النص المفهرس

صفحات 321-340

الفاسد هو الموجود على نوع من الخلل ، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه ،
وقد قال تعالى ﴿لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء / ٢٢] فسمى
السموات والأرض فاسدة عند تقدير الشريك ووجوده . ودليل التمانع يقتضي أن
العَالمَ على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده ، حصول التمانع لا أنه يكون
موجودا على نوع من الخلل ، فقد سمى الله تعالى الذي لا تثبت حقيقته بوجه
فاسداً ، وهو خلاف ما قالوه في التفرقة ، فإن كان مأخذهم في التفريق بمجرد
الاصطلاح فهم مطالبون بمستند شرعي يقتضي اختلاف الحكم المرتب عليهما .
قلت : قد تقدم أمور في تفرقتهم بين الفرض والواجب ينبغي أن يتعرض بمثلها
هنا .
وأما المالكية فتوسطوا بين القولين ، ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد في التسمية ،
ولكنهم قالوا : البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك ، فإذا لحقه أحد
أربعة أشياء يقدر الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق ، وتلف العين ونقصانها ،
وتعلق حق الغير بها على تفصيل لهم في ذلك .
وقال الإمام في ((التلخيص)): نقل عن الشافعي أنه قال في تحديد الفاسد : هو
كل فعل محرم يقصد به التوصل إلى استباحة ما جعل الشرع أصله على التحريم .
ثم أورد عليه الإمام العقد في وقت تضيق الصلاة ، فإن المتلفظ بالعقد تارك
لتكبيرة الإحرام ، وترك التكبيرة محرم فهذا محرم توصل به إلى استباحة الأملاك
والأبضاع وأصولها على الحظر مع أنه ليس بفاسد .
[التفرقة بين الفاسد والباطل]
واعلم أن أصحابنا فرقوا بين الفاسد والباطل في مواضع :
أولها، وثانيها: الخلع والكتابة ، فالباطل منهما ما كان على غير عوض مقصود
كالميتة ، أو رجع إلى خلل في العاقد كالصغر والسفه ، والفاسد خلافه ، وحكم
الباطل أن لا يترتب عليه مال ، والفاسد يترتب عليه العتق والطلاق، ويرجع الزوج
بالمهر والسيد بالقيمة .
وثالثها : الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع .
٣٢١

وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه ولا يمضي بخلاف الفاسد. اهذا حكم ما
يطرأ ، وأما الفاسد ابتداء ، فيتصور فيما إذا أحرم بالعمرة ثم جامع ، ثم أدخل
عليها الحج ، فالأصح أنه ينعقد فاسداً ، وقيل : صحيحاً ، وقيل : لا ينعقد .
قاله في الروضة في باب الإحرام ، وأما إذا أحرم مجامعا فينعقد فاسدا أيضا على
الأصح. قاله الرافعي في باب المواقيت ، وصحح النووي في باب محرمات الإحرام
عدم الانعقاد .
٣٢٢

ورابعها: العارية وقد صورها الغزالي في ((الوسيط)) فإنه حكى في صحة إعارة
الدراهم والدنانير خلافاً ، ثم قال فإن أبطلناها ففي طريق أهل العراق أنها
مضمونة ، لأنها إعارة فاسدة ، وفي طريق المراوزة أنها غير مضمونة لأنها غير قابلة
للإعارة فهي باطلة كذا حصرها جماعة في هذه الأربعة ، وهو ممنوع بل يجري ذلك
في سائر العقود .
ومن صوره الإجارة الفاسدة وتجب فيها أجرة المثل. أما إذا استأجر مثلا صبي
رجلا بالغاً فعمل عملاً لم يستحق شيئا ، لأنه الذي فوت على نفسه عمله وتكون
باطلة .
ومنها: لو قال للمديون: اعزل قدر حقي ، فعزله ، ثم قال : قارضتك عليه لم
يصح ، لأنه لم يملكه بالعزل ، فإذا تصرف المأمور فإن اشترى بالعين فهو ملك
له ، وإن اشترى في الذمة للقراض ونقده فيه وجهان :
أحدهما : الشراء للقراض ويكون قراضا فاسدا وله الأجرة والربح لبيت المال.
والثاني: لا يكون قراضا لا فاسداً ولا صحيحا بل هو باطل .
ومنها : لو قال : بعتك ولم يذكر ثمنا وسلم ، وتلفت العين في يد المشتري هل
علیه قيمتها؟ وجهان أحدهما : نعم ، لأنه بیع فاسد ، والثاني :لا ، لأنه ليس مبيعا
فيكون أمانة .
ومنها : لو نكح بلا ولي فهو فاسد یوجب مهر المثل لا الحد، ولو نكح السفيه بلا
إذن فباطل لا يترتب عليه شيء .
وقال الإمام أبو الحسن السُّبْكي : عندي. أن أصحابنا لم يوافقوا الحنفية في هذا
التفريق أصلا ، لأن الحنفية يثبتون بيعا فاسدا يترتب عليه مع القبض أحكام
شرعية ، ونحن لا نقول ذلك ، وإنما العقود لها صور لغة وعرفا من عاقد ومعقود
عليه وصيغة ، ولها شروط شرعية فإن وجدت كلها فهو الصحيح ، وإن فقد
العاقد أو المعقود عليه أو الصيغة أو ما يقوم مقامها فلا عقد أصلا ، ولا يحنث به
إذا حلف لا يبيع ونسميه بيعا باطلا مجازا ، وإن وجدت وقارنها مفسد من عدم
٣٢٣

