النص المفهرس
صفحات 341-360
التكليف لغة: من الكلفة بمعنى المشقة ، وفي الاصطلاح: قال ابن سراقة من أصحابنا في أول كتابه ((أصول الفقه)): حده بعض أهل العلم بأنه إرادة المكلف من المكلف فعل ما يشق عليه. اهـ . وقال الماوَرْدي في ((أدب الدنيا والدين)): الأمر بطاعة، والنهي عن معصية ، ولذلك كان التكليف مقرونا بالرغبة والرهبة ، وكان [ما](١) تخلل كتابه من القصص عظة واعتباراً تقوى معها الرغبة ويزداد بها الرهبة . وقال القاضي : هو الأمر بما فيه كلفة : أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة ، وعدّ الندب والكراهة من التكليف . وقال إمام الحرمين : هو إلزام ما فيه كلفة ، وعلى هذا فالندب والكراهة لا كلفة فيهما ، لأنها تنافي التخيير . قال في ((المنخول)): وهو المختار، وفيه نظر، لأن التخيير عبارة عما خير بين فعله وتركه ، والندب مطلوب الفعل مثاب عليه ، فلم يحصل التساوي ، وما نقلناه عن القاضي تبعنا فيه إمام الحرمين، لكن الذي في ((التقريب)) للقاضي : أنه إلزام ما فيه كلفة كمقالة الإمام فلينظر ، فلعل له قولين . وزعم الإمام أن الخلاف لفظي . والحاصل أنه يتناول الحظر والوجوب قطعا ، ولا يتناول الإباحة قطعا إلا عند الأستاذ أبي إسحاق ، وفي تناوله الندب والكراهة خلاف . (١) في جميع النسخ (من) وأصلحته من كتاب أدب الدنيا والدين ص ٩٤ بتحقيق مصطفى السقا . ٣٤١ وسلكت الحنفية مسلكا آخر فقالوا : التكليف ينقسم إلى وجوب أداء ، وهو المطالبة بالفعل إيجاداً أو إعداماً ، وإلى وجوب في الذمة سابق عليه ، وعنوا به اشتغال الذمة بالواجب ، وإذا لم يصلح صاحب الذمة للإلزام ، كالصبي إذا أتلف مال إنسان فإن ذمته تشتغل بالعوض ، ثم إنما يجب الأداء على الولي . وزعموا استدعاء التكليف الأول عقلا وفهما للخطاب بخلاف الثاني . قالوا: الأول متلقى من الخطاب ، والثاني من الأسباب ، فمستغرق الوقت بالنوم يقضي الصلاة مع ارتفاع قلم التكليف عن النائم ، ولكن لما كان الوجوب مضافاً إلى أسباب شرعية دون الخطاب وجب القضاء لذلك . وزعموا أن سبب وجوب الصلاة الوقت، والصوم الشهر، وتسلقوا به إلى وجوب القضاء على المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، إذ الوجوب بالسبب وهو الشهر ، وقد وجد ، وعندنا لا وجوب إلا بالخطاب لا بالأسباب . مسألة [التكليف حسن في العقول] التكليف حسن في العقول إذا توجه إلى من علمت طاعته ، واختلف في حسنه إذا توجه إلى من عرفت معصيته ، فاستحسنه المعتزلة ، لأن فيه تعريضا للثواب ، ولم يستحسنه الأشعرية ، لأنه بالمعصية معرض للعقاب . كذا حكاه صاحب ((دلائل أعلام النبوة)). قال: والأول :. أشبه بمذهب الفقهاء . قال : ولم أعرف لهم فيه قولاً . ٣٤٢ مسألة [التكليف هَل يَكون معتبرًا بالأصلح؟] اختلف في التكليف هل يكون معتبرا بالأصلح؟ فالذي عليه أكثر المتكلمين أنه معتبر بالأصلح ، لأن المقصود منه منفعة العباد . وذهب الفقهاء وجمع من المتكلمين وهو المنسوب إلى الأشعرية إلى أنه موقوف على مشيئة الله تعالى من مصلحة وغيرها ، لأنه مالك لجميعها ، فمن اعتبر بالأصلح منع من تكليف ما لا يطاق ، وبه يصح تكليف ما لحقت فيه المشقة المحتملة . واختلف في صحة التكليف بما لا مشقة فيه ، فجوزها الفقهاء ، ومنع منها بعض المتكلمين ، وقد ورد التعبد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، وليس فيه مشقة . قال القاضي : ومتعلق التكليف اكتساب العبد الأفعال ، ولا يتعلق بذواتها ولا بحدوثها ، فإن ذلك بقدرة الله تعالى خلافا للمعتزلة في قولهم : التكليف متعلق بالإيجاد والإحداث ، وأصل الخلاف خلق الأفعال عندهم . ولا يعقل التكليف إلا باجتماع أربعة أمور : التكليف وهو المصدر ، والمكلّف وهو من يقوم به التكليف ، وأصله طالب ملزم ، لكن قد حققنا أنه لا يجب إلا طاعة الله ، وطاعة من أوجب طاعته ، والمكلّف ، وهو الذي استدعي منه الفعل ، والمكلّف به وهو المطلوب ، وإنما يشتق اسم الفاعل ، أو المفعول من المصادر ، فلهذا قدمنا الكلام على التكليف ، ومن جملته معرفة الطائع ليثاب والعاصي ليعاقب ، فلهذا اشترط لهذا شروط بعضها في المكلف ، وبعضها في المكلف به ، وحكم المكلف والتكليف قد عرفا فلنتكلم على الأخيرين . ٣٤٣ ۔ الركن الثالث المكلّف وهو المحكوم عليه وله شروط : أحدها: الحياة : فالميت لا يكلف وإن جوزنا تكليف المحال كما قاله القاضي أبو بكر ، ونقل الإجماع عليه ، ولهذا لو وصل عظمه بنجس لم ينزع على الصحيح ، ولو ماتت المعتدة المحرمة جاز تطييبها نظرا إلى أن الخطاب سقط بالموت . نعم قد ينسحب عليه حكم التكليف ، ولهذا يمتنع تكفين الرجل بالحرير ، وكذا بالمزعفر والمعصفر إن منعناه في الحياة كما هو المنصوص، وكذلك المحرم إذا مات يحرم تطييبه، وإزالة شعره وظفره. وعلله القفال بأن الحج ألزم العقود فبقي حكمه كما يبقى حكم الإسلام. ولو مات المحرم، وقد بقي عليه من أركان الحج الحلق فإذا حلق بعد موته ففي وقوعه الموقع نظر لبعض مشايخنا. فرع تكليف مَن أحيي بَعَدمَوته ١/٤٢ من أحيي بعد موته كالذي مر على قرية وكالخارجين / من ديارهم وهم ألوف ، قال الماوَرْدي في ((تفسيره)): اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ، فقيل : یبقی ، لئلا يخلو عاقل عن تعبد ، وقيل : يسقط ، فالتكليف معتبر بالاستدلال دون الاضطرار. اهـ ، وهو غريب . وقال الإمام في ((تفسيره)): إذا جاز تكليفهم بعد الموت فلم لا يجوز تكليف ٣٤٤ أهل الآخرة؟ وأجاب بأن المانع من الآخرة الاضطرار إلى المعرفة ، وبعد العلم الضروري لا تكليف، وأهل الصاعقة يجوز كونه تعالى لم يضطرهم فصح تكليفهم بعد ذلك. اهـ . وقال بعض مشايخنا : الحق أن الآيات المضطرة لا تمنع التكليف ، و[اليهود] قد أبوا أخذ الكتاب ، فرفع الجبل فوقهم ، فآمنوا وقبلوه ، ولا شك في أن هذا آية مضطرة . وقول الرازي بعدم التكليف في الآخرة ليس على إطلاقه ، فإن التكليف بالمعرفة باق فيها ، وقد جاء أنه تؤجج نار ويؤمرون بالدخول فيها ، فمن أقبل على ذلك صرف عنها ، وهذا تكليف . وقال بعضهم : قولهم: الآخرة دار جزاء ، والدنيا دار تكليف محمول على الأغلب في كل دار في الآخرة التكليف كما في الدنيا الجزاء . [الشرط] الثاني: كونه من الثقلين الإنس والجن والملائكة . فيخرج البهائم والجمادات . وحكى القاضي وغيره الإجماع عليه، وحكى صاحب ((المعتمد)) عن أهل التناسخ ، أن فرائض الله تجب على جميع الحيوانات ، وأن جميعها عقلاء مكلفون الفرائض الله. وعن الآخرين تكليف الجبال والأشجار والحيطان والحجر والمدر. ورد بإجماع الصحابة على خلاف ذلك. وأما ما وقع في بعض نسخ البخاري أن قردة رجموا من زنى بينهم، فإن صح فلعله من بقايا من كلف. [الشرط] الثالث: البلوغ: فالصبي ليس مكلفاً أصلاً لقصور فهمه عن إدراك معاني الخطاب . قال الإمام في ((الرسالة النظامية)): ومدرك شرطه الشرع، ولو رددنا إلى العقل لم يستحل تكليف العاقل المميز من الصبيان . وقال في باب الحجر من ((النهاية)): كأن الشرع لم يلزم الصبي قضايا التكليف ، لأمرین: ٣٤٥ أحدهما : أنه من مظنة الغباوة وضعف العقل فلا يستقل بأعباء التكليف . وثانيهما : أنه عري عن البلية العظمى ، وهي الشهوة فربط الشرع التزام التكليف بأمد وتركيب الشهوة ، أما الأمد فيشير إلى التهذيب بالتجارب ، وأما تركيب الشهوة فإنه يعرض للبلايا العظام ، فرأى الشرع تثبيت التكليف معه زاجراً . وقول الفقهاء : تجب الزكاة في مال الصبي مرادهم وجوب الأخذ من ماله لا خطاب الأداء . ونقل ابن برهان أن الصبي مخاطب عند الفقهاء منا ومن الحنفية ، ولعل مراده خطاب الوضع . وقال صاحب ((البيان)) في الفقه من أصحابنا في باب كفارة القتل : الصبي والمجنون لا يدخلان في خطاب المواجهة ، كقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ [سورة البقرة / ٢٧٨] ويدخلان في خطاب الإلزام ، كقوله : ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية﴾ [سورة النساء / ٩٢] وقوله مدية (في كل أربعين شاة شاة) وذكر ابن كج نحوه . وقال القاضي عبد الوهاب والطرطوشي : الصبي لا يدخل في الخطاب المقصود منه التكليف إلا أن يكون عاماً بالإخبار لا وجوب لا ينافيه الصغر لحقوق الآدميين من الزكاة وأرش الجناية فيتعلق الوجوب بماله ، ويخاطب بذلك وليّه. وكذلك العدة تدخل في حق الأطفال من النساء