النص المفهرس
صفحات 21-40
مناهج التخريج عند المحدثين
وقال ابن عباس : الأثارة الخط؛ أي الشيء المكتوب المأثور.
55
فالآيات السابقة ونظائرها كثير تعتبر أساسا لترسيخ منهج التخريج الصحيح
للدعاوى والمقالات.
فالمسلم مطالب بعدم اتباع الظنون والأهواء وتأصيل معرفته على أساس
د
٥٠
متين من العلم الشرعي؛ ولهذا يقول سبحانه وتعالى :
ليس
مَا
تقف
لَّكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلَّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولَ (36)} [الإسراء: 36].
ومصادر الأنباء والأخبار يجب أن تكون من طريق أهل الصدق والعدالة، وکل
خبر جاء من طريق فاسق أو فاجر، يجب على المسلم أن يكون على بينة منه؛ ولذا
يقول عز وجل : {يَا أَيُّهَا الْذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُوا
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَا بِجَمَالَةٍ فَتَصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين (6)}
[الحجرات: 6].
فوائد هامة من پرید سلوك سبيل التخريج:
مما يلزم معرفته لدى من يود التخريج أن المصنفين يوردون الأحاديث أحيانا
تامة، وأخرى مختصرة، أو في بعض الأحيان يقتصرون على وجه الشاهد منها
عندهم، وتارة يوردونها باللفظ وأخرى بالمعنى، وقد لا يذكرون أحيانا الحديث
وإنما يشيرون إليه؛ حيث يتكلم المصنف على معنى، ثم يقول : كما جاء في الخبر،
أو يقول: والسنة أن يفعل المرء كذا، أو دلت السنة على كذا 56.
وقد يذكر المصنف الحديث بما غلب عليه عندهم من لقب أو شهرة؛
55: انظر التفسير الوجيز لابن عطية عند تفسير سورة الأحقاف.
56: انظر حصول التفريج بأصول التخريج، لأحمد بن الصديق ص: 47.
21
مناهج التخريج عند المحدثين
مثل أن يقول: حديث الطير 57، وحديث الموالاة 58، وحديث الغدير59،
وحديث الإفك،60
57: أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب(50)، باب مناقب علي (21) (ح: 3721) ونص متنه: عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ كَانَ عِنْدَ النَّبِّ عِْلِّ طَيْرٌ فَلَ اللَّهُمَّ انْتِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ؛ فَجَاءَ
عَلِيٍّ فَأَكَلَ مَعَهُ.
قَالَ أبو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ؛ لَا تَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ السُّدِّيّ إِلَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ
أَنَسٍ. وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ هُوَ كُوفِيٍّ وَالسُّدِّيُّ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ أَدْرَكَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ وَرَأَى
الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَقَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَزَائِدَةُ وَوَتَّقَهُ يَحْنَى بْنُ سَعِدِ الْقَطَانُ.
وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 228 .. 236) من عدة طرق ثم نقل عن محمد بن طاهر المقدسي قوله
: ((كل طرقه باطلة معلولة، وصنف الحاكم أبو عبد الله في طرقه جزء ضخما، وكان قد أدخله في المستدرك على
الصحيحين، فبلغ الدار قطني، فقال : يستدرك عليها حديث الطائر. فبلغ الحاكم، فأخرجه من الكتاب). وقال ابن
طاهر كذلك : (حديث الطائر موضوع إنما يجيء من سُقّاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره).
وانظر : مشكاة المصابيح. ح: 6085، موسوعة أطراف الحديث 2 /158.
58: والمراد به قوله مَ له: (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٍّ مَوْلَاهُ)، أخرجه الترمذي في المناقب (ح: 3713)، من طريق
أبي سريحة أو زيد بن أرقم - وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وأخرجه أحمد - في مسند علي - (1
/84)، والنسائي في خصائص علي، والحاكم - من حديث زيد بن أرقم - (3 /109)، وقال: (صحيح على
شرط الشيخين)، وسكت عنه الذهبي، وابن حبان في صحيحه من حديث علي - (ح: 6931)، وذكره الهيثمي
في مجمع الزوائد (9 /104) من حديث طائفة من الصحابة، وقال في حديث أبي الطفيل: ((رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة)). انظر: السلسلة الصحيحة ح: 1750، موسوعة أطراف الحديث 8
... 530/
59: ويطلق عليه كذلك : حديث غدير خم، وهو حديث متداخل مع حديث الموالاة، أخرجه : مسلم في كتاب
فضائل الصحابة، باب فضائل علي (4 /1873 ح: 2408)، وأحمد في مسند الكوفيين.
60: أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة النور، باب لولا إذا سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا
سبحانك هذا بهتان عظيم ... (الفتح 8 /452 ح: 4750).
22
مناهج التخريج عند المحدثين
... وحديث السفينة، 61 وحديث المطاولة، 62 وحديث
الجريدة 63، وحديث النزول 64، وحديث العسيف65، ونحو ذلك من الأحاديث
المذكورة بما اشتهرت به عند المحدثین.
61: رواه الحاكم في المستدرك (2 /373 ح: 3312) ونصه : ((أخبرنا ميمون بن إسحاق الهاشمي ثنا أحمد بن
عبد الجبار ثنا يونس بن بکیر ثنا المفضل بن صالح عن أبي إسحاق عن حنش الكناني قال : سمعت أبا ذر يقول وهو
آخذ بباب الكعبة: يا أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله عز له، يقول:
مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)). قال الحاكم : هذا حديث صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه. تعليق الذهبي قي التلخيص : مفضل خرج له الترمذي فقط ضعفوه، وقد ذکر الألباني
الحديث في الضعيفة ح: 4503.