شرط ونحوه ، فهو فاسد ، وعندنا هو باطل خلافا لهم .
ووافقونا على البطلان إذا كان الفساد لصفة المعقود عليه كبيع الملاقيح . ونحن لا
نرتب على الفاسد شيئا من الأحكام الشرعية ، لأنه غير مشروع لكن لنا قاعدة ،
وهي إذا كان للفعل عموم وبطل الخصوص قد لا يعمل العموم . فالمسائل التي
رتب الأصحاب عليها حكما من العقود الفاسدة هي من هذا القبيل. اهـ .
فائدة
[أقسَام البَاطل]
٣٩/ب قَسَّمَ ابن القاص / في كتاب ((أدب الجدل)) الباطل إلى خمسة: الإحالة
والمناقضة والفحش والغلط ، قال : وهذه الأربعة خارجة عن الأصول فمن صار
إليها فهو منقطع ، والخامس يسمى الخطأ ، فعليه تدور المناظرات ، وإليه يقصد
بالمطالبات .
قال: فالإحالة: ما دفعه الحس، والمناقضة: ما شهد على نفسه بالاختلاف،
والفحش: ما يستقبحه العقل، والغلط: ما طرحه المسلمون، والخطأ: كل ملتبس
قام فساده دلیل .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : حد المحال كل جملة لا يتعلق بها غرض ولا فائدة ،
قال : وإنما يطلقه أهل الشريعة على فعل لابد له من شرط أو وصف ينضم إليه
حتى يعتد به فإذا فعله من غير ذلك الشرط يقال: هذا فعل محال فيقال: الصلاة بلا
طهارة محال ، والبيع بلا ثمن محال ، والصوم بالليل محال . انتهى .
٣٢٤

مسألة
[الرخصَة وَالعَزِيمَة]
الحكم يوصف بالعزيمة والرخصة وفيهما مباحث:
[المبحث] الأول : في مدلولهما .
[الْعَزِيمَة]
أما العزيمة فهي لغة : القصد المؤكد ، ومنه قوله تعالى: ﴿ولم نجد له عزما﴾
[سورة طه / ١١٥] وشرعاً: عبارة عن الحكم الأصلي السالم موجبه عن المعارض ،
كالصلوات الخمس من العبادات ، ومشروعية البيع وغيرها من التكاليف .
قيل : وقضيته أن الإباحة حيث لا يقوم دليل المنع عزيمة ، وهو لا يطابق
الوضع اللغوي ، ولا الاصطلاح الفقهي ، فإنه في اللغة يدل على التأكيد والجزم
كما يقال عزمت عليك بكذا وكذا ، ولهذا يقابلونه بما فيه ترخيص ، والإباحة
بمجردها ليس فيها هذا المعنى .
وفي كلام الغزالي والآمدي ما يقتضي اختصاصها بالواجبات فإنهما قالا : ما لزم
العباد بإلزام الله تعالى . أي بإيجابه . وليس كما قالا ، فإنها تذكر في مقابلة
الرخصة ، والرخصة تکون في الواجب وغير ، فكذلك ما يقابلها ، ومثال دخول
الإباحة فيها قولهم: ((ص)) من عزائم السجود ، ودخول الحرام تحريم الميتة عند
عدم المخمصة هو عزيمة ، لأن حكمها ثبت بدليل خلا عن المعارض ، فإذا
وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم ، وهو راجح عليه حفظا
للنفس ، فجاز الأكل .
قال أصحابنا: ترك الصلاة في حق الحائض والنفساء عزيمة .
قال النووي : وإنما كان عزيمة لكونها مكلفة بتركها ، ومقتضى الدليل أن من
٣٢٥

كلف بترك شيء لم يكلف بفعله في حال تكليفه بتركه ، وأما القضاء فإنما يجب بأمر
جديد ، ولم يرد .
[الرخصة]
وأمّا الرخصة فهي لغة : اليسر والسهولة ، ومنه رخص السعر إذا تراجع
وسهل الشراء، وفيها لغات ثلاث : رُخصة بضم الراء والخاء ، ورُخْصة بإسكان
الخاء ، فيجوز أن تكون مخففة من الأولى ، ويجوز أن تكون كل واحدة أصلا
بنفسها ، والثالثة: خرصة بتقديم الخاء حكاها الفارابي ، والظاهر: أنها مقلوبة من
الأولى ، وقد اشتهر على ألسن الناس فتح الخاء ولا يشهد له سماع ولا قياس ،
لأن ((فعلة)) تكون للفاعل كهمزة ولمزة وضحكة ، وللمفعول كلقطة ، فقياسه إن
ثبت هنا : أن يكون اسماً للكثير الرخيص على غيره إذا فشى الرخص فيه .
وقال الآمدي في ((الإحكام)): الرخصة بفتح الخاء : الأخذ بالرخصة ،
فيحتمل أنه أراد بالأخذ المصدر ، ويحتمل أنه أراد اسم الفاعل ، والقياس الأول
وهو المنقول .
وأما في الاصطلاح: فقد اختلف فيه ، فقال الإمام الرازي : ما جاز فعله مع
قيام المقتضي للمنع ، وأورد عليه أن الرخصة هي الحكم ، وأنها قد تكون بجواز
الترك ، وأن التكاليف كلها كذلك ، لأنها على خلاف التخفيف الذي هو
الأصل ، كذا قاله القَرَافي ، وفيه نظر ، لأن التكاليف كلها بعض ما هو يستحق
على العبد لله تعالى فهو ماش على الأصل .
وقال القَرَافي : طلب الفعل السالم عن المانع المشتهر ، واحترز بالمشتهر عن نحو
ما تقدم ، ثم أورد على نفسه العقود المخالفة للقياس كالسلم والمسابقة .
وقال الهندي : ما جاز فعله أو تركه مع قيام المانع منه ، ویرد علیه کثیر مما
تقدم .
٣٢٦

