النص المفهرس

صفحات 81-100

وقال ابن الأثير في ((النهاية)): السهو في الشيء تركه من غير علم. والسهو عنه
تركه مع العلم.
خَاتمَة
لاشك في أن العلم وجميع أضداده ما خلا الشك فيها حكم.
وأما الشك فاختلفوا فيه، وأجاز بعضهم أن الشّاك حاكم بكل من الأمرين بدل
الآخر، والمشهور خلافه.
إذا علمت ذلك، فالمحكوم به في العلم والاعتقاد والظن هو المعلوم والمعتقد
والمظنون؛ والمحكوم به في الشك - إن قلنا: إنه حكم - الأمر أن المشكوك فيها، أو
نفى غيرهما. وأما الوهم فهل المحكوم به الموهوم أو المظنون؟ فيه بحث؛ وعلى كل
منهما إشكال، لأنه إن قيل: الموهوم لزم أن يكون الظانّ ليس حاكماً لما يقابل ظنه،
فيكون حاكماً بالضدين معاً يحكم بالقيام مثلاً راجحاً، وبعدم القيام مرجوحاً.
وكيف يحكم الذهن بما يترجح عنده خلافه؟ وإن قيل: إنه الطرف الراجح لزم أن
لا يكون الوهم معدوداً في القسمة الحكمية، وهو مخالف لكلامهم.
والذي يظهر أن الحكم لا يكون إلا بالطرف الراجح؛ وإذا قلنا بأن الشك لا
حكم فيه لما يلزم من الحكم مع المساواة فلأن يقولوا بامتناع الحكم بالمرجوح
بطريق أولى.
[خاتمَة] أخرى
الجهل والظن والشك أضداد العلم عندنا.
وذهب أكثر المعتزلة إلى أن الجهل مماثل للعلم.
وأجمعوا على أن إعتقاد المقلّد للشىء على ما هو عليه مثل العلم.
٨١

[خَاتمَة] أخرى:
يطلق العلم على الظنّ كقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهُنَّ مُؤْمِنات﴾ [سورة
الممتحنة / ١٠] إذ العلم القطعي في ذلك لا سبيل إليه، وقوله: ﴿وما شَهِدْنا إلا بما
عَلِمْنا﴾ [سورة يوسف / ٨١] سموا غير المطابق علماً، فكيف الظنّ المطابق؟ وأقروا
عليه، والأصل في الكلام: الحقيقة. وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾
[سورة الإسراء / ٣٦] وقد يجوز أن يقفو ما يظنه.
١٠/ب ومنه قول الفقهاء /: يقضي القاضي بعلمه.
ويطلق الظن على العلم، كقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم مُلاَقُوا رَبِّهِمْ﴾
[سورة البقرة / ٤٦] أي يعلمون، إذ الظن في ذلك غير كاف، ويطلق الظن على غير
المطابق كثيراً كقوله تعالى: ﴿بل ظننتم أن لن يُنْقَلِبَ الرسولُ والمؤمنونَ إلى أهليهم
أبداً﴾ [سورة الفتح /١٢] ويطلق الشك على الظن، وعليه غالب إطلاق الفقهاء.
وقوله وَيّ: (إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صَلّى) لأن الشك والظن
فيه سواء في الحكم.
ويحتمل أن يراد به الظن، وأن يراد الشك، والظن مقيس عليه، وأن يراد
الأعم .
مسألة
[استعمال الطن بمعنى العلم اليقيني مجَار]
المشهور أن استعمال الظن بمعنى العلم اليقيني مجاز.
ويتخلص من كلام أهل اللغة والنحو فيه ثلاثة مذاهب:
٨٢

أحدها: أنه حقيقة في الشك مجاز في اليقين.
والثاني: أنه حقيقة فيهما فيكون مشتركاً. وعلى هذين القولين ينشأ خلاف فيما
إذا قلت: ظننت ظناً. هل يتعين لليقين بالتأكيد أو الاحتمال باق لأنه حقيقة فيهما
لا حقيقة ومجاز؟
والثالث: أنه لا يستعمل إلا في الشكّ، وهذا قول أبي بكر العَبْدرِي.
وقال: ولا يعول على حكاية من حكى ((ظن)) بمعنى ((يتقن)) بل الظن واليقين
متنافيان .
٨٣

فَصَْل
[العَقل]
العقل لغة: المنع، ولهذا يمنع النفس من فعل ما تهواه. مأخوذ من عقال الناقة
المانع لها من السير حيث شاءت. وهو أصل لكل علم.
قال ابن السَّمْعاني: وكان بعض الأئمة يسميه أم العلم.
وكثر الاختلاف فيه حتى قيل: إن فيه ألفَ قول.
وقال بعضهم:
سل الناس إن كانوا لديك أفاضلًا
عن العقل وانظر هل جواب يُحَصّلُ
وقد تكلم فيه أصناف الخلق من الفلاسفة والأطباء والمتكلمين والفقهاء كل واحد
ما يليق بصناعته.
فأما الفلاسفة فشأنهم الكلام في الموجودات كلها، ومعرفة حقيقتها. والعقل موجود.
والأطباء شأنهم الخوض فيما يصلح الأبدان، والعقل سلطان البدن.
والمتكلمون هم أهل النظر، والنظر أبداً يتقدم العقل.
والفقهاء تكلموا فيه من حيث إنه مناط التكليف، فقال الشافعي رضي الله
عنه: آلة خلقها الله لعباده يميز بها بين الأشياء وأضدادها. وقال في موضع آخر:
والعقول التي ركبها الله فيهم ليستدلوا بها على العلامات التي نصبها لهم على القبلة
وغيرها مَنّاً منه ونعمة، قاله ابن سراقة، وهذا النص موجود في ((الرسالة)).
قال الصيرفي في شرحها: بين الشافعي أن العقل معنی رکبه الله في الإنسان أي
خلقه فيه لا أنه فعل الإنسان كما زعم بعض الناس.
٨٤

وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): روي عن الشافعي أنه آلة التمييز. قلت:
وهذا موجود في ((الرسالة)) حيث قال: دلهم على جواز الاجتهاد بالعقول التي ركب
فيهم المميزة بين الأشياء وأضدادها الخ ...
وقيل: قوة طبيعية يفصل بها بين حقائق المعلومات.
وقيل: جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: العقل هو العلم.
وكذا قال ابن سراقة: هو في الحقيقة ليس بشيء غير العلم لكنه علم على صفة
فجميع المعلومات بحس وغيره إليه مرجعها، وهو يميزها ويقضي عليها، وحجته
مأخوذة من قبل الله سبحانه بخلقه ذلك في الإنسان. انتھی."
وقال الأستاذ أبو اسحاق في شرح ((الترتيب)): العقل هو العلم لا فرق بينهما من
حيث كون كل واحد منهما علماً. وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا. وهو قول
المتكلمين من الإسلاميين، وبه قالت المعتزلة.
وفرق بعض الفلاسفة بين العقل والعلم، فقالوا: العقل جوهر مخلوق في
الإنسان، وهو مركز العلوم، ولا يستفاد العقل إنما يستفاد العلوم. اهـ.
وكذلك نقل في كتابه في الأصول عن أهل الحق ترادف العلم والعقل. قال:
فقالوا: واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها.
وقال علي بن حمزة الطبري: نور وبصيرة في القلب منزلته البصر من العين.
قال ابن فُورَك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح.
وذهب الحارث المحاسبي إلى أنه غريزة يتوصل بها إلى المعرفة، ومثّله بالبصر،
ومثّل العلم بالسراج، فمن لا بصر له لا ينتفع بالسراج، ومن له بصر بلا سراج لا
يرى ما يحتاج إليه. فصرح بمخالفة العقل العلم.
وكذا قال أحمد: العقل غريزة. قال القاضي: أي خلقه الله تعالى ابتداء وليس
اكتساباً .
٨٥

قال الأقليشي: وهذه الغريزة ليست حاصلة للبهيمة على ما ذهب إليه كثير من
المحققين. واستحسنه الإمام في ((البرهان)) واعتقده رأياً. إذ أكثر الأشعرية لم يفرقوا
بين الإنسان والبهيمة في السجية، وإنما فرقوا بينهما في العلوم الضرورية، وهي
العلوم الكسبية التي منشؤها من العلوم الضرورية. لكنه في ((الشامل)) حكاه، ثم
قال: إنه لا يرضاه وأنه يتهم النقلة عنه فيه، وأطال في رده.
وصار القاضي أبو بكر وأبو الطيب وسليم الرازي وابن الصباغ وغيرهم إلى أنه
بعض العلوم الضرورية، فخرجت العلوم الكسبية، لأن العاقل يتصف بكونه
عاقلاً مع عدم جميع العلوم النظرية. وإنما قلنا: بعضها، لأنه لو كان جميعها،
لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات، لعدم الإدراك المتعلق بها غير عاقل؛
فثبت أنه بعض العلوم الضرورية، وذلك نحو العلم باستحالة اجتماع الضدين،
والعلم بأن المعلوم لا يخرج عن أن يكون موجوداً أو معدوماً. وأن الموجود لا يخلو
عن الاتصاف بالقدم أو بالحدوث، والعلم بمجاري العادات المدركات بالضرورة،
كموجب الأخبار المتواترة الصادرة عن المشاهدات إلى غير ذلك من العلوم التي
يخص بها العقلاء.
وحاصله : العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات، وجواز الجائزات.
وقيل: إنه علوم بديهية كله. قال القاضي عبد الوهاب: فقلت له: أفتخص
هذا النوع من الضرورة بوصف؟ قال: يمكن أن يقال: ما صح مع الاستنباط.
والحق: أن العقل الغريزي ليس بالعلوم الضرورية، إذ الإنسان يوصف بالعقل
مع ذهوله عن العلوم الضرورية.
قال الإمام فخر الدين بعد إبطاله قوله القاضي في العقل: وعند هذا ظهر أن
العقل غريزة تلزمها هذه العلوم البديهية مع سلامة الآلات.
وقال إمام الحرمين: العبارة الوجيزة فيه: علوم ضرورية باستحالة مستحيلات
وجواز جائزات. أو نور يقبل من النور الأعلى بمقدار ما يحتمله، وهو موجود
بالمجنون وغيره عند هذا القائل لكن حال بينه وبني القبول حائل كما في نور
الشمس مع السحاب.
٨٦