وروى متنه أبو نعيم في الحلية (4 /306) من حديث ابن عباس وهذا نصه سندا ومتنا : (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ،
قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جَبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عِ لّهِ: «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَّفِينَةٍ نُوَحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ
تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»َ. وَقَال عقّبه: (غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ سَعِيدٍ، لَمْ نَكْتُبُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ). "
62: أخرجه مسلم. كتابٍ فضائل الصحابة باب فضل علي (4 /1871 ح:2404)، وفيه قوله عد له:
(الَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهَ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا؛ فَقَالَ ادْعُوا لِي عَلِيًّا، فَأُنِيَ بِهِ أَرْمَدَ،
فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ الحديث ... ). وهذا الحديث روي بغير لفظ المطاولة في صحيح البخاري وغيره.
63: وهو حديث ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ((خَرَجَ النَِّيُّ صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْضٍ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ؛ فَسَمِعَ صَوْتَ
إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ؛َ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوَّلِ، وَكَانَ
الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا بِكِسْرَيْنِ أَوْ ثِنَْيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ
هَذَا، فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَّا لَمْ يَبْبَسَا)).
أخرجه البخاري . كتاب الدب، باب النميمة من الكبائر (الفتح 10 /472 ح: 6055).
ملحوظة : في رواية البخاري هاته (لايستتر من البول) وهي كذلك عند مسلم (ح:439)، وكذا عند أبي عوانة
(ح: 495)، وفي السنن الكبرى للنسائي (1 /69)، وكذا عند عبد الرزاق في مصنفه (3/588 ح: 6753).
وفي رواية الإمام أحمد في مسنده (ح:22346)، وكذا عند الطبراني في المعجم الكبير (216/8 ح:7869)
بلفظ : (لا تتره من البول).
64: حديث أبي هريرة أن رَسُولَ الله عَ ◌ّهِ قَالَ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَلَى كُلَّ لَيْلَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؛ حِينَ يَبْقَى
ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ؛ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَّهُ)).
أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (الفتح 3/29 ح: 1145).
65: وفيه قول الأعرابي للنبي عَ لَّهِ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا [أي أجيراً] عَلَى هَذَا فَنَى بِامْرَأَتِهِ الحديث ...
أخرجه البخاري : كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (الفتح 301/5 ح: 2695).
23
مناهج التخريج عند المحدثين
وقد يتعرض المصنف لذكر حديث دون التصريح به أنه من قول رسول الله من التجم
؛ كأن يتكلم على شيء؛ إما لشهرته أو لغير ذلك من الأسباب، ثم يقول: «وإنما
الأعمال بالنيات» 66، أو «والحرب خدعة» 67.
وأحيانا يهم المصنف فيورد حديثا مرفوعا إلى النبي عبد الله، وينسبه إلى بعض
الصحابة من كلامهم، أو لبعض السلف، وأحيانا يعكس فيرفع حديثا موقوفا
على أحد الصحابة، أو ينسب كلام السلف للنبي عدّ له ..
قواعد عامة فى التخريج :
تخريج متن حديث معناه بيان مواضع وروده في كتب السنة الأصول، ويلزم
الباحث الذي يقوم بعملية التخريج أن يذكر التفاصيل الآتية :
1. مخرج الحديث؛ فيقول : (أخرجه مسلم) مثلا.
2. الكتاب الذي ذكر فيه الحديث ضمن صحيح مسلم؛ فيقول : في كتاب
الطهارة مثلا، وإن أضاف رقم الكتاب فحسنا فعل.
3.اسم الباب، ولا بأس بإضافة رقمه.
4. الجزء والصفحة؛ يذكر الجزء إن كان الكتاب يشتمل على عدة أجزاء،
وكذا ذكر الصفحة.
5. ذكر رقم الحديث، وذلك إذا كان المصنف يشتمل على أرقام
تسلسلية لأحاديثه.
68
6. ذكر الطبعة أو الطبعات المعتمدة في التخريج
٠
٠
66: أخرجه البخاري (كتاب بدء الوحي ح: 1)، وأبو داود (كتاب الطلاق ح: 2201)، وابن ماجة
(كتاب الزهد ح: 4227)، كلهم من حديث عمر بن الخطاب حولَلَّهُعنه.
67: أخرجه البخاري (ح: 3029)، ومسلم (3 /1362 ح:1740)، والترمذي (ح: 1675)، وأبو
داود، والنسائي وأحمد من حديث غير واحد من الصحابة.
68: إذا كنت ترجع إلى طبعة واحدة للكتاب فإنه يكتفى بذكرها في آخر الكتاب عند ذكر المصادر والمراجع، أما
إذا كنت ترجع إلى عدة طبعات له فيجمل بك أن تشير إلى الطبعة المعتمدة في الهامش، ثم إن كان بحثك يدور على
كتب يكثر ذكرها باختلاف طبعاتها يستحسن أن ترمز إليها برموز دالة عليها.
24
مناهج التخريج عندالمحدثين
عند تخريج متن حديث ما ينبغي أن تنظر إلى ما أُعطيتَ وما طُلِب منك؛ فإن
أعطيت اسم صحابيه، فالحديث يدور عليه، ومعناه أنك مطالب بتخريج
هذا المتن من طريق هذا الصحابي، فلو وجدت نفس المتن لصحابي آخر
فليس بحديثك؛ لكن يصلح شاهدا له، فإذا أتممت تخريج الحديث من
طريق الصحابي المذكور انتقلت إلى الإشارة أن للحديث شاهدا أو شواهد،
ثم تذكرها، وقد تحتاج إلى هذه الشواهد ولا تستغني عنها عندما يكون
حديثك من طريق الصحابي المذكور يعتوره ضعف من جهة السند إليه يمكن
أن ينجبر بأسانيد لصحابة آخرين لنفس المتن.