وقيل: ما لزم العباد بإيجابه تعالى، وفيه نظر .
وقيل : ما خرج عن الوضع الأصلي لعارض .
وقال ابن الحاجب : المشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر ، ويرد عليه
التعبد بالتحريم .
وقيل : استباحة المحظور مع قيام المحرم ، فإن أريد إباحة المحظور مع قيام
المحرم بلا حرمة فهو قول بتخصيص العلة ، وإن أريد إباحة المحظور مع قيام
الحرمة ، فهو قول بالجمع بين المتضادين ، وكلاهما فاسد .
وقيل : الحكم مع المعارض أي مع قيام الدليل الدال على المنع .
وقيل : الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع كونه حراما في حق غير
المعذور ، وهو المراد بقول الفقهاء ما ثبت على خلاف القياس أي الشرعي ، لا
القياس العقلي المصلحي ، لأنه إنما عدل به عن نظائره لمصلحة راجحة. هذا في
جانب الفعل ، وفي جانب الترك أن يوسع للمكلف تركه مع قيام الوجوب في حق
غير المعذور تخفيفا وترفها سواء كان التغيير في وضعه أو حكمه.
وهو نوعان:
أحدهما : أن يتغير الحكم مع بقاء الوصف الذي كان عليه بأن يكون في نفسه
محرما مع سقوط حكمه ، كإجراء كلمة الكفر على لسانه حالة الإكراه مع قيام
التصديق بالقلب ..
والثاني : أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعا كأكل الميتة عند المخمصة حتى لو
امتنع ومات فإنه يؤاخذ .
المبحث الثاني: [الرخصة من أي الخطابين؟]
في أن الرخصة من أي الخطابين؟ فأما الآمدي فجعلها من أنواع خطاب
الوضع . والحق : أنها من خطاب الاقتضاء ، ولهذا قسموها إلى واجبة ومندوبة
ومباحة ، وظاهر كلام الجمهور أنها من أقسام الحكم ، وظاهر كلام الرازي أنها
نفس فعل المكلف ، والقولان غير خارجين عن المدلول اللغوي ، فإن الأول يشهد
٣٢٧

له قول العرب : الرخصة التيسير، ويشهد للثاني قولهم : هذا رخصي من الماء
أي : هذا شربي .
[المبحث] الثالث: في أقسام الرخصة :
وقد قسمها الأصوليون إلى ثلاثة: واجبة ومندوبة ومباحة.
فالواجبة كإساغة اللقمة بالخمر لمن غصّ باللقمة ، وكتناول الميتة للمضطر بناء
على النفوس حق الله وهي أمانة عند المكلفين ، فيجب حفظها ليستوفي الله حقه
منها بالتكاليف .
وقال ابن دقيق العيد : وهذا يقتضى أن تكون عزيمة لوجود الملزوم والتأكيد .
١/٤٠ / قال : ولا مانع أن يطلق عليه رخصة من وجه وعزيمة من وجه ، فمن حيث قام
الدليل المانع نسميه رخصة ، ومن حيث الوجوب نسميه عزيمة .
وهذا التردد الذي أشار إليه سبقه إليه إمام الحرمين في ((النهاية)) وتردد في أن
الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة؟ وقال في باب صلاة المسافر من
((النهاية)): يجوز أن يقال أكل الميتة ليس برخصة ، فإنه واجب ، ولأجله قال
صاحبه إلْكِيا الهراسي في ((أحكام القرآن)): الصحيح عندنا : أن أكل الميتة
للمضطر عزيمة لا رخصة ، كالفطر للمريض في رمضان ، ويتحصل بذلك في
مجامعة الرخصة للوجوب ثلاثة أقوال . والظاهر أن الوجوب والاستحباب
يجامعها ، ولا يكون داخلا في مسماها والمندوبة كالقصر في السفر إذا بلغ ثلاث
مراحل ، والمباحة كالفطر في السفر ، وليس بتمثيل صحيح ، لأنه يستحب عند
مشقة الصوم ويكره عند عدم المشقة ، فليس له إباحة :
-
قال بعضهم : ولم أجد له مثالا بعد البحث الكثير إلا التيمم عند وجدان الماء
بأكثر من ثمن المثل ، فإنه يباح له التيمم ، والوضوء مستويا على ما اقتضاه كلام
أصحابنا .
قلت : هذا إن جعلنا التيمم رخصة ، وفيه خلاف : والأولى : التمثيل
بتعجيل الزكاة ، وفي الحديث التصريح بالرخصة فيه للعباس . رواه أبو داود .
٣٢٨

