فقيل: ملغاة يثاب عليها بنعم الدنيا فقط، وقيل: محصاة من أجل ثواب
الدنيا، ومن أجل أنه يسلم فيضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد
التأويلين في قوله ##/ لحكيم بن حزام: (أسلمت على ما أسلفت من خير). ٥١/ب
(١) معطوف علی ولا یثاب الخ ومعناه أن مجازاته في الدنيا بتوسيع دنیاه اهـ . ناسخ نسخة دار الكتب
المصرية .
٤١٥

وقيل: المعنى على إسقاط ما سلف من خير إذ جوزيت بنعيم دنياك .
وقال غيره في معنى هذا الحديث: يحتمل أن يكون تركه ما سبق لك من خير،
والصحيح: الأول .
ولفظ أبي سعيد الخدري عن النبي وَل وقال: (إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه
کتب الله تعالی بکل حسنة کان زلفها، ومحی عنه کل سیئة کان زلفها، وکان علیه
بعد الحسنة بعشر أمثالها أو لسبعمائة ضعف، والسيئة مثلها إلا أن يجاوز الله عنه)
رواه البخاري .
وأما المؤاخذة بما سلف في الكفر من أسباب معفو عنها بالاسلام بالاتفاق، لقوله
ر: (الاسلام يجب ما قبله) وقد ورد ما يشعر بخلافه، وهو ما في الصحيحين عن
ابن مسعود قال رجل لرسول الله والقر: أرأيت الرجل يحسن الإسلام أيؤاخذ بما
عمل في الجاهلية؟ فقال النبي ويلي: (من أحسن في الإسلام لم يؤخذا بما عمل في
الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر). قال المحب الطبري: والظاهر
أنه منسوخ بما تقدم، وقال أبو الفرج: هو محمول على وجهين:
أحداهما : الإساءة في الإسلام بالشرك فإنه إذا أشرك في الإسلام عاد إلى ما كان
عليه قبل الإسلام، وهذا بعيد، لأنا تحققنا فيه الجب والهدم بالإسلام، فلا نحكم
بعوده، وما منّ الله به فلا رجوع فیه.
والثاني: إذا جنى في الإسلام مثل جنايته في الكفر، فإنه يُعیر بذلك، ويقال له:
هذا الذي كنت تفعله في الكفر، فهلا منعك منه الإسلام؟ فيكون هذا التوبيخ
معنى المؤاخذة .
٤١٦

فروع
الاول
[جنون الكافر قبل البلوغ يرفع عنه القلم]
لو جنّ الكافر قبل البلوغ كان القلم مرفوعا عنه، وإن جن بعد البلوغ والكفر
لم يرتفع القلم عنه، لأن رفع القلم عن المجنون بعد ثبوته رخصة، والكافر ليس
من أهل الرخصة. ويشهد لهذا من كلام الأصحاب قولهم : إن المرتد يقضي
الصلوات الفائتة في حال الجنون. وينشأ من هذا أن من ولد كافراً، ولا أقول
كافرا، بل بين كافرين بحيث يحكم له بالكفر الظاهر، وجن قبل بلوغه، واستمر
كذلك حتى صار شيخا ومات على حاله دخل النار. كذا قاله الإمام السبكي في
((فتاويه)) وقال: إنه لم يجده منقولا . وفيما قاله أخيرا نظر، لأنه لم يوجد له حالة
تكليف بل حكمه حكم الصبي يموت في صباه، فينبغي أن يكون على الخلاف
المشهور في حكم أطفال الكفار في الآخرة .
[الفرع] الثاني
إذا قلنا: إنهم مخاطبون، فهل يجرى في حقهم التخفيفات عن هذه الأمة من
رفع الإثم عن المخطىء والناسي منهم أم لا؟ فيه نظر. وظاهر قوله وَّيقر: (رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان) اختصاصه بالمسلمين إلا أن تفسر الأمة بأمة الدعوة لا أمة
الإجابة ، لكن نص الشافعي على أن الحدود إنما تكون كفارة لأهلها إذا كانوا
مسلمين، وهو ظاهر، لأن الكافر ليس من أهل الأجر والثواب. والطهرة إنما هي
في حقه کالدیون اللازمة، ولذلك تلزمه بکفارة الظھار ونحوها ولا یزول عنه بها
الإثم .
٤١٧

[ الفرع] الثالث
[هَل يوصف مَال الكافر على الكافر بالحرمة؟]
هل يوصف مال الكافر على الكافر بالحرمة إذا قلنا: إنهم مخاطبون؟ توقف فيه
الشيخ أبو الفتح القشيري بناء على نقلهم : أن فائدة الخطاب إنما تظهر في الآخرة
لكنا قد بينا فساده، ثم مال إلى التحريم لقول النبي يلزم فيما يحكيه عن ربه تبارك
وتعالى : (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما) وهو عام.
[الفرع] الرابع
قولهم: فائدة التكليف عقابهم في الآخرة هذا إن لم يأتوا بها، وكذا إن أتوا بها
فيما يشترط فيه نية القربة ، وأما ما لا يشترط فيه كأداء الديون والودائع والعواري
والغصوب والكفارة إذا غلب فيها شائبة القربة، فإذا فعلوها لم يعاقبوا في الآخرة
على تركها . وكذلك إذا اجتنبوا المحرمات لم يعذبوا على ارتكابها إذا لم يرتكبوها.
وقوله تعالى: ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [سورة فاطر / ٣٦] أي: على كفرهم
الذين عذبوا لأجله .
مسألة
[التكليف هل يتوجَهُ حَال مباشرة الفعل أو قبلها؟]
التكليف هل يتوجه حال مباشرة الفعل المكلف به أو قبلها؟
هذه المسألة من غوامض أصول الفقه تصويرا ونقلا.
ونَقْلُ ((المحصول)) مخالف لنقل ((الإحكام))، وفيهما توقف على معرفة الفرق بين
٤١٨