وبالمثال يتضح الأمر: فلوقيل لك: خرج حديث أبي طلحة عن رسول الله عز له :
((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة))، فأنت مطالب بتخريجه من طرقه
التي تنتهي إلى هذا الصحابي، أي أبي طلحة، فلو وجدت نفس المتن من رواية
صحابي آخر؛ فليس بحديثك. 69
إذا طُلِب منك تخريج متن حديث ما، ولم يذكر لك اسم راويه من الصحابة،
فأنت مطالب بتخريجه عن كل الصحابة الذين رووه، فعليك أن تقول : أخرجه
الصحابي جابربن عبد الله. مثلا. ثم تذكر عنوان المصنف والكتاب
والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث. وأخرجه من الصحابة كذلك : أسامة
بن زيد في مصنف كذا كتاب كذا ... وتتبع في ذلك نفس ما ذكرته في تخريجه من
69: ومثال ذلك: أن أبا طلحة ﴿ إِلَهُعنْه روى عن النبي عَّ ◌ُلِّ أنه قال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا
صورة) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب بدء الخلق. باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه؛ فإن في
إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء (الفتح 6 /359 ح: 3322) .
وأما حديث علي بن أبي طالب و لِلْمُعْه عن النبي عَّلِ أنه قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا
كلب ولا جنب)). أخرجه أحمد (83/1 ح:632)، والنسائي: كتاب الطهارة، باب في
الجنب إذا لم يتوضأ (1 /261 .. ح: 261)، وابن ماجة، والدارمي .
فالحديث الأول حديث أبي طلحة وكلَّمُعنْه، والثاني حديث علي حولَلَّمُعنْه، ولاحظ أن في حديث علي زيادة لفظ
(ولا جنب) وهي زيادة منكرة فالحديث ضعيف. ينظر: ضعيف الترغيب والترهيب (ح:131).
25
مناهج التخريج عند المحدثين
طريق جابربن عبد الله، وهكذا إلى أن تذكر سائر من رواه من الصحابة على نفس
النسق.70
العمدة في التخريج عند المحدثين هو أصل الحديث، فلا يضر عندهم الاختلاف
بين ألفاظه ما دامت معانيه متفقة كلا أو بعضا، فإذا وجدت الحديث بزيادة
ألفاظ من هذا الطريق، وبنقص أخرى من طريق أخرى فهو حديثك، وقد أشار
إلى هذا الأمر طائفة من أهل هذا الشأن؛ فهذا الزيلعي يقول : (وظيفة المحدث
أن يبحث عن أصل الحديث، فينظر من خرجه، ولا يضره تغير بعض ألفاظه، ولا
71
الزيادة فيه أو النقص).
ويقول كذلك : (فالمحدث إذا قال : أخرجه فلان، فإنه يريد أصل الحديث لا
بتلك الألفاظ بعينها، ولذلك اقتصر أصحاب الأطراف على ذكر طرف الحديث).72
أما السخاوي فيقول :
(ثم إن أصحاب المستخرجات غير منفردين بصنيعهم، بل أكثر المخرجين
للمشيخات73 والمعاجم، وكذا للأبواب يوردون الحديث بأسانيدهم. ثم يصرحون
بعد انتهاء سياقه غالبا بعزوه إلى البخاري أو مسلم، أو إليهما معا، مع اختلاف
الألفاظ وغيرها، يريدون أصله).74
70: يجمل بك في تخريج متن الحديث الذي روي عن عدد من الصحابة أن تنتبه إلى هذه الطرق إلى هؤلاء الصحابة،
فإن كانت كلها صحيحة، فلا حرج عليك في سوقها كما أردت، لكن إذا اختلفت من حيث الصحة والضعف كان
عليك أن تذكر ما صح عندك أولا، ثم ما دونه من حيث الدرجة، وهكذا ..
71: قال ذلك الزيلعي في معرض التفرقة بين وظيفة المحدث ووظيفة الفقيه؛ فالمحدث عندما يقوم بمهمة التخريج
يهتم بمخرج الحديث، ولا يضره ما بين رواياته من اختلاف ما دام الأصل متحدا، بخلاف وظيفة الفقيه فإنه لا يليق
به ذلك؛ لأنه يقصد أن يستدل على حكم المسألة، ولا يتم هذا إلا بمطابقة الحديث لمقصوده.
ينظر: نصب الراية، للزيلعي. كتاب الطهارات، باب الحيض. الحديث السادس : 1 /200.
72: نصب الراية : كتاب الحج، باب الإحرام، الحديث الحادي والثلاثون : 3 /54.
73: المشيخة : جمع شيخ وهو لغة من استبان فيه السن، ويطلق الشيخ مجازا على المعلم والأستاذ لكبره وعظمه،
وجمعه شيوخ، ثم استعملت المشيخة علما على الكراريس التي يجمع الإنسان فيها شيوخه.
- انظر فهرس الفهارس للكتاني 2 /52، فهارس علماء المغرب للدكتور عبد الله المرابط ص:39.
74: فتح المغيث، عند الكلام على المستخرجات، 1 /47.
26
مناهج التخريج عند المحدثين
وهذا الحافظ العراقي يقول في مقدمة كتابه: «المغني عن حمل الأسفار
في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» : (وحيث عزوت الحديث لمن
خرجه من الأئمة، فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون
بمعناه، أوباختلاف على قاعدة المستخرجات). 75
فوائد علم التخريج:
فوائد علم التخريج كبيرة وهامة لاسيما للمشتغلين بالحديث وعلومه، فبدون
هذا العلم لا يمكن أن تقف على أسرار وكنوز السنة النبوية؛ وهذه بعض هذه
الفوائد :
1. معرفة مصدر الحديث أو مصادره التي أخرجته، وكذا الوقوف عليه فيها في
كتب السنة الأصلية.