وهذا بالنسبة إلى العبادات، أما المعاملات فرخصها كثيرة كالسلم والإجارة
والحوالة والعرايا على أن الغزالي في ((المستصفى)) أبدى احتمالين في السلم ،
وكذلك كلام الشافعي في ((الأم)) بالنسبة إلى العرايا، وسنذكر في القياس على
الرخص ، بل يأتي في غير العبادات والمعاملات، ولهذا قال الإمام في ((النهاية)) لبن
المأكول طاهر ، وذلك عندي في حكم الرخص، فإن الحاجة ماسة إليها وقد امتن
الله بإحلالها . وذكر في ((البسيط)) مثله في شعر المأكول البائن في حياته أنه رخصة
لمسيس الحاجة إليه في الملابس .
وأهمل الأصوليون رابعاً، وهو خلاف الأولى كالإفطار في السفر عند عدم
التضرر بالصوم ، وكترك الاقتصار على الحجر في الاستنجاء .
وقضية كلام الأصوليين أن الرخصة لا تجامع التحريم، وهو ظاهر قوله وليد
(إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه) ولهذا قال الفقهاء :
الرخص لا تناط بالمعاصي ، لكن لو ألقى نفسه من شاهق جبل فانكسر وصلى
قاعداً ، فلا قضاء عليه على المذهب ، كما قاله ابن الرفعة مع أن إسقاط القضاء
عن القاعد رخصة إلا أن يقال : إن المعصية انتهت .
وقال العبادي : لو حلف لا يأكل الحرام فأكل الميتة للضرورة حنث في يمينه ،
لأنه حرام إلا أنه رخص له فيه حكاه القاضي الحسين في ((فتاويه))، وفيه نظر لأن
الأعیان لا توصف بحل ولا حرمة فیبقی التناول وهو واجب فکیف یکون حراما
وليس ذا وجهين .
تنبيه
[في تقسيم الرخصَة]
اعلم أن جميع الأصوليين يقسمون الرخصة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة ، وكان
بعض الفضلاء يثير في ذلك بحثاً ، وهو أنه إما أن يكون مقصودهم ذكر ما وقع به
الترخيص أو ذكر الحالة التى صارت إليها العبادة بعد الترخيص .
٣٢٩
٠٠٠

فإن كان الأول فالظاهر أن الرخصة إنما هي مجرد الإحلال ، لأن الإحلال هو
الذي جعل له التيسير والسهولة ، وكون ذلك الذي حل يعرض له أمر آخر يصيره
واجباً ليس من الرخصة في شيء ، فالترخيص للمضطر من الميتة ، إنما هو إحلالها
بعد أن كانت حراما ، وكونها يجب عليه أمر آخر نشأ عن وجوب حفظ النفس ،
فلا يكون الرخصة عند التحقيق إلا بمجرد الإحلال .
وإن كان مرادهم ذكر الأحوال التي صارت إليها العبادة بعد الترخيص
فتقسيمها إلى ثلاثة فيه نظر ، فإنها تنقسم بالاعتبار المذكور الى أربعة عشر نوعا ،
لأن الأحكام خمسة ، وكل منها إذا صار إلى حكم آخر يخرج منه خمسة أقسام في
الخمسة السابقة ، فهي خمسة وعشرون قسما . يسقط منها انتقال كل حكم إلى
نفسه ، فهو محال صارت عشرين ، يسقط منها الترخيص في المباح إلى الأربعة ،
وهو محال ، لأنه لا شيء أحق من الإباحة ، فلا رخصة فيها صارت ستة عشر ،
ويسقط منها تخفيف المستحب إلى الواجب فإنه لا تسهيل فيه ، وكذلك تخفيف
المكروه إلى الحرام محال أيضا فيبقى أربعة عشر قسما.
الأول : رخصة واجبة أصلها التحريم ، كأكل الميتة للمضطر .
الثاني : رخصة مستحبة أصلها التحريم كالقصر في السفر بعد ثلاثة أيام .
الثالث : رخصة مكروهة أصلها التحريم، كالقصر دون ثلاثة أيام والترخيص
في النفل عن التحريم إلى الكراهة .
الرابع : رخصة مباحة أصلها التحريم، كالتيمم عند وجود الماء بأكثر من ثمن
المثل ، وكذلك عند بذل ثمن الماء له ، أو بذل آلة الاستقاء ، أو إقراض الثمن ،
وكذلك إذا وجد المضطر المحرم صيداً فذبحه وميتة فيتخير بينهما .
الخامس : رخصة مستحبة أصلها الوجوب كإتمام الصلاة قبل ثلاثة أيام ،
وكالصوم في السفر للقوي والترخيص في النقل في القعود(١).
(١) في نسخ قوبل عليها لم يوجد هذا البياض ولكن النسخة الأصلية التي نقل منها موجود هذا البياض
وهي الظاهرة لأن بقية الأقسام الأربعة عشر لم تتم فليحرر . كذا بهامش نسخة دار الكتب .
٣٣٠

