النص المفهرس

صفحات 361-380

أكره عليه ، وكذا الزنى عند الجمهور ، فقد كلف حالة الإكراه ، ولم يرتض إمام
الحرمين هذا ، وقال : إن القوم لا يمنعون من الشيء مع الحمل عليه ، فإن ذلك
أشد في المحنة واقتضاء الثواب ، وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى الفعل مع الأمر
به .
[التكليف حالة الإكراه على قسمين]
وقال ابن القشيري هذا النقض غير وارد ، لأن التكليف حالة الإكراه على
قسمين :
الأول : أن يكلف بالنهي عما أكره على فعله كمن أكره رجلا على قتل مسلم لا
يحل قتله فهذا متفق على جواز التكليف به .
الثاني : أنه يؤمر بفعل ما أكره على إيقاعه ، كمن تضيق عليه وقت الصلاة
بحيث لم تبق فيه سعة لغيرها فأكرهه إنسان على فعلها فهذا هو الذي منعت المعتزلة صحة
التكليف.
وقال القرطبي : موضع الخلاف ما إذا وافق داعية الإكراه داعية الشرع ، كما
لو أکره على قتل حية أو كافر ، فالجمهور على جواز التكليف به خلافا للمعتزلة. أما
ما خالف داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على قتل المسلم وشرب الخمر فلا
خلاف في جواز التكليف ، وهذا أخذه من كلام الغزالي .
وقال السهيلي في ((الروض)) اختلفوا في المكره على الفعل الذي هو مخاطب به ،
فقالت المعتزلة : لا يصح الأمر بالفعل مع الإكراه عليه ، وقالت الأشعرية
بجوازه ، لأن العزم إنما هو فعل القلب ، وقد يتصور منه في ذلك الجنس العزم
والنية ، وهي القصد إلى الامتثال ، وإن كان في الظاهر أنه يفعله خوفا من
الناس ، وذلك كما إذا أكره على الصلاة ، فقيل له صلّ، وإلا قتلت، أما إذا قيل
له : إن صليت قتلت ، فظن القاضي أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة في ذلك ،
فغلطه بعض الأصحاب ، وقالوا : لا خلاف في هذه المسألة ، وأنه مخاطب
بالصلاة مأمور بها . وإن رخص له في تركها ، فليس الترخيص مما يخرجه عن
حكم الخطاب ، وإنما يرفع عنه الإكراه المأثم ، وهذا الغلط المنسوب إلى القاضي
٣٦١

ليس بقول له ، وإنما حكاه في كتاب ((التقريب)) عن طائفة من الفقهاء . قالوا : لا
يتصور القصد والإرادة إلى الفعل مع الإكراه عليه .
قال القاضي : وهذا باطل ، لأنه يتصور انكفافه عنه مع الإكراه ، فكذا يتصور
منه القصد إلى الامتثال ، وبه يتعلق التكليف ، وإنما غلط إذن من نسب إليه من
الأصوليين هذا القول الذي أبطله ، وإنما ذكرت ما قالوه قبل أن أرى كلامه .
وقال بعض المتأخرين لا خلاف بين أئمتنا أن المضطر لا ينسب إليه الفعل الذي
اضطر إليه .
[تعريف المضطر]
ثم اختلفوا في تعريفه .
فقال الشيخ أبو الحسن : المضطر الملجأ إلى مقدوره لدفع ضرر متوقع بتقدير
عدم المقدور الملجأ إليه .
وقال القاضي أبو بكر : المضطر المحمول على ما عليه فيه ضرر من مقدوراته
لدفع ما هو أضر منه .
وزعمت المعتزلة قاطبة أن المضطر لا ينسب إليه فعل ، وأنه هو الذي يفعل فيه
الغير فعلا هو من قبيل مقدوراته ، ثم اختلفوا فقال أبوعلي: لا يشترط أن يكون
المفعول فيه غير قادر على مدافعة الفاعل ، وخالفه ابنه أبو هاشم .
فإذا عرف هذا فقد اتفقوا على أن الملجأ قادر على ما ألجىء إليه وأنه لم يفعل فيه
غيره فعلا لا خلاف بين الأشعرية والمعتزلة في ذلك ، وإن اختلفت عباراتهم في
تعريفه ، فالملجأ دون المضطر عند المعتزلة ، ومثله عند الأشاعرة ، ودونهما المكره
المذكور في كتب الفقهاء . وعلى هذه الأصول مَنْ عَدِمَ اختياره بالكلية وصار كالآلة .
المحضة لا يتعلق به إثم ، هو المضطر عند المعتزلة كمن شُدّ وثاقه وألقي على
شخص فقتله بثقله ، أو كان على دابة فمات ، وسقط على شيء فإنه لا يضمن ،
وليس كالمكره ولا كالمضطر (١) فإن انضم إلى عدم اختياره عدم إحساسه وشعوره
فأبعد عن الضمان .
(١) الأولى: الملجأ تأمل. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية.
٣٦٢