وقال الغزالي: هو غريزي وضروري وهما نظري وتجريبي، والعلم بعواقب
الأمور، وهما مكتسبان.
وقال ابن فُورَك: هو العلم الذي يمتنع به عن فعل القبيح.
واختار الآمدى: أنه العلوم الضرورية التي لا خُلُوّ لنفس الإنسان عنها بعد
كمال آلة الإدراك وعدم أضدادها، ولا يشاركه فيها شيء من الحيوانات. وحكاه
عن القاضي أبي بكر فيحتمل أن يكون له قولان.
ثم هو غير جامع للعقل الثابت للصبيان، فإنهم عقلاء بالإجماع كما قاله القاضي
من الحنابلة في كتاب / ((العدة)) مع انتفاء ما ذكره، لامتناع صحة نفي العقل عنهم ١/١١
مطلقاً، وإلا لزام جواز وصفهم بضده، وهو الجنون وذلك محال.
وغير مانع لعلوم المجانين التي لا خلو لأنفسهم عنها، كعلمهم بأن الاثنين أكثر
من الواحد ونحوه مع أنهم غير عقلاء.
وقال الجيلي من أصحابنا في كتاب ((الإعجاز)): فرق بين العقل والعلم، ويظهر
شرف العقل من حيث إنه منبع العلم وأساسه، والعلم يجري منه مجرى الثمرة من
الشجرة .
قال: وفي الحديث: (أول ما خلق الله العقل، وقال: وعزتي وجلالي
ما خلقت خلقاً أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعاقب).
فإن قلت: إن كان العقل عرضاً فكيف يخلق قبل الأجسام، وإن كان جوهراً
فکیف یکون قائماً بنفسه لا يمتحيز؟
قلنا: هذا يتعلق بعلم المكاشفة.
قال عليه الصلاة والسلام: (جَدَّ الملائكة واجتهدوا في طاعة الله بالعقل، وجدّ
المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم).
على أن بعض الأصوليين قال: إن الجوهر قائم بنفسه، ولا تناقض بين قولنا:
إنه نوع من العلوم الضرورية، وبين قولنا: إنه خلق قبل الأشياء. انتهى.
٨٧

[العقل ضربان]
ثم هو ضربان غريزي وهو أصل، ومكتسب وهو فرع.
فأما الغريزي: فهو الذي يتعلق به التكليف.
وأما المكتسب : فهو الذي يؤدي الى صحة الاجتهاد وقوة النظر، ويمتنع أن يتجرد
المكتسب عن الغريزي، ولا يمتنع أن يتجرد الغريزي عن المكتسب، لأن الغريزي
أصل يصح قيامه بذاته؛ والمكتسب فرع لا يصح قيامه إلا بأصله.
ومن الناس من امتنع من تسمية المكتسب عقلاً، لأنه من نتائجه، ولا اعتبار
بالنزاع في التسمية إذا كان المعنى مُسَلّماً.
واختلف فيه في أمور:
[تفاوت العقول]
أحدها: هل يتفاوت؟
والأصح كما قاله الإمام في ((التلخيص)) وسليم الرازي في ((التقريب)) وابن
القشيرى وغيرهم: أنه لا يتفاوت، فلا يتحقق شخص أعقل من شخص، وإن
أطلق ذلك كان تجوزاً، أو صرفاً إلى كثرة التجارب، قال فإنا بعد أن قلنا: إنه
بعض العلوم الضرورية فلا يتحقق التفاوت فيها.
وعن المعتزلة وكثير من الحنابلة أنه يتفاوت، لقوله عليه السلام: (ناقصات
عَقْلٍ وَدِین).
وقياس من فسّر العقل بالعلم أنه يجري فيه الخلاف السابق في تفاوت العلوم.
والتحقيق : أنه إن أريد الغريزي فلا يتفاوت، أو التجريبي فلا شك في تفاوته.
وإليه يميل كلام ابن سراقة حيث قال: هو على ضربين: منه مخلوق في الإنسان،
ومنه يزداده بالتجربة والاعتبار، ويزيد وينقص، كالعلم والإرادة والشهوة ونحوها
من أفعال القلوب؛ ولهذا يقال: فلان وافر العقل وفلان ناقص العقل.
الثاني : اختلفوا في محله: فقيل لا يعرف محله، وليس بشيء؛ وعلى المشهور فيه
ثلاثة أقوال.
٨٨

