النص المفهرس
صفحات 181-200
وإذا فعلها الإنسان غافلاً عن امتثال أمر الله تعالى فيها وقعت واجبة مجزئة، ولا یثاب . وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر فضلاً عن القصد إليها حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها فلا ثواب حينئذ. نعم متى اقترن قصد الامتثال في الجميع حصل الثواب. انتهى. وظاهره تقسيم الواجب إلى ما يثاب عليه، وإلى ما ينتفي عنه الثواب، وكذا الحرام، وفيه نظر. والتحقيق: أن الواجب هو المأمور به جزماً، وشرط ترتب الثواب نية التقرب فيه. فترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب /، وترك الحرام وعدمه راجع إلى ١/٢٢ وجود شرط الثواب وعدمه ذهول النية، لا أن الواجب والحرام منقسمان في أنفسهما . مسألة [أسْمَاء الواجب] من أسماء الواجب المحتوم والمكتوب والفرض، ولا فرق عندنا بين الفرض والواجب شرعاً، وإن كانا مختلفين في اللغة. إذ الفرض في اللغة التقدير. ومنه فرض القاضي النفقة، والوجوب لغة قد سبق. ومن الدليل على ترادفهما حديث: قال: هل عليّ غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوّع) فلم يجعل بين الفرض والتطوع واسطة، بل الخارج عن الفرض داخل في التطوع، ووراء ذلك مذهبان: أحدهما عن الحنفية : أن الفرض، ما ثبت بدليل قطعي كالكتاب والسنة المتواترة تشوفاً منهم إلى رعاية المعنى اللغوي. لأن ذلك هو الذي يعلم من حاله أن الله قدره علینا. ١٨١ والواجب: ما ثبت بدليل ظني لأنه ساقط علينا، ولا نسميه بالفرض، لأنا لا نعلم أن الله قدره علينا كالوتر وزكاة الفطر والأضحية. وخصه أبو زيد الدَّبُوسي بالثابت بخبر الواحد. قال: وهو كالفرض في لزوم العمل والنافلة في حق الاعتقاد حتى لا يكفر جاحده. قال: ومن أصلنا أن الزيادة على النص نسخ، والمكتوبات معلومة بكتاب الله، فالزيادة عليها تكون بمنزلة نسخها علم تحريماتها(١) بخبر الواحد. فلذلك لم يجعل رتبتها في الوجوب رتبة الفريضة حتى لا تصير زيادة عليها. قلنا: الفرض المقدر أعم من كونه علماً أو ظناً، والواجب هو الساقط أعم من كونه علماً أو ظناً، فتخصيص كل من اللفظين بأحد القسمين تحكم. قال أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد ولو عكسوا القول لكان أولى، لأن لفظ الوجوب لا يحتمل غيره بخلاف الفرض، فإنه يحتمل معنى التقدير، والتقدير قد يكون في المندوب. فإن أرادوا إلزام غيرهم بهذا الاصلاح لموافقة الأوضاع اللغوية فممنوع لما بينًا. وإن قصدوا اصطلاحهم عليه فلا مشاحة في الاصطلاح. ولا ينكر انقسام الواجب إلى مقطوع به ومظنون فيه. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): إن كان ما قاله راجعاً إلى مجرد الاصطلاح فالأمر فيه قريب إلا أنه يجب في مثله التحرز عن استعمال اللفظ بالنسبة إلى المعنى عن اختلاط الاصطلاحين، فإنه يوقع غلطاً معنوياً، وأيضاً فالمصطلح على شيء يحتاج إلى أمرين إذا أراد أن يكون اصطلاحه حسناً. أحدهما: أن لا يخالف الوضع العام لغة أو عرفاً. الثاني: أنه إذا فرق بين متقارنين يبدي مناسبة للفظ كل واحد منهما بالنسبة إلى معناه، وإلا كان تخصيصه لأحد المعنيين بعينه بذلك اللفظ بعينه ليس أولى من (١) هكذا في جميع النسخ، والمقصود منه أن الزيادة على الفرض إذا كانت بفرض آخر فإنها تكون نسخاً للفرض الأول عن الحنفية على تفصيل في المذهب. أما إذا كانت الزيادة ثابتة بخبر الواحد فلا تنسخ الفرض، وتسمى واجباً، ومنزلة الواجب عندهم أَدون من الفرض. (مسلمَّ الثبوت مع المستصفى ٩١/٢). ١٨٢ العكس؛ وهذا الموضع الذي فعلته الحنفية من هذا القبيل؛ لأنهم خصوا الفرض بالمعلوم قطعاً من حيث إن الواجب هو الساقط، وهذا ليس فيه مناسبة ظاهرة بالنسبة إلى كل لفظة مع معناها الذي ذكروه؛ ولو عكسوا الأمر لما امتنع. فالاصطلاح عليه ليس بذلك الحسن. اهـ. وقد نقض عليهم فإنهم جعلوا القعدة في الصلاة فرضاً، ومسح ربع الرأس فرضاً. ولم يثبت بقاطع. قال القاضي: وجعلوا الوضوء من الفصد فرضاً مع أنه لم يثبت بقطعي، وكذلك الصلاة على من بلغ في الوقت بعد ما أدّى الصلاة، والعشر في الأقوات وفيما دون خمسة أوسق. قال إلْكِيا: وهذه التفرقة عندهم بالنسبة