في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ [سورة البقرة / ٢٣٤] الآية . وعن أبي العباس بن سريج أن الصلاة تجب على ابن العشر وجوب مثله وإن لم يأثم بتركها ، إذ لو لم تجب عليه لما ضرب عليها . وقال القاضي الرُّوياني في ((البحر)) قبيل باب اختلاف نية الإمام والمأموم : وأومأ الشافعي في ((الأم)) إلى أنها تجب قبل بلوغه ، ولكن لا يعاقب على تركها عقوبة البالغ . ورأيت كثيراً من المشايخ مرتكبين هذا القول في المناظرة ، وليس ٣٤٦ بمذهب ، لأنه غير مكلف أصلا ، وإنما هذا قول أحمد في رواية أنها تجب عليه إذا بلغ عشرا . اهـ . وقد صرح في ((الرسالة)) بأن الصلاة والصوم لا يجبان على الصبي والمجنون ، واستصوب الإمام في ((الأساليب)) قول ابن سريج . قال : ومعناه أنه محمول عليها وملوم على تركها ، وما حكاه عن النص يمكن تأويله على أنه يجب عليه من جهة وليه ، لأنه يأمره بها والأمر للوجوب ، والذي يستدعي التكليف إنما هو أمر الله ، وأما أفهمية العقاب فهو الضرب على تركها . وهذا كله في الوجوب . أما الإيجاب ودخوله في خطاب ما أوجبه الله تعالى فالذي يقتضيه كلام الأصوليين وغيرهم أن الصبي لا يدخل فيه ، وذكر الإمام أبو الحسين السبكي أن الصبي داخل في عموم نحو قوله : ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [سورة البقرة / ٤٣] فإن الخطاب لجميع المؤمنين والناس وهو منهم، وقد قال النبي وَل لصبي (يا بني سم الله وكل مما يليك) قال: وعدُّ الأصوليين ذلك في أمر التأديب لا يضرنا . قال : والصبي مأمور بالصلاة أمر إيجاب ، والمراد بالإيجاب الأمر الجازم ، وهو موجود في حق الصبي لكن الوجوب تخلف عنه ، لعدم قبول المحل إن لم يكن مميزا بالأدلة . على أن الفهم شرط التكليف ، ولرفع القلم إن كان مميزا . وإذا فسرنا الإيجاب بالأمر الجازم لم يمتنع تخلف الوجوب لمعنى التكليف عن الإيجاب بمعنى الجزم ، ولا نعني بالجازم المنع من هذه إنما الجزم صفة للطلب من حيث هو بالنسبة إلى رتبة ذلك الفعل ، فرتبة الفرض هي العليا ، لأنه لا رخصة فيها ، والمندوب فيه رخصة منحطة عن رتبة الواجب ، وكلاهما سواء بالنسبة إلى البالغ والصبي: والشخص الذي يتعلق به ذلك الأمر يعتبر فيه أمور إن وجدت ترتب مقتضاه كالوجوب المترتب على الإيجاب وإلا فلا . ومن تأمل هذا المعنى لم يستبعده في حق الصبي المميز الذي اقتضت رخصة الله رفع القلم عنه. انتهى . وذكر البيهقي في ((المعرفة)) في باب حج الصبي : قال الشافعي في القديم : وقد ٣٤٧ أوجب الله بعض الفرض على من لم يبلغ ، وذكر العدة وذكر ما يلزمه فيما استهلك من أمتعة الناس . قال: وإنما معنى قول علي رضي الله عنه : رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم أو يبلغ الأثم فأما غيره فلا . ألا ترى أن علياً کان هو أعلم بمعنى ما روى؟ كان يؤدي الزكاة عن أموال اليتامى الصغار . قال البيهقي : وإنما نسب هذا الكلام إلى علي ، لأنه عنه يصح ، وقد رفعه بعض أهل الرواية من حديث علي ، ووقفه عليه أكثرهم. اهـ . وسلك القفال طريقاً آخر في الإيجاب ، فقال : إن الصبي مأمور بالصلاة أمر ٤٢ - إيجاب ، / لأنه آكد بالعقوبة على تركها . قال القاضي الحسين في ((الأسرار)) فقلت له : لم يأمر الله الصبي بالصلاة. قال: أمر الأولياء ليأمروه فهو كأمر الله تعالى النبي ◌َ ◌ّر فيما يُلزمه أمته . وفيما قاله القفال نظر ، فإن المخاطب الولي ، وفي أمر الأولياء بالضرب عند ترك الصلاة ما يصرح بنفي التكليف عنهم ، إذ لو كانوا مكلفين لم يختص ذلك بالولي كما بعد البلوغ ، وإنما هو ضرب استصلاح كالبهيمة . وزعم الحليمي والبيهقي : أنه كان في صدر الإسلام الصبي مكلفا ، وهو من يمكن أن يولد له ، ثم اعتبر البلوغ بالسن ، وحملا عليه حديث : (رفع القلم عن الصبي) فإن الرفع يقتضي الوضع . واختلف في البلوغ هل هو شرط عقلي للتكليف لأن الصبي مظنة العبادة أو شرعي؟ على قولين . ٣٤٨ تنبيهان [التنبيه] الاول [لايخاطب الصَبي بالإيجاب وَالتحريم] على المشهور في الصبي فلا يخاطب من الأحكام بالإيجاب والتحريم ، وهل انتفاء ذلك في حقه لعدم الحكم كما قبل الشرع أو حكم من الله تخفيفا عنه؟ لم يتعرضوا لذلك ، وعليه ينبني ما سبق في معنى رفع القلم . وهل يخاطب بالندب والكراهة ؟ الجمهور على المنع خلافا للغزالي ، وهو مقتضی کلام أصحابنا في الفروع حيث قالوا : إنه مأمور من جهة الشرع بالندب ، ولهذا جعلوا له إنكار المنكر ويثاب عليه . [التنبيه] الثاني إذا علقنا التكليف بالبلوغ ، فهل يصير مكلفا بمجرده أم لابد من أن يمضي بعد البلوغ من الزمان ما يمكنه فيه التعريف والقبول؟ فيه وجهان. حكاهما الحارث المحاسبي في كتاب ((فهم السنن)) . قال : وقولنا : إنه يصير مكلفا في الوقت إذا لم يكن فيه مانع ، فإذا انقضى وقت أدائه ولم يعلمه كان عاصياً بتركه العلم والعمل به . [الشرط] الرابع: العقل فالمجنون ليس بمكلف إجماعا ، ويستحيل تكليفه لأنه لا يعقل الأمر والنهي ، ٣٤٩ ولا يبعد من القائلين تكليف ما لا يطاق جواز تكليفه كالغافل ، وعن أحمد رواية بوجوب قضاء الصوم على المجنون . نص عليها في رواية حنبل ، وضعفها محققو أصحابه ، ومنهم من حملها على غير المجنون المطبق ، كمن يفيق أحيانا . قال ابن القُشَيْري في ((المرشد)): ويجوز أن يقال : المجنون مأمور بشرط الإفاقة كما يوجه على المعدوم بشرط الوجود ، ويجيء مثله في الصبي ، وسواء فيما ذكرنا الجنون الطارىء بعد البلوغ أو المقارن له. نعم طروّ الجنون على الكافر لا يمنع التكليف ، ولهذا لو جن المرتد لم يسقط عنه قضاء الصلوات ، وإن سقطت عن المجنون المسلم . قال القاضي أبو يعلى : ومقدار العقل المقتضي للتكليف أن يكون مميزا بين المضار والمنافع ، ويصح منه أن يستدل ويستشهد على ما لم يعلم باضطرار ، فمن كان هذا وصفه كان عاقلا ، وإلا فلا . قال الصَّيْرفي : ولما كان الناس متفاوتين في تكامل العقول كلف كل واحد على قدر ما يصل إليه عقله ، وقد جاء في الحديث (إن الله تعالى يجازي كل إنسان على قدر عقله) وانظر إلى قول عمر لرجل عيّ : أشهد أن خالقك وخالق عمرو بن العاص واحد . وقال القاضي الحسين في باب الجمعة من ((تعليقه)):"جاء عن علي: ((علموا(١) الناس على قدر عقولهم . أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟)) أي لا تنبو الأفهام عنه ، فیکذبون لذلك . وقيل: إن الثواب والعقاب على قدر العقل . [الشرط] الخامس: الفهم والمعنى فيه كما قاله صاحب ((القواعد)): أن الإتيان بالفعل على سبيل القصد (١) وفي البخاري ((حدثوا)) الفتح ١ / ٢٢٥ ط السلفية . ٣٥٠ والامتثال يتوقف على العلم به ، وهو ضروري فيمتنع تكليف الغافل كالنائم والناسي لمضادة هذه الأمور الفهم ، فينتفي شرط صحة التكليف ، وهذا بناء على امتناع التكليف بالمحال، ولقوله مثل: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). وأما إيجاب العبادة على النائم والغافل فلا يدل على الإيجاب حالة النوم والغفلة ، لأنَ الإيجاب بأمر جديد ، فإن قيل : فالنائم يضمن ما يتلفه في نومه . قلنا : الخطاب إنما يتعلق به عند استيقاظه ، وهو منتف عنه حالة النوم ، ولهذا قالوا : لو أتلف الصبي شيئاً ضمنه مع أنه ليس بمكلف . وقال القفال في ((الأسرار)): النهي لا يلاقي الساهي، إذ لا يمكنه التحرر. منه ، وإنما لزمه بسجود السهو وكفارة الخطأ لكون الفعل محرماً في نفسه من حيث إنه محظور عقده إلا أنه في نفسه غير منهي عنه في هذه الحالة . وقال ابن الصلاح : ما قاله الأصوليون من أن الساهي لا يدخل تحت الخطاب لا ينافيه تحنيث الفقهاء له في اليمين على أحد القولين ، فإن تحنيثه ليس من قبيل التكليف بل من خطاب الوضع ، وهذا يثبت في حق المكلف وغيره كالصبي . وقال صاحب ((الذخائر)): من زال عقله بالنوم وطبق الوقت ، فهو غير مخاطب بتلك الصلاة . وصار بعض الفقهاء إلى تكليف النائم في بعض الأحكام، فإن عنوا به ضمان المتلفات ونحوه فالمجنون غير مخاطب إجماعا ، ويجب عليه ذلك ، ثم قال : فإن قيل : لم أوجبتم القضاء عليه .؟ قلنا : للأمر الجديد قال : والحكم في الساهي والجاهل كالنائم . قال ابن الرفعة : وكلام الشيخ أبي إسحاق ينازع فيه . وقال ابن برهان في ((الأوسط)): النائم والمغمى عليه والحائض والنفساء والمريض والمسافر هل يخاطبون أم لا؟ ذهب كافة الفقهاء من أصحابنا والحنفية إلى أنهم مخاطبون ، ونقل عن المتكلمين من أصحابنا أنهم لا يخاطبون . قال : والمراد بالخطاب عند الفقهاء ثبوت الفعل في الذمة ولما لم يتصور ٣٥١ المتكلمون هذا منعوه. اهـ . قال بعضهم : ونسيان الأحكام بسبب قوة الشهوات لا يسقط التكليف ، كمن رأى امرأة جميلة ، وهو يعلم تحريم النظر إليها فنظر إليها غافلا عن تحريم النظر. وكذا القول في الغيبة والنميمة والكبر والفخر وغيره من أمراض القلوب . وقال الصَّيْرفي : الخطأ والنسيان لا يقع الأمر فيه ولا النهي عنه ، لامتناع الأمر بما لا يتهيأ قصده ، لأنه لو قصد تركه لم يكن ناسياً له ، والمرتفع إنما هو الإثم ، لقوله تعالى : ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [سورة الأحزاب / ٥] وقال: ﴿: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وكل ما أخطأت بينك وبين ربك فغير مؤاخذ به ، وأما الخطأ المتعلق بالعباد فيضمنه ، ولهدا يستوي فيه البالغ العاقل وغيره . فروع [الانشغَال عَن الصَلاة بلعب الشطرنج] لو شغله اللعب بالشطرنج حتى خرج وقت الصلاة وهو غافل، فإن لم يتكرر ذلك منه لم ترد شهادته ، وإن كثر وتكرر فسق وردت شهادته . ١/٤٣ / قال الرافعي: هكذا ذكروه ، وفيه إشكال ، لما فيه من تعصية الغافل والساهي ، ثم قياسه الطرد في شغل النفس بسائر المباحات . قلت : وقد سبق أن نسيان العبادة لسبب الشهوة لا يسقط التكليف فلا يَرِدُ إشكال الرافعي . ٣٥٢ تنبيه [السكران] السكران عند الأصوليين ليس بمكلف منهم القاضي في ((التقريب)) وإمام الحرمين في ((التلخيص)) والغزالي والشيخ أبو إسحاق وابن برهان في ((الوجيز)) وابن القشيري . وقال الإمام في ((الأساليب)): السكران عندنا غير مخاطب فإنه يستحيل توجه الخطاب على من لا يتصور، ولكن غلظ الأمر في سكره ردعا ومنعا ، فألحق بالصاحي . وممن قال: إنه غير مخاطب مجلى في ((الذخائر))، وقال: إنه الصحيح من أقوال العلماء. قال : وإنما وجب القضاء تغليظاً عليه ، ونقله النووي في ((الروضة)) عن أصحابنا الأصوليين . قال : ومرادهم أنه غير مخاطب حالة السكر ، ومرادنا أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد . قلت : والصحيح : أن السكران المتعدي بسكره مكلف مأثوم . هذا هو مذهب الشافعي نص عليه في ((الأم)) فقال: ومن شرب خمراً أو نبيذاً فأسكره فطلق لزمه الطلاق والحدود كلها والفرائض ، ولا تسقط المعصية بشرب الخمر ، والمعصية بالسكر من النبيذ عنه فرضا ولا طلاقا . فإن قال قائل : فهذا مغلوب على عقله ، والمريض والمجنون مغلوب على عقله . قيل : المريض مأجور ومُكَفّر عنه بالمرض مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله . وهذا اثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم ، فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب ؟ والصلاة مرفوعة عن من غلب على عقله ولا ترفع عن السكران ، وكذلك الفرائض من حج أو صوم أو غير ذلك. أهـ. ولهذا قال الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول : مذهب الشافعي أنه مكلف ونسب مقابله إلى أبي حنيفة ، ولهذا صحح الشافعى تصرفاته ، واحتج لذلك فيما ٣٥٣ كتاب الأذان من ((شرائط الأحكام)) وجزم به ابن السمعاني في ((القواطع))، ونقله ابن برهان في ((الأوسط)» عن الفقهاء من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة ، ثم نقل المنع عن المتكلمين منا ومن المعتزلة . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي : قال الشافعي : وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم، وكان أبي يعجبه هذا ويذهب إليه. اهـ. وأطال القاضي أبو بكر في ((التقريب)) عدم تكليفه ، ثم قال ما حاصله: إنه مكلف لكن بعد السكر بما كان في السكر ، وهذا الكلام مجمع مذاهب الفريقين . وصرح الإمام في ((البرهان)) بأنه غير مكلف مع تقريره في كتب الفقه مؤاخذته المصرحة بالتكليف ، وهو مؤول بما سبق . وقال ابن القُشَيْري : هو غير مكلف بمعنى أنه يمنع توجه الخطاب إليه، أما ثبوت الأحكام في حقه ، وتنفيذ بعض أقواله فلا يمنع. قال : وهذا مطرد في ٤٣/ب تكاليف / الناسي في استمرار نسيانه ، إذ لو كان ممن فهم الخطاب ، لكان متذكراً لا ناسياً ، قال : ولعل