وعند أصحابنا كما نقله ابن الصباغ وغيره أنه القلب، لأنه محلّ لسائر العلوم.
وقالت الفلاسفة والحنفية: الدماغ؛ والأول: منقول عن أحمد والشافعي
ومالك؛ والثاني: منقول عن أبي حنيفة حكاه الباجي عنه، ورواه ابن شاهین عن
أحمد بن حنبل أيضاً. والثالث: أنه مشترك بين الرأس والقلب.
وقال الأشعري : لك حاسّة منه نصيب. وهذا يصلح أن يكون قولاً رابعاً.
وذكر إمام الحرمين في ((النهاية)) في باب أسنان إبل الخطأ: أنه لم يتعين للشافعي
محله: وهذا يصلح أن يكون قولا خامساً.
وقيل: الصدر، ولعل قائله أراد القلب.
وقيل: هو معنى يضيء في القلب، وسلطانه في الدماغ، لأن أكثر الحواس في
الرأس. ولهذا قد يذهب بالضرب على الدماغ. حكاه ابن سراقة.
قال: وقال آخرون من أصحابنا: هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة
البصر من العين.
ونبه الماوَرْدي في ((أدب الدين والدنيا)) على فائدتين:
إحداهما: أن الخلاف في الغريزى. أما التجريبي فمحله القلب قطعاً.
الثانية: أن هذا الخلاف مفرع على القول بأنه جوهر لطيف يفصل به بين
حقائق المعلومات، وأن من نفى كونه جوهراً أثبت أن محله القلب.
وقال العبدري في ((شرح المستصفى)): الخلاف في أن العقل محله ماذا؟ مما
يلتبس على كثير. فإنهم إن عنوا به القوة الناطقة على ما يظهر من كلامهم فخطأ،
لأنه ليست لها آلة، ولا هي منسوبة إلى عضو من الأعضاء؛ وإنما الذي ينبغي أن
يقع الخلاف فيه. هل هي القوة المفكرة التي تنسب إلى الدماغ؟
وهي ملتبسة بالقوة الناطقة من وجهين: كونها مختصة بالانسان، وكونها مميزة،
ولهذا الالتباس ظنوا أنها القوة الناطقة، وحكوا فيها الخلاف.
والذي غَلَّطهم في ذلك عكس القضية الموجبة الكلية مثل نفسها. وذلك أنه لما
كانت القوة الناطقة مميّزة مختصّة بالإنسان عكسوا القضية، فقالوا: كل قوة مميزة
٨٩

خاصة بالإنسان فهي قوة ناطقة. وليس كذلك، إذ في الإنسان قوة أخرى مميزة
خاصة به، وليست الناطقة.
والفرق بينهما: أن هذه موجودة في الإنسان لها آلة جسمانية بمنزلة سائر قوى
النفس فهذه إذن يجب النظر في آلتها الدماغ أو القلب؛ فأما القُوّة الناطقةُ التي
سمّوها عقلًا، فليست قوة في جسم أصلاً، ولا هي جسم، ولا لها آلة جسمانية .
والفرق بين تمييزيهما: أن تمييز المفكرة شخصي، لأنها تميز معنى الشيء المخيل
المشخّص تمييزاً شخصيّاً، فهي تالية للقوة المتخيلة، كما أن المتخيلة تالية للقوة
الحسية، فهي إذن أكثر روحانية من التخييلية؛ ولهذا اختصت بالإنسان؛ وتمييز
الناطقة كليّ وهي عرّية من مخالطة الجسم، وليست من جنس القوى الحادثة
الشخصية فافترقا، وليست روحانيتها كذلك، فلذلك شارك فيها الإنسان سائر
الحيوانات .
وما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا؟ ما لو أوضِح رجل، فذهب عقله،
فعند الشافعي ومالك يلزمه دية العقل، وأرش الموضحة، لأنه إنما أتلف عليه
منفعةً ليست في عضو الشجة تبعاً لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط،
لأنه إنما شجّ رأسه. وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج،
ودخل أرش الشجة في الدّية.
٩٠
٠

الحَد
النظر في حقيقته وأقسامه وشروط صحته:
[حقيقة الحد]:
أما حقيقته : فالقول الدالّ على ماهية الشيء.
وقيل: خاصية الشيء على الخلاف في تفسير ما هو الغرض بالحد؟ هل حصر
الذاتيات أو مجرد التمييز كيف اتفق؟ أو الشرط أن يكون لوصف خاص؟
وهو يرجع إلى وصف المحدود دون قول الواصف الحاد عند معظم المحققين،
كما قال الإمام في ((التلخيص)) وتبعه ابن القُشَيرْى وقال: إنه قول معظم أئمتنا.
وقال القاضي: يرجع إلى قول الواصف؛ وهو عنده القول المفسّر لاسم المحدود
١١/ب وصفته على وجه يخصّه ويحصُره، فلا يدخل فيه ما ليس منه /، ولا يخرج منه ما
هو منه.
قال الإمام: وهو منفرد بذلك من بين أصحابه.
وقال الأستاذ أبو منصور: الحدّ والحقيقة عندنا بمعنى، لأن حقيقة الشيء مانعة
له من الالتباس بغيره ناطقة بما ليس منه من الدخول في حكمه.
وقالت الفلاسفة: هو الجواب الصحيح في سؤال ماهو؟ إذا أحاط بالمسئول
عنه .
وهذا خطأ، لأن الحد قد يذكر ابتداء من غير تقدم سؤال.
والصحيح عندنا: أن حدّ الشيء: معناه الذي لأجله استحق الوصف المقصود
بالذكر، وتسمية العبارة عن الحدّ مجاز، ومعنى الحقيقة والحدّ واحد إلا أن لفظ
الحقيقة يستعمل في القديم والمحدث والجسم والعرض، ولفظ الحد يغلب
٩١