2. جمع طرق الحديث وأسانيده في الكتاب الواحد، أو الكتب المتعددة، فإذا
كان الحديث قد ذكر في صحيح البخاري عدة مرات، فإنك تستطيع بالتخريج
الوقوف عليه في هذه المواضع، وبالتالي تعرف كم رواه البخاري في صحيحه، وما
هي الكتب والأبواب التي أورده فيها، وتتبين بواسطة هذا العلم كذلك معرفة من
شارك البخاري في روايته للحديث المذكور.
3. معرفة حال الإسناد، وذلك بتتبع طرق الحديث الواحد ومقابلتها بعضها
ببعض؛ فيظهر ما به من انقطاع أو إعضال أو إرسال ...
4. معرفة حال الحديث بناء على جمع طرقه؛ فقد يكون الحديث ضعيفا من
طرق معينة، لكننا عند تخريجه وقفنا له على طريق. أو عدة طرق. صحيحة.76
5. قد يكون الحديث الذي معنا ضعيفا وبالتخريج نجد له من المتابعات
والشواهد ما يرفعه إلى درجة الحسن.
75: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار .. للحافظ زين الدين العراقي، اعتنى بنشره مستقلا عن الإحياء : أشرف
عبد المقصود : 4/1
76: كذلك قد يكون عندنا حديث منقطع، وعند تخريجه نقف على طريق متصل للحديث.
27
=
مناهج التخريج عند المحدثين
6. عند التخريج نقف على أقوال الأئمة في الحديث وأحكامهم عليه من حيث
الصحة، أو الضعف، أو النكارة، أو غير ذلك.
7. تمييز المهمل من رواة الإسناد : فإذا كان في أحد الأسانيد راو مهمل؛ مثل
(عن محمد)، أو (حدثنا خالد) فعند تخريج الحديث والوقوف على عدد من
طرقه، قد يتميز هذا المهمل؛ حيث يذكر في بعض الطرق مميزا.
8. تعيين المبهم في الحديث؛ فقد يأتي في الحديث ذكر رجل مبهم؛ مثل : جاء
أعرابي إلى رسول الله عَ لّه، فبتخريج الحديث وجمع طرقه قد نقف على تعيين
هذا المبهم.
9. رفع عنعنة 77 المدلس 78: وذلك بأن يرد في سند الحديث رواية مدلس عن
شيخه بالعنعنة . وهذا يجعل الحديث محكوما عليه بالانقطاع . وبالتخريج
يمكننا أن نقف على رواية، أو روايات للحديث؛ إما عن ذلك الراوي المدلس
أو عن غيره ممن يروي الحديث السابق بصيغة من الصيغ الدالة على الاتصال؛
مثل : سمعت، أو حدثني أو أخبرنا، فينتفي ما كنا نخشاه من عنعنة المدلس.
10 . زوال ما يخشى من الرواية عمن اختلط : قد يكون بين أيدينا حديث
فيه راو اختلط، ولا يدرى أهذا الحديث مما رُوِي عنه قبل الاختلاط أو بعده،
فبالتخريج وجمع الطرق، كثيرا ما نعثر على ما يرفع الإشكال، إذ نجد في بعض
هذه الطرق : أن فلانا روى عن فلان قبل اختلاطه، أو أنه لم يسمع منه شيئا بعد
77: الحديث المعنعن هو ما يقال في سنده : عن فلان، عن فلان. والجمهور على أنه متصل إذا أمكن لقاء من
أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا، مع براءة المعَنعِن من التدليس، وإلا فليس بمتصل .- معرفة علوم الحديث،
للحاكم، ذكر النوع الحادي عشر . ص: 34.
78: المدلِّس اسم فاعل من التدليس، والتدليس في اللغة هو كتمان عيب السلعة عن المشتري، وقيل مأخوذ من
الدَلَس : وهو الظلمة.
وفي الاصطلاح : فمعناه عند جماعة أهل العلم بالحديث : أن يكون الرجل قد لقي شيخا من شيوخه، فسمع منه
أحاديث لم يسمع غيرها منه، ثم أخبره بعض أصحابه؛ ممن يثق به عن ذلك الشيخ، بأحاديث غير تلك التي سمع
منه، فيحدث بها عن الشيخ دون أن يذكر صاحبه الذي حدثه بها؛ فيقول : عن فلان، ويعني ذلك الشيخ)).
قاله ابن عبد البر : التمهيد 1 /27.
28
مناهج التخريج عند المحدثين
=
اختلاطه، فيسلم لنا الحدیث.
11. تحديد من لم يحدد من الرواة : كأن يذكر الراوي في الإسناد الذي بين
أيدينا بكنيته أو لقبه أو نسبه، ويكون لهذا الراوي من يشاركه بما ذكر به، مما
يجعل تحديده أمرا عسيرا، لكن بتخريج الحديث نقف على ذكر اسمه صريحا
في بعض الطرق.
12. معرفة زيادات الروايات : فقد تكون الرواية التي معنا غير مشتملة على
ما يفيد الحكم صراحة، وبالتخريج تقف على روايات أخر؛ فتجد فيها ما يفيد
الحكم صراحة، أو ما يوضح المعنى، ويرفع الإشكال.
13. بيان معنى الغريب : قد يكون في الحديث لفظة غريبة، وبتخريجه قد
نقف من خلال طرقه على بيان تلك اللفظة الغريبة؛ فيرتفع الإشكال، وتزول
الغرابة.
14. زوال الحكم بالشذوذ 79: قد يحكم على الحديث. أو جزء منه. بالشذوذ،
وبتخريجه من طرقه المتعددة نقف على ما يرفع ذلك الحكم، ويدفع توهم تفرد
أحد الرواة به .
15. بيان ما في الحديث من المدرج 80 فيه : قد يحكم على حديث ما بالرفع إلى
رسول الله عَّة، من خلال طريق من طرقه، ولكن بتخريجه ومقارنة رواياته قد
نقف على ما يرفع الإشكال ويبين لنا ما في الحديث من إدراج.
16. بيان النقص : قد يُروى الحديث من طريق ينسى فيها الراوي جزءا من
الحديث، أوراويا من الرواة، أو يختصره، وبالتخريج نتبين ما به من نسيان سواء
كان في السند أو المتن، أو الاختصار إلى غير ذلك ...
79: الشذوذ مأخوذ من شذ يشذ إذا تفرد، والشاذ من الحديث عند الشافعي وجماعة من أهل الحجاز : ((ما روى
الثقة مخالفا لرواية الناس، لا أن يروي ما لا يرويه غيره)) . - معرفة علوم الحديث، للحاكم ص: 119.
80 : المدرج اسم مفعول؛ مأخوذ من أدرج الشيء في الشيء إذا أدخله فيه وضمنه إياه، وفي الاصطلاح : هو أن
يذكر الراوي عقب حديث النبي ◌َّه، كلاما لنفسه، أو لغيره، فيرويه مَن بعده متصلا؛ متوهما أنه من الحديث.
ويكون ذلك في المتن كما يكون في السند . - فتح المغيث، للسخاوي 281/1 ...
29
مناهج التخريج عند المحدثين
17. كشف أوهام وأخطاء الرواة : قد يخطئ الراوي أويهم؛ فيركب متن حديث
لسند آخر، أو يغير راويا بآخر، أو يرفع في نسب راو؛ فينسبه لغير آبائه إلى غير
ذلك من أوجه الأوهام والأخطاء، وبالتخريج يرفع الخطأ ويكشف الوهم ويتضح
الصواب.
18. معرفة الرواية باللفظ : قد يكون من مذهب الراوي جواز الرواية بالمعنى؛
فيروي حديثا لا يؤديه بلفظه، وقد يحيل المعنى مما يؤثر على فقه الحديث وما
يستنبط منه من أحكام، وبالتخريج نقف على من رواه بلفظه من الحفاظ.
19 . معرفة أزمنة الأحداث وأمكنتها : قد ترد بعض روايات الحديث دون
الإشارة إلى زمانه ومكانه. أو إلى أحداث لها صلة بذلك. وبالتخريج نقف على باقي
الروايات التي تسعفنا إلى معرفة ذلك.
20. بيان سبب ورود الحديث. أو سبب نزول آية من آي الذكر الحكيم. قد يرد
الحديث جوابا على سؤال من أحد الصحابة لرسول الله عز لته، أوقد تنزل الآية
لسبب من الأسباب، فيذكره الرسول عطلة أو أحد الصحابة، فلو اطلعت على
رواية الحديث من طريق واحدة ما أمكنك معرفة ذلك، وبالتخريج تقف على
سبب الورود لذاك الحديث، أو سبب النزول لتلك الآية.
نماذج يتبين من خلالها بعض فوائد التخريج:
الأنموذج الأول:
حديث البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضاربة؛ فدخلت حائطا فأفسدت
فيه؛ فكلم رسول الله عَ لّه فيها، فقضى بأن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها،
وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم
بالليل.
بتطبيق التخريج على هذا الحديث نتبين أنه أخرجه : أبو داود، وعبد الرزاق،
وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، والنسائي ...
30
مناهج التخريج عند المحدثين
وبعد دراسة طرق هذا الحديث من الطرق التي أخرجها منها الأئمة
المذكورون، وغيرهم تبين أنه وقع الاختلاف فيه على الزهري على سبعة أوجه؛
وهذا تفصيلها :
الوجه الأول: طريق معمر عن الزهري، عن حرام بن سعد 81، عن أبيه أن ناقة
للبراء. الحديث.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه : باب الزرع تصيبه الماشية
(82/10 ح: 18437)، ومن طريقه رواه كل من: أبوداود 828/3 ... ح:3569)،
وأحمد (446/5)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان: باب القصاص، ذکر
ما يحكم فيما أفسدت المواشي أموال الناس غير أربابها ليلا أو نهارا
(354/13 .. ح6008)، والدارقطني (154/3 .. ح:216)، والبيهقي في السنن
الكبرى، كتاب الأشربة والحد فيها، باب الضمان على البهائم (342/8).
قال الدارقطني : (خالفه وهب، وأبو مسعود الزجاج، عن معمر، فلم يقولا :
عن أبيه)، وكذا قال البيهقي.
وقال ابن عبد البر: أنكروا على عبد الرزاق قوله فيه : (عن أبيه). ثم روی
أبو عمر بسنده إلى أبي داود أنه قال : لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا
الحديث : (عن أبيه) .. التمهيد 81/11.
الوجه الثاني : قول الأوزاعي: عن الزهري، عن حرام بن سعد، عن البراء،
قال : كانت له ناقة. الحديث.
أخرجه من هذا الطريق أبو داود (ح:3570)، والنسائي في الكبرى: كتاب العارية،
تضمين أهل الماشية ما أفسدت مواشيهم (411/3 ح:5785)، والدارقطني
(3 /155 ح: 217، ح:219)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، باب ما أصابت
81: حرام بن سعد بن محيصة : من الطبقة الثالثة من التابعين، ثقة، توفي بالمدينة سنة ثلاث عشرة ومائة،
روى له أصحاب السنن الأربعة.
31
مناهج التخريج عندالمحدثين
البهائم في الليل والنهار (203/3)، والحاكم (48/2)، وقال: (هذا حديث صحيح
الإسناد، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي)، ووافقه الذهبي على ذلك.