أمر الإعلام وأمر الإلزام ، وقد ذكرناه في بحث الأمر .
فنقول: فعل المكلف ينقسم بانقسام الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض وحال
ومستقبل.
أما باعتبار الاستقبال فلا شك أن الفعل يوصف بكونه مأمورا به قبل وجوده
قطعا سوى شذوذ من أصحابنا. كذا قال الآمدي . وهذا أحد شقي ما اختاره
إمام الحرمين، ونصب محل النزاع مع المعتزلة، فقال: ذهب بعض أصحابنا إلى أن
المأمور به إنما يصير مأموراً حالة زمان الفعل ، وأما قبل ذلك فلا يكون أمرا بل
إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا. وقالت المعتزلة: إنما يكون مأمورا
بالفعل قبل وقوعه. ثم استدل على أنه لا يمتنع كونه مأموراً حال حدوث الفعل
وظن العَبْدَرِيُّ في ((شرح المستصفى)) الخلاف في هذه الحالة، فقال: أثبت المعتزلة
ونفاه الأشعرية، فالقائم عند المعتزلة قادر على القعود، وعند الأشعرية غير قادر،
ولم يتواردا على محل واحد، فإن مراد المعتزلة: قادر بالقوة، ومراد الأشعرية : قادر
بالفعل، ولا يصح إلا كذلك، فلا خلاف بينهما. اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): وأما تقدم الأمر على وقت المأمور به،
فاختلفوا، فقال كثير من شيوخنا المثبتة: إن الأمر على الحقيقة الذي هو الإيجاب
والإلزام لا يتقدم على وقت الفعل، لأن ما تقدم فإنما هو إعلام وإنذار، وأن الأمر
على الحقيقة ما قارن الفعل .
وقال الباقون من أصحابنا: إنه يتقدم على وقت الفعل .
واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا
على وجوب تقديمه بوقت يحصل به للمأمور فهمه والعلم بما يقتضي منه ، فمنهم
من قال: لا يجوز تقديمه عليه بأوقات كثيرة، ولا يجوز إلا بوقت واحد إلا لمصلحة،
ومنهم من شرط في ذلك شروطاً أخرى من كون تقدمه صلاحاً للمكلف، ولغيره،
وكون المكلف في جميع تلك الأوقات حيا سليما قادرا بجميع شرائط التكليف .
والذي يختاره القاضي أن الأمر المتقدِّم يجب تَقَدُّمه على الفعل بوقتين .
أحدهما: وقت إدراك واستكمال سماعه.
٤١٩

والثاني: لحصول فهمه والعلم بالمراد به .
قال: ويبعد أن يقال : إنه يصح إيقاع الفعل في حال العلم بتضمن الأمر ،
١/٥٢ لأنه يحتاج المكلف إلى تقدم / دليل له على وجوب الفعل المقتضي لمدة شاملة ، ثم
تقدم على إيقاع ما حصل له العلم بوجوبه، وإلا لكان مقدما على ما لم يستقر له
العلم به .
والكلام في هذا من وجوه:
أحدها : في وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور به .
والثاني : في أن تقدمه لا يخرجه عن أن يكون أمراً وإن كان إعلاما وإنذارا .
والثالث: في تصور تعلق الأمر بالفعل حال إيجاده .
الرابع : في مقدمات ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات .
قال: والكلام في هذه المسألة إذا تعلق بأوامر الله لم يتصور فيه الخلاف، لأنه
يتقدم عندنا على الفعل المأمور به بما لا غاية له من الأوقات، ولأنا لا نعتبر المصلحة
في ذلك ولا نوجبها .
[تقدم الأمر على وقت المأمور به]
وقال القاضي أبو بكر في ((التقريب)): قال المحققون من أصحابنا: الأمر قبل
حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام ، ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب
والدلالة على امتثال المأمور به .
قال: وذهب بعض من ينتمي إلى الحق إلى أن الأمر حقيقة إذا قارن حدوث
الفعل ، وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذار، وإعلام الوجوب عند الوقوع، وهذا
باطل .
والذي نختاره: تحقق الوجوب قبل الحدوث وفي حال الحدوث، وإنما يفترق
الحالتان في أمر. وهو أنه حالة المقارنة وإن تعلق به لكن لا يقتضي ترغيباً واقتضاء،
بل يقتضي كونه طاعة بالأمر المتعلق به.
٤٢٠