النص المفهرس
صفحات 261-280
الواقعة للحاكم، ولم يثبت عنده تعيين بالنية. أما لو قال لها ولأجنبية: إحداكما طالق، فهل يقبل قوله: أردت الأجنبية؟ وجهان، وحكى الرافعي في باب العتق عن ابن سريج أنه لو قال: لعبده وعبد غيره: أحدكما حر لم يكن له حكم، ثمٍ قال: وهذا غير مسلم، فإن الوجهين في نظيره من الطلاق متفقان على أن له حكماً وأثراً. مسألة [لوتعَدى عما أبيحَ لَه] سبق في الواجب أنه إذا أتى بالقدر الزائد هل يقع الجمع فرضاً أم لا؟ ونظيره هنا لو تعدى عما أبيح له، كما لو كشف العورة في الخلوة زائداً على الحاجة هل يأثم على الكل أو على الزائد فقط؟ فيه خلاف. حكاه الشيخ صدر الدين بن الوكيل عن بعض الأئمة وأنكروه عليه، ويمكن أخذه من قاعدة في الفقه، وهي أن تعدى المستحق هل يبطل به المستحق أو يبقى معه المستحق ويبطل الزائد؟ فيه خلاف في باب القسم، وباب القصاص وغيره. مسألة [إذا نسخ التحريم هَل تبقى الكراهَة؟] سبق في الواجب أنه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ ونظيره هنا أن يقال: إذا نسخ التحريم هل تبقى الكراهة؟ ولم يتعرض الأصوليون لذلك، فيحتمل جريان الخلاف هنا أيضاً، لأن بين الحرام والمكروه اشتراكاً في الجنس، وهو مطلق المنع، وامتاز الحرام بالجرم، فإذا ارتفع / الجرم يبقى مطلق المنع، ويحتمل خلافه، ١/٢٢ ٢٦١ فإن مأخذ الخلاف هناك أن المباح جنس للواجب، ولم يقل أحد بأن الكراهة جنس للحرام . مسألة [الحَرام والواجب متناقضَان] قد تقرر أن الحرام والواجب متناقضان فلا يجتمعان، فالحرام بالشخص لا يكون حراماً وواجباً من جهة واحدة إلا إذا جوزنا تكليف المحال لذاته. واعلم أن الواحد يقال بالتشكيك على الواحد بالجنس، وعلى الواحد بالنوع، وعلى الواحد بالشخص، فأما الواحد بالنوع، كمطلق السجود، فاختلفوا هل يجوز أن يكون مأموراً به ومنهياً عنه بمعنى أن بعض أفراده واجب وبعضها حرام؟ فجوزه الجمهور، واحتجوا بوقوعه، فإن السجود لله واجب، وللصنم حرام بل كفر قال الله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله﴾ [سورة فصلت / ٣٧] فالسجود نوع واحد قد أمر ببعضه، ونهى عن بعضه، ولا يقال: إن المنهي عنه تعظيم الصنم لا نفس السجود، لأن ذلك محال لنص الآية، ولأن الأمة مجتمعة على أن الساجد للصنم عاص بنفس السجود والقصد جميعاً على ما حكاه إمام الحرمين. وحكي عن أبي هاشم أنه قال: لا يحرم السجود، بل المحرم القصد إلى ذلك بناء على أصله: أن أفراد النوع لا تختلف بالحسن والقبح، وأما الواحد بالشخص: أي الواحد المعين فإما أن يكون ليس له إلا جهة واحدة، أو له جهات مختلفة، فإن لم يكن له إلا جهة واحدة فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به منهياً عنه إلا على رأي من يجوز التكليف بالمحال، وإن كان له جهات مختلفة، فهل يجوز أن يؤمر به من جهة وينهى عنه من جهة كالصلاة في الدار المغصوبة؟ فجوزه الجمهور وقالوا: يصح، لأن تعدد الجهات يوجب التغاير، لتعدد الصفات ٢٦٢ والإضافات، وذلك يدفع التناقض، لأن الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها، ومن حيث إنها في البقعة المغصوبة منهي عنها، فهما متعلقان متغايران، وجعلوا اختلاف الجهتين كاختلاف المحلين، لأن كل واحدة من الجهتين منفكة عن الأخرى، واجتماعهما إنما وقع باختيار المكلف فليسا متلازمين، فلا تناقض. وذهب أبو علي وأبو هاشم الجبائيان وأبو شمر الحنفي والزيدية والظاهرية إلى أنها غير مجزئة، وحكاه المازري عن أصبغ من أصحاب مالك، وبه قال أحمد بن حنبل، واختاره ابن العارض المعتزلي في ((النكت)) وقال: لا وجه لدعوى الإجماع في إجزائها مع خلاف الزيدية والظاهرية وابن شمر والجبائي وابنه لذلك، وحكاه القاضي حسين في ((تعليقه)) وجهاً عن بعض أصحابنا، وكذا ابن الصباغ في ((فتاويه)) عن بعض أصحابنا بخراسان. قال القاي الحسين: وهو مذهب المعتزلة . وقال القاضي أبو بكر: لا تقع مأموراً بها، ولكن يسقط القضاء عندها لا بها، كما يسقط التكليف بالأعذار الطارئة من الجنون وغيره، فكأنه جعلها سبباً لسقوط الفرض، أو أمارة عليه على نحو من خطاب الوضع لا علة لسقوطه، لأن ذلك يستدعي صحتها. هكذا نقله الإمام عنه في ((البرهان)) وابن برهان في ((الأوسط)) واختاره في ((المحصول))، والسهروردى، ونقل الهندي عنه: لا يصح. وقال في النهاية: اتفق هؤلاء على أنه لا يسقط الفرض بها لكن اختلفوا في أنه هل يسقط الفرض عندها أم لا؟ فقال القاضي ومن تابعه: يسقط عندها لا بها. وقال الباقون: لا يسقط الفرض لا بها ولا عندها، بل يجب عليهم القضاء. هكذا نقل بعضهم. والصحيح: أن القاضي إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء فأما إذا لم يثبت ذلك فلا يقول بسقوط بها ولا عندها. اهـ. وهو ظاهر نقل ((المستصفى))، ولهذا قال الإمام في ((المعالم)): هي صحيحة عندنا خلافاً للفقهاء، ثم إن صح الإجماع على عدم القضاء قلنا : يسقط الفرض عندها لا بها، وإن لم يصح هذا الإجماع، وهو الأصح أوجبنا القضاء. انتهى. ٢٦٣ والإجماع لم ينقله القاضي صريحاً، وإنما تلقاه بمسلك استنباطي على زعمه، فقال: لم يأمر أئمة السلف العصاة بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأرض المغصوبة، ورد عليه الإمام بقوله: كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بدون ما فرضه القاضي، وضعفه الأبيارى، قال: وكأنه راجع إلى نقل الإجماع بطريق القياس، لأنهم كانوا يأمرون بالقضاء بدونه، وكيف لا يأمرون بالقضاء في هذا؟ وقال الغزالي: خلاف أحمد لا يقدح في الإجماع، بل الإجماع السالف حجة عليه، لأن الظلمة لم يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها، ولو أمروا به لانتشر، ولماّ صحت أدلة المتكلمين عند القاضي من لزوم توارد الأمر والنهي في الفعل الواحد الاختياري قال بها فحكم بفساد الصلاة ولماً صح عنده إجماع السلف على أنهم لم يأمروا بالقضاء في البقع المغصوبة قال: إن الإجزاء يحصل عندها لا بها؟ قيل: فإن صح هذا الإجماع فلا محيص عما قال، فإنه إعمال لكل واحد من الدليلين في محله، وأنى يصح هذا الإجماع، وخلاف أحمد قد ملأ الأسماع، فلو سبقه إجماع لكان أجدر من القاضي بمعرفته، ومن منع الاجماع إمام الحرمين وابن السمعاني وغيرهما من الأئمة. وقال الكيا: مستنده في سقوط القضاء إجماع الأولين، والإجماع إن لم يسلم في هذه الصورة ممكن تحقيقه ممن عليه دين، وهو مماطل يصلي مع المطل، فصلاته مجزئة وإمكان الإجماع ههنا بعيد. وقال المقترح: نقل الإجماع عسر جداً، لأن الإجماع السكوتي لا يصح إلا مع تقدير تكرر الواقعة، والغصب في زمن الصحابة رضي الله عنهم كان قليل الوقوع. أهـ. وعلى تقدير اطلاعهم عليه فالإجماع ليس بحجة عند القاضي. وذكر النووي في باب الآنية من ((شرح المهذب)): أن أصحابنا يدعون الإجماع على الصحة قبل مخالفة أحمد، وهذا لو تم دفع مذهب القاضي، لأنه يوافق على عدم الصحة . ٢٦٤ وقال ابن برهان: منشأ الخلاف أن النهي هل عاد لعين الصلاة أو لأمر خارج عنها؟ فمن قال بالأول أبطلها. وقيل: بل أصل الخلاف: أن الأمر المطلق هل يتناول المكروه؟ فعندنا لا يتناوله وإن لم يكن محرماً، وقالت الحنفية: يتناوله، واحتج أصحابنا باستحالة الجمع بين طلب الفعل والترك في فعل واحد من جهة واحدة، فيجب أن يكون المأمور بفعل إذا فعله على وجه كره الشرع إيقاعه عليه، لا يكون ممتثلاً. وقيل: يتوجه على القائلين بالصحة صحة يوم النحر نقضاً، إذ لا فرق بينهما، وقولهم: الغصب منفك عن الصلاة بخلاف الوقوع يوم النحر تخصيص للدعوى بما يجوز انفكاك الجهتين فيه، ويتوجه على القائلين بعدم الصحة صوم يوم خيف على نفسه الهلاك فيه بسبب الصوم، فإنه حرام مع الصحة، وكذا إذا صلى في البلد الذي حرم عليه المقام فيه، لأجل وجوب الهجرة /، فإن الصلاة تصح إجماعاً. ٣٢/ب وعن ابن تيمية أنه نقل أربعة مذاهب: أحدها: يجوز عقلًا وشرعاً. والثاني: لا يجوز عقلاً ولا شرعاً. والثالث: يجوز عقلًا لا شرعاً. والرابع : يجوز شرعاً لا عقلًا. قال: وهو بمعنى قولهم: يصح عندها لا بها. واختلفت الرواية عن أحمد في الصحة. ثالثها: إن علم التحريم لم يصح وإلا صحت . ثم اختلفوا في هذه المسألة هل هي من مسائل القطع أو الاجتهاد؟ فقال القاضي: الصحيح أنها من مسائل القطع، وبه جزم في ((المستصفى))، وقال المصيب فيها واحد، لأن المصحح أخذه من الإجماع، وهو قطعي، ومن أبطل أخذه من التضاد الذي بين القربة والمعصية، ويدعى استحالته عقلاً فالمسألة قطعية، فكأنه قال: انعقد الإجماع على أنها قطعية، وإنما يبقى النظر في التعيين. ٢٦٥ فائدتان الأولى إذا قلنا: يصح، فحكى النووي عن ((الفتاوي)) التي نقلها القاضي أبو منصور عن عمه أبي نصر بن الصباغ أن المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أنها صحيحة يسقط بها الفرض، ولا ثواب فيها، وإن ابن الصباغ ذكر في كتابه ((الكامل)) أنا إذا قلنا بالصحة فينبغي أن يحصل الثواب، ويكون مثاباً على فعله عاصياً بمقامه. قال القاضي أبو منصور: وهذا هو القياس إذا صححنا. انتهى. قال ابن الرفعة: والقول بأنه لا يثاب يعتضد بنص الشافعي في أن الردة تحبط أجر العمل الواقع قبلها في الإسلام، ولا تجب عليه الإعادة. الثانيَة أطلقوا الكلام في الصحة وعدمها، وقال ابن الرفعة في ((المطلب)): عندي أن هذا إنما هو في صلاة الفرض، لأن فيها مقصودين أداء ما وجب وحصول الثواب، فإذا انتفى الثواب صحت لحصول المقصود الآخر، ونحن لا نشترط في سقوط خطاب الشرع حصول الثواب، ولهذا قال الشافعي: إن الردة تحبط أجر الأعمال الواقعة في الإسلام، ولا يجب عليه إعادتها لو أسلم، وكذا نقول فيمن أخذت منه الزكاة قهراً لا يثاب عليها، لفقد النية منه، وسقط بها خطاب الشرع عنه، لحصول مقصوده بالنسبة إلى أهل السهمان، ولهذا قال ابن الخطيب: وإن قام الإجماع على عدم وجوب إعادتها، فنقول سقط الفرض عندها لا بها، ولهذا قال في ((التنبيه)): فإن صلى لم يعد، ولم يقل: صحت بخلاف قوله في ((المهذب)): وإذا كان كذلك فصلاة النفل لا مقصود فيها غير الثواب، فإذا لم يحصل لا تنعقد، وإطلاق من أطلق محمول على التقييد بالفرض. اهـ. ٢٦٦ فرع [كون الواحد واجبا وحَرَامًا باعتبَارين ] قال الجمهور: المجوزون كون الواحد واجباً وحراماً باعتبارين هذا إذا أمكن الإتيان بأحدهما منفكاً عن الآخر، أما إذا لم يمكن ذلك بحيث لا يخلو المخاطب عنهما، بأن يقول: لا تنطق ولا تسكت ولا تتحرك ولا تسكن، فإن منعنا تكليف المحال منعناه، وإن جوزناه جوزناه عقلاً لكنه لم يقع، فعلى هذا من توسط أرضاً مغصوبة أو تخطى زرع غيره، ثم تاب وتوجه للخروج، واختار أقرب الطرق، أو أدخل فرجه في محرم، ثم خرج فخروجه واجب لا تحريم فيه، وإن وجد فيه اعتباران الشغل والتفريغ، لأنه لا يمكن الإتيان بالتفريغ إلا بالشغل. قال القاضي: هذا هو المختار، وكذلك القول في كف الزاني عن الزنى. قال ابن برهان: وهذا مما أجمع عليه كافة الفقهاء والمتكلمين. وقال أبو هاشم: خروجه كلبثه، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وذلك قبيح لعينه فهو منهي عنه بهذا الاعتبار ومأمور به، لأنه انفصال عن المكث نقله إمام الحرمين عنه، وحكاه القاضي عن أبي الشمر من الأصوليين، وهو في الحقيقة تكليف بالمحال لجمعه بين النقيضين، فإنه منهي عن الشيء ونقيضه في فعل واحد، وقد بناه أبو هاشم على أصله الفاسد في الحسن والقبح، فأصله الفاسد من منع التكليف بالمحال. وحاصل الخلاف: أن الأمر الشرعي هل يبقى مستمراً أو ينقطع؟ وقال إمام الحرمين: إن كان متعمداً لتوسطها فهو مأمور بالخروج، وإنما يعصي بما تورط به من العدوان السابق، وقال: وهو مرتبك في المعصية بحكم الاستصحاب مع انقطاع تكليف النهي . وحاصله: أنه عاص في خروجه ولا نهي عليه فسقوط النهي لعدم الإمكان، وتعصيته لتسببه الأول، وهو بعيد، إذ ليس في الشرع معصية من غير نهي ولا ٢٦٧ عقاب من غير نهي، وهو قريب من مذهبه في مسألة خطاب الكفار بالفروع. قال: وكذلك من غصب مالا وغاب به، ثم تاب وتوجه راجعاً، وكذا استبعده ابن الحاجب وضعفه الغزالي لاعترافه بانتفاء النهي، فالمعصية إلى ماذا تستند؟ وحاصله: أنه لا معصية إلا بفعل منهي عنه أو ترك مأمور به، وقد سلم انتفاء تعلق النهي به فانتهض الدليل عليه، فإن قيل: فيه جهتان يتعلق الأمر بافتراغ ملك الغير والنهي عن اللبث، كالصلاة في الدار المغصوبة سواء كما قاله في ((البرهان)): قلنا: ممنوع، لأن الخروج شيء واحد، ولا جهتين لتعذر الامتثال بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، فإن الامتثال ممكن، وإنما جاء الاتحاد من جهة اختيار المكلف، والتكليف بالمحال لا خير للعبد فيه، فلا يكلف. قلت: وقد تعرض الشافعي في ((الأم)) لهذه المسألة فقال في كتاب الحج في المحرم إذا تطيب: ولا رخصة له في تركه إذا قدر على غسله، وهذا مرخص له في التيمم إذا لم يجد ماءً، ولو غسل الطيب غيره كان أحب إليّ، وإن غسله هو بيده یفتدي من غسله. قيل: إن عليه غسله وإن ماسه فإنما ماسه ليذهبه عنه، ثم يماسه ليتطيب به ولا يثبته، وهذا ما وجب علیه الخروج منه خرج منه کما يستطيع، ولو دخل دار رجل بغير إذن لم يكن جائزاً له، وكان عليه الخروج منها، ولم أزعم أنه يخرج بالخروج، وإن كان يمشي مالم يؤذن له، ولأن مشيه للخروج من الذنب لا للزيادة منه، فهكذا هذا الباب كلّه. اهـ. لفظه. وهو صريح في أن من تورط في الوقوع في حرام فيتخلص منه لا يوصف حالة التخلص بالإثم، لأنه تارك له فلا يتعلق به تحريم، كما لو خرج من الدار المغصوبة لا يتعلق به تحريم الدخول. وقال الشيخ أبو محمد الجوينى في كتاب الصوم من ((الفروق)): قد نص الشافعي على تأثيم من دخل أرضاً غاصباً، ثم قال: فإذا قصد الخروج منها لم يكن عاصيا بخروجه، لأنه تارك للغصب. اهـ. والتحقيق : أن نفس إشغال الحيز باق على تحريمه، ونفس الانتقال هو جائز بل ٢٦٨ هو واجب، إذ هو وسيلة إلى ترك الحرام، ومثله لو قال: إن وطئتك فأنت طالق. هل يمتنع عليه الوطء؟ قال ابن خيران: نعم، لأن الطلاق يقع عند تغييب الحشفة والنزع يقع بعد وقوع الطلاق، وقال عامة الأصحاب: / بل يجوز، ونص عليه في ((الأم))، لأن ١/٣٣ الوطء يقع في النكاح، والذي يقع بعد وقوع الطلاق هو النزع، والنزع ترك المأثم، والخروج عن المعصية ليس بحرام. قال الرافعي: ويشبه ذلك ما لو قال لرجل: أدخل داري ولا تقم فيها، ثم ذكر إمام الحرمين أن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء وهي من توسط جمعاً من الجرحى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته، ولو انتقل لهلك آخر يعني مع تساوي الرجلين في جميع الخصال. قال: وهذه المسألة لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه: القطع بسقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله وغضبه، ووجه السقوط استحالة التكليف بالمحال واستمرار العصيان، لتسببه إلى مالا يخلص منه، ولو فرض إلقاء رجل على صدر آخر، بحيث لا ينسب إلى الواقع اختيار، فلا تكليف ولا عصيان. وقال الغزالي: يحتمل ذلك، ويحتمل أن يقال: يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف، ويحتمل التخيير، وقال في ((المنخول)): المختار أنه لاحكم لله فيه، فلا يؤمر بمكث ولا انتقال، ولكن إن تعدى في الابتداء استصحب حكم العدوان وإن لم يتعد فلا تكليف عليه، ونفي الحكم حكم الله في هذه الصورة. وقال في آخر الكتاب: حكم الله فيه أن لا حكم، وهو نفي الحكم. هذا ما قاله الإمام فيه، ولم أفهمه بعد، وقد كررته عليه مراراً، ولو جاز أن يقال: نفى الحكم حكم لجاز أن يقال ذلك قبل ورود الشرائع، وعلى الجملة جعل نفي الحكم حكماً تناقض، فإنه جمع بين النفي والإثبات إن كان لا يعني به تخيير المكلف بين الفعل والترك، وإن عناه فهو إباحة محققة لا دليل عليها. ٢٦٩ قال الأبياري، وهذا أدب حسن مع الإمام. وقوله: هذا لا أفهمه يعني لا لعجز السامع عن فهمه بل لكونه غير مفهوم في نفسه. اهـ. وللإمام أن يقول: أردت انتفاء الحكم يعني الحكم الخاص وهي الأحكام الخمسة، وتكون البراءة الأصلية حكماً لله بهذا الاعتبار، وقد قال في كتاب الصداق من ((النهاية)): ليس يبعد عندنا أن يقال بنفي الحرج عنه فيما فعله، وهذا حكم، ولا يبعد أن يقال: انتقالك ابتداء فعل منك واستقرارك في حكم استدامة ما وقع ضرورياً، ويؤيد أن الانتقال إنما يجب في مثل ذلك إذا كان ممكناً، وإذا امتنع بإيجابه بحال، والممتنع شرعاً كالممتنع حساً وطبعاً. قال: وهذا في الدماء لعظم موقعها بخلاف الأموال، فالتحقيق فيها ليس بالبدع، فلو وقع بين أوانٍ ولابد من انكسار بعضها أقام أو انتقل فيتعين في هذه الصورة التخيير. اهـ. وقد سأل الغزالي الإمام في كبره عن هذا، فقال له: كيف تقول لا حكم وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقال: حكم الله أن لا حكم، فقلت له: لا أفهم هذا؟ وقال ابن برهان: إن تسبب إلى الوقوع أثم بالتسبب وإلا فلا إثم ولا ضمان. وقال ابن عقيل من الحنابلة: إن وقع على الجرحى بغير اختياره لزمه المكث، ولا يضمن ما تلف بسقوطه وإن تلف شيء باستمرار مكثه، أو بانتقاله لزمه ضمانه، ولا يجوز له أن ينتقل إلى آخر قطعاً. وقال ابن المنير في ((شرح البرهان)): يحتمل وجوب البقاء عليه، لأن الانتقال استئناف فعل بالاختيار مهلك ولا كذلك الاستصحاب فإنه أشبه بالعدم، لأنه الأصل، ويحتمل أن يقال: ينتقل، لأن الانتقال يحقق المصلحة في سلامة المنتقل عنه، ويحتمل أن يهلك المنتقل إليه، أو يموت بأجله قبل الجثوم إليه، ويحتمل أن يتخير، لتعادل المفسدتين. ٢٧٠ قال: ولعمري لقد دلس بفرضها، لأنه لا يضيق كما زعم إلا بأن نفرض جوهرين مفردين متلاصقين، قد جثم جوهر فرد على أحدهما فإن بقي أهلك، وإن انتقل فرّ من انتقاله عن الجوهر الأول، وهو زمن جثومه على الجوهر الثاني لا يتخلل بينهما زمن وهذا فرض مستحيل، فإن الأجسام أوسع من ذلك، وأزمنة انتقالها معدودة فهو إذا انتقل مضت أزمنة بين الانتقال والجثوم هو فيها سالم من القضيتين، ويحتمل أن يموت الثاني قبل الجثوم عليه، فيسلم من المعصية مطلقاً فالانتقال مترجح فيتعين، وكذلك متوسط البقعة المغصوبة حكم الله عليه وجوب الخروج، ويكون به مطيعاً لا عاصياً. قال: والعجب من قول الإمام في مسألة أبي هاشم: لا تكليف على المتوسط، ويخلو الواقعة مع التزامه في باب القياس عدم الخلو واحتجاجه بأن نفي الحكم حکم. تكميل: [تضاد المكروه والواجب] كما يتضاد الحرام والواجب كذلك المكروه والواجب، لأن المكروه مطلوب الترك بخلاف الواجب، فإن انصرفت الكراهة عن ذات الواجب إلى غيره صحّ الجمع، ككراهة الصلاة في الحمام، ونحوها، وقال الرافعي: القضاء فرض كفاية بالإجماع، ثم حكى وجهاً أنه مكروه. مسألة [تحريم واحد لا بعينه] يجوز أن يحرم واحدٌ لا بعينه من أشياء معينة، ومنهم من منع ذلك، وقال: لم ترد به اللغة، وأولوا قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفورا﴾ [سورة الإنسان / ٢٤] على جعل أو بمعنى الواو، ومنهم من منع ذلك من جهة العقل، لأنه إذا قبح أحدهما قبح الآخر فيلزم اجتنابه، وهذان القولان حكاهما القاضي في ((التقريب)) ٢٧١ وابن القُشَيْري في ((أصوله)) عن بعض المعتزلة، وحكى المازَري الأول في ((شرح البرهان)) محتجاً بأن النهي في الآية عن طاعتهما جميعاً. قال: وهذا ليس بشيء، ولولا الإجماع على أن المراد في الشرع النهي عن طاعتهما جميعاً لم تحمل الآية على ذلك، والمشهور جوازه ووقوعه. وعلى هذا فاختلفوا، فعندنا أنه لا يقتضي تحريم الكل بل المحرم واحد لا بعينه، ويجوز له فعل أحدهما وإنما يقتضي النهي عن الجمع بينهما كما في جانب الإيجاب، كذا قاله القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن برهان وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، ونقله ابن برهان عن الفقهاء والمتكلمين. وقال المعتزلة: الكل حرام، كقولهم في جانب الإيجاب: الكل واجب لكنهم لم يوجبوا الجمع هناك، وهنا أوجبوا اجتناب الكل، فيبقى النزاع هنا معنوياً بخلاف ما قالوه. وتوقف فيه الهندي، إذ لا يظهر بينهما فرق. قال: والقياس التسوية بين الوجوب والتحريم، لأن الوجوب كما يتبع الحسن الخاص عندهم. فكذا التحريم يتبع القبح الخاص، فإن وجب الكف عن الجميع بناء على استوائهما في المعنى الذي يوجب التحريم، فليجب فعل الجميع في صورة الوجوب بناء على استوائهما في المعنى الذي يقتضي الإيجاب. قلت : مأخذ الخلاف هنا: أن المعتزلة جعلوا متعلق التحريم القدر المشترك، ونحن نخالفهم، ونقول: متعلق أحد الخصوصيين، وإن شئت قلت: إحدى ٣٣/ ب الحصتين / المعينتين. لا بعينها، وأمّا القَرَافي من المتأخرين فإنه فرق بين الأمر المخير بين واحد من الأشياء، والنهي المخير، فإن الأمر متعلق بمفهوم أحدها والخصوصيات متعلق التخيير، ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب الخصوصيات كما مضى. وأما النهي فإنه إذا تعلق بالمشترك لزم منه تحريم الخصوصيات، لأنه لو دخل منه فرد إلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك المحرم، ووقع المحذور، كما إذا حرم الخنزير يلزم تحريم السمين منه والهزيل