النص المفهرس
صفحات 1-20
بسر عند الرحمن الرحيم
مناهج التخريج
عند المحدثين
تأليف :
الدكتور محمد الخرشافي
تصميم فني: راشيدي محمد
1
2
مناهج التخريج عند المحدثين
مُقَدَمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا
إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تَقَاتِهِ وَلاَ تَمْوَقَنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
(102)} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الْذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسِ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَتْ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَأَتَّقُوا اللَّهِ الْذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهِ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهِ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِمْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
فَوْرًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70،71].
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد عبد الله، وشر الأمور
محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد فإني ألفيت كثيرا ممن يتعاطى العلم، وينتسب له، يذكر في معرض
الاحتجاج بأحاديث رسول الله علبة أحاديث ضعيفة أو موضوعة، ولا يأبه، بل لا
يبحث في مخرجها ودرجتها، وكان عليه أن يحتاط لدينه، وألا ينسب إلى رسول الله
بطاقه، إلا ما صح لدیه نسبته إلیه، وقد قال رسول الله يبت} . :
(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) !.
وهذه مذكرة في مناهج التخريج وطرقه، ليست بالمطولة، ولا المسهبة تقرب
المادة، وتبسطها ببعض الأمثلة حتى لا تكاد تحتاج إلى مساعد.
1. حديث متواتر.
3
مناهج التخريج عند المحدثين
ولما كانت أعمال الإنسان محفوفة بالنقص، فإني ألتمس ممن رأى ما يستدعي
التعقيب أو النصح ألا يتوانى في ذلك؛ ما دام قصده الصلاح والإصلاح، قال
تعالى: {إِنْ أَريحُ إلَّ الْإصْلَامَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِ إِلَا بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أِنِيبُ (88)} [هود: 88].
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ((ولولا أن الحق لله ورسوله، وأن كل ما عدا
الله ورسوله، فمأخوذ من قوله ومتروك، وهو عرضة الوهم والخطأ، لما اعترضنا
على من لا نلحق غبارهم، ولا نجري معهم في مضمارهم، ونراهم فوقنا في مقامات
الإيمان، ومنازل السائرين كالنجوم الدراري، ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه،
ومن رأى في كلامنا زيفا، أو نقصا، أو خطأ، فليهد إلينا الصواب، نشكر له سعيه،
ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم)). 2
وكان الفراغ من كتابته في فاتح ربيع الأول من عام 1421 هجرية الموافق 3
يونيو 2000 ميلادية.
عبيد ربه الفقير إلى رحمته محمد الخرشافي.
كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق. الدار البيضاء.
2. مدارج السالكين (2 /137).
4
مناهج التخريج عند المحدثين
تمهيد :
كان سلف هذه الأمة الصالح من أهل العلم والمعرفة . رحمهم الله تعالى .
يهتمون بأحاديث رسول الله عَ لله رواية وتلقينا وحفظا وشرحا، وكان اعتمادهم
على التلقي والمشافهة والحفظ والمدارسة، فكانت أحاديث رسول الله عَ ليه طوع
أيديهم، وكأنها في صفحة واحدة؛ يأخذ كل واحد منهم طلبته من غير تعسف ولا
جهالة ولا شطط.
هكذا كان شأنهم؛ فإذا سُئل أحدهم عن حديث، لم يجد عناء في معرفة
مخرجه وموطن روايته، ولذا قَلت الحاجة عندهم إلى معرفة أصول التخريج
ومناهجه؛ فهم يزاولون هذا العلم تطبيقا، شأنهم شأن من يتكلم اللغة العربية
سليقة، دون تعلم قواعدها وضوابطها، أو شأن من ينظم الشعر بطبعه، دون أن
يدرس علمي العروض والقافية.