تنبيه
[قد يكون سَبب الرخصَة اختياريًا]
قد يكون سبب الرخصة اختياريا ، كالسفر. واضطراريا كالاغتصاص باللقمة
المبيح لشرب الخمر ، وهذا أولى من قول القرافي : قد يباح سببها كالسفر وقد لا
يباح كالغصة ، لأن الغصة أمر ضروري لا يوصف بإباحة ولا حظر .
قيل: والعجب من الفقهاء كيف رجحوا الأخذ بالرخصة في الفطر وقصر
الصلاة في السفر مع سهولة الخطب فيها؟ ورجحوا العزيمة فيما يأتي على النفس
كالإكراه على الكفر وشرب الخمر ، فأما أن يرجحوا الرخصة مطلقا أو العزيمة
مطلقا(١) .
أما الفرق فلا يظهر له كبير فائدة ، فإن قيل : له فائدة عظيمة وهي أن المقصود
من الأخذ بالرخصة أو العزيمة هي العبادة ، ففي أيهما كانت العبادة أعظم رجحنا
الأخذ به ، والعبادة في الصبر على القتل دون كلمة الكفر أعظم ، لأنه جهاد في
سبيل الله ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود ، قيل : هذا يبطل بالصوم في السفر
فإنه أعظم عبادة ، وقد رجحتم الفطر عليه ، ولأن العبادة في استيفاء حق الله في
النفس أعظم لأنها إذا بقيت وجد منها [الشهوات] المتعددة الأنواع ، أضعاف ما
يحصل من ترك التلفظ بكلمة الكفر من العبادة .
فائدة
[الرخصة (ما كاملة أو ناقصَة]
تنقسم الرخصة إلى كاملة وهي التي لا شيء / معها كالمسح على الخف ، وإلى ٤٠/ب
ناقصة وهي بخلافه كالفطر للمسافر، وهذا تلمحته من كلام الشافعي في ((الأم))
(١) كذا وجد هذا البياض في نسختين ونسخة أخرى لم يوجد فحرر. اهـ. كذا بهامش نسخة دار
الكتب المصرية .
٣٣١

فإنه قال : والمسح رخصة كمال ، وعلى هذا فالتيمم لعدم الماء فيما لا يجب معه
القضاء رخصة كاملة ومع ما يجب فيه القضاء رخصة ناقصة .
تنبيه
[تشكيك الآمدي في تحقيق الرخصَة]
شكك الآمدي في تحقيق الرخصة بأن العذر المرخص إن كان راجحا على
السبب المحرم كان موجبه عزيمة ، وإلا لكان كل حكم ثابت راجح مع وجود
المعارض المرجوح رخصة، وإن كان مساويا أو مرجوحا فأي شيء يرجح دليل
الرخصة ؟ ، ثم قال : القول بأنه مرجوح هو أشبه بالرخصة لما فيه من التيسير
بالعمل بالمرجوح .
أجاب الهندي بالتزام أن العذر المرخص راجح .
قوله : يلزم أن يكون كل راجح رخصة .
قلنا : الراجح قسمان راجح شرع لعذر، واستفید رجحانه من دلیل خاص
فهو رخصة أبداً، وكل خاص عارض العام ، وكان خروجه لعذر فهو رخصة ،
وراجح شرع لا لعذر وتسهيل فلا يلزم منه هذا .
مسألة
[الأداء وَالقضاء وَالاعَادة]
من لواحق خطاب الوضع تقسيم الحكم إلى أداء وقضاء وإعادة .
والضابط : أن العبادة إن فعلت في وقتها المحدود شرعا سميت أداء ، كفعل
المغرب ما بين غروب الشمس وغروب الشفق ، فخرج ما لم يقصد فيه الوقت فلا
يوصف بأداء ولا قضاء، لأن المقصود منه الفعل في أي زمان كان، كالإيمان والأمر
٣٣٢

بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد عند حضور العدو. بخلاف الأداء فإنه قصد
منه الفعل والزمان .
وقالت الحنفية: غير المؤقت يسمى أداء شرعا. قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [سورة النساء/٥٨] نزلت في تسليم مفتاح الكعبة، وهو
غير مؤقت ، ولأصحابنا أن هذا معنى اللغوي، والكلام في الاصطلاحي ، ولا
يشترط وقوع الجميع في الوقت بل لو وقع بعضه كركعة ، فالصحيح : أن الجميع
أداء تبعا للركعة ، فإنها لمعظم الصلاة . وقيل : بل يحكم ببقاء الوقت بالنسبة
إليه ، وتكون العبادة كلها مفعولة في الوقت ، وهذا أمر تقديري ينافيه قولهم :
بعضها خارج الوقت ، وسواء كان مضيقا كصوم رمضان ، أو موسعا كالصلاة
وسواء فعل قبل ذلك مرة أخرى أم لا .
هذا هو قضية إطلاق الفقهاء والأصوليين منهم القاضي أبو بكر في ((التقريب))
والغزالي في ((المستصفى)) والإمام في ((المحصول)).
ثم قال الإمام : فان فعل ثانيا بعد ذلك سمي إعادة، فظن أتباعه أنه مخصص
للإطلاق السابق فقيدوه وليس كذلك .
فالصواب : أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقا مسبوقا كان أو سابقا ، وإن
سبقه أداء مختل سمي إعادة ، فالإعادة قسم من أقسام الأداء ، فكل إعادة أداء
من غير عكس، ولا تغتر بما تقتضيه عبارة ((التحصيل)) و((المنهاج)) من كونه قسيما
له .
وهل المراد بالخلل في الإجزاء كمن صلى بدون شرط أو ركن، أو في الكمال
كمن صلى منفردا ثم أعادها في جماعة في الوقت؟ خلاف ، والأول : قول
القاضي .
فالحاصل: أن الإعادة فعل مثل ما مضى فاسدا كان الماضي أو صحيحا على
القولين ، وقيل: لا يعتبر الوقت في الإعادة . فعلى هذا بين الأداء والإعادة عموم
وخصوص من وجه ، فينفرد الأداء في الفعل الأول ، وتنفرد الإعادة بما إذا قضى
٣٣٣