وقد خرج لنا من هذا أن الإكراه لا ينافي التكليف ، وهو الحق ، ثم اختار
بعضهم أنه جائز غير واقع، لقوله ◌َّ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه) .
فإن قيل : إذا كان المكره والمختار سواء في الاختيار فما الفرق بينهما؟ قيل : قال
القاضي في كتاب ((التقريب)): الفرق بينهما أن المختار مطلق الدواعي والإرادات ،
والمكره مقصور الدواعي والإرادة على فعل ما أكره عليه لا يختار غيره . فإن قيل :
فلم صارت هذه حاله؟ قيل: لما يخافه من عظم الضرر فهو يدفع أعظم الضررين
بأدونهما ودواعيه مقصورة عليه لأجل ذلك. انتهى.
وههنا أمور:
أحدها : هذا الإكراه الذي أسقط الشارع حكمه لابد من بقاء حقيقته ليتحقق
في نفسه ، وقد ينضم إليه ما لا يزيل حقيقته فلا / اعتبار به ، أو ما يزيلها فلا ٤٤/ب
يسقط الحكم ، إذ ليس بإكراه ، وهذا كمن قيل له : طلق زوجتك ، فقال :
طلقت زوجاتي كلهن ، فيقع عليهن جميعا ، لأنه مختار لا مكره . وقد ينضم إليه
ما يتردد الذهن في أنه مزيل ، لكونه إكراها أو غير مزيل فيقع الخلاف في اله هل
يسقط أثر التصرف به أم لا يسقط؟
ومن أمثلته: ما لو أكره على شيء واحد من شيئين معينين كما لو قيل له : طلق
إحدى زوجتيك ، وحمل على تعيين إحداهما لا على إبهام الطلاق ، فإن المحمول
على الإبهام محمول على شيء واحد في نفسه لا على أحد شيئين ، فإذا قيل له :
طلق إما هذه وإما هذه ، فقال : طلقت هذه فهل هو اختيار أم لا ؟ وجهان :
أصحهما : أنه اختيار .
الثاني : أن الإكراه لا يصح إلا في إعمال الجوارح الظاهرة دون القلبية ، فلا
يصح الإكراه على غلم بشيء أو جهل به أو حب أو بغض أو عزم على شيء .
الثالث : يشترط لكون الإكراه مرفوع الحكم شروط .
أولها : أن يكون المتوعد به في نظر العقلاء أشق من المكره عليه ، وهو ما يشهد
له الشرع بالاعتبار فعلم من هذا أن الإكراه لا يرفع حكم القصاص ، ولا يرفع
الإثم عن المكره .
٣٦٣

بيانه : أن نفسه ونفس من أكره على من يقتله مستويان في نظر الشارع ، فإيثاره
نفسه ناشىء عن شهوات الأنفس وحظوظها ، ومحبتها البقاء في هذه الدار أزيد من
محبتها لبقاء غيرها ، وهذا القول ليس من نظر العقلاء الشرع الذي يتعبدون به .
وبهذا خرج كثير من المسائل التي استثنيت من قولنا : الإكراه يسقط أثر
التصرف كما سبق بيانه .
ثانيها : أن يكون الحكم مترتبا على فعل المكلف ، فإن الشارع حينئذ جعل
فعله كلا فعل ، فإن كان الحكم مترتبا على أمر حسي لا ينسب إلى أفعال المكلف ،
وإن كان ناشئا عنها فلا يرتفع حكم الإكراه حينئذ ، لأن موضع الإكراه الفعل ولم
يترتب عليه شيء ، وموضع الحكم الانفعال ولم يقع عليه الإكراه ، لأنه ضروري
الوقوع بعد الفعل ، لأنه أثر الفعل ، والشارع قد يرتب الحكم على الفعل ، وقد
رتبه على الانفعال وهو في الأول من خطاب التكليف الذي رفعه مشقة علينا عند
الإكراه ، وفي الثاني من خطاب الوضع فكيف يرتفع؟
وبهذا خرج الإكراه على الرضاع وعلى الحدث ، فإذا أكره امرأة حتى أرضعت
خمس رضعات حرم رضاعها ذلك ، لأن الحرمة بوصول اللبن إلى الجوف حتى لو
حلب قبل موتها وشربه الصبي بعد موتها حرم ، وإذا أكره فأحدث انتقض
وضوؤه ، لأن الانتقاض منوط بالحدث وقد وجد .
ثالثها: أن يكون بغير حق فهذا موضع الرخصة والتخفيف من الشارع ، أما
إذا كان بحق فقد كان من حق هذا المكره أن يفعل ، فإذا لم يفعل أكره ولم يسقط
أثر فعله ، وكان آثما على كونه أحوج إلى أن يكره ، وهذا كالمرتد والحربي يكرهان
على الإسلام ، فإسلامهما صحيح وهما آثمان ، لكونهما أحوجا إلى الإكراه عليه ،
ثم الإسلام إن وقع منهما عند الإكراه باطنا كما وقع ظاهرا فهو يجبّ ما قبله ، وإلا
فحكمهما في الظاهر حكم المسلمين ، وفي الباطن كافران ، لما أضمراه من حيث
الطوية .
ومن الإكراه بالحق أمر السيد عبده بالبيع ، فيمتنع فله جبره عليه ، ويصح
بيعه ، لأنه من الاستخدام الواجب .
٣٦٤

الرابع: في فتاوى ابن الصلاح : ذكروا في الأصول أن المكره يدخل تحت
الخطاب والتكليف ، وذكروا في الفقه أن طلاقه وإقراره وردته لا تصح ، فكيف
يجمع بينهما؟ وأجاب بأنه مكلف حالة الإكراه ، ومع ذلك يخفف عنه بأن لا يلزم
بحكم ما أكره عليه ، ولم يختره من طلاق وبيع وغيرهما ، لكونه معذورا .
الخامس : قيل: للخلاف في هذه المسألة مأخذان.
أحدهما: الخلاف في خلق الأفعال فمن قال : إن الله خلقها اتجه القول
بتكليف المكره لأن جميع الأفعال المخلوقة لله تعالى على وفق إرادته فيصير التكليف
بها مقدورا للعبد . ومن قال إنها غير مخلوقة لله تعالى لم ير تكليف المكره ، لأن
المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل ، لأنهم قالوا : أفعال العباد مخلوقة لهم لا له
سبحانه تحقيقا لعدله : إذ لو خلقها ثم عاب عليها كان ذلك جورا .
الثاني : أنه هل في التخويف والإكراه ما يتضمن ضرورية الفعل أي : ما يقتضي
اضطرار المكره الى الفعل لداعي الطبع أم لا؟ .
[الشرط] السَابع
[علم المخاطب بكونه مَامُوراً"]
أن يعلم المخاطب كونه مأموراً قبل زمن الامتثال حتى يتصور منه قصد
الامتثال ، وإن لم يعلم وجود شرطه ، وتمكنه في الوقت .
قال إلْكِيا الطبري : أجمع أصحابنا على اشتراطه ، وقال أبو هاشم : لا
نعلمه مُتَمَسِّكاً بأن الإمكان شرط، لتحقق الأمر، والجهل بالشرط محقق، وذلك
يقتضي الجهل بالمشروط، نعم. أجمع من قبلنا على إطلاق ورود الأمر بناء على تقدير
بقاء أكثرهم، وظهور ذلك عندهم .
قال : وما ذكره أبو هاشم لا دافع له إلا أصل لأصحاب الأشعري في النسخ.
ومذهبه فيه: أن الحكم ثبت قطعاً، ثم رفع بعد ثبوته بالنسخ. فقال: ثانيا عليه
٣٦٥