وهذا سند صحيح متصل إذا صح سماع حرام بن محيصة من البراء، لأن ابن
حبان قال في ثقاته (185/4) إنه لم يسمع منه. وكذا قال عبد الحق الإشبيلي
تبعا لابن حزم. وقد توبع الأوزاعي على روايته؛ فرواه عن الزهري بالسند المتقدم:
عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عند ابن ماجة : كتاب الأحكام،
باب الحكم فيما أفسدت المواشي (2/ 2332)، والدارقطني (155/3 ح:220)،
والبيهقي في السنن الصغير: كتاب الأشربة، باب الضمان على البهائم (3/ 353
ح:3435)، واللفظ عندهم : أن ناقة لآل البراء ...
وعبد الله بن عيسى. ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى . هذا: ثقة،
وإن كان فيه تشيع، وهو من رجال الشيخين، 2® لذا فمتابعته قوية، ولا يؤبه إلى
خلاف معمر السابق الذکر، لما تقدم من كلام أبي عمر، وغيره حولها.
الوجه الثالث: رواية مالك، عن الزهري، عن حرام أن ناقة للبراء. أخرجه
من هذا الطريق مالك : (الزرقاني على الموطأ: القضاء على الضواري والحريسة
83 4/36 .. )، ومن طريقه أخرجه كل من: أحمد (435/5 .. )، والبيهقي (341/8)،
والطحاوي (3/ 203)، وقد تابع مالكا في روايته هاته عن الزهري: الليثُ بن سعد،
كما عند ابن ماجة (ح: 2332).
قال ابن عبد البرفي هذا الوجه : (هذا الحديث، وإن كان مرسلا، فهو حديث
مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه
بالقبول، وجرى في المدينة به العمل ... وحسبك باستعمال أهل المدينة، وسائر
أهل الحجاز لهذا الحديث) اهـ. التمهيد (11 /82).
82 : بل روى له الستة، وكان عبد الله بن عيسى هذا أكبر من عمه وأفضل منه. [تهذيب الكمال 15 /413 ... ].
83: أي المحروسة في المرعى.
32
=
مناهج التخريج عند المحدثين
الوجه الرابع: قول معن بن عيسى : عن مالك، عن الزهري، عن حرام بن
سعد بن محيصة، عن جده محيصة أن ناقة للبراء. هذا الوجه ذكر ابن القطان
الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» أنه في مسند حديث مالك في الموطأ للجوهري.
مخطوط : (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام. باب ذكر أحاديث
أغفل نسبتها إلى المواضع التي أخرجها منها 1/ل:78 الوجه أ). 84
الوجه الخامس: رواية سفيان بن عيينة عن الزهري، عن حرام، وسعيد بن
المسيب أن ناقة للبراء. الحديث.
ومن هذا الطريق أخرجه أحمد (436/5)، وأبو بكر بن أبي شيبة : كتاب
الديات، الدابة والشاة تفسد الزرع (435/9 ح:8025)، وابن الجارود (غوث
المكدود 101/3 ح:796) والبيهقي (342/8).
الوجه السادس : رواية عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن الزهري،
عن أبي أمامة أن ناقة للبراء. أخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق (ح: 18438)،
والدارقطني (156/3 ح: 222).
الوجه السابع: قول ابن أبي ذئب. محمد بن عبد الرحمن. عن الزهري: بلغني
أن ناقة للبراء . ذكره ابن عبد البر.
انظرغير-مأمور: تحفة الأشراف:13/2. ح:1753، تعليق محقق «الإحسان»
354/31 .. ، «الصحيحة» (ح: 238).
الأنموذج الثاني:
روي عن المغيرة بن شعبة؛ قال: «وضأت النبي عَّ في غزوة تبوك، فمسح
أعلى الخفين وأسفلهما».
بتخريج هذا الحديث يتضح أنه رواه في مصنفاتهم كل من: أبوداود، والترمذي،
وابن ماجة، وأحمد؛ وهذا تفصيل ذلك :
84 : وفي النسخة المطبوعة بتحقيق الدكتور الحسين آيت سعيد : 327/2 ح:318.
33
مناهج التخريج عند المحدثين
قال أبو داود . رحمه الله تعالى .:
((حدثنا موسى بن مروان، ومحمود بن خالد الدمشقي، المعنى، قالا : حدثنا
الوليد، قال محمود: أخبرنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن
شعبة، عن المغيرة بن شعبة؛ قال: "وضأت النبي ◌ُ ◌ّه في غزوة تبوك فمسح أعلى
الخفين وأسفلهما". 85
قال الترمذي. رحمه الله تعالى : ((حدثنا أبو الوليد الدمشقي، حدثنا الوليد بن
مسلم، أخبرني ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن
شعبة: «أن النبي ◌َ لِّ مسح أعلى الخف وأسفله». 86
قال ابن ماجة. رحمه الله تعالى .: ((حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم،
ثنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة، عن وراد، كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة
بن شعبة؛ أن رسول الله منّ الله، مسح أعلى الخف وأسفله)). 87
وقال أحمد. رحمه الله تعالى .: ((حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ثور عن رجاء
بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة أن رسول الله عَ ليه توضأ فمسح أسفل
الخف وأعلاه)). 88
وبتخريج هذا الحديث وتتبع أقوال أئمة الحديث وأقوالهم في الحكم عليه
يتبين أن به العلل الآتية :
الأولى : أن ثور بن يزيد لم يسمع الحديث من رجاء بن حيوة. 89
الثانية : أن الحديث مرسل .
الثالثة : أن كاتب المغيرة بن شعبة مجهول لا يعرف.
85: سنن أبي داود. كتاب الطهارة. باب كيف المسح 63. (116/1 ح: 165).
86: جامع الترمذي. أبواب الطهارة. باب ما جاء في المسح على الخفين: أعلاه وأسفله 72 (162/1 .. ح: 97).
87: سنن ابن ماجة. كتاب الطهارة وسننها. باب في مسح أعلى الخف وأسفله. (183/1 ح: 550).