ولذا يمكن أن يقال إن العلماء في العصور السابقة لم يكونوا بحاجة إلى
معرفة القواعد الموصلة إلى تخريج الحديث من مصادره المختلفة؛ لأن اطلاعهم
على مصادر السنة كان اطلاعا واسعا، وصلتهم بمصادر الحديث الأصلية كانت
وثيقة؛ فكانوا عندما يحتاجون للاستشهاد بحديث ما سرعان ما يتذكرون
موضعه في كتب السنة، بل وفي أي جزء من تلك الكتب، أو معرفة مظانه في
المصنفات الحديثية على الأقل، وهم على علم أيضا بطريقة تأليف تلك
المصنفات وترتيبها، لذا سهل عليهم الاستفادة منها، والمراجعة فيها لاستخراج
الحديث، وكذلك المصنفات غير الحديثية التي تورد الأحاديث؛ فهم على مقدرة
في معرفة مکانه منها، والوصول إليه بسهولة ويسر.
واستمرت هذه الشمولية في المعرفة عدة قرون، إلى أن ضاق اطلاع كثير من
العلماء والباحثين على كتب السنة ومصادرها الأصلية، فصعب عليهم حينئذ
معرفة مواضع الأحاديث التي استشهد بها المصنفون، في العلوم الشرعية
وغيرها؛ كالفقه وأصوله، والتفسير والتاريخ واللغة والأدب؛ فنهض بعض
5
مناهج التخريج عند المحدثين
العلماء مدركين خطورة الموقف؛ فخرجوا أحاديث بعض الكتب المصنفة في غير
الحديث، وعزوا تلك الأحاديث إلى مصادرها من كتب السنة الأصول، وذكروا
طرقها، وتكلموا على بعضها. أو كلها . بالتصحيح والتضعيف حسب ما يقتضيه
المقام؛ فظهر ما يسمى بكتب التخريج ككتاب : «تخريج الفوائد المنتخبة
الصحاح والغرائب، لأبي القاسم المهرواني1»، للخطيب البغدادي (ت 463
هـ)، وكتاب تخريج أحاديث المهذب 2 من تصنيف محمد بن موسى الحازمي
(ت584هـ). 3
و«الراية لأحاديث الهداية»، للزيلعي (ت762هـ)، وتتابع التأليف في التخريج.
ثم انقضت الفترة السابقة، وجاء العصر الذي نعيش فيه، حيث تغيرت أحوال
الباحثين ومن ينتسب للعلم؛ إذ بعدت بعدا شديدا عن كتب الحديث وعلومه،
وجهلوا طريقة تصنيفها وترتيبها، فضلا عن معرفة محتوياتها ومكنوناتها، وكثر
السؤال بشكل ملفت للنظر عن معرفة مواضع كثير من الأحاديث المشهورة
والمسطَّرة في الأصول، والتي لا يليق بالمبتدئين السؤال عنها، فضلا عن طلبة العلم
في حلقات الدراسات العليا والباحثين.
بل بلغ الأمر أن كثيرا من الباحثين يقرأ في كتاب ما أن هذا الحديث مخرج في
الصحيح عند البخاري أو مسلم مثلا، فلا يهتدي إلى الطريقة التي يسلكها للوقوف
على نص الحديث في الكتاب المذكور؛ وذلك لجهله بمنهج تصنيفها وطريقة ترتيبها.
وهذه الحالة أملت على طائفة من العلماء والباحثين المعاصرين أن يقوموا
1: هو : الشيخ الإمام أبو القاسم يوسف بن محمد المهرواني المتوفى سنة 468 هـ .
انظر ترجمته في : سير أعلام النبلاء 18 /346 ترجمة 166.
2: وكتاب «المهذب» في الفقه الشافعي للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزبادي الشيرازي (ت486 هـ)،
والكتاب مطبوع؛ وعليه شروح؛ منها المجموع للنووي. انظر: مرجع العلوم الإسلامية، لمحمد الزحيلي. ص:514.
3: قال الذهبي : ((أملى طرق الأحاديث التي في المهذب للشيخ أبي إسحاق، وأسندها، ولم يتمه)).
- سير أعلام النبلاء 21 /168.
6
مناهج التخريج عند المحدثين
بالواجب ويلموا شعت ما تفرق من قواعد التخريج ومباحثه من بطون كتب
الحديث وعلومه وغيرها، ولعل ما في هذه المذكرة يسير في هذا السياق.