إذا توجه أمر على المخاطب فقط تنجز الأمر، ثم إذا زال إمكانهٍ فلا ريب في
الأمر ، وإنما الأمر في شرط القضاء لا في شرط أصل الأمر . وهذا في غاية البعد،
فإن الأمر ليس هو اللفظ ولكن الأمر الطلب وذلك يستدعي شرطه وهو الإمكان
إلا أن ينكر كون الإمكان شرطا ، ولا يتحقق الخلاف إلا به، وأبو هاشم لا ينكر
وجوب الإقدام عليه ، ونية الوجود والتردد لا يدفع ذلك ، وما ذكرناه لا ينكر ،
فالخلاف يرجع إلى اللفظ. اهـ.
وأما القاضي ففرض الخلاف في الصحة، فقال : أجمع الأمة على أن الأمر إذا
اتصل بالمكلف ولا مانع يمنعه من الامتثال فيعلم أنه مأمور بالأمر الوارد عليه،
ولكن يعتقد كونه مأموراً في الثاني والثالث من الأوقات المستقبلة بشرط أن يبقى
على صفة التكليف، فنستيقن في الحال توجه الأمر عليه، وأما في الاستقبال فإن
بقي دام على الوجوب، وإن مات انقطع عنه .
وقالت القدرية: لا يصح علمه بتوجه الأمر عليه إلا بعد الإقدام على الامتثال،
أو بعد مضي زمن يسعه مع تركه، فقالوا: لا يصح أن يعلم كونه مأموراً قطعا .
وأما نحن فإنا نقول : يقطع بذلك ويؤول توقعه في استدامة الوجوب إلى توقع
الاحترام والبقاء .
وقال ابن برهان في ((الأوسط)): الواحد منا يعلم كونه مأموراً على الحقيقة هذا
مذهب كافة الأصوليين والفقهاء ، ونقل عن أبي هاشم أنه قد لا يعلم ذلك ، وهو
ينبني على تكليف العاجز هل يجوز أم لا؟ فعندنا أنه جائز، وعندهم لا يجوز، وأبو
هاشم بناه على هذا الأصل، فإن سلم له، فالحق ما قاله وإن أبطل بطل مذهبه .
واستدل القاضي بأن الواحد منا يجب عليه الشروع في العبادة المأمور بها
١/٤٥ والتقرب بها بالإجماع، وهو يدل / على علمه بكونه مأمورا بها، وإلا لما وجب
عليه .
وشبهة أبي هاشم : أن الاستطاعة مع الأمر، وهي غير معلومة لنا فلا يكون
المأمور. اهـ.
وأما أبو نصر بن القشيري ، فقال : الأصح عندنا: أنه لا يشترط في المكتسب
٣٦٦

علم المُكْتَسِب به خلافاً لبعض الاصحاب، وإنما الشرط كون المقدور مما يصح
العلم به .
قال: واختلفوا متى يصح علم المكلف بأنه مأمور بالفعل؟ فقال: أصحابنا: إذا
اتصل الخطاب به، ولا مانع من الامتثال علم أنه مأمور بالأمر الوارد عليه، فيقطع
به لكن يفتقر كونه مأمورا إلى الثاني والثالث من الأوقات بشرط وفاء شرائط
التكليف .
وقالت المعتزلة: لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطأ عليه ما لم يمض زمن
الإمكان حتى لو اشتغل بالامتثال في الحال لم يعرف الوجوب أيضا ما لم يمض زمن
يتصور فيه الامتثال، وعمدتهم أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى انقراض زمان
يمتنع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف، والجاهل بوقوع الشرط جاهل
بوقوع المشروط لا محالة ، وتمسك القاضي بإجماع المسلمين على توجه الأمر إلى
المكلف، والنهي عن المحرمات . وقولهم: يفضي إلى أنه ليس يعلم أحد على بسيط
الأرض أنه ينهى عن القتل والزنى ، وكما لا يعلم من نفسه لا يعلم غيره منه .
ومال الإمام إلى قول المعتزلة، وقال: تشغيب القاضي بالإجماع تهويل بلا
تحصيل ، فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على ماخد الحقائق بل تحمل على حكم
العرف والتفاهم الظاهر كالإجماع على أن الخمر محرم، وإنما المحرم تعاطيها .
تنبيهات
[التنبيه] الأول
المراد بالعلم المختلف فيه: القطعي أي: أنه هل يقطع بكونه مكلفا قبل زمن
الامتثال؟ كما صرح به القاضى وإمام الحرمين وابن القشيري وابن برهان ، ونبه
على أن أبا هاشم لا يخالف في الظن ، فإن الشروع في الفعل لا يشترط فيه القطع
بل تكفي غلبة الظن مهما بادر واستمر في حياته إلى الفراغ .
٣٦٧