إلينا أمّا عند الله فهو سواء. ثم قيل: الخلاف لفظي راجع إلى التسمية. وقيل: بل تظهر فائدته في التكفير على تقدير الجحود فإن من جحد قطعياً كفر، أو ظنّاً فلا؛ وليس هذا من ضروريات الفرق. قال ابن برهان: بل هو معنوي ينبني على أن الأحكام عندنا بأسرها قطعية، وعندهم تنقسم إلى ما ثبت بقطعي وإلى ما ثبت بظني وقد سبق ما فيه. وحكى الشيخ أبو حامد الأسفراينى عن الحنفية أن الفرض ما أجمع على وجوبه والواجب ما كان مختلفاً في وجوبه. المذهب الثاني : أن الفرض ما ثبت بنص القرآن، والواجب ما ثبت من غيروحي مصرح به. حكاه القاضي في ((التقريب)) وابن القشيري. وألزمهم القاضي أن لا يكون شيء مما ثبت وجوبه بالسنة، كنية الصلاة ودية الأصابع والعاقلة فرضاً، وأن يكون الإشهاد عند التبايع ونحوه من المندوبات الثابتة بالقرآن فرضاً. وفرق العسكري بينهما من جهة اللغة بأن الفرض لا يكون إلا من الله والإيجاب يكون من الله ومن غيره. يقال: فرض الله كذا وأوجب، ولا يقال: ١٨٣ فرض السيد على عبده، وإنما يقال: أوجب، أو فرض القاضي له كذا. وقد فرق أصحابنا بين الواجب والفرض في باب الصلاة فسمّوا الفرض ركناً، والواجب شرطاً مع اشتراكهما في أنه لابد منه، وفي باب الحج حيث قالوا: الواجب ما يجبر تركه بدم، والركن مالا يجبر، وهذا ليس في الحقيقة فرقاً يرجع إلى معنى تختلف الذوات بحسبه، وإنما هي أوضاع نصبت للبيان، وعبارة ((التنبيه)) تقتضي أن الفرض أعم من الواجب فإنه قال في باب فروض الحج: وذكر أركان الحج من(١) واجباته وهي مؤوّلة. وحكى الرافعى عن العبادي فيمن قال: ((الطلاق واجب عليّ)) تطلق. أو فرض لا تطلق، وليس هذا بمناف للترادف، بل لأن العرف اقتضى ذلك، وهو أمر خارج عن مفهوم اللغة المهجور. وقد رأيت المسألة في ((الزيادات))، وخصها بأهل العراق للعرف فيهم بذلك. قال: وهكذا جواب أصحاب أبي حنيفة. مسألة [بَعَض الواجبَات أوجَب من بعض] قال القاضي: يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض كالسنن بعضها آكد من بعض خلافاً للمعتزلة. لأن الوجوب ينصرف عندهم إلى صفة الذات. وقال ابن القشيرى: يجوز ذلك عندنا فما كان اللوم على تركه أكثر كان أوجب فالإيمان بالله أوجب من الوضوء. (١) لعله ((مع واجباته)) كذا بهامش مخطوطة دار الكتب المصرية . ١٨٤ ٠ مسألة [ترتب الذم أو العقاب على الترك يتحقق به الوجوب] لا يتحقق وجوب بدون ترجيح في فعله بترتب ذمّ أو عقاب على تركه. وقال القاضي: إذا أوجب الله شيئاً وجب، وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه، إذ الوجوب بإيجابه لا بالعقاب، بل يكفي في الوجوب الطلب الجازم. قال الصفي الهندي: فإن أراد أن الوجوب يتحقق بدون العقاب والتوعد بناء على أن الرجحان ليس منحصراً فیها، بل قد یکون بأن یکون تركه سبباً للذم، وفعله سبباً للثواب فهذا حق؛ وإن أراد أن الوجوب قد يتحقق بمجرد الإيجاب وأن يترجح الفعل على الترك بالنسبة إلينا، ويكون مقصوداً من نفي التوعد نفي المرجح لا نفي خصوصه. إذ قوله: إذ الوجوب بإيجابه مشعر به فممنوع لما مر في تعريفه الواجب. وقال العبدري في ((المستوفى)): إن الذي ذهب إليه القاضي إذا حقق هو مقام الصُّدِّيقين المقربين من المؤمنين والذي ذهب إليه غيره مقام الصالحين فلا تنافي / ٢٢/ب بين القولين. وقال الرازي في ((المنتخب)): تحقق العقاب على الترك ليس شرطاً في الوجوب خلافاً للغزالي، وهو قول القاضي. قال القَرَافى: وهذا وهم على الغزالي، ولم يقل: إن العقاب لابد منه في ترك كل الواجب بل معنى هذه المسألة أنه هل يكفي في تصور ماهية الوجوب الطلب الجازم الذي لم يخطر ببال الطالب الإذن بالترك كما في دعائنا لله تعالى؟ أو يقال: الوجوب مركب من رجحان الفعل مع قيد المؤاخذة على الترك إما الذم أو غيره. هذا هو محل النزاع . وقال الهندي: هذا النقل عن الغزالي سهو من الإمام، لأن الغزالي نفى الوجوب عند نفي الترجيح مطلقاً لا عند نفي العقاب. ١٨٥ فصْل [ انقسَام الواجب] الواجب ينقسم بحسب فاعله إلى واجب على العين وواجب على الكفاية: وبحسب ذاته إلى واجب معين وواجب مخير، وبحسب وقته إلى واجب مضيق وواجب موسع، ويجب فعله في وقته، وبعد ذلك إلى أداء وقضاء، فنقول: مسألة [الواجب المخَير] إيجاب شيء مبهم من أشياء محصورة، كخصال الكفارة، وجزاء الصيد، وفدية الأذى جائز عقلاً. خلافاً لبعض المعتزلة حيث ذهب إلى امتناعه عقلاً زاعماً لزوم اجتماع النقيضين، لتناقض الوجوب والتخيير جهلاً منهم بالفرق بين ما هو واجب، وما هو مخير على ما سيأتي تحقيقه. وإذا قلنا بجوازه فهو يقتضي وجوب واحد منها لا بعينه، وأيَّ واحد منها فعل سقط الفرض، لاشتماله على الواجب، لا أنه واجب، ولا يوصف الجميع بالوجوب هذا هو الصحيح عندنا، كما قاله القاضي أبوالحسين بن القَطَّان وغيره. ونقله الشيخ أبو حامد الأسفرايني عن مذهب الفقهاء كافة، والقاضي أبو بكر عن إجماع سلف الأمة. قال ابن القُشَيْرى: ونعني بهذا أن ما من واحدٍ إلا ويتعلق به براءة الذمة، ولسنا نعني أن الواجب واحد معين في حكم الله ملتبس علينا، وإلا لزم تكليف مالا يطاق، وحكي عن عبد الجبّار أيضاً. والثاني : وبه قال المعتزلة : الکل واجب ثم منهم من يقتصر علیه ومنهم من زاد. ١٨٦ وقال: الكل واجب على التخيير والبدل، وإذا فعل بعضها سقط به وجوب باقيها. وحكاه القاضي عن الجبائي وابنه وبعض أصحابه وبعض الفقهاء. قال صاحب ((المصادر)): واختاره الشريف المُرْتَضَى. قال الباجي: واختاره ابن خُوَيز مَنداد من مالكية العراق. قال: وإليه ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة. والثالث: أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عند المكلّف لكن علم الله أنه لا يختار إلا فعل ما هو واجب عليه، واختياره معرّف، لنا أنه الواجب في حقه، وعلى هذا فيختلف بالنسبة إلى المكلفين. حكان ابن القَطّان مع جلالته. وقال في ((المحصول)): إن أصحابنا ينسبونه إلى المعتزلة، والمعتزلة إلى أصحابنا، واتفق الفريقان على فساده، ولذلك قال صاحب ((المصادر)): لو ذهب ذاهب إلى أن الواجب فيها واحد معين عند الله غير معين عندنا كان خلافاً من جهة المعنى، وجرى مجرى تكليف مالا يطاق. هذا مما لا يذهب إليه أحد. انتهى. وقد علمت فساده . والرابع: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى لا يختلف، فإن فعله المكلف فذاك، وإلا وقع نفلاً وسقط الواجب به، وعلى الأول وهو قول الأصحاب، فهل يتعين بفعل المكلف أو باختياره؟ وجهان. والأول: حكاه أبو الخطاب الحنبلي في ((تمهيده)) وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، وأغرب فنسبه إلى الأصحاب. وقال الباجى: إنه قول معظم أصحاب مالك. والثاني: حكاه أبو يوسف في ((الواضح))، فقال: ذهب الفقهاء إلى أن المأمور به واحد، ويتعين باختيار المكلف، فكأنهم قالوا: إن الواجب ما في علم الله أن المكلف يختاره. قيل: ويلزم عليه أن المكلف إذا مات قبل الفعل ولم يفعله عنه غيره أن لا وجوب، وهو خلاف الإجماع. ١٨٧ ويجيء قول آخر وهو الوقف، فإن فعل واحداً منها فهو الواجب؛ كما قال أبو إسحاق المروزي: إن مالك النصاب يتخير بين إخراج الزكاة من عين المال ومن غيره، فإذا أخرجها من عين المال تبين أن الوجوب تعلق بالعين، وإن أخرجها من غيرها تبينا أنها لم تجب في العين. ويجيء قول آخر: أنه إذا كان أحد الخصال أدون كان هو الواجب، فإن فعل الأكمل سقط به. وهذا كما في زكاة البقر، فإن خبر معاذ دلّ على أن الواجب في ثلاثین تبيع أو تبيعة. ونص الشافعي في ((المختصر)) والأصحاب أن الواجب التبيع، وأنه إذا أخرج التبيعة كان أولى، وأسقط الواجب، ويكون متطوعاً بالزيادة إلا أن يقال: سبب ذلك قيام الإجماع على أن الواجب في الثلاثين تبيع. إذا علمت هذا فالكلام بعده في مواضع. أحدها: تحقيق موضع الخلاف. الثاني: هل هو معنوي أو لفظي؟. الثالث: في كيفية الثواب والعقاب بالنسبة إلى الجميع أو البعض. الرابع: في شروط التخيير. [تحقيق موضع الخلاف] أما الأول: وهو تحقيق موضع الخلاف وتحرير معنى الإبهام، فأما عندنا فالواجب أحد الخصال، ولا تخيير فيه؛ وتخيير المكلف إنما هو في تعيين الواجب للوجود لا للوجوب، فإن الجهة الشخصية لا يتعلق بها وجوب؛ ولهذا قال الشافعي: في المائتين من الإبل يتخير بين الأربع حقاق وخمس بنات لبون، لأنه صلى الله عليه وسلم نطق بالتخيير، فقال: (فإذا بلغت مائتين ففيها