استعماله في الحجة .
قال: واختلفوا في العلم بالمحدود هل يجوز حصوله لمن لم يكن عارفاً بحدّه
وحقيقته؟ أجازه قوم. وقال أصحابنا: لا يجوز. ولذلك قالوا: إنّ من لم يعلم للّه
سبحانه علماً وقدرةً وحياةً لم يعلمه عالماً قادراً حيّاً، وإن اعتقد أنه عالم قادر حي،
لأن العلم بكون العالم عالماً علم بعلمه، والنافي لعلمه وقدرته وحياته غير عالم
بكونه عالماً قادراً حيّاً. وهذا قول يطرد على أصلنا في جميع الحدود.
وفرق بعض أئمتنا القدماء بين الحدّ والحقيقة. قال: الحدّ ما استعمل في الشيء
نفسه، والحقيقة ما جاز أن يستعمل في الشيء وضدّه.
قال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: الشيء له في الوجود أربع مراتب:
الأولى: حقيقته في نفسه.
والثانية: ثبوت مثال حقيقته التي تدل عليه من الذهن الذي يعبّر عنه بالعلم.
والثالثة: تأليف صوت بحروف تدل عليه، وهو العبارة الدالة على المثال الذي
في النفس.
والرابعة: تأليف رُقومٍ تدرك بحاسة البصر تدل على اللفظ وهو الكتابة.
قال: والعادة لم تجر بإطلاق اسم الحد على العلم، ولا على الكتابة، بل هو
مشترك بين الحقيقة واللفظ .
وقال العبدري: وما أخذوه من حدّ الحدّ هل المراد به المعنى الذي في النفس
خاصة أم اللفظ الدال على ما في النفس؟
فالجواب فيه قولان:
أحدهما: المعنى الذي في النفس خاصة.
والثاني: المراد المعنيان جميعاً، لا على أنه مشترك بينهما، بل على أنه يقال على
المعنى الذي في النفس، فإنه أولى. ويقال على اللفظ بحكم التبع، لدلالته على ما
في النفس.
٩٢

[مذاهب اقتناص الحد]:
وفي اقتناص الحدّ ثلاثة مذاهب حكاها العبدري في ((المستوفى في شرح
المستصفى)).
أحدها: وهو مذهب أفلاطون أنه يقتنص بالتقسيم بأن تأخذ جنساً من أجناس
المحدود، وتقسمه بفصوله الذاتية له، ثم تنظر المحدود تحت أي فصل هو من تلك
الفصول؟ فإذا وجدته ضممت ذلك الفصل إلى الجنس الذي كنت أخذته. ثم
تنظر فإن كان مساوياً للمحدود فقد وجد جنس الحد وفصله، وكمل الحد. وإن لم
يكن مساوياً له علمت أن ذلك الجنس والفصل إنما هو حدّ لجنس المحدود لا
للمحدود؛ فتأخذ اسم ذلك الجنس بدل الحدّ المذكور، وتقسّمه أيضاً إلى فصوله
الذاتية، ثم تنظر المحدود تحت أي فصل؟ فتأخذه، وتقسّمه إلى ما تقدم من
الجنس والفصل؛ ثم تنظر هل هو مساوٍ لفظاً وحدّه (١) أم لا؟ فإن ساواه فقد تمّ
الحد. وإلا فعلت كما تقدم هكذا.
والثاني: في مذهب الحكيم أنه يقتنص بطريق التركيب، لأنها عنده أقرب من
طريق القسمة، وهو أن تجمع الأوصاف التي تصلح أن تحمل على الشيء المحدود
كلها، ثم تنظر ما فيها ذاتي وما فيها عرضي، فتطرح العرضي، ثم ترجع إلى الذاتي
فتأخذ منها المقول في جواب ما هو؟ فتجمعها كلها، ثم تطرح الأعم فالأعم حتى
تنتهي إلى الجنس الأقرب، ثم ترجع إلى الفصول فتجمعها أيضاً كلها، ثم تطرح
الأبعد فالأبعد حتى تنتهي إلى الفصل القريب جداً، وحينئذ فيكمل.
والثالث: مذهب بقراطيس أنه يقتنص بالبرهان وقد أبطلوه من وجهين:
أحدهما: أنه إذا سلك في اقتناصه القسمة أو التركيب، وكان لا يتوصل إليها
إلا بعد تصفح جميع ذاتيات الشيء المطلوب وحدّه كان الحدّ المقتنص بهذا الطريق
معلوماً، فأول العقل لا يحتاج إلى الدلیل، فإذن اقتناص الحد لا يحتاج الى دليل.
والثاني: أنه لابد في طلب البرهان من وسط يحمل على المحكوم عليه على أنه
حدّ له لا على أنه جنس له ولا فصل، ويحمل عليه الحكم على أنه حد له أيضاً
(١) هكذا في جميع النسخ وبيان العبارة: هل الحد مساوٍ للمحدود أم لا؟
٩٣