[التنبيه] الثاني
أن الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بأنه لا يبقى إلى وقت التمكن من الامتثال
فإن كان يعلم بقاءه فلا خلاف أن المأمور يعلم ذلك أيضاً .
[التنبيه] الثالث
أن الخلاف بالنسبة إلى الآحاد لا في حق الجنس، فقد وافق أبو هاشم على أنهم
مأمورون، لأن الشرط وهو الاستطاعة معلوم هنا قطعا، لعلمنا بأن الله تعالى لا
يعم الكل بالهلاك كذا نقله ابن برهان .
وفرض الإمام الخلاف فيما إذا خص بالخطاب واحداً وكان مندرجاً مع آخر
تخت عموم الخطاب، وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع شرائط التكليف.
ولم يقف الصفي الهندي على ما ذكرنا، فقال بعد ذكر الخلاف: هذا إذا كان الأمر
خاصا، فإن كان عاما ولم يعلم انقراض الجميع بل بعضهم فأظن إنه لا خلاف
فيه ، إذ أكثر أوامر الله كذلك ، فإن بعض المكلفين يموت قبل التمكن، وكلام
بعضهم يشعر بخلاف فيه أيضا. انتهى .
مسألة
[هَل يَشترط في التكليف علم المكلف؟]
قيل : لا يشترط في التكليف علم المكلف بل يشترط تمكنه من العلم . وحكى
بعضهم في حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه؟ ثلاثة أقوال:
ثالثها : يثبت المبتدأ دون الناسخ ، قال : والمرجح أنه لا يثبت إلا بعد البلاغ،
لقوله تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [سورة الأنعام / ١٩] ولم يأمر النبي والتر الصحابة
٣٦٨

باستدراك ما فعلوه على خلاف الأمر حيث جهلوه كما لم يأمر المشمت العاطس في
الصلاة والمصلي إلى قبلة بيت المقدس وغيره .
الرابع مِن التبنهات
سبق عن إلكِيا أن الخلاف لفظي فإن أبا هاشم لا يمنع الإقدام لكن أبا هاشم
بناه على مأخذ له كلامي ، وهو أن الأمر تلازمه الإرادة ، فإذا كان يعلم انتفاء
الشرط لم يتصور أن يكون مريدا للفعل المعلق طلبه على شرط، ونحن نخالفهم في
الأصل فلهذا خالفناه في الفرع.
وحاصل الخلاف: يرجع إلى أن التمكن من الامتثال هل هو شرط في توجه
الخطاب أو شرط في إيقاع الفعل المكلف به وحصوله؟ فهم يقولون: إن المكلف
إذا دخل عليه رمضان أو وقت الصلاة فإنه يجب عليه الشروع في العبادة لا على أنه
يقطع بأنه يكون متمكناً منه، فإن القطع بذلك يقتضي القطع ببقائه بكونه وهو
متعذر لإمكان الموت بل بناء على الظن الغالب، فإن الأصل بقاء الحياة واستمرار
القدرة، فلو مات قبل إتمام العبادة تبين أنها لم تكن واجبة عليه، وأما على رأينا فإنه
لا يدل على عدم الأمر بل يدل على عدم لزوم الإتمام .
مسألة
[التكليف بالفعل الذي ينتفى شَرط وقوعه عند وقته]
الفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته إن جهل الآمر انتفاءه كالواحد منا
يأمر غيره بشرط بقاء المأمور على صفات التكليف فيصح بالاتفاق كما قاله القاضي
عبد الوهاب وغيره، لانطواء الغيب عنا.
قال الهندي: وفي كلام بعضهم إشعار بالخلاف فيه وإن علم انتفاءه كما إذا أمر
الله بصوم رمضان، وهو يعلم موته في رمضان، فهل يصح التكليف به؟ قال
٣٦٩

الجمهور منهم القاضي والغزالي: يصح ويقع، ولذلك يعلم المكلف قبل دخول
الوقت، وإن لم يعلم وجود شرطه وتمكنه من الوقت، ولولا أن تحقق الشرط في
الوقت ليس شرطا في التكليف لما علم قبل وقته، إذ الجهل بالشرط يوجب الجهل
بالمشروط .
وقالت المعتزلة: يمتنع ذلك، لأنه تكليف بالمحال، ولا فائدة فيه، وقالوا: إنما
يصح الشرط منا لترددنا حتى لو علم الواحد منا بوحي أو إعلام نبي ما يكون من
حال مخاطبه. لا يصح أيضا تقييد الخطاب ببقاء المخاطب على صفة التكليف،
ووافقهم إمام الحرمين .
والحق: صحته، وأنه ليس بالمحال في شيء، ويجوز من القديم تعالى أن يأمر
عبده بما علم أنه يكون.
وله فوائد ثلاثة :
إحدها : اعتقاد الوجوب، ويجوز التعبد بالاعتقاد كما يجوز بالفعل.
الثانية : العزم على أن يفعله إن أدركه الوقت على صفة التكليف، ومات على
ذلك فيثاب، أو لا يعزم فيعاقب.
الثالثة : جواز أن يكون فيه للمكلف مصلحة ولطف ويكون فيه فائدة مصححة
لهذه القاعدة أيضا، وهو شك المكلف في بقائه إلى ذلك الوقت فإنه وقت الخطاب
لا يدري هل يبقى إلى وقت الفعل أو لا؟ وينقطع هذا التكليف عنه بموته كانقطاع
سائر التكاليف المتكررة .
وحاصل هذه المسألة: أن الله إذا علم أن زيدا سيموت غدا، فهل يصح أن
يقال: إن الله أمره بالصوم غدا بشرط أن يعيش غدا أم لا؟ فرجع الخلاف إلى
تحقيق الأمر بالشرط في حق الله تعالى ، فأصحابنا جوزوه، والمعتزلة منعوه،
٤٥/ب وقالوا: يستحيل أن يرد الأمر مقيداً بشرط بقاء المكلف. وزعموا: / أن الشرط في
أمره تعالى محال، لأن الشرط إنما يقع حيث الشك، والباري سبحانه منزه عنه،
وعند التحقيق لا شرط . فإن من علم أن الشمس طالعة لا يقول: إن كانت
الشمس طلعت دخلت الدار، وإنما يحسن ذلك من الشاك كالواحد منا ، ولهذا
٣٧٠