أربعُ حِقاقٍ أو خَمْسُ بناتٍ لَبُوٍ) فأوجب أحدهما وخير في تعيين الواجب. وقال ابن الحاجب: متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها. وقال الأصفهاني شارح ((المحصول)): لانقول في الواجب المخير هو القدر ١٨٨ المشترك، بل الواجب هو حصة منه يصدق عليها القدر المشترك. ولا سبيل إلى القول بإيجاب المشترك، ويكون من صور التخيير بين الخصال الثلاث بأنه واحد، ولا يتصور التخيير في الواحد. وأما على قول المعتزلة يجب الجميع على التخيير فظاهره متناقض في نفسه، إذ معنى وجوب الجميع أنه لا يبرأ إلا بفعلها، ومقتضى التخيير أن يبرأ بفعل أيُّها شاء ولا يجتمعان؛ وإنما مرادهم بوجوب الجميع: أنه لا يجوز ترك الجميع. وهو صحيح لكن لا يلزم منه وجوب فعل الجميع، أو وجوب الجميع على البدل لا على الجمع بمعنى إن لم يفعل هذا فعل هذا، وهو مذهب الجمهور. وكان الغلط في هذه المسألة: إما من المعتزلة حيث ظنوا أن الوجوب مع التخيير لا يجتمعان، أو من الناقلين عنهم بأن وافقوهم على عبارة موهمة. والذي نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب ((الإفادة)) عنهم: أن الجميع واجب على البدل. وقد حرر بعض المتأخرين ذلك فقال: القدر المشترك يقال على المتواطىء، كالرجل ولا إبهام فيه، وأن حقيقته معلومة متميّزة / عن غيرها من الحقائق. ١/٢٣ ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين. والفرق بينهما: أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية. والثاني فيه أحد الشخصين بعينه، وإن لم يعين، ولذلك يسمى مبهماً، لأنه انبهم علينا أمره؛ والأول لم يقل أحد: إن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق، فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطىء كالرجل. فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين، ولا على التخيير. فلا يقال فيه: واجب مخير، ولا يتأتى فيه الخلاف الذي في المخير، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك. والثاني متعلق الخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وسمي الواجب المخير. قال: وبهذا تبين أن تزويج أحد الخاطبين، وإعتاق واحد من الجنس اللذين ذكرهما ابن الحاجب، وكذا نصب أحد المستعدين للإمامة إذا شغر الوقت عن إمام . ١٨٩ الذي ذكره البيضاوي ليس مما نحن فيه، لأنه مما يتعلق الوجوب فيه بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات؛ وإنما مثاله أهل الشورى الذين جعل عمر الأمر فيهم، لتعلق الأمر بأعيانهم. وقال العَبْدري في ((المستوفى)): الخلاف في هذه المسألة إنما وقع من جهة الإجمال الذي في اللفظ، فإنه يحتمل أن يكون المراد المخيّر فيه، وأن يكون المراد المخيّر في أنواعه إن كان ذا أنواع وفي أشخاصه إن كان ذا أشخاص. فيقال: لاشك إن أردت المخيّر فيه فالعين واحد لا يصح التخيير فيها، وإن أردت التخيير في أنواعه وأشخاصه، فأنواع الشيء الواحد بالجنس وأشخاصه يصح التخيير فيها، وبه ينقطع النزاع ويرتفع الخلاف. قلت: والصواب: أن الخلاف بين الفريقين محقّق، فإن الذي يقتضيه كلام الفقهاء أن الواجب كل خصلة على تقدير عدم الأخرى وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة من الجنس؛ والذي تقتضيه قواعد المعتزلة: أن الواجب القدر المشترك بين الخصال، وهذان معنيان متغايران يمكن أن يذهب لكل منهما قائل. وظهر بذلك أن قول المعتزلة أولى أن يسمى إبهاماً، والفقهاء أولى أن يسمى كل واحد، والمعتزلة إنما قصدوا الفرار من قولنا: أحدها واجب لعدم جواز التخيير بين الواجب وغيره. وأصحابنا لا يراعون الحسن والقبح، ويجوزون التخيير بين ما فيه مصلحة ومالا مصلحة فيه، ومع ذلك جعلوا الواجب مبهماً. فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرق في المعنى. تنبيه لا يخفى تخصيص الخلاف بما إذا كان كل منهما مطلوباً. أما إذا كان المطلوب في الحقيقة أحدها، ولم يقصد بالتخيير ظاهره بل التهديد، فالواجب من ذلك واحد ءِ قطعاً . ومثاله: قوله تعالى: ﴿فقال لها وللأرض انتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [سورة فصلت / ١١] ونحو هذا ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [سورة الطور / ١٦] ١٩٠ وغير ذلك، ولم أر من تعرض له. [هل الخلاف لفظي أو معنوي؟] وأما الثاني: وهو أنه هل الخلاف لفظيّ أو معنويّ؟ اختلف في ذلك، فقال القاضي والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: إنه لفظي، واختاره ابن القشيري وابن برهان في ((الأوسط)) وابن السَّمْعاني في ((القواطع)) وسليم الرازي في ((التقريب))، وأبو الحسين البصري في ((المعتمد))، والإمام الرازي في ((المحصول)). قالوا: لا خلاف بين الفريقين لاتفاق الكلّ على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز تركه كذلك، وأنه إذا أتى بواحد منها كفى ذلك في سقوط التكليف. ولكنّ مراد المعتزلة أن ما من واحد يفعل إلا يقع واجباً. وإليه أشار عبد الجبار في ((العمد))، ولهذا لم يصحح الإمام النقل عن أبي هاشم، وليس كما زعم، فقد حكاه صاحب ((المعتمد)) وهو القدوة عندهم، وأصوله تقتضي ما نقل عنه؛ وأن الوجوب عنده يتبع الحسن الخاص. فيجب عند التخيير استواء الجميع في الحسن الخاص، وإلا وقع التخيير بين الحسن وغيره. وقال صاحب ((الواضح)): قد أعيت هذه المسألة العلماء من قبل ومن بعد فما أحد تصور الخلاف فيها. وفي الجملة فلا خلاف أن المكلف لا يجب عليه أن يأتي بها كلها، ولا أنه لا يجوز الإخلال في الجميع، ولا أنه إذا أتى بشيء منها أجزأه، ولا أنه لا يقع التخيير بين واجب وغيره من مباح أو ندب، وحينئذ فلا أعرف موضع الخلاف، وكذا قال صاحب ((المصادر)): قد دارت رؤوس المختلفين في هذه المسألة وأعيتهم، ولا فائدة لها معنوية للاتفاق على ما ذكر. اهـ. وقال القاضي أبو الطيب الطبري: بل الخلاف في المعنى، لأنا نخطئهم في إطلاق اسم الوجوب على الجميع، لإجماع المسلمين على أن الواجب في الكفارة أحد الأمور. وقال الأصفهاني: الذي يظهر من كلام الغزالي وابن فُورَك أن الخلاف معنوي ١٩١ وهو اختيار الآمدي وابن التلمساني، وعبارة بعضهم تدل عليه. فإنه قال: الأمر بواحد من الأشياء يقتضي واحداً من حيث هو أحدها. وقال بعض المعتزلة أیضاً: الواجب منها واحد معین عند الله وإن وقع غيره وقع نفلاً وسقط به الواجب؛ ومنهم من قال: الواجب [أحدها](١) ولكن على البدل. وإذا تقرر ما ذكر من الفرق بين أن يراد مع القدر المشترك الخصوصيات أو لا ، أمكن أن يقال في خصال الكفارة: احتمالان : أحدهما: أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال. والثاني: أن كل خصلة واجبة على تقدير أن لا يفعل غيرها. والأوفق لقواعد المعتزلة الأول وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير حتى يكون هو الموصوف بالحسن. والأوفق لقواعدنا أن يصح ذلك وغيره؛ ويظهر أثرها فيما لو فعل خصلة، فعلى هذا هو الواجب، وعلى الأول ينبغي أن يقال: الواجب تأدى بها لا أنها هي الواجب . وقال الهندي: الصواب: أن الخلاف معنوي، ويظهر له فوائد في الخارج : إحداها : أنه إذا فعل خصلة يقال على ما اخترناه: إنها الواجب، وعلى المعنى الآخر يتأدى بها الواجب. الثانية : إذا فعل الجميع معاً يثاب على الجميع ثواب الواجب، لأنّ كل واحدة لم يسبقها غيرها، وعلى رأيهم يثاب على واحدة فقط، كذا نقل الإمام في ((البرهان)) والآمدي عنهم وكأنهم يعنون ثواب الواجب. (١) جميع النسخ التي اطلعت عليها لم يكن فيها لفظ ((أحدها)) وقد أصلحت النسخة هكذا. اهـ. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . ١٩٢ الثالثة : إذا ترك الجميع، وقلنا: للإمام المطالبة بالكفارات أجبر على فعل واحد منها من غير تعيين على رأينا، كما نقول: القاضي يكره المولي على أحد الأمرين من الفيئة أو الطلاق. وأما على رأيهم فينبغي أن يجبره على واحد بعينه هذا ما ظهر لي، ولم أره منقولاً . الرابعة : مات وعليه الكفارة المخيّرة ولم يوص بإخراجها، وعدل الوارث عن أعلى الأمور أي العتق فوجهان. أصحهما: الجواز. قال الماوردي: ويشبه أن يكونا مخرجين من الخلاف المذكور إن قلنا: إن الجميع واجب فله إسقاط الوجوب بإخراج واحد، وإن قلنا: أحدها لا بعينه لم يجزىء، لأنه لم يتعين في الوجوب؛ وهذا فيه نظر، فقد يقال بمثله عند فعل أدناها إذا لم يتعين أيضاً. وإن كان وجه عدم الإجزاء عدم التعيين لم يختصّ بالعتق، وإن كان / العدول إلى الأعلى مع إمكان براءة الذمة بالأدنى فهذا مأخذ غير ما نحن ٢٣/ب فيه . وأيضاً التصرف عن الميت لا ضرورة به إلى فعل مالا إثم في تركه، وإن وصفناه بالوجوب . الخامسة : لو أوصى في الكفارة المخيرة بخصلة معينة وكانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين، فهل يعتبر من رأس المال؟ فيه وجهان. أحدهما: نعم، لأنه تأدية واجب، وهذا هو قياس كون الواجب أحدها. وأصحهما: اعتباره من الثلث، لأنه غير متحتم، وتحصل البراءة بدونه وهما مبنيان على هذا الخلاف. فإن قلنا: الكل واجب فالجميع من رأس المال وإن قلنا: الواجب مبهم فالزائد من الثلث ويطرقه النظر السابق. ١٩٣ السادسة : حلف لا مال له، وقد جنى جناية موجبة للقصاص، فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً لم يحنث، وإن قلنا: الواجب أحدهما لا بعينه حنث، كما قاله الرافعي وتوقف فيه. السابعة : لو جنى على المفلس أو على عبده، وقلنا: الواجب أحد الأمرين وأن في المخير يجب الجميع، فليس له القصاص. وإن قلنا: بالآخر كان له. الثامنة : إذا طلّق إحدى امرأتيه أو أعتق أحد عبديه إن قلنا الواجب مبهم، فالطلاق وقع مبهماً، فلا يقع إلا عند التعيين، وإن قلنا: وقع على كل واحدة فمن حين اللفظ وهو الصحيح . التاسعة : تيمم قبل الاستنجاء لا يجزئه على الأصح، لأنه مأمور بأحد الأمرين الحجر أو الماء، ويجب عليه لأجل وجوب الماء الطلب، فيبطل تيممه، إذ لا تيمم مع وجوب الطلب. [كيفية الثواب والعقاب] وأما الثالث: فقال القاضي: من حجج أصحابنا قولهم: إنه لو أقدم على الخصال الثلاث في الكفارة معاً. ويتصور ذلك بأن ينصب في تأديتها وكلاء، فتتفق أفعالهم في وقت واحد، فقد قالوا: أَجِمعَ أنها إذا وقعت فالواجب منها واحد. وانفصل أبو هاشم عن هذا بناء على أصله بأن ما اتصف بالوجود لا يتصف بالوجوب، فإن الوجوب من أحكام التكليف، ولا يتعلق التكليف بالشيء مع حدوثه، وإنما يتعلق به قبل حدوثه، لأن القدرة قبيل الاستطاعة عنده. ورده القاضي بأنه لو لم يصفها بالوجوب عند الوجود فنقول: في كل ما وجب قبل حدوثه إذا حدث أنه كان واجباً وإذا وجدت الخصال الثلاث في الكفارة فلا ١٩٤ يمكن أن يقول: كلها واجبة حتى يثاب على كل واحد منها ثواب الواجب. وما نقله القاضي عن أصحابنا من أن الواجب واحد إذا أتى بالجميع منتقد؛ فقد قال ابن برهان في ((الأوسط)): عندنا أنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب أعلاها، فإن امتنع من الكل أثم بترك أدناها. وقال القاضي أبو الطيب محقّقاً لذلك: يأثم بمقدار عقاب أدناها، لا أنه نفس عقاب أدناها. وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) نحوه، فقال: قال أصحابنا: إذا فعل الجميع فالواجب أعلاها لأنه يثاب على جميعها، وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب، فانصرف الواجب إلى أعلاها، ليكثر ثوابه؛ وإن ترك الجميع عوقب على أدناها ليقلّ وباله ووِزْرُهُ، لأن الوجوب سقط بفعل الأدنى. انتهى. وظن بعضهم تفرد ابن السَّمْعاني بذلك، وقال: إنما هذا قول القاضي أبي بكر. قلت: وقد سبق موافقة ابن برهان له والقاضي أبي الطيب. وقاله ابن التلمساني في ((شرح المعالم)): فقال: إذا أتى بالخصال معاً فإنه يثاب على كل واحد منها لكن ثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع، ولا يحصل إلا على واحد فقط، وهو أعلاها إن تفاوتت، لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك فإضافة غيره إليه لا تنقصه، وإن تساوت فإلى أحدها، وإن ترك الجميع عوقب على أقلها، لأنه لو اقتصر عليه لأجزأه. قلت: وهذا نظير القول المحكي في الصلاة المعادة أن الفرض أكملها، والقولُ بأنه إحداهما لا بعينها، والله يحتسب ما شاء منهما نظير القول الذي حكاه القاضي أولاً عن أصحابنا؛ وحكوا هناك وجهاً: أن كليهما فرض، ولم يقولوا به هنا، لئلا يؤدي إلى قول المعتزلة. وحكى القاضي قولاً ثالثاً : أن الذي يقع واجباً هو العتق، فإنه أعظم ثواباً، لأنه أنفع وأشق على النفوس. ورد عليه بأنه قد لا يكون كذلك. وقد يجيء فيما سبق قول رابع : أنه لا يثاب ويعاقب إلا على أحدها، لأنه ١٩٥ الواجب لا بعينه. ويجيء خامس : أنه يثاب ثواب الواجب على أدناها، لأنه لو اقتصر عليه أجزأه، وعلى الثاني ثواب التطوع. وهذا هو ظاهر نص الشافعى فيما نقله المتولى في كتاب النذر فيما إذا التزم في الدجاج؛ فقال: وإن كان الملتزم من جنس ما يجزىء في الكفارة، فإن اقتصر على القدر المأمور به في الكفارة أجزأه وإن وفى بما قال كانت الزيادة عليه تطوعاً. نص عليه. اهـ. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): قال شيوخنا: يستحق الذم والعقاب على أدونها عقاباً، لأنه لو فعله لم يعاقب. قال: لكنه يستحق ذلك على الإخلال بأجمعها لا بواحد منها. قالوا: وإذا فعلها استحق ثواب الواجب على أعظمها، لأنه لو فعله وحده لكان واجباً، ولا يستحق عليه ذلك الثواب. وقال صاحب ((المصادر)): إذا ترك الكل استحق مقداراً واحداً من العقاب على ترك الكل بمعنى أنه ترك ثلاث واجبات عليه على التخيير، ولا يصح أن يقال: يعاقب على أدناها، لأنه إذا ترك الكل يضاعف عذابه، فلا يكون هناك مقادير من العقاب بعضها أعلى وبعضها أدنى بخلاف ما إذا جمع بين الكل، لأن هناك يتضاعف الثواب، فيستحق على كل واحد ثواباً، فيصح أن يقال: يثاب على أعلاها . وقال المازري: إذا فعل الجميع، فاختلف في الذي يتعلق به الوجوب منها، فقيل: أعلاها، وهو رأي القاضي أبي بكر، وأشار عبد الجليل إلى مناقشة في هذا، فقال القاضي : يقول: إن جمع بينهما في الترك ينطلق الإِثم بأدناها، فيجب عليه أن يقول: إذا جمع بينهما في الفعل تعلق الوجوب أيضاً بأدناها. ومنهم من قال: الوجوب يتعلق بواحد لا بعينه. انتهى. وما ناقض فيه عبد الجليل مردود فقد سبق في كلام ابن السَّمْعاني توجيه الفرق. ١٩٦ تنبيهان [التنبيه] الاول قال في المحصول: إنه يستحب الجمع بين خصال الكفارة .ویشهد له استحباب إعادة الصلاة لمن صلاها بل أولى، لأن(١). [التنبيه] الثاني : هذا كله إذا فعل الكل في وقت واحد، فلو أتى بالكفارة المخيرة على الترتيب، فقال الباجى وغيره: الأول هو الواجب، وقد يقال: لا تقع الثانية عن الكفارة، وقد يقال: بالوقوع كمن صلى على الجنازة / ثانياً، وقد يقال باحتمال ثالث: أنها ١/٢٤ إن اقترنت بمعنى يقتضي الطلب وقعت عن الكفارة، ثم هل تكون واجبة؟ يمكن تخريجه على الصلاة المعادة، وفيها أربعة أوجه. [شروط التخيير] وأما الرابع: وهو شروط التخيير، وقد ذكروا له شروطاً: أحدها: أن يتعلق بما يصح اكتسابه. الثاني: أن تتساوى الأشياء في الرتبة من جهة التخيير في الوجوب والندب والإباحة، وسواء كانت متضادة أو مختلفة، فلا يجوز التخيير بين قبيح ومباح، ولا بين واجب ومندوب، وإلا لانقلب أحدهما الآخر. ولا بين حرام وواجب فإن التخيير بين التحريم ونقيضه يرفع التحريم، والتخيير بين الواجب وتركه يرفع الوجوب . (١) بياض في جميع النسخ . قال السبكي في الإبهاج (١ / ٩٢) : وأياما كان فالحكم بان الجمع سنة يحتاج إلی دلیل ولا أعلمه، ولم أر أحداً من الفقهاء صرح باستحباب الجمع، وإنما الأصوليون ذكروه ويحتاجون إلى دليل عليه. ولعل مرادهم الورع والاحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة، كما أعتقت عائشة رضي الله عنها عن نذرها في كلام ابن الزبير قاباً كثيرة، وكانت تبكي حتى تبل دموعها خمارها. ١٩٧ ولهذا إذا تعارض دليلان عند المجتهد بهذه المثابة تساقطا وامتنع التخيير. ولهذا أيضاً ردوا على داود استدلاله على وجوب النكاح بقوله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [سورة النساء / ٣] لأن قوله ﴿وما ملكت أيمانكم) [سورة النساء / ٣] تخيير بين النكاح وبين ملك اليمين. والثاني: لا يجب إجماعاً، فلذلك ما خير بينه وبينه. وقد استشكل على ذلك قضية تخييره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بين الخمر واللبن، فأجيب بأن المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحرم، وتحليل ما يحل إلى اجتهاده صلى الله عليه وسلم وسداد نظره المعصوم؛ فلما نظر فيهما أداه اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن، فوافق الصواب. قلت : وأصل السؤال غير وارد، إذ لا نسلم أن التخيير وقع بين مباح وحرام، إذ تلك الخمرة من الجنة، لا يقال: لو كان كذلك لم يجتنبها، لأنانقول: لما شابهت الخمرة المحرمة تجنبها، وذلك أبلغ في الورع وأدق. سلمنا. إلا أن الخمر كانت حينئذ مباحة، لأنها إنما حرمت بالمدينة بلا خلاف، والإسراء كان بمكة. فإن قلت: قول جبريل عليه الصلاة والسلام له حين اختار اللبن: أصبت يدل على أن اختيار الخمر خطأ عصم منه صلى الله عليه وسلم. قلت: يؤنس فيها بالتحريم المستقبل. وهنا أمران: أحدهما: أن الغزالي في (المستصفى)) عند الكلام في تعارض الأدلة أشار إلى احتمال بالتخيير، وإن لم يتساويا في الرتبة، لأن الوجوب إنما يناقض جواز الترك مطلقاً، أما جوازه بشرط فلا. بدليل: أن الحج واجب على التراخي، وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يعص إذا أخر مع العزم على الامتثال، فظهر أن تركه بشرط العزم لا يناقض الوجوب، بل المسافر يخير بين أن يصلي أربعاً فرضاً، وبين أن يترك ركعتين واجبتين، ويجوز تركهما، ولكن بشرط قصد الترخص. ثانيهما: لا يرد على هذا الشرط التخيير بين خصال الكفارة بأنها مخير فيها، ١٩٨ وليس الجميع بواجب، لأنا نقول المراد أنه ما من واحدة يمكن الإقدام عليها إلا وتقع واجباً. قال القاضي: وهذا مرادنا بالتساوي. الثالث: أن تكون متميزة للمكلف فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه لا يتخصص أحدهما عن الآخر بوصف، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات، وبين أن يصلي أربع ركعات مع تساويهما في كل النعوت. هذا مما لا يدرك في حكم التكليف، وإن كان المتماثلان متغايرين كما أن المختلفين متغايران. الرابع: أن تكون معلومة للمخاطب. الخامس: أن يكون وقتها واحداً بأن يتأتى الإتيان بكل واحد منهما في وقت واحد بدلاً عن أغيارها، فلو ذكر للمخاطب فعلان مؤقتان بوقتين فلا يكون ذلك تخيراً، فإنه في وقت الإمكان لا يتمكن من الفعل الثاني ليتنجز، وفي الثاني لا يتمكن من الأول فلا يتحقق وصف التخيير أصلاً، وإنما يتحقق ذلك في وصفين يجوز ثبوت أحدهما بدلاً عن الثاني مع تقدير اتحاد الوقت. هكذا شرطه القاضي، وبناه على أصله في وجوب العزم بدلاً عن الفعل، ونازعه ابن القشيرى وغيره في هذا الشرط، فإنه لو قال: خط هذا القميص يوم السبت، أو هذا القباء يوم الأحد كان تخييراً صحيحاً، وقد ورد الشرع به في الصوم في السفر، وقد يقع التخيير بين الضدين، كقم أو اقعد، أو خلافين، كخصال الكفارة وجزاء الصيد، أو مثلين كصلِّ ركعتين غداً أو بعد غد، وزعم المازري أنه لا يرد التكليف إلا على القول بتكليف مالا يطاق، وفيه نظر. السادس: أن يكون أحدهما معلقاً بشرط، وبهذا يرد على الرافعى وصاحب ((الحاوي)) الصغير حيث جعلا غسل الرجلين أو المسح على الخف من الواجب المخير، فإنه لا يمتنع التخيير بينهما في حالة واحدة، كالعتق والإطعام مثلاً، بل مسح الخف لا يجوز إلا بشروط، وإذا لبسه بشرطه فلا يتصور مع دوام اللبس التخيير بل واجبه المسح، فإن نزع فالغسل، ولأن غسل الرجل لا يكون إلا عند فوات جواز المسح على الخف إلا أن يقال: إن الرجل تغسل وهي في الخف. ١٩٩ تنبيه [مُنْع التخيير بين الشَّىُّ وبَعْضَه] منع بعض الفقهاء المتأخرين التخيير بين الشيء وبعضه. قال ابن الرفعة: وهو ممنوع بدليل أن المسافر مخير بين إتمام الصلاة وقصرها، ومن لا جمعة عليه مخير بين صلاة الجمعة ركعتين وبين صلاة الظهر أربعاً، وهو مخير بين الشيء وبعضه. فروع إذا خير العبد بين الأشياء فما علم الله وقوعه منه فهو مراده منه، فالإرادة مع العلم في قرن(١) قاله ابن القُشَيري بناء على أن أصلنا في أنه لا يقع شيء إلا بإرادة الله . وأما المعتزلة فعندهم إذا خير بين الأشياء وكل واحد منها مراد لله تعالى، فلو أتى بالجميع أثيب على الجميع، وما كان حسناً كان مراداً لله تعالى، وإن خير بين شيئين يحرم الجمع بينهما كالتزويج بين الأكفاء، ونصب الأئمة، فواحد مراد، والجمع مكروه. مَسألتان احداهمًا [تعيين خصلة من خصال الكفارة] إذا عين المكلف خصلة من الخصال هل تتعين بالتعيين؟ ينبغي أن يجيء فيه خلاف من الخلاف السابق فيما إذا أوصى بالعتق في الكفارة المخيرة، هل يعتبر من (١) أي: مجتمعان (المصباح المنير). ٢٠٠