مثاله: أن يدعي أن حدّ العلم المعرفة، فيقال لنا: وما الدليل عليه؟ فلا بد أيضاً
من طلب وسط يُحملُ على العلم على أنه حدّ له، وتحملُ المعرفةُ عليه على أنها حدّ
له أيضاً وليكن ذلك الحدّ الاعتقاد.
فنقول : لكل علم بالاعتقاد يؤخذ له على أنه حدّ، وكل اعتقاد يؤخذ العلم له
على أنه حدّ، فالمعرفة تؤخذ له على أنها حد.
فإذن كلّ علم فالمعرفة تؤخذ له على أنها حد، فينازع في كل واحد من مقدمتي
هذا الدليل، لأنها حد، ويطلب البرهان كما طلب على الحد الأول فيحتاج إلى أن
يبينها بدليلين. فينازع أيضاً في كل مقدمة من مقدمتي كل واحد من ذينك
الدليلين. فإما أن يتسلل الأمر إلى غير نهاية، وهو محال، وإما أن يقف عند أمر بينّ
بنفسه .
مسألة
[صعوبَةَ الحَد]
ادعى ابن سينا أن الحدود في غاية الصعوبة. وذلك لأنه يفتقر إلى معرفة
الماهيات المختلفة تفصيلاً حتى يعلم القدر المشترك بين الأشياء المشتركة في شيء
واحدٍ من الماهية، والقدر الذي به ينفصل كل واحدة منها عن الأخرى. ولاشك
في صعوبة معرفتها على هذا الوجه. وبه يضعف تركيب الحدود الحقيقية للأمور
الموجودة في الخارج المطابقة لها.
وناقضه أبو البركات البغدادي في كتابه ((المعتبر)) فقال: الحدود في غاية
السهولة، لأن الحدود هي حدود الأسماء، والأسماء أسماء الأمور المعقولة، وكل أمر
معقول فلا بدّ وأن يعقل أن كمال المشترك أيش هو؟ وكمال جزء الماهية أيش هو؟
فكان الحدّ سهلًا من هذا الوجه؛ وبهذا الطريق يلج الإمام فخر الدين في المضايق؛
ويمنع كون الحدّ هو الدالَ على حقيقة الشيء، بل هو تفصيل ما دل اللفظ عليه
إجمالاً .
وقال في ((الملخص)): الإنصاف أنه إن كان الغرض المقصود منه تفصيل مدلول
٩٤

الاسم كان سهلاً، وإن كان الغرض معرفة الماهيات الموجودة كان ذلك في غاية
الصعوبة .
فحصل من هذا أن الحدود الكاشفة للماهيات الموجودة ليست عبارة عن
تفصيل ما دلّ اللفظ عليه إجمالاً، بل الحد: هو القول الدال على ماهية الشيء.
وصنف ابن دقيق العيد رسالة بينّ فيها صعوبة الحد.
وقال العبدري في ((شرح المستصفى)): العلة في عسر حدّ بعض المدركات هو
أن أصل العلوم العقلية كلها الحواس، فإذا قوي الحس على إدراك أمر مما اتضحت
فصوله الذاتية عند العقل فأدرك حقيقة ماهيته ساغ له حدّه.
وإذا ضعف الحسّ عن إدراك شيء مما خفيت فصوله الذاتية عن العقل، فلم
يدرك حقيقته وماهيته لم يقدر على حده.
ومن ذلك الروائح والطعوم لما ضعف الحسّ عن إدراكها عَسُر حدّها. وقال ابن
تيمية: عسر الحد مبنيّ على اعتقادهم أن المراد بالحدّ تصوره، وليس كذلك؛
وأصل غلطهم أنه اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان، فإن هذه الأمور قائمة
بصورة الإنسان سواء طابق أم لا وليس هو تابعاً للحقائق في نفسها.
تنبيهات
[التنبيه] الأول: [القصد من الحد]
بانَ مما سبق عن كلام أئمتنا أن القصد من الحد التمييز بينه وبين غيره. ولهذا
قال الأنصاري في ((شرح الإرشاد)): قال إمام الحرمين: القصد من التحديد في
اصطلاح المتكلمين: الفرق بخاصة الشيء وحقيقته التي يقع بها الفصل بينه وبين
غيره. اهـ. ولهذا كان الاضطراد والانعكاس لا يتم الحد إلا بهما.
وأما المناطقة / فقالوا: إن فائدة الحدّ التصوير، وبنوا على ذلك أموراً ستأتي: ١/١٢
قال أبو العباس بن تيمية في كتاب الرد عليهم: والذي عليه جميع الطوائف أن
فائدته التمييز بينه وبين غيره، وهو قول الأشعرية والمعتزلة وغيرهم ممن صنف في
٩٥

هذا الباب من أتباع الأئمة الأربعة. بل أكثرهم لا يُجوّز الحدّ إلا بما يُميّز المحدود،
لكنه لم يهتد إلى ما صار إليه أئمة الكلام في هذا المقام؛ وهو موضع شريف ينبغي
الإحاطة به فإنّ بسبب إهماله دخل الفساد في المعقول والأديان على كثير، إذ خلطوا
ما ذكره المنطقيون في الحدود بالعلوم النبوية. وصاروا يعظمون أمر الحدود، ونحن
نبين أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق. وطول الكلام في ذلك مما يوقف عليه من
كلامه .
قلت: وبنى المنطقيون على هذا الأصل قواعد:
إحداها: قالوا: الحدّ لا يكتسب بالبرهان أي لا يمكن تحصيله ببرهان وعقدوا
الاستدلال عليه بما حاصله: أن البرهان إنما يكون في القضايا التي فيها حكم،
والحد لا حكم فيه، لأنه تصور. وهذا الإطلاق ممنوع بل الحق أنا إذا قلنا:
الإنسان مثلاً حيوان ناطق فله أربع اعتبارات :
أحدها: تعريف الماهية، وهو تصور لا حكم فيه فلا يستدل عليه ولا يمنع.
ثانيها: دعوى الحدّية، وهذا يمنع ويستدل ببيان صلاحية هذا الحدّ للتعريف
من اطراده وانعكاسه، وصراحة ألفاظه.
ثالثها: دعوى المدلولية، وهو أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى لغة أو شرعاً
فهذا يمنع ويستدل عليه؛ وهذا قاله الإمام فخر الدين في كتابه ((نهاية العقول))،
وكذلك قيّد به ابن الحاجب إطلاقهم منع اكتسابه بالبرهان.
قال: أما لو أريد بالإنسان حيوان ناطق مدلوله لغة أو شرعاً فلا بد له من
النقل .
رابعها: أن يراد به أن ذات الإنسان محكوم عليها بالحيوانية والناطقية فيتوجه
عليه المنع والمطالبة، ولا يكون ذلك حداً بل دعوى. ذكره الإمام فخر الدين
أيضاً.
وقال في ((الملخص)): هذا بحسب الاسم. أما إذا كان بحسب الحقيقة، وهو
أن يشير إلى موجود معين، ويزعم أن حقيقته مركبة من كذا وكذا، فلا شكّ أنه
٩٦