والطويل والقصير، وتحريم الجمع بين ٢٧٢ الأختين ونحوه إنما لاقى في المجموع عيناً لا المشترك بين الأفراد، فالمطلوب منه أن لا يدخل ماهية المجموع في الوجود، والماهية تنعدم بانعدام جزء منها، وأي أخت تركها خرج عن عهدة المجموع فليس كالأمر. وقال الشيخ علاء الدين الباجى من المتأخرين: الحق نفي التحريم المخير لأن المحرم في الأختين الجمع بينهما كما نطق به القرآن لا إحداهما، ولا كل واحد منهما بخلاف الواجب المخير، فإن الواجب إما أحدها أو كل منهما على التخيير، وفي كلام البيضاوي إشارة إليه. وما ذكره القَرَافي مأخذه من قولهم: إن النهي عن نوع يستلزم النهي عن كل أفراده، إذ في كل فرد النهي مثل ((لاتزن)) فلا شيء من الزنى بحلال، وإلا لصدق أنه زنى. والأمر على هذا الوجه غير أن قوماً يتلقون ذلك من كون النكرة في سياق النفي للعموم، وآخرون يتلقونه من أن النهي عن الكل يستلزم بعض أفراده. وقال صاحب ((الواضح)) من المعتزلة: النهي عن أشياء على التخيير إن كان على سبيل الجمع كقوله: لا تفعل كذا وكذا فإن أمكنه الخلو منها كلها كقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [سورة الإنسان / ٢٤] فهو منهي عن الجميع وإلا لم يحسن النهي عن كلها كقوله: لا تفعل في يدك حركة ولا سكوناً. وقال إلْكِيا الهراسي الذي يقتضيه رأي أصحابنا في النهي عن أشياء على التخيير أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، ولا يصح أن يكون الأضداد بجملتها قبيحة، ولا ينفك الإنسان عن واحد منها فلا يحسن أن ينهى عنها بأجمع، فإذا نهى عن ضدين قد ينفك عنهما إلى ثالث صح، ويصح منه فعلها جميعاً، لأنه أي واحد منها فعله کان قبيحاً، والنهي عنهما مع تضادهما عن الجمع لا يحسن، لأن الجمع بينهما ليس في المقدور، ومالا يقدر علیه لا یکلف به، ومتی ما أمر بشیئین ضدین کان له فعل کل واحد منهما. وهذا يبين صحة ما قدمناه من أنه إذا لزم المكلف أن يفعل أحد الضدين كانا واجبين على التخيير، فإذا نهى عن أحدهما لا يصح إلا أن يكون محل النهي، فأما النهي عن شيئين مختلفين يصح الجمع بينهما على التخيير فلا يصح، ويفارق الأمر ٢٧٣ في ذلك. وقال في موضع آخر: مما يفارق الأمر النهي: أنه إذا نهى عن أشياء بلفظ التخيير لم يجز له فعل واحد منهما ولفظ التخيير فيه كقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم﴾ [سورة الإنسان / ٢٤] الاية . مسألة [هَل يَقَال: هَذا أُحرم من هَذا؟] سبق في بحث الواجب خلاف في أنه هل يقال هذا أوجب من هذا؟ أجراه ابن بزيزة في ((شرح الأحكام)) في أنه هل يقال هذا أحرم من هذا أم لا؟ قال: والحق أنه مقول باعتبار كثرة الثواب أو كثرة الزواجر لا بالنسبة إلى نفس الطلب. وقد اتفق العلماء على أن الزنى بالأم أشد من الزنى بالأجنبية، وكذلك الزنى في المسجد آثم من الزنى في الكنيسة. وقد رد بعض المحققين شدة التحريم فيه إلى أنه فعل حرامين؛ والكلام لم يقع إلا في محل واحد. اهـ. خاتمَة : [تَرَك الواجب أعْظَم من فعل الحَرام] قيل: ترك الواجب في الشريعة بل وفي العقل أعظم من فعل الحرام لوجوه. الأول: أن أداء الواجب مقصود لنفسه، وترك المحرم مقصود لغيره، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [سورة العنكبوت / ٤٥] فبين أن ما في الصلاة من ذكر الله أكبر مما فيها من النهي عن الفحشاء . الثاني: أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله وهو أداء واجب وترك الواجب كفر. ٢٧٤ : فصل في المبَاح وهو ما أذن في فعله وتركه من حيث هو ترك له من غير تخصیص أحدهما باقتضاء مدح أو ذم، فخرج بالإذن بقاء الأشياء على حكمها قبل ورود الشرع، فإنه لا يسمى مباحاً، وخرج فعل الله فلا يوصف بالإباحة باتفاق أهل الحق كما قاله الإمام في ((التلخيص)) والأستاذ، لأنه لا يجوز أن يوصف بأنه مأذون له فيه. وقولنا: من حيث هو ترك للإشارة إلى أنه قد يترك المباح بالحرام والواجب والمندوب، فلا يكون تركه وفعله سواء، بل يكون تركه واجباً، وإنما يستوي الأمران إذا ترك المباح بمثله كترك البيع بالاشتغال بعقد الإجارة، وقد يترك بالواجب كترك البيع بالاشتغال بالأمر بالمعروف المتعين عليه، وقد يترك بمندوب كترك البيع بالاشتغال