صلاة ، وأفسدها ، ثم أعادها ، ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما
سبق .
وقال سليم في ((التقريب)): الإعادة اسم للعبادة يبتدأ بها ، ثم لا يتم فعلها إما
بأن لا يعقدها صحيحة، وإما بأن يطرأ الفساد عليها ، وقد يعيدها في الوقت
فتكون أداء ، وبعد الوقت فتكون قضاء ، وربما عبر بالإعادة عن العبادة التي
تؤخر ، أما إن أدى خارج وقته المضيق أو الموسع المتعين له سمي قضاء سواء كان
التأخير بعذر أو بغيره ، وسواء سبق بنوع من الخلل أم لا .
وخرج بالمقدر: المعين عن المقدر بغيره ، بل بضرب من الاجتهاد كالموسع في
الحج إذا تضيق وقته بغلبة الظن ، ثم بقي بعد ذلك وأداه فإنه لا يكون قضاء على
المختار ، وسيأتي ، وسواء وجب أداؤه أو لم يجب ولكن وجد سبب الأمر ، ولا
يصح عقلا كالنائم أو شرعا كالحائض ، أو يصح لكنه سقط لمانع باختيار العبد
كالسفر ، أولا باختياره كالمرض ، وما لا يوجد فيه سبب الأمر به لم یکن فعله بعد
انقضاء الوقت قضاء إجماعا لا حقيقة ولا مجازا ، كما لو صلى الصبي الصلاة الفائتة
في حالة الصبا ، وإن انعقد سبب وجوبه ووجب كان فعله خارج الوقت قضاء
حقيقة بلا خلاف ، وان انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمعارض سمي قضاء أيضا ،
ومنه قول عائشة : ((كنا نؤمر بقضاء الصوم)) لكن اختلف فيه هل هو قضاء حقيقة
أو مجازا؟
والأكثرون على أن المعتبر في تسمية العبادة قضاء تقدم سبب وجوب أدائها لا
وجوب أدائها ، وإلا لم تصح تسمية عبادة المجنون والحائض قضاء ، إذ لم يخاطب
واحد منهما ، وهذا ما ذكره الإمام الرَّازي والمازَري وغيرهما، وهو الصحيح
المنصوص أن الصوم لا يجب عليها حالة الحيض ، وخالف القاضي عبد الوهاب ،
فقال: الحيض يمنع صحة الصوم دون وجوبه ، ونسبه إلى الحنفية . ومأخذ
الخلاف في أن القضاء في محل الوفاق هل كان لاستدراك مصلحة ما انعقد سبب
وجوبه فيكون ههنا حقيقة لانعقاد سبب الوجوب، أو لاستدراك مصلحة ما وجب
فیکون ههنا مجازا لعدم الوجوب؟
٣٣٤

وذكر سليم الرَّازي : أن مأخذ الخلاف أن القضاء هل يجب بأمر جديد أم
بالأمر الأول ؟ فمن أوجبه الأمر الأول أطلق اسم القضاء عليه حقيقة وعلى مقابله
يكون مجازا ، ثم إذا قلنا باشتراط سبق الوجوب في القضاء ، فهل يعتبر وجوبه
على المستدرك أو وجوبه في الجملة؟ قولان. ويتحصل من ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول : وعليه الجمهور أن فعلهم في الزمان الثاني قضاء بناء على أن المعتبر في
القضاء سبق الوجوب في الجملة لا سبق الوجوب على ذلك الشخص .
والثاني : أنه ليس بقضاء لعدم الوجوب عليهم بدليل الإجماع على جواز
الترك .
والثالث : أنه واجب عليهم في الزمان الأول بسببه، وفعلهم في الزمن الثاني
قضاء .
قلنا: لو كانت الصلاة والصوم واجبان عليهم بأسبابهما لما جاز لهم تركهما لكن
يجوز لهم تركهما إجماعا
قالوا: شهود الشهر موجب ، لقوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
[سورة البقرة / ١٨٥] وهم قد شهدوا الشهر .
قلنا : شهود الشهر وإن كان موجبا للصوم عليهم لكن العذر مانع من
الوجوب ، والشيء قد لا يترتب على موجبه لمانع فلا يلزم من شهود الشهر وجوب
الصوم عليهم .
قال في ((المحصول)): / ففي جميع هذه المواضع اسم القضاء إنما جاء لأنه وجد ١/٤١
سبب الوجوب منفكا عن الوجوب ، لا لأنه وجد سبب الوجوب كما يقول بعض
الفقهاء ، لأن المنع من الترك جزء ماهية الوجوب ، فيستحيل تحقق الوجوب مع
جواز الترك .
ثم تقدم السبب قد يكون مع التأثيم بالترك كالقاتل المتعمد المتمكن من
الفعل ، وقد لا يكون كالحائض، ثم قد يصح مع الإجزاء وقد لا يصح إما شرعا
كالحيض أو عقلاً كالنوم ، ثم قيل: القضاء لا يوصف إلا بالواجب، وقيل : لا
٣٣٥