من قال بتكليفه بناه على جواز تكليف ما لا يطاق . وقال الأبْياري : الظاهر عندنا تكليف السكران . وقال بعض المحققين : التكليف بمعنى إيجاب القضاء عام في الناسي والنائم والسكران ، وبمعنى عدم الخطاب حاصل في النائم والناسي . وأما السكران فعند الأصوليين يلحق بهما ، وعندنا بخلافه ، وظاهر كلام الشيخ أبي حامد أنه مخاطب حالة السكر، وكذلك الماوردي وابن عبدان . ولا شك أن القول بتكليف السكران باعتبار ترتب الأحكام لا إشكال فيه ، وهو نوع من خطاب الوضع ، وقد يدخلونه في خطاب التكليف كما أدخلته طائفة في حد واحد . ٠ وأما باعتبار الإثم على ما يصدر منه حال السكر، فإن كان فيه نشاط فواضح ، وإن كان طافحا أو مختلطا فمحل نظر . ولعل الفقهاء لا يرون الإثم ، أو لعلهم يريدون الطافح ، والأصوليون يريدون المختلط، فإن التكليف فيهما تكليف مع الغفلة . ٣٥٤ [ الشَرط] السَادس الاختيار فيمتنع تكليف الملجاً ، وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل مع حضور عقله ، کمن یلقی من شاهق فهو لابد له من الوقوع ، ولا اختيار له فيه ، ولا هو بفاعل له ، وإنما هو آلة محضة كالسكين في يد القاطع ، وحركة كحركة المرتعش ، ومثله المضطر . واتفق أئمتنا على أن المضطر إلى فعل ينسب إليه الفعل الذي اضطر إليه ، وهو عند المعتزلة فوق الملجأ ، وعندنا مثله ، كمن شد وثاقه وألقي على شخص فقتله بثقله لكن الفقهاء صرحوا بتكليفه ، فقالوا : المضطر لأكل الميتة يجب عليه أكلها على الصحيح ، وفي وجه لا يجب. قد يوجه بأصول المعتزلة "، فيقال : لا فعل للمضطر ولا اختيار حتى يتعلق به الإيجاب ويكتفي بصورة الداعية، لكن جهة التكليف فيه سيأتي بيانها في المكره . وكذلك يمتنع تكليف المكره ومن لا يجد مندوحة عن الفعل إلا بالصبر على إيقاع ما أكره به ، كمن قال له قادر على ما يتوعد : اقتل زيداً وإلا قتلتك ، لا يجد مندوحة عن قتله إلا بتسليم نفسه للهلاك ، فإقدامه على قتل زيد لیس کوقوع الذي ألقي من شاهق ، وإن اشتركا في عدم التكليف لكن تكليف هذا أقرب من تكليف الملجأ ، ولهذا أبيح له الإقدام على شرب الخمر، وكلمة الكفر . وأما تأثيم المكره على القتل فليس من حيث إنه مكره وأنه قتل،بل من حيث إنه آثر نفسه على غيره ، فهو ذو وجهين : الإكراه ولا إثم من ناحية، وجهة الإيثار ولا إكراه فيها ، وهذا لأنك قلت : اقتل زيداً وإلا قتلتك ، فمعناه التخيير بين نفسه وبين زيد ، فإذا آثر نفسه فقد أثم ، لأنه اختيار، وهذا كما قيل في خصال الكفارة : محل التخيير لا وجوب فيه ، ومحل الوجوب لا تخيير فيه . وهذا تحقيق حسن يبين أنه لا يحتاج لاستثناء صورة القتل من قولنا : المكره غير مكلف . ٣٥٥ نقله البيهقي بقوله: (رفع القلم عن ثلاثة). قال: والسكران ليس في معنی واحد من هؤلاء، ولأنه يجب عليه قضاء الصلوات بخلاف المجنون . قال الشافعي في ((الأم)) : المريض مأجور مكفر عنه مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله ، وهذا آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم. اهـ. قيل : وقول الشافعي ((مضروب على السكر)): فيه تجوز إنما هو على الشرب سكر أم لم يسكر، لكنه يريد على سبب السكر . وقد استشكل بعضهم نص الشافعي على تكليفه مع إخراج الأصوليين له عن ذلك ، والتسوية بينه وبين سائر من لا يفهم . قال الغزالي : بل السكران أسوأ حالاً من النائم الذي يمكنه تنبيهه ، فإما أن يكون ما قاله الشافعي قولاً ثالثاً مفصلاً بين السكران وغيره للتغليظ عليه ، وهو الأقرب ، أو يحمل قوله على السكران الذي لا ينتقل عن رتبة التمييز دون الطافح المغشي عليه ، ولا ينبغي أن يظن ظانّ من ذلك أن الشافعي يجوز تكليف الغافل مطلقاً ، فقدره رضي الله عنه يجل عن ذلك . قلت : وبالثاني صرح أبو خلف الطبري كما سنذكره، والأقرب احتمال ثالث ، وهو أن التكليف في حقه مستصحب لا واقع وقوعاً مبتدأ كما قال إمام الحرمين في الخارج من الدار المغصوبة : إنه مرتبك في المعصية . والقائلون بعدم تكليفه اختلفوا في الجواب عما احتج به الشافعي من التزامه بقضاء العبادات وصحة التصرفات ، فقيل : لا دلالة دالة على ثبوتها في حقه بعد الإفاقة . وقال