بالذكر والقراءة، وقد يترك بالحرام، كترك البيع بالاشتغال بالكذب والقذف. والحاصل : أن حكم المباح يتغير بمراعاة غيره فيصير واجباً إذا كان في تركه الهلاك، ويصير محرماً إذا كان في فعله فوات فريضة أو حصول مفسدة كالبيع وقت النداء ويصير مكروهاً إذا اقترنت به نية مكروه ويصير مندوباً إذا قصد به العون على الطاعة. وقال الغزالي في ((الاحياء)): بعض المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرة كالترنم بالغناء ولعب الشطرنج، وكلام ابن الصباغ وغيره يقتضي أنه لا يصير. واعلم أن جماعة من أصحابنا حدّوا المباح بأنه الذي لا حرج في فعله ولا في تركه مع قولهم: إن الإباحة حكم شرعي. والجمع بين الكلامين عسر، وذلك لأن المباح بهذا التفسير يدخل فيه فعل الله وفعل الساهي والغافل والنائم والصبي والمجنون والبهيمة ضرورة أنه لا حرج في ذلك، لاستحالة تعلق المنع الشرعي ٢٧٥ بها، فإذا شملت الإباحة لهذه الأفعال التي تمنع كونها متعلق الحكم الشرعي امتنع لاستحالة كون الإباحة حكماً شرعياً، وإلا لما تعلقت به الأفعال، وقد تقرر أنها متعلقة بها. ومن أسمائه: الحلال والمطلق والجائز. وقال الأستاذ أبو إسحاق في (شرح كتاب الترتیب)): کل مباح جائز، وليس كل جائز مباحاً، فإنا نقول في أفعال الله: إنها جائز حدوثها، ولا نقول: إنها مباحة. قال القاضي أبو بكر: وهو سبحانه يريد المباح إذا وقع لتعلق إرادة الله ثمت بكل المرادات. وخالفت المعتزلة، فقالوا: إن الله تعالى غير مريد المباح ولا كاره له، ونشأ من هذه المسألة، وذلك أنهم قالوا: لو أراد الرب سبحانه فعل شيء وردت فيه صيغة الأمر لم يكن ذلك إلا تكليفاً. مسألة [مَا يطلق عليه المبَاح] يطلق المباح على ثلاثة أمور: الأول : وهو المراد هنا ما صرح فيه الشرع بالتسوية بين الفعل والترك، ومنه ١/٣٤ قوله / للمسافر: إن شئت فصم وإن شئت فافطر. الثاني : ما سكت عنه الشرع، فيقال استمر على ما كان ويوصف بالإباحة على أحد الأقوال الثلاث، وهو ما جاز فعله استوى طرفاه أو لا. وقد يطلق المباح على المطلوب، ومنه قولنا: الحلق في الحج استباحة محظور على أحد القولين، فالمراد بالإباحة فيه أنه ليس بشرط في التحليل، وليس المراد أنه غير مندوب إلیه . وقد يجري في كلام الفقهاء: جاز له أو للولي أن يفعل كذا ويريدون به ٢٧٦ الوجوب، وذلك ظاهر فيما إذا كان الفعل دائراً بين الحرمة والوجوب فيستفيد بقولهم: يجوز نفي الحرمة فيبقى الوجوب، ولهذا لا يحسن قولهم فيمن علم دخول رمضان بالحساب: إنه يجوز له الصوم، لأن مثل هذا الفعل لا يتنقل به، وكذا لا يحسن قولهم في الصبي: لا يصح إسلامه، لأنه لو صح وجب. مسألة [من صيغ المبَاح] ومن صيغه أعني المباح: رفع الحرج، كقوله والر للسائل في حجة الوداع: ((افعل ولا حرج)). ومن صيغه في القرآن: نفي الجناح، ومن ثم صار الشافعي إلى أن القصر مباح لا واجب من قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [سورة النساء / ١٠١] والجناح: الإثم، وهذا من صفة المباح لا الواجب. وأجيب عن قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [سورة البقرة / ١٥٨]. والسعي واجب بأمرين: أحدهما : نزولها على سبب وهو ظنهم أن السعي غير جائز. وثانيهما : أنها نزلت في أول الإسلام قبل وجوب الحج والعمرة ذكره الماوردي . مسألة [الابَاحة حكم شَرعي] الإباحة حكم شرعي خلافاً لبعض المعتزلة، والخلاف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح، إن عرفه بنفي الحرج، وهو اصطلاح الأقدمين، فنفي الحرج ثابت قبل ٢٧٧ الشرع، فلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج فالإعلام به إنما يعلم من الشرع فيكون شرعياً. مسألة [الاباحَة ليسَت بتكليف] الإباحة وإن كانت شرعية لكنها ليست بتكليف خلافاً للأستاذ أبي إسحاق، فإنه قال: إنه تكليف على معنى أنا كلفنا اعتقاد إباحته، ورد بأن الاعتقاد للإباحة ليس بمباح بل واجب، وكلامنا في المباح. والنزاع لفظي إلا أن يقال: هو تكليف بمعرفة حكمه، لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، وقد ينفصل عن هذا بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس المباح. قال المازري: وقد غلطه إمام الحرمين، ثم وقع فيه حيث قال في حد الفقه: إنه العلم بأحكام المكلفين، وفي الفقه مباحات كثيرة. قال بعضهم: واختلف القائلون بدخول المباح في التكليف هل دخل فيه بإذن أو أمر؟ على وجهين: أحدهما: بإذن ليخرج عن حكم الندب. والثاني: بأمر دون أمر الندب، كما أن أمر الندب دون أمر الواجب. وذهب بعض الشافعية إلى خروجه من التكليف بإذن أو أمر، لاختصاص التكليف بما تضمنه ثواب أو عقاب. مسألة [المبَاح لا يسَمى قبيحًا] أجمعوا على أن المباح لا يسمى قبيحاً، واختلفوا هل يسمى حسناً أم لا؟ وهو مفرع على تعريف الحسن وقد سبق. ٢٧٨ مسألة المباح هل هو جنس للواجب؟ فيه خلاف سبق في إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ مسألة [المبَاحِ هَل هوَ مَأْمُوربه؟] المباح هل هو مأمور به؟ خلاف ينبني على أن الأمر حقيقة في ماذا؟ هل هو نفي الحرج عن الفعل أو حقيقة في الوجوب أو في الندب أو في القدر المشترك بينهما؟ فعلى الأول هو مأمور به بخلاف الثاني. والمختار: أنه ليس مأموراً به من حيث هو خلافاً للكعبي حيث قال: كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته، فهو واجب باعتبار أنه ترك به الحرام. وحكاه ابن الصباغ عن أبي بكر الدقاق، لأنه يكون بفعله مطيعاً بناء على قوله: إن المباح حسن، وصرح القاضي عن الكعبى في ((مختصر التقريب)) بأن المباح مأمور به دون الأمر بالندب، والندب دون الأمر بالإيجاب. قال القاضي: وهو وإن أطلق الأمر على المباح فلا يسمى المباح واجباً، ولا الإباحة إيجاباً، وتبعه في هذا الغزالي في ((المستصفى)) وابن القشيرى في ((أصوله))، وعلى هذا فلا يكون الكعبي مفاجئاً بإنكار المباح وهو قضية استدلاله. ونقل الإمام عنه في ((البرهان)) وإلكْيٍا الهراسي: أنه باح بإنكار المباح في الشريعة، وقال: هو واجب، وكذا نقله ابن برهان في ((الوجيز)) و ((الأوسط)) والآمدي وغيرهم، والأليق به ما ذكره القاضي، وكذلك نقله القاضي عبد الوهاب، ونسبه إلى معتزلة بغداد، فلم ينفرد به إذن كما قال بعضهم، فقد قال به أبو الفرج من المالكية: حكاه عنه الباجي، ثم قال: إن كان مرادهم بكون المباح مأموراً به أنه مأذون في فعله وتركه، فالخلاف في العبارة، وإن أرادوا أن الإباحة للفعل اقتضاء له على جهة الإيجاب أو ٢٧٩ الندب وأن فعل المباح خیر من تركه فهوباطل . وقال الأبيارى: ذهب الكعبي إلى أنه لا مباح في الشريعة، وله مأخذان: أحدهما(١): وهو الصحيح عنده أن المباح مأمور به ولكنه دون الندب، كما أن المندوب مأمور به ولكن دون الواجب، وهذا بناه على أن المباح حسن، ويحسن أن يطلبه الطالب لحسنه، وهذا هو الذي اعتمده في الفتوى، وهو غير معقول، فإن هذا المطلوب إما أن يترجح فعله على تركه أو لا، فإن لم يترجح فهو المباح بعينه، وإن ترجح فإن لحق الذم على تركه فهو الواجب، وإلا فهو المندوب، ومن تخيل واسطة فلا عقل له. انتهى. وألزم إمام الحرمين أصحابنا المصير إلى مقالة الكعبي من قولهم: النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده من حيث إن الزنى لما كان منهياً عنه فإن القواطع عنه بالاشتغال لا يكاد ينحصر، ولكن مع هذا كون حكمها عند الكعبي أو أحدها واجباً على المكلف التبس به ليكون قاطعاً له عن الزنى، ويخير في الأشغال القاطعة، فما اختار أن يتلبس به منها تعين وجوبه كما يقول أصحابنا: إن النهي عن الشيء الذي له أضداد كثيرة أمر بأحد أضداده التي يكون التلبس بها يقطعه عن ذلك المنهي عنه، ويكون مخيراً في التلبس بأيهما شاء، ويجري مجرى التخيير في كفارة اليميين. والحق : أن مقصود الشارع بخطاب الإباحة إنما هو ذاته من غير اعتبار آخر، فأما من جهة أنه شاغل عن المعاصي فليس هذا بمقصود الشرع، ولا هو المطلوب من المكلف، وما صوره الكعبي من كون ذلك ذريعة ووسيلة فلا ننكره، ولكن المنكر قصد الشارع إليه، ولإجماع المسلمين على أن الإباحة حكم شرعي، وأنه ٣٤/ب نقيض الواجب، وكونها وصلة لا يغلب حكمها المقصود / المنصوص عليه شرعاً. وقال إلكْيا الطبري: مذهب الكعبي يتجه على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا طريق إلى الجمع بين ذلك المذهب وخلاف الكعبي. (١) لم يأت المصنف رحمه الله بالمأخذ الثاني. ٢٨٠