قالوا: لو حصل العلم للواحد منا بإخبار نبي امتنع الأمر بالشرط في حقه أيضا. ولم
يقصروا خلافهم على ما إذا علم الأمر انتفاءه بل عدوه إلى ما علم وجوده أيضا،
فقالوا: إن كان الشرط مما علم الله أنه لا يكون لم يكن الأمر المعلق به أمرا به، بل
هو جارٍ مجرى : صُمْ غداً إن صعدت السماء، وليس هو من الأمر في شيء إلا على
رأي بعض من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإن كان قد علم أنه سيكون لم يكن الأمر
مشروطا به بل هو كقوله: صل إن كانت الشمس مخلوقة، وليس هو من المشروط
في شيء، لأن الشرط هو الذي يكون على تردد في الحصول، ومعلوم أن التردد
محال في حقه تعالى، فلا يتصور منه تعليق الأمر على الشرط البتة لا إن علم
وقوعه، ولا إن علم عدم وقوعه.
وألزمهم القاضي أن لا يتقيد وعده ووعيده أيضا كما لا يتقيد أمره مع أن معظم
وعد القرآن ووعيده مقيد نحو قوله تعالى: ﴿لو اطلعْتَ عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فِراراً﴾.
[سورة الكهف / ١٨] قال: ولا وجه للتردد في الشرط مع علم الرب سبحانه بأنه
يعلم .
وله فائدة :
وهو أن يقصد بذلك ابتلاء المكلف وامتحانه في توطين النفس على الامتثال
والعزم . واحتج بعض أصحابنا بالإجماع على أن الله كلف المعدوم والعاجز بشرط
أن يقدر في حال الحاجة إلى القدرة .
وأجاب أبو الحسين بأنا نقول: إن الله كلفه بشرط أن يقدر. ومعنى ذلك: أن
حكمنا بأن الله تعالى قد كلفه الفعل مشروطا بأن يكون ممن يقدر، فالشرط داخل
على حكمنا لا على تكليف الله ، فإن أراد المخالف هذا رجع النزاع إلى اللفظ .
وقال الأبياري: إنما حمل المعتزلة على ذلك أصلان:
أحدهما: أن الشرط هو الذي يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، فأما ما تحقق
ثبوتاً أو نفياً فلا يصلح للشرطية.
الثاني: أن الأمر عندهم يلازم الإرادة فإن كان يعلم انتفاء الشرط لم يكن مريداً
للفعل الذي علق طلبه على الشرط، وأما نحن فلا نقول باقتران الأمر بالإرادة،
٣٧١

فيصح الأمر بما لم يرده. هذا تحرير المسألة بين الفريقين.
وترجم بعض مختصري ((البرهان)) وهو ابن عطاء الله المسألة بأن شرط التكليف
عند الأصحاب أن يكون الفعل من جنس الممكن فيصح أن يعلم المخاطب كونه
مأموراً قبل مضي زمن يسع الفعل وعند المعتزلة أن يكون ممكنا، ولا يعلم كونه
مأمورا إلا بعد مضي ذلك .
قال: واعتقد الإمام أن القاضي سلم له كون الإمكان شرطا، فقال: يلزم إذا
بان أن لا إمكان أنه لم يكن تكليف، وليس كما اعتقده، لأن كلام الغزالي يقتضي
ترجمتها بأن المأمور بشرطه هل يسمى أمرا أم لا؟ ولهذا ذكرها في بحث الأوامر دون
التكاليف .
نیهات
[التنبيه] الأولى
[العلم قبل التمكن من الفعل]
منهم من جعل هذه المسألة أصلا للتي قبلها أعني مسألة العلم قبل التمكن من
الفعل ، فإن قلنا : يصح من الله تعالى الأمر بالشرط صح للعبد أن يعلم أنه
مأمور من الله بشرط البقاء ، وإن قلنا : لا يصح فكذلك ههنا، لأنه إذا توجه
الآمر نحو المكلف بحكم ظاهر البقاء فهو لا يدري أنه هل يبقى أم لا؟ وهو ظاهر
كلام ابن الحاجب .
ومنهم من جعل هذه فرعا للتي قبلها، فمن قال : إن المأمور يعلم كونه مأمورا
قبل التمكن جوز وروده، ومن لم يقل به لم يجوزه صرح به الهندي. وكذا الذي
ذكره القاضي وإمام الحرمين في ((التلخيص)) وابن القشيري، فقالوا هذه المسألة
تنبني على التي قبلها، وهو أنا قلنا نقطع المكلف بالتزام(١) ما كلف مع التردد في
حكم العاقبة فيترتب عليها المقصود، ونقول: لو ورد الأمر مطلقا هل يقولون:
(١) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب: نقطع بالتزام المكلف.
٣٧٢