88: مسند الإمام أحمد : 4 /251.
89: ذكر هذه العلة أحمد وأبو داود والدار قطني.
34
مناهج التخريج عند المحدثين
الرابعة : أن الوليد بن مسلم مدلس؛ وقد عنعنه.
الخامسة : مخالفة متن رواية الوليد بن مسلم من حيث التنصيص على
المسح على أعلى الخفين وأسفلهما لرواية عبد الرحمن بن أبي الزناد المشتملة
على المسح على ظاهر الخف فقط، وتضعيف أئمة الحديث للرواية الأولى، مع
قبولهم للثانية.
أما عن العلة الأولى : فأجاب عنها ابن القيم في «تهذيب سنن أبي داود» وابن
التركماني في «الجوهر النقي9» وحاصل الجواب أن الدارقطني أخرج الحديث في
سننه ® من طریق داود بن رشید، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن یزید، نا
رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة الحديث. فصرح ثور بالتحديث، فزالت العلة.
وقد تابعهما المحدث أحمد شاكر عند كلامه على علة الحديث في جامع
الترمذي.
لكن يمكن أن يجاب على ذلك بما ذكره ابن حجر في «التلخيص الحبير»92؛ بأن
الحديث رواه أحمد بن عبيد الصفار . في مسنده. عن أحمد بن يحيى الحلواني
عن داود بن رشيد؛ فقال : عن رجاء. ولم يقل حدثنا رجاء.
قال ابن حجر: ((فهذا اختلاف على دواد يمنع من القول بصحة وصله، مع ما
تقدم في كلام الأئمة)).
وتتأكد هذه العلة أن عبد الله بن المبارك خالف الوليد بن مسلم في وصله.
فرواه عبد الله بن أحمد في «كتاب العلل» وابن حزم في «المحلى» (114/2) من
طريق عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد؛ قال : ((حُدثت
عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة، عن النبي معرّ اللّه مرسلا، ليس فيه : عن
المغيرة ... )).
90: الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى 290/1 ...
91: سنن الدار قطني. كتاب الطهارة. باب الرخصة في المسح على الخفين وما فيه واختلاف الروايات 195/1 ح: 6.
92: ساق هذه الرواية ابن حجر في «التلخيص الحبير»:1/ 160، ورواها البيهقي في السنن الكبرى كذلك:1 /290.
35
مناهج التخريج عند المحدثين
هكذا روى ابن المبارك، وهو ثقة إمام، حجة لا يرتاب أي محدث في تقديمه
على الوليد بن مسلم .. 93
ثم إن الأثرم قال : ((كان أحمد يضعف هذا الحديث ويقول : ذكرته لعبد
الرحمن بن مهدي؛ فقال: «عن ابن المبارك، عن ثور. حُدثت عن رجاء عن كاتب
المغيرة، ولم يذكر المغيرة».
قال أحمد : وقد كان نُعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك، كما حدثني
الوليد بن مسلم به عن ثور. فقلت له : إنما يقول هذا: الوليد، فأما ابن المبارك
فيقول : «حُدثت عن رجاء»، ولا يذكر المغيرة. فقال لي نُعيم : هذا حديثي الذي
أسأل عنه، فأخرجَ إلي كتابه القديم، بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين
بخط ليس بالقديم : «عن المغيرة» فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في
الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد، وأنا أسمع: «اضربوا على هذا
الحديث»)) .*
قال أبو داود السجستاني: ((وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)).
أما عن العلة الثانية: فالمراد أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي عَ ليه مرسلا،
ولم يدركه، وهذا ما رجحه البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان؛ قال أبو
عيسى الترمذي : ((وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل. يعني البخاري. عن
هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء
[بن حيوة]؛ قال حدثت عن كاتب المغيرة: مرسل عن النبي عَبله، ولم يذكر فيه
المغيرة)).
93: وإذا كان المحدث أحمد شاكر قد حاول أن يتفصى من ذلك بقوله أن الوليد بن مسلم ثقة، وأن أقصى ما
يقال في هذا الحديث أنه زاد عن ابن المبارك، وأن زيادة الثقة مقبولة. فإن أبا إسحاق الحويني قد تكفل بالرد عليه
في «غوث المكدود» : 79/1 ...
94: نقل كلام الأثرم هذا الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير»: 1/ 159.
36
مناهج التخريج عند المحدثين
وقال ابن أبي حاتم : ((سألت أبي، وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالا: هذا
أشبه)). والمراد أنه لم يذكر فيه المغيرة .
أما العلة الثالثة : فهي جهالة كاتب المغيرة؛ فقد جاء في سند الحديث عند
أحمد، وأبي داود ...: "عن كاتب المغيرة"، هكذا على الإبهام، ثم إن ابن حزم يقول
في "المحلی" : "هو مجهول". لکن ورد في رواية ابن ماجة التصریح باسمه: "وراد"
ووراد هذا لقب لأبي سعيد الثقفي، وهو مولى المغيرة وكاتبه، ثم إنه من رجال
الصحيحين5%، فلا يلتفت إلى من جَهَّله.
أما العلة الرابعة : عنعنة الوليد بن مسلم؛ وهو مدلس.
وهذه تندفع برواية الحديث من طريق أبي داود، وأحمد؛ حيث جاء فيهما
تصريحه بالتحديث.
هذا عن علل السند، أما عن المتن : فمخالفة رواية الوليد بن مسلم لرواية
عبد الرحمن بن أبي الزناد؛ ففي متن الأولى: (فمسح أعلى الخفين وأسفلهما)،
بينما في الثانية : (فمسح ظاهر الخف)، وقد حكم على رواية الوليد بالضعف
كل من : الشافعي، وأحمد، ونُعيم بن حماد، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة،
وأبو داود، والترمذي، وابن حزم ...