لابدّ فيه من الحجة.
والذي أطلقه هنا ابن سينا في كتبه امتناع الاكتساب للحدّ بطريق البرهان
مطلقاً. وذكر عن أفلاطون أنه يكتسب بالقسمة، وزيفه.
فإن قيل: على ما ذكرتموه يتوجه عليه النقض والمعارضة على الحد، وقد اتفق
النظار علی توجھھما.
ثم أجاب بأن الحقّ عندنا: أن الحدّ مالم ينضم إليه شيء من الدعاوى، فإنه لا
يتوجه إليه النقض، وإنما يتوجه النقض على تسليم بُعْد الحدّ.
مثاله: إذا قيل: العلم هو الذي يصحّ من الموصوف به أحكام الفعل، فإذا قيل
هذا منقوض بالعلم بالواجبات والمحالات، فإنه علم ولا يفيد أحكاماً، فهذا
النقض إنما يسلم بعد تسليم وجود العلم المتعلق بالمحالات. فلو لم تسلم هذه
الدعوى لم يمكن توجه النقض إليه.
قال: وكذا المعارضة لا يمكن القدح بها في الحدّ إلا عند تسليم الدعوى، وإلا
فالحقائق غير متعاندة في ماهياتها، فإنّ من عارض هذا الحدّ بأنه الاعتقاد المقتضي
سلوك النفس فليس بين هاتين الحقيقتين تعاند، وإذا لم يكن بين الحقيقتين منافاة لم
تتحقق المعارضة في الحدود.
القاعدة الثانية: وهي في الحقيقة مبنية على ما قبلها أن الحدّ لا يمنع، فإن المنع
يشعر بطلب الدليل، والفرض أنه لا يبرهن عليه فلا معنى للمنع، وبيان عدم
الإمكان أنه في إقامة الدليل عليه يفتقر إلى إثبات مقدمتين. ثم في إثبات كل
واحدة منهما يفتقر إلى إثبات مقدمتين أخريين، وهكذا إلى غير نهاية، فيلزم إما
الدور أو التسلسل، وهما باطلان.
وقال أبو العباس بن تيمية: يجوز منع الحدّ، لأنه دعوى فجاز أن يصادم بالمنع
كغيره من الدعاوى.
وفيما قاله نظر، فإنّ مرجع المنع طلب البرهان، وهو لا يمكن على ما قرروه،
وليس كل دعوى تصادم بالمنع بدليل الأوليات، فإن الكلام إذا انتهى إليها وجب
٩٧

الوقوف عندها، ولم يسمع منعها.
وقال الجاجرمي في ((رسالته)) إن هذا ينشأ عن حدّ الحدّ ما هو؟ حتى ينظر فيه أنه
هل يمنع أم لا؟ والحدّ قد يكون حقيقياً وقد يكون رسمياً.
[الحد الحقيقي والحد الرسمي]:
فنقول: الحادّ لا يخلو إما أن يدعي أن هذا اللفظ، وهو قولنا: إنسان موضوع
للحيوان الناطق أو يدعي أن ذات الإنسان محكوم عليها بالحيوانية والناطقية، أو
يريد بقوله من الإنسان إنه حيوان ناطق الإشارة إلى هذه الماهية المتصورة من غير
حكم عليها بنفي أو إثبات.
فهذه ثلاثة أقسام، فالأول والثاني ممنوع، لأنه دعوى فلماذا لا يمنع؟ وما الفرق
بينه وبين سائر الدعاوى؟ لأنه في إقامة الدليل على كل مقدمة يفتقر إلى مقدمتين
أخريين، وذلك لا يدور ولا يتسلسل، بل ينتهي إلى مقدمة أولية، أو قطعية وكذا
هنا .
قال: والذي يوضح ما ذكرنا إجماع النَّظّار على النقض والمعارضة على الحد، وما
يتوجه عليه النقض والمعارضة يتوجه عليه المنع، لأنهما متأخران في الرتبة عن
المنع. والقسم الثالث لا نزاع في أنه لا يمنع، لأن المنع إنما يتوجه نحو الخبر، ولا
خبر هناك. اهـ.
وهذا ينظر لما سبق في طلب البرهان عليه، ونقله الإجماع على توجيه المعارضة
أخذه من كلام الإمام السابق، وليس كذلك. فقد منع بعضهم المعارضة فيه.
قال: لأنها تشعر بصحة المعارض قبله، فيلزم ثبوت حدين متباينين لمحدود
واحد، وهو محال.
والحق: أن المعارضة إن كانت في حدّ رسمي، فلا نبطله، فإنه يجوز فيه التعدد
على ما سيأتي لتعدد اللوازم، وإن كانت في الحدّ الحقيقي، وقلنا ليس لشيء حدّان
ذاتيان، فالمعارضة إبطال. وإن قلنا بجوازه فلا إبطال فيها.
وأما الحدّ اللفظي فلا مدخل للمنع فيه ولا للمعارضة قطعاً. وقال الرشيد
٩٨