يتعلق بالمكلف في الحال قطعاً أو يستريبون فيه؟ فإن استربتم عدنا إلى المسألة
الأولى، وإن قطعتم مع انطواء العاقبة عن المكلف لزم منه أن يكون مكلفا مع
ذهوله عما يكون، والأمر متوجه عليه، فإذا تصور ذلك الاعتقاد في الأمر المطلق فما
المانع من تقييده بما يعتقد فيه عند إطلاقه؟
[التنبيه] الثاني
[الأمر المقيد بَالشَرَط له أُحْوَال]
قال العبدري في ((شرح المستصفى)): الأمر المقيد بالشرط له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون الشرط معلوما انتفاؤه عند الآمر والمأمور جميعا، فهذا ممنوع
بالاتفاق .
الثاني: أن يكون مجهولا عندهما فجائز بالاتفاق .
الثالث : أن يكون معلوما عند الآمر مجهولا عند المأمور. فهذا موضع الخلاف
جوزه الأشعرية ومنعته المعتزلة، وهم المصيبون في هذا اللفظ، لأن الأمر الذي
فرضوا فيه الكلام ليس هو صيغة اللفظ، وإنما فرضوا الكلام في المعنى القائم
بالنفس، ولا يصح أن يقوم بنفس الآمر طلب ما يعلم قطعا أنه لا يقع، أو أنه قد
وقع، بل طلب ما يجوز أن يقع وأن لا يقع.
والدليل على ذلك: أن الأمر لا يصح إلا بالممكن، فالمأمور لا يعلم كونه مأمورا
عند توجه الأمر عليه بل عند وقوعه وهو المطلوب، وأيضا فإن علم المأمور بكونه
مأموراً یؤدي إلی أن یکون ذلك الأمر واقعا لا محالة فبطل کونه ممکنا وصار واجبا،
وهذا محال فنقيضه محال، وهو أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا عند توجه الأمر عليه
بل عند وقوعه وهو المطلوب. انتهى. وفيما ذكره نزاع.
وفاته قسم رابع: وهو أن يكون المأمور عالما بالانتفاء دون الآمر، فلا يصح وفاقا
لانتفاء فائدته من جهة المأمور وهو الامتثال، وعدم صحة طلبه من جهة الآمر.
٣٧٣

وقال الصفي الهندي : اتفق الكل على أن المأمور لو علم أنه لا يتمكن من فعل
المأمور به فإنه لا يعلم أنه مأمور إلا على رأي من يقول بتكليف ما لا يطاق .
[تفريع الغزالي على هذا الأصل]
فرع الغزالي على هذا الأصل فروعا:
منها : لو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار، أو بقول نبى حيضا أو
موتا أو جنونا، فهل يلزمها نية الصوم حتى تصوم البعض؟
قال : أما على مذهب المعتزلة فلا ينبغي اللزوم ، لأن بعض اليوم غير مأمور
به، وهي غير مأمورة بالكل ، وأما عندنا فالأظهر وجوبه، لأن المرخص في الإفطار
لم يوجد والأمر قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور. اهـ.
وقد نوزع في قوله: ((والأمر قائم في الحال)) بقوله : في كتاب النسخ: إن جهل
المأمور شرطه فكيف يكون الأمر قائما في الحال والمكلف عالم بطريان الحيض،
والآمر والمأمور كلاهما يعلمانه؟
١/٤٦ ومنها: لو قال: إن صليت أو شرعت في / الصلاة أو في الصوم فزوجتي طالق،
ثم شرع ثم أفسدها أو مات أو جن ففي وقوع الطلاق خلاف يلتفت إلى هذا
الأصل فلا يحنث على قياس مذهب المعتزلة، ويحنث على قياس مذهبنا، وكذا ذكر
الآمدي هذا فرعا على هذا الأصل. وفيه نظر، لأنه من باب وجود المشروط لوجود
شرطه ، وإنما يكون من فروع هذا الأصل بتقدير أن يقول: إن صمت يوما كاملا
من رمضان فأنت طالق في أثناء اليوم الأول لكنه في هذه الصورة لا يقع لتخلف
الشرط، فإنه لم يصم يوما كاملا.
ومنها: لو أفسد يوما من رمضان بما يوجب الكفارة ثم مات أو جن أو حاضت
في أثنائه سقطت عنه على الأصح. لا يقال: هذا يخالف الأصل المذكور ، فإن
٣٧٤

السقوط يدل على عدم الأمر به، لأنا نقول: يحتمل أن يقال: وجوب الكفارة من
خصائص وجوب الصوم اليوم الذي لا يتعرض الانقطاع فيه .
ومنها: لو نذر الصيام يوم قدوم زيد، وتبين له أنه يقدم غدا، فنوى الصوم من
الليل، فإنه يجزىء عن نذره على الأصح، ولم يقولوا: إنه يجب عليه بل اختلفوا في
الإجزاء ، وقياس هذا الأصل الوجوب. والظاهر أن الغزالي يقول به كالحائض.
[التنبيه] الرابع
استشكل الخلاف في هذه المسألة بحكايتهم في مسألة تكليف ما لا يطاق
الإجماع على صحة التكليف بما علم اللّه أنه لا يقع كما قاله ابن الحاجب وغيره،
كإيمان أبي لهب.
والجواب : أن الإجماع غير مسلم لما سنذكره هناك أن الخلاف فيهما واحد، ثم
الصورتان متغايرتان، لأن العلم هناك تعلق بعدم الوقوع مع بلوغ المكلف حالة
التمكن، وهنا فيما إذا لم يبلغ حالة التمكن بأن يموت قبل زمن الامتثال. وأيضا
فتلك في ورود التكليف منجزاً غير مقيد بشرط، ولكن الامتناع جاء من أمر
خارج. ومأخذ المنع فيها تكليف المحال، وهذه في الأمر المقيد بشرط هل يتحقق
معه الأمر في نفسه؟ ومأخذ المانع فيها عدم تصور الشرط في حقه تعالى عند
المخالف، ولهذا لم يقصر خلافه على ما علم عدم وقوعه بل عداه إلى ما علم وقوعه
أيضا كما سبق بيانه.
[التنبيه] الخَامس
ظهر بما ذكرناه أن تصوير المسألة بالأمر المقيد بشرط علم انتفاء وقوعه قاصر،
فإن خلافهم لا يخص هذه الحالة، وإنما خلافهم في أنه هل يصح الأمر بشرط من
اللّه تعالى أم لا؟
٣٧٥