وقال ابن أبي حاتم الرازي في "العلل": ((سمعت أبي يقول في حديث الوليد
[بن مسلم]، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة
[بن شعبة] أن النبي عَّ ◌ُّ مسح أعلى الخف وأسفله. فقال: ليس بمحفوظ)). 96
وناهيك باجتماع كلمة هؤلاء الجهابذة على حكم واحد حول الحديث.
95: تهذيب الكمال، للحافظ المزي 431/30 ترجمة 6682.
96: علل الحديث، لابن أبي حاتم الرازي 1 /54 المسألة 135.
37
مناهج التخريج عندالمحدثين
وممن روى رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد: أبو داود، 97 والترمذي®°، وأحمد،
والبخاري في التاريخ الأوسط. حسب ما ذكره ابن حجر في «التلخيص الحبير» 99.
وابن الجارود 100، والدارقطني في السنن 101؛ نعم كل هؤلاء رووا الحديث من طريق
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة ويئُعنه أنه
قال: رأيت رسول الله عز لته مسح على ظهر الخفين . وهو حديث حسن.
ثم إنه مخالف كذلك لما ثبت عن علي وتُعنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي؛
لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول عدّ له، يمسح على ظاهر
خفيه". 102
قلت : هذه بعض فوائد تخريج هذا الحديث، ويمكن أن يضاف إلى ذلك :
أنه استفيد من طريق أبي داود وغيره: ذكر توقيت زمان الحديث، وأنه كان في
غزوة تبوك ...
103
طرق التخريج:
تتنوع طرق تخريج الحديث لصفات تعود بعضها للباحث، وأخرى تعود على
مناهج المحدثين في مصنفاتهم، ويمكن أن نجمل هذه الطرق في ستة، وهذا ذكرها
حسب ظهورها :
1. طريقة الاستقراء والتتبع.
97: سنن أبي داود. كتاب الطهارة . باب كيف المسح: 1/ 114 ح:161.
98: وقال الترمذي عقبه : حديث المغيرة حديث حسن. (جامع الترمذي 1/ 165 ح:98).
99: ولما ذكر البخاري هذا الحديث عقب عليه بقوله : ((وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة)). عن
التلخيص الحبير 1 /159 عدد 218.
100: غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود 1 /84 .. ح: 85.
101: سنن الدارقطني 1/195 ح:8.
102: أخرجه أبو داود. كتاب الطهارة. باب كيف المسح (114/1 .. ح: 162).
103: وهناك فوائد أخرى يمكن الاطلاع عليها بالرجوع إلى: تعليقات الشيخ أحمد شاكر على جامع الترمذي:
1/ 162 ... ، مشكاة المصابيح بتعليق الشيخ الألباني 162/1 ح: 521، ح: 522، غوث المكدود بتخريج منتقى
ابن الجارود 1/ 78 ...- طرق تخريج حديث رسول الله عز له لعبد المهدي بن عبد الهادي ص: 14 ...
38
مناهج التخريج عند المحدثين
2. طريقة ترتيب الأحاديث على الكتب والأبواب الفقهية.
3 . طريقة ترتيب الأحاديث حسب الراوي الأعلى من الصحابة، أو ترتيب
الأحاديث على الأطراف.
4. طريقة ترتيب الأحاديث حسب حروف المعجم.
5. طريقة ترتيب الأحاديث بناء على صفة ظاهرة فيها.
6. طريقة ترتيب الأحاديث على ألفاظ المعاجم.
وهذه الطرق يجب على الباحث الإلمام بها جميعها، وبعضها لا يغني عن بعض؛
إذ تستخدم كل طريقة حسب المعطيات التي عند الباحث، والمؤهلات العلمية
لديه وهذا تفصيلها :
39
مناهج التخريج عند المحدثين
أولا : طريقة تخريج الحديث عن طريق الاستقراء والتتبع :
هي طريقة سبيلها البحث الدقيق عن الحديث النبوي الذي يراد تخريجه
والتنقيب عليه في بطون المصادر الحديثية، وما يلحق بها من أجزاء ومعاجم
ومشيخات ومصنفات، وهي أصل سائر طرق التخريج، والباحث الذي يريد
استعمال هذه الطريقة يلزمه أن يكون ذا أخلاق علمية؛ من صبر وتحمل وطول
مراس؛ لأن الرجوع إلى سائر مصادر الحديث النبوي المتنوعة لتخريجه حديثه
المطلوب يتطلب منه الأناة والصبر الطويل لتقليب هذه الكتب والنظر فيها.
ومن المرغوب فيه لمن يريد هذا السبيل من التخريج :
أن تكون المكتبة التي يشتغل بها متوفرة على أغلب المصادر والأمهات الحديثية
وما يلحق بها.
أن يبدأ في البحث والتنقيب في الأمهات والمصادر الأصلية في الحديث، ثم التي
تليها أهمية.
ألا يمل أو يسأم عند عدم العثور على ضالته، رغم طول البحث وشدة العناء.
أهم مميزاتها :
هي من أثبت الطرق في التخريج؛ لأن صاحبها ينقب في الأمهات والأصول
المعتمدة، ولا يعتمد على مجرد الفهارس والكتب الموضوعة لتقريب الحديث من
الباحث؛ إذ كثيرا ما يقع الزلل من المفهرسين، أو عدم احترامهم للمنهج الذي
رسموه للفهرسة ...
تعتبر هذه الطريقة من أجود الطرق وأنفعها للمشتغلين بحديث رسول الله مع التح.
إذ تمكنهم من الاطلاع على ذخيرة هامة من الحديث النبوي الشريف، والذي يتمرس
بهذه الطريقة يصير له إلمام بمواقع الأحاديث وأماكنها في مصادرها.
40