الحواري: إنما تدخله المعارضة بحد أرجح منه أو النقض، كما لو قيل : حد الغصب
إثبات اليد العادية على مال للغير. وقال الخصم: بل إثبات اليد العادية مع إزالة
اليد المحقّة. فيقول: هذا يبطل بالغاصب من الغاصب، فإنه لم يوجد إزالة يد
المالك، والغصب محقق.
قال: وقد يتكايس بعض الفقهاء ويقول: الحد لا يمنع بعد ما ثبت كونه حداً،
ولكن لم قلت: إنما ذكرته حد؟.
وهذا لا وجه له، لأن معنى قول القائل: الحدّ لا يمنع أي: ما يدعي كونه حداً
لا يمنع، وإلا كلّ ما صح كونه حداً فلا يمكن منعه؛ ثم كل دعوى ادعاها الإنسان
وصح أن الأمر كما يقوله، فلا يمكن منعه، فلا يختص هذا بالحد.
[التنبيه] الثاني [حد الشيء بحدين فأكثر]
منعوا أن يكون للشيء حدّان فأكثر، وحكى القاضي عبد الوهاب في كتابه
((الإفادة)) فيه خلافاً، واختار الجواز.
١٢/ ب قال: ولا يمتنع في اللغة أن يكون للشيء / عدة أوصاف كل واحد منها يحصره،
وكما قالوا في الحركة: نقلة وزوال وذهاب في جهة وقولهم: إن التعدد يؤدي إلى
المناقضة ويبطل أن يكون الأول حقاً ممنوع اهـ.
وهذه الشبهة تفيد أن نزاعهم في الحدّ الحقيقي، وعلى هذا احتجاجه بما ذكر لا
يقوى، لأن الظاهر أنه لا خلاف في جواز التعدد في اللفظي والرسمي، وقد نبه
ابن الحاجب على أن امتناع تعدد الحدّين الذاتيين مبني على تفسير الذاتي بما لا
يتصور فهم الذاتي قبل فهمه. فإن القصد به فهم ذاتياته على سبيل التفصيل، ولا
يحصل ذلك حين فهم جميع ذاتياتها، لأجل التفسير المذكور. ووجود اشتماله على
ذلك مانع من التعدد. وسكت عما يقتضيه التعريفان الأخيران للذاتي، بل قضيته
أنهما لا يقتضيان امتناع التعدد. ومنه يؤخذ خلاف في التعدد في الحقيقي.
وقد صرح الغزالي بجواز التعدد في الرسمي واللفظي.
٩٩

أما اللفظي فلأنه يكثر بكثرة الأسامي الموضوعة للشيء الواحد.
وأما الرسمي فلأن عوارض الشيء الواحد ولوازمه قد تكثر بخلاف الحقيقي،
فإن الذاتيات محصورة، فإن لم يذكرها لم يكن حداً حقيقياً. وإن ذكر معها زيادة
فهي حشو، فإذن الحدّ الحقيقي لا يتعدد.
[التنبيه] الثالث [الفصل هل هو علة لوجود الجنس؟]
اختلفوا أن الفصل هل هو علة لوجود الجنس؟ فقال ابن سينا وغيره. نعم،
لاستحالة وجود جنس مجرد عن الفصول، كالحيوانية المطلقة.
وخالفهم الإمام الرازي، لأن الماهية المركبة من ذات وصفة أخص منها،
كالحيوان الكاتب يكون الذات جنسها، والصفة فصلها مع امتناع كون الصفة علة
للذات لتأخرها عنها؛ وهذا يعكر عليه أن تلك الماهية اعتبارية والكلام في الماهيات
الحقيقية .
ويتفرع على العليّة أحكام:
منها: أن الفصل الواحد بالنسبة إلى النوع الواحد لا يكون جنساً له باعتبار
آخر، كما ظن جماعة أن الناطق بالنسبة إلى أنواع الحيوان فصل للإنسان، وإلى
المَلَك جنس له، والحيوان بالعكس. وذلك لأن الفصل لو كان جنساً، لكان
معلولاً للجنس المعلول له، فيكون المعلول علة لعلته، وهو ممتنع.
ومنها: أن الفصل لا يقارن إلا جنساً واحداً فإنه لو قارن جنسين في مرتبة
واحدة حتى يلتئم من الفصل وأحد الجنسين ماهية، ومنه ومن الآخر أخرى،
لامتناع أن يكون لماهية واحدة جنسان في مرتبة واحدة يلزم تخلف المعلول عن العلة
ضرورة وجود الفصل في كل واحد من الماهيتين، وعدم جنس ما لزمها في
الأخرى.
ومنها: أن الفصل لا يقوّم إلا نوعاً واحداً، لأنه قد ثبت امتناع أن يقارنه إلا
١٬٠٠