[التنبيه] السَادس
كل من منع نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل كالمعتزلة فإنهم اتفقوا على أن
التمكن من الفعل وقت وجوبه شرط تحقق الأمر .
قال الهندي: وهذا اللائق بأصولهم. قال: وأما من جوزه كمذهب أصحابنا،
فاختلفوا فذهب الجمهور إلى عدم اشتراطه، وذهب بعضهم كإمام الحرمين وبعض
الأصوليين منا ومن الحنفية إلى اشتراطه، وكل واحد من القولين ليس مناقضا
لذلك الأصل، وإن كان الأول أشد ملاءمة له .
فائدة
[تكليف المتمكن وَوقوع التكليف بالممكن]
قال الإمام في ((البرهان)): يكلف المتمكن ويقع التكليف بالممكن .
قال بعض علمائنا: قوله: يكلف المتمكن، بناه على أصله في تقدم القدرة على
المقدور، فإن مذهبه في ((البرهان)) صحة ذلك، وهو خلاف ما يراه في كتب
الكلام. فأما على ما نراه نحن من اقتران القدرة بالمقدور فلا يشترط ذلك على
معنى أنه لا يكلف إلا قادر، وإن أطلقنا أنه لا يكلف إلا متمكن، فإنما نريد به أنه
لا يكلف في الواقع إلا من لا يتحقق عجزه عن إيقاع المطلوب. فأما اشتراط تحقق
الإمكان الذي هو الاقتدار فغير معتبر بل لا سبيل إلى علمه أبدا في جريان العادة
إلا بعد العمل، ومن المتعذر أن يشترط في توجه التكليف علم ما لم يعلم إلا بعد
الامتثال .
İ
٣٧٦

مسألة
[ المُعَدوم الذي تعَلق العلم بوجوده مَأمُور]
المعدوم الذي تعلق العلم بوجوده مأمور عندنا بالأمر الأزلي خلافا للمعتزلة.
واصل الكلام في هذه المسألة: أن أصحابنا لما أثبتوا الكلام النفسي وأن الله
تعالى لم يزل امرا ناهيا مخبرا. قيل عليهم من قبل الخصوم القائلين بحدوثه: إن
الأمر والنهي بدون المخاطب عبث، فاضطرب الأصحاب في التخلص من ذلك
على فرقتين:
إحداهما : قلت : إن المعدوم في الأزل مأمور على معنى تعلق الأمر به في الأزل
على تقدير الوجود، واستجماع شرائط التكليف لا أنه مأمور حال عدمه، فإن ذلك
مستحيل بل هو مأمور بتقدير الوجود بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في
الأزل، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر. وهذا
مفرع على إثبات كلام النفس، ولم يقل به إلا الأشاعرة هكذا نقلوه عن الشيخ أبي
الحسن منهم ابن القشيري.
قال إلكيا: تعلق الأمر على تقدير الوجود منعه الأكثرون وجوزه الأشعري بل
أوجبوه، لأن أمر الله قديم ولا مخاطب أزلا. وأنكره المعتزلة مستمسكين بأن الأمر
طلب، ولا يعقل الطلب من المعدوم، فقيل: هذا الطلب لا متعلق له، فإن
المعدوم يستحيل أن يكون مخاطبا أو متعلقا، فإنه نفي، وإذا قلت: النفي متعلق
فكأنك قلت: لا متعلق، فقيل لهم: المعدوم كيف يكون مأمورا به، ولا يجوز أن
يكون متعلقا؟
قلنا: هذا مبني على أصلنا.
فقيل: هذا أمر ولا مأمور.
قلنا: هو بتقدير أمر، فإن الطلب من الصفات المتعلقة فلا يثبت دون متعلقه
٣٧٧

أصلا، كالعلم لا يثبت دون معلوم والكلام الأزلي ليس تقديراً. قال: وأصحاب
الشيخ يقولون: معنى قولنا: ((إنه في الأزل آمر)) أنه صالح لأن يكون خطابا
للموجود بعد وجوده كالقدرة والعلم وغيرهما من الصفات، وإنكار بعضها بهذا
الطريق يجر إلى ما سواه. اهـ .
وقد عظم النكير في هذه المسألة على الأشعري حتى انتهى الأمر إلى انكفاف
طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب منهم أبو العباس القلانسي، وجماعة من
القدماء، فقالوا: كلام اللّه في الأزل لا يتصف بكونه أمرا أو نهيا ووعدا أو وعیداً،
وإنما تثبت هذه الصفات عند وجود المخاطبين فيما لا يزال، وجعل ذلك من
صفات الأفعال كالخالق والرازق، وهذا ضعيف، لأنه إثبات لكلام خارج عن
أقسام الكلام، وهو يستحيل، ولئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة
الأزلية ليست كلاما أزلا، ثم يستحيل كونها كلاما فيما لا يزال؟
وسهل الطرطوشي أمر هذا الخلاف، فقال : ليس خلافا في معنى، وإنما خلاف
عائد إلى لغة لاتفاقهما على وجود المعنى في النفس، وامتناع القلانسي من تسمية الله
تعالى في الأزل آمرا ناهيا وتسمية كلامه أمرا ونهيا لم يمتنع من أجله أن يقول: إن
هذا الاقتضاء قائم بذات الباري تعالى في الأزل، وإنما قال: لا أطلق عليه آمرا ولا
على كلامه أمرا حتى يتعلق بمتعلقه، فحينئذ أسميه آمرا من غير أن يتجدد في
٤٦/ب القديم / شيء، وهذا قريب. وعند هذا نقول: الأقوى أنه يطلق عليه آمر قبل
التعلق، كما يطلق عليه تعالى قادر قبل وجود المقدور. اهـ.
وما ذكرناه من أن الشيخ لم يرد تنجيز التكليف، وإنما أراد قيام التعلق العقلي،
وهو قيام الطلب بالذات من المعدوم إذا وجد صرح به ابن الحاجب أيضا من
المتأخرين. ونازعه بعضهم. وقال: الحق أن الأشعري إنما أراد التنجيز، والتعلق
عنده قديم، ولا يلزم من التنجيز تكليف المعدوم بأن يوجد الفعل في حال عدمه
بل تعلق التكليف به على صفة، وهي أنه لا يوقعه إلا بعد وجوده واستجماع
الشرائط، وذلك لا يوجب عدم التنجيز بل التنجيز واقع، وهذا معناه. ومن ظن
أنه يلزم كونه مأمورا في العدم أن يوجد في العدم فقد زل، فإن إتيانه به في العدم
كما يستدعي الإمكان كذلك يستدعي أن يؤمر به على هذا الوجه، والأمر لم يقع له
٣٧٨