ابن سريج : لما كان سكره لا يعلم إلا من جهته ، وهو متهم في دعوى السكر لفسقه ألزمناه حكم أقواله وأفعاله وطردنا ما لزمه في حال اليقظة . وقال الغزالي : إلزامنا له ذلك من قبيل ربط الحكم بالسبب ولا يستحيل ذلك فى حق من لا تكليف عليه يعني أنه من خطاب الوضع . وأنكر بعض المتأخرين ذلك وقال : هذا الجواب ليس بصحيح ، فإن خطاب ٣٥٦ الوضع لا يقتضي قتلا ولا إيقاع طلاق ولا إلزام حدّ ، وكون الزنى جعل سببا الإيجاب الحدّ على الزاني لا يستطيع أحد أن يقول : إنه من باب خطاب الوضع . قلت : الطلاق مما اجتمع فيه الخطابان ، لأنه إما مباح أو مكروه ، وهو منصوب سببا للتحريم ، فيكون من خطاب الوضع ، وكذلك القتل هو محرم ، وهو منصوب سببا لما ترتب عليه من القصاص والدية ، وثبوت القصاص أو الدية خطاب وضع فقط لا تكليف. حقه كما في الإرث، والله أعلم . وقال القفال الشاشي في ((محاسن الشريعة)): اختلف في السكران ، فقيل : لا يقع طلاقه ، لزوال عقله ، وقيل : يجوز طلاقه ، لأنه في الشريعة مخاطب مكلف تلزمه الأحكام في حال سكره إذا كان زوال عقله بأمر عصى الله فيه ، فعوقب بأن ألحق بالمكلفين ردعا له ولغيره عن شرب الخمر . قال : وكلا القولين جائز محتمل لورود الشريعة بهما. اهـ. قلت : والظاهر أن الخلاف في غير المنتهي إلى ما لا يعقل البته ، وبذلك صرح أبو خلف الطبري في كتاب الطلاق من ((شرح المفتاح))، فقال: قلت : والذي يجب أن يقال في تصرف السكران : إن السكران على نوعين: أحدهما: يعقل ما يقول ، فهذا مخاطب وتصح جميع تصرفاته ، والثاني : لا يعقل ما يقول ، وقد زال عقله وذهب حسه بالكلية ، فهذا غير مخاطب فلا يصح شيء من تصرفاته ، ولا حكم لكلامه ، وهذا أدون حالة من المجنون هذا هو اختياري. انتهي كلامه . وهذا هو قضية كلام الإمام في ((النهاية))، وصرح بأنه إذا انتهى إلى حالة النائم والمغمى عليه ، فالوجه القطع بإلحاقه بهما . قال : وأبعد من أجراه على الخلاف . وقال ابن العربي في ((المحصول)) : الخلاف في الملتج أما المنتشي ، فمكلف إجماعا . قلت : ويدل عليه جوابهم عن الآية ، وممن أطلق تكليف السكّران شيخا المذهب أبو حامد والقفال ، ونقلاه عن المذهب ، وجزم به القاضي الحسين في ((فتاويه)) والبغوي والرُّوياني والشيخ أبو محمد الجويني وأبو الفضل بن عبدان في ٣٥٧ وقول الفقهاء: الإكراه يسقط أثر التصرف إلا في صور إنما ذكروه لضبط تلك الصور ، لا أنه مستثني حقيقة. هذا هو الصحيح . واعلم أن ظاهر نص الشافعي يدل على أنه غير مكلف فإنه احتج على إسقاط قوله بقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [سورة النحل / ١٠٦]. قال الشافعي : وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت أحكام الإكراه عن القول كله ، لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو أصغر منه ، نقله البيهقي عنه في ((السنن)) وعضده بحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . وقد أطلق جماعة من أئمتنا في كتبهم الأصولية أن المكره مكلف بالفعل الذي أكره عليه ، ونقلوا الخلاف فيه عن المعتزلة (١) منهم القاضي أبو بكر وإمام الحرمين في ((التلخيص))، والشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع))، وابن القشيري وابن السَّمعاني في ((القواطع))، وبناه المعتزلة على أصلهم في وجوب الثواب على الفعل المأمور به عند الامتثال ، وكيف يثاب على ما هو مكره عليه إذ لا يجيب داعي الشرع وإنما يجيب داعي الإكراه ؟ وألحقوا هذا بالأفعال التي لابد من وقوعها عادة كحصول الشبع عن الأكل والري عن الشرب ، فكما يستحيل التكليف بالواجب عقلا وعادة ، فكذا يستحيل بفعل المكره . [المكره يصح تكليفه لفهم الخطاب] والصحيح عندنا : أن المكره يصح تكليفه لفهم الخطاب ، وأن له اختياراً ما في الإقدام أو الانكفاف ، ولا استحالة في تكليفه ، وأما كونه متقربا فيرجع إلى نيته وهو غير الكلام في تكليفه . قال ابن القُشَيْري : ونعني بالمكره من هو قادر على الإقدام والإحجام فيحمل مثلا على الصلاة بالإرجاف والخوف وقتل السيف، والذي به رعشة ضرورية لا يوصف بكونه مكرها في رعدته . (١) أي: نقلوا القول بعدم تكليفه عن المعتزلة. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٣٥٨ وقالت المعتزلة : لا يصح تكليف المكره مع وفاقهم على اقتداره ، وزادوا علينا : فقالوا : القدرة تتعلق بالضدين ، وعلى هذا فلا معنى لتفصيل الإمام الرازي وأتباعه بين الإكراه الملجىء وغيره ، ولا لمن جعله قولاً ثالثا في المسألة . وكذا قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): قال المحققون : لا يتحقق الإكراه إلا مع تصور اقتدار المكره ، فمن به رعشة ضرورية لا يوصف بكونه مكرها ، وإنما المكره المختار لتحريكها، ولا استحالة في تكليف ما يدخل تحت اقتداره واختياره خلافا للقدرية ، وبالغوا حتى قالوا : إن القدرة تتعلق بالضدين ، والكره القادر على الفعل قادر على ضده . وأما أصحابنا فقالوا : إذا قدر على ما أكره عليه لم تتعلق قدرته بتركه ، وقد أجمع العلماء قاطبة على توجه النهي على المكره على القتل عن القتل ، وهذا عين التكليف. انتهى. وهذا يعلم جوابه مما سبق أن تأثيم المكره على القتل ليس من حيث كونه مكرها . وما نقلوه عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة منهم إلّكِيا الطبري ، فقال : نقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف . قال : وليس هذا مذهبا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذى ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس . وقال ابن برهان في ((الأوسط)) المكره عندنا مخاطب بالفعل الذي أكره عليه ، ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أنه غير مكلف . قال : وانعقد الإجماع على كونه مخاطبا بما عدا ما أكره عليه من الأفعال . ونقل عن المعتزلة أن المكره غير مخاطب ، وهذا خطأ في النقل عنهم بل عندهم أنه مخاطب بل هو أولى بالخطاب من المختار ، لأن التكليف تحميل ما فيه كلفة ومشقة، وحالة المكره أدخل في أبواب التكليف والمشاق من حالة المختار بسبب أنه مأمور بترك الفعل الذي أكره عليه ، وواجب الانقياد عليه والاستسلام ، وموعود عليه الأجر والثواب. إلا أن العلماء رأوا في كتبهم أن الملجأ ليس بمخاطب ، فظنوا أن الملجأ والمكره واحد . / وليس كذلك بل الملجأ هو الذي لا يخاطب عندهم ، ١/٤٤ ٣٥٩ وهو الذي لا قدرة له على الترك بل يكون مدفوعا ومحمولا بأبلغ جهات الحمل . كمن شدّت يداه ورجلاه رباطا وألقي على عنق إنسان بحيث لا يمكنه الاندفاع ، فهذا ليس له الاختيار، وأما المكره فله قصد وقدرة فكان مكلفا . ولهذا قالت المعتزلة : القدرة تصلح للضدين الفعل والترك ، لأنها لو صلحت لفعل دون فعل صار الشخص مدفوعاً إليه وملجأ ، ولأمكنه الامتناع خلافاً لأصحابنا ، فإن القدرة عندهم لا تصلح للضدين ، ولهذا المعنى قالوا : الإيمان حالة اليأس لا ينفع وهو إيمان الكفار يوم القيامة ، لأن الإيمان النافع بظهر الغيب ، أما يوم القيامة فتصير المعارف ضرورية فلا ينفع ، لأنهم حينئذ أجئوا . اهـ. وما قاله في الملجأ : إنه غير مكلف عند المعتزلة ، فهو قول المحققين من الأصحاب ، وإن كان الأولون أطلقوا القول ولم يفصلوا بل الأظهر التفصيل . وقال في ((المحصول)): إنه المشهور وجرى عليه أتباعه ، وقال الآمدي : إنه الحق وقرره القَرَافي ، وينبني كلام المطلقين على أحد القسمين فيه . وأما قول ابن برهان : إن المعتزلة لا يخالفون في تکلیف المکره فلیس کذلك لما سبق من نقل الفحول عنهم ، وكذلك نقله عن الحنفية أنه غير مخاطب لا يوجد في مشاهير كتبهم ، بل قال البزدوي في كتابه : المكره عندنا مكلف مطلقا ، لأنه مبتلى بين فرض وحظر ، وإباحة ورخصة الخ ، وقد قالوا بنفوذ طلاق المكره وعتقه وغير ذلك . وسبق في فصل الأعذار المسقطة للتكليف كلام صاحب ((المبسوط)) منهم فيه ، ونقل الأبياري عن الحنفية التفصيل بين الإقرار والإنشاء ، فالإكراه لا يؤثر عندهم في الإقرار ويؤثر في الإنشاء . وأما المعتزلة فإنهم بنوا امتناع تكليف المكره بفعل ما أكره عليه على قاعدتين: إحداهما: القول بالتحسين والتقبيح العقليين . والأخرى: وجوب الثواب على الله، لأن شرط التكليف عندهم الإثابة . وقد نقض القاضي أبو بكر مذهب المعتزلة بالاتفاق على أنه يحرم القتل على من ٣٦٠