يوصف بشيء من الثلاثة غيره وهما فاسدان .
والصواب : أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالثلاثة ، ولهذا يقولون :
يقضي الرواتب على الأظهر .
تنبيه
[لافَرَق بَين تسمية القضاء اداء وبَالعَكس]
ما ذكر من الفرق بين الأداء والقضاء راجع إلى التلقيب والاصطلاح ، وإلا
فعندنا لا فرق بين أن يسمى القضاء أداء والأداء قضاء ، ولهذا يجوز أن يعقد
القضاء بنية الأداء ، فإذن لا فرق بينهما في الحقيقة وإنما هي ألفاظ وألقاب تطلق
والحقيقة واحدة ، كذا قاله ابن برهان في ((الأوسط)) ذيل الكلام في أن القضاء هل
يجب بأمر جديد؟ وهو منازع فيه .
فرع
[تأخير المَأمُور به ھَل يَكون قضَاء؟]
إذا قلنا بالفور في الأوامر فإذا أخر المأمور به ، فهل يكون قضاء ، لأنه أوقعها
في غير وقتها؟
قال الشيخ عز الدين في ((أماليه)): الوقت على قسمين : وقت يستفاد من
الصيغة الدالة على المأمور مع قطع النظر عن كون الشرع حدّ للعبادة ذلك الوقت
أو لم يحد ، ووقت يحده الشرع للعبادة مع قطع النظر عن كون اللفظ اقتضاه أو
لا .
والمراد بالوقت في حد القضاء هو الثاني دون الأول، وحينئذ ، فنقول : لا
٣٣٦

نسلم أنها تكون قضاء بل إنما تكون إن خرجت عن وقتها المضروب لها لا إنها
خرجت عن الوقت الذي دل عليه اللفظ .
فَائدة
[العبَادة الَّتِي تَفَع قَبْل الوَقت وَتكون اداء]
ليس لنا عبادة تقع قبل الوقت وتكون أداء غير صدقة الفطر إذا عجلها قبل ليلة
الفطر ، وليس لنا عبادة يتوقف قضاؤها إلا في مسألتين على قولٍ :
إحداهما : إذا ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام ، ويكون أداء على الأظهر ،
والقول الثاني قضاء ، واتفقوا على أنه لا يقضي فيما عدا أيام التشريق .
الثانية : النوافل المؤقتة فيها قول أنها لا تقضى إذا دخل عليها وقت صلاة
أخرى .
مسألة
[مَن غلب على ظنه عدم البقَاء]
وإذا كان الاعتبار بالتعيين من جهة الشارع في الوقت فمن غلب على ظنه عدم
البقاء تعين عليه فعل الواجب الموسع ، فإن أخره عصى ، فلو لم يفعله وبقي بعده
قال الغزالي : هو أداء ، لأنه تبين خطأ ظنه ، ورجحه الهندي ، ونقله ابن
الحاجب عن الجمهور، وقال القاضيان أبو بكر بن الطيب والحسين بن محمد:
قضاء ، لأنه تضيق بتأخيره فهو كما لو تأخر عن زمنه المحدود .
ومنشأ الخلاف: النظر إلى الحال أو المآل؟ فإن نظرنا إلى الحال فقد ضاق الوقت ،
أو إلى المآل فقد زالت غلبة الظن ، وانكشف خلاف ذلك ، فبقي الأمر على
التوسع ، ورجح ما قاله الغزالي : إن اعتبار الموجود محقق بخلاف اعتبار
٣٣٧

القاضي ، فإنه لما تبين خلافه اعتبر غير محقق .
وقد ذكر الرافعي فيما إذا صلى بالاجتهاد ، ثم بان أنه بعد الوقت : وجهين في
أنه يكون قضاء أو أداء أصحهما ، قضاء ، وهو يقتضي ترجيح اعتبار ما في نفس
الأمر . ثم قال ابن الحاجب : فإن أراد القاضي وجوب نية القضاء فبعيد ،
لوقوعها في الوقت ، ويلزمه لو اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت أنه يعصي بالتأخير
وقد يلتزمهما .
أما الأول: فلا نسلم أن وقت الأداء باق حتى يكون إيجاب نية القضاء عليه
بعيدا ، بل وقت الأداء خرج بمقتضى ظنه فإذا كذب ظنه، واستمرت حياته صار
كما لو مات ، ثم عاش في الوقت فإنه يفعل الصلاة بتكليف ثان منقطع عن
الأول، فكذلك هنا . وقد قال القاضي الحسين في ((تعليقه)): مقتضى كلام
أصحابنا أنه ينوي القضاء ، لأنه يقضي ما التزمه في الذمة بشروعه. قال : وعلى
قول القفال يتخير بين نية القضاء والأداء .
وأما الثاني : أنه يعصي بالتأخير الذي ظنه إلى آخر الوقت ، لعدوله عما ظنه
الحق ، لأن التكليف يتبع الظنون لا ما في نفس الأمر .
وصرح القرطبي عن القاضي بأن معناه وجوب نية القضاء ، لأنه قد تقدم وقته
شرعاً ، فأشبه ما لو كان مقدراً بأصل الطلب .
قال : وكلام القاضي ظاهر لولا أنه يقال على من لزمه قضاء صلاة فأخره:
قاضي القضاء.
ورد الآمدي طريقة القاضي بأن جميع الوقت كان وقتا للأداء قبل ظن المكلف
تضيقه بالموت ، والأصل بقاء ما كان على ما كان ، ثم ظن المكلف المذكور إنما أثر
في تأثيمه بالتأخير ، ولا يلزم من تأثیمه بالتأخير مخالفة الأصل المذكور ، وهو بقاء
الوقت الأصلي وقتا للأداء في حقه ، كما لو أخر الواجب الموسع من غير عزم ، فإن
وقت الأداء الأصلي باق في ذمته ، وقد وافق القاضي على ذلك .
قيل: وخرج عن هذا منزع صعب على القاضي: وهو أن الأداء والقضاء من
خطاب الوضع ، والإثم على التأخير من باب خطاب التكليف ، وظن المكلف إنما
٣٣٨