كذلك بل على صفة أن الفعل يكون بعد استجماع شرائطه التي فيها الوجوب.
وأقرب مثال لذلك: الوكالة فإن تعليقها باطل على المذهب، ولو نجز الوكالة وعلق
التصرف على شرط جاز، وهو الآن وكيل وكالة منجزة، ولكنه لا يتصرف إلا على
مقتضاها، وهو وجدان الشرط.
الفرقة الثانية: قالت: إنه كان في الأزل آمر من غير مأمور، ثم لما استمر وبقي
صار المكلفون بعد دخولهم في الوجود مأمورين بذلك الأمر، وضربوا لذلك مثالا :
وهو أن الإنسان إذا قرب موته قبل ولادة ولده، فربما يقول لبعض الناس: إذا
أدركت ولدي، فقل له: إن أباك كان يأمرك بتحصيل العلم. فههنا قد وجد
الآمر، والمأمور معدوم حتى لو بقي ذلك الأمر إلى أوان بلوغ ذلك الصبي لصار
مأمورا به .
قال صاحب ((التنقيحات)): وفيه بحث إذ الكلام فيما ليس هناك مأمور ولا من
ینهي إليه .
وأجاب بعضهم على أصل الأشاعرة بأن كلام اللّه إنما هو الخبر، والخبر في الأزل
واحد لكنه يختلف إضافته بحسب اختلاف الأوقات، وبحسب ذلك تختلف
الألفاظ الدالة عليه كما في العلم، فإنه صفة واحدة تختلف باختلاف المعلومات.
ولعل الأشاعرة إنما ذهبوا إلى انحصار كلام اللّه في الخبر لهذا الغرض، والقائلون
بجواز أمر المعدوم اختلفوا كما قاله القاضي أبو بكر. فذهب الفقهاء إلى أن الأمر
قبل وجود المأمور أمر إنذار وإعلام، وليس بأمر إيجاب على الحقيقة. وذهب
المحققون إلى أنه أمر إيجاب على شرط الوجود، فإن ما يتحاشى من الإيجاب يلزم
مثله في الإعدام، وكما يتعذر إلزام المعدوم شيئاً يتعذر إعلامه.
وحكى إمام الحرمين في ((التلخيص)) عن بعض من لا تحقيق له أن الأمر يتعلق
بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجود واحد فصاعدا ، ثم يتبعه المعدومون على شرط
الوجود، وسقوط هذا واضح .
قلت : وهو يضاهي قول الفقهاء: يصح الوقف على المعدوم تبعاً لموجود،
كوقفت على ولدي فلان وعلى من سيولد لى. وأما المعتزلة فأنكروا خطاب المعدوم
٣٧٩

وتوضلوا به بزعمهم إلى إبطال الكلام النفسي، وعلى هذا فهم يقولون: إن أوامر
الشرع الواردة في عصر النبي ◌َّ تختص بالموجودين، وأن من بعدهم تناوله
بدلیل .
وحكى أبو الخطاب الحنبلي في ((الهداية)) عن الغزالي وأكثر الحنفية اختيار مذهب
المعتزلة: أن الأمر لا يتناول المعدومين وأنه يختص بالموجودين. قال: وفائدة
الخلاف: أنه إذ احتج علينا بأمر أو خبر يلزمنا على الحد الذي كان يلزمنا لو كنا في
عصر النبي ◌ُّ﴾ موجودين من غير قياس إن قلنا الأمر يتناول المعدوم، وإن قلنا: لا
يتناوله فيحتاج إلى قياس أو دليل آخر لإلحاق الموجود في هذا الزمان بالموجود في
ذلك الزمان .
واختار إمام الحرمين في ((الشامل)) مذهب الشيخ وأشار في ((البرهان)) إلى الميل
إلى مذهب المعتزلة .
وقال القاضي: وعلى قضية هذا الاختلاف اختلف الصائرون إلى قدم كلام
الرب تعالى وأن كلامه هل يتصف في أزله بكونه أمرا أو نهيا أم يتوقف ثبوت هذا
الوصف على وجود المكلفين وتوفر شرائط التكليف؟ فمن جوز أمر المعدوم صار إلى
أن كلام الرب تعالى لم يزل أمرا، ومن أنكر ذلك جعل كونه أمرا من الصفات
الآيلة إلى الفعل، وهذا كما أن الرب سبحانه وتعالى لم يتصف في أزله بكونه
خالقاً ، فلما خلق وصف بكونه خالقاً .
قال: والذي نرتضيه جواز أمر المعدوم على التحقيق بشرط الوجود، وأنكرته
المعتزلة قاطبة .
وقال ابن برهان في ((الأوسط)) الذي عليه أصحابنا أن المعدوم مأمور، ونقل عن
بعض أصحابنا أنه مأمور بشرط الوجود وهو قول فاسد، لأنه إن أراد الخطاب بعد
الوجود فليس أمر معدوم، وإن أراد خطابه حالة العدم فذلك، فقد تقدم المشروط
على الشرط.
قال: وهذه المسألة فرع أصل عظيم، وهو إثبات كلام النفس للباري، فعندنا
أن كلام الله صفة قديمة أزلية قائمة بذاته أبدا، وهو يتصف بكونه أمرا ونهيا خبرا
٣٨٠