يناسب تأثيره في الأمور التكليفية ، فتقلب حقائقها ، لأنها أمور تقديرية أو التزامية
كالإثم والثواب جاز أن يتبع الظنون والاعتقادات . أما الأمور الوضعية كأوقات
الصلوات فلا يقوى المكلف على قلب حقائقها .
تنبيه
يشبه أن يكون محل الخلاف إذا مضى من وقت الظهر الى حين الفعل زمن يسع
الفرض حتى يتجه القول بالقضاء ، فلو لم يكن كذلك ففعله ، فليكن على الخلاف
فيما إذا وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه .
ولا شك أن قول القاضي بمقتضى ظن هذا المكلف صار وقت الأداء الأصلي
وقت قضاء في حقه هو قلباً لحقيقة أمر وضعي ، ولا دليل على ثبوته . وأما الصورة
التي قاس عليها الآمدي وهي تأخير الموسع بدون العزم ، فللقاضي أن يفرق بينهما
بحصول الظن المناسب لترتب الحكم الشرعي عليه في مسألة القاضي ، والظن أمر
وجودي بخلاف مسألة الآمدي فإنه قد عصى معصية عدمية ، وهو مع ذلك يعتقد
تحريمها فلا يقوى على مناسبة تغيير أمر وضعي .
فَرِع
لو شرع في الصلاة في الوقت ، ثم أفسدها وأتى بها في الوقت . قال القاضي
الحسين والمتولي والرُّؤْياني: يكون قضاء ، لأن بالشروع يضيق الوقت بدليل
امتناع الخروج منها فلم يكن فعلها بعده إلا قضاء ، وهو قريب من قول القاضي
أبي بكر فيما سبق .
وذكر ابن الرفعة أن في نص الأم إشارة إليه حيث منع الخروج بعد التلبس ،
فقال : فإن خرج منها بلا عذر كان مفسدا آثما ، وظاهر كلام أكثر الأصوليين
والفقهاء أنه لا ينسلب عنها اسم الأداء ، لبقاء الوقت المحدود شرعا ، وبه صرح
صاحب ((التنبيه)) في (اللمع)) وشرحها ، فقال: فأما إذا دخل فيها فأفسدها أو
٣٣٩

٤١/ب نسي شرطاً من شروطها فأعادها والوقت باق سمي إعادة/ وأداء. انتهى .
وأشار في شرحها إلى أن الخلاف لفظي ، وهو حق ، وبه يتضح أنه لا يسلم
للقاضي الحسين وأتباعه دعواهم تفريعاً على قولهم بالقضاء في مقيم شرع في
الصلاة في البلد ، ثم أفسدها ، ثم سافر لا يقصر ، أو مسافر أتم واقتدى بمقيم ،
ثم أفسد الصلاة لا يقضي إلا تماما بناء على منع قصر الفوائت ، بل الجاري على
وفق الفقه القصر واستئناف الجمعة إذا وقع ذلك فيها ما بقي الوقت.
نعم. نقل في ((الشامل)) عن نص الشافعي: إن أحرم مسافر بالصلاة ، وهو
يجهل أن له قصرها ثم سلم من ركعتين وجب عليه قضاؤها ، لأنه عقدها أربعا ،
فإذا سلم من ركعتين فيها فقد قصد إفسادها ، وظاهر هذا النص أنها تصير قضاء
بإفسادها في الوقت ، ثم قال :
فرع :
إذا أحرم ونوى الإتمام أو أحرم مطلقا ثم أفسدها وجب عليه قضاؤها تامة ،
لأنه قد لزمه الإتمام بالدخول فيها ، وكل عبادة تلزم بالدخول فيها إذا أفسدها
وجب عليه قضاؤها على الوجه الذي لزمه مع الإمكان ، كالحج ، ولا يلزم من
أدرك الجمعة مع الإمام ثم أفسدها ، لأنه لا يمكنه فعلها بعد ذلك. اهـ .
تنبيه
لا يجيء هذا البحث كله فيما إذا كان وقت القضاء موسعا كالمتروك بعذر ، فإذا
شرع في قضائه تضيق عليه ، لأن القضاء لا يقضى ، والله اعلم .
٣٤٠