تعريف التخريج :
C التعريف اللغوي :
التخريج في اللغة يطلق على معان متعددة، ولكنه يرجع إلى معنى عام هو
اجتماع أمرين متضادين في شيء واحد ومكان واحد؛ قال الزبيدي في القاموس :
(وعام فيه تخريج؛ أي خصب وجدب، وأرض مخرجة کمنقشة نبتها في مكان دون
مكان، وخرج الغلام اللوح تخريجا : كتب بعضه وترك بعضه. والخرَج. بالتحريك
.لونان من بیاض وسواد).4
ويمكن أن يذكر من معانيه:
1. الاستنباط: قال في القاموس : (والاستخراج والاختراع: الاستنباط).5
2. التدريب: قال في القاموس : (خرجه في الأدب فتخرج، وهو خريج. كعنين. بمعنى
مفعول) أي مخرج.،
3. التوجيه : يقال خرج المسألة وجهها، أي بين لها وجها.
(والمخرج: موضع الخروج. يقال: خَرَجَ مخرجاً حسنا، وهذا مَخْرَجُه).7
ومنه قول المحدثين : «هذا حديث عُرف مَخْرَجُهُ» أي موضع خروجه، وهو رواة
إسناده الذين خُرِّج الحديث من طريقهم.
(والخروج نقيض الدخول، وقد أخرجه وخرج به)®، فيكون الإخراج معناه الإبراز
والإظهار؛ ومنه قوله تعالى: {كَزَرْمِ أَخْرَجَ شَطْأَهْ} [الفتح: 29]، وقوله
تعالى: {فَخَرَمَ عَلَى قَوْمِهِ فِي رِيِنَّتِهِ} [القصص: 79].
4: القاموس : 191/1 ... بتصرف.
5: القاموس : 192/1.
6 : القاموس : 92/1.
7: لسان العرب :2 /249.
8: لسان العرب : 249/2.
7
مناهج التخريج عند المحدثين
نماذج من المصطلحات المشتقة من مادة «خرج»
سنذكر في هذا المبحث بعض المصطلحات العامة المشتقة من مادة «خرج»؛
طائفة منها تخص المحدثين، وأخرى لهم ولغيرهم، أو لغيرهم فقط :
- التخريج بمعنى الإلحاق:
جرت عادة المصنفين والنساخ بقراءة ما كتبوا أو نسخوا؛ فإذا وجدوا أنهم
نسوا شيئا ما، كتبوا خطا بموضع النقص صاعدا إلى تحت السطر الذي فوقه،
ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافا يشير إليه، ثم يكتب في الحاشية
اللحق قبالة الخط المنعطف ... وهذا ما جعل القاضي عياض يعقد فصلا في
كتابه «الإلماع» تحت عنوان: (باب التخريج والإلحاق للنقص) °، وقال الحافظ
العراقي : (تخريج الساقط). 10
- المَخْرَج بمعنى الطريق أو الرواية:
يستعمل المحدثون لفظة المخرج، ويعنون به الطريق أو الرواية ونحو ذلك،
وقد يصفونه بالضيق أو الاتساع أو الكثرة أو الضعف؛ ومن هذا القبيل ما قاله
العراقي في مقدمة «تخريج أحاديث الإحياء» : (فاقتصرت فيه على ذكر طرف
الحديث وصحابيه ومُخَرِّجِه، وبيان صحته، أو حسنه، أو ضعف مخرجه فإن
ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة، بل وعند كثير من المحدثين عند
المذاكرة والمناظرة، وأبين ما ليس له أصل في كتب الأصول)).11
ولما تناول السخاوي الحديث الغريب 12 أشار إلى أنه ربما یسمی کل من قسمي
الغريب [الفرد المطلق والفرد النسبي] ضيق المخرج، ثم ذكر كون الحاكم مثل
9: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت544هـ). ص : 162.
10: التبصرة والتذكرة : 2 /137 ... 142، وينظر: علوم الحديث، لابن الصلاح ص: 171 ... ، وتقريب
النووي مع شرحه تدريب الراوي : 2 /79 ...
11: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، للحافظ زين الدين العراقي : 3/1 ...
12: فتح المغيث : 4/4. (بتحقيق الشيخ علي حسين علي).
8
مناهج التخريج عند المحدثين
لذلك بحديث من صحيح البخاري؛ وهو: ((حدثنا عمرو بن زرارة؛ قال : أخبرنا
عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد عن عثمان بن أبي رواد أخي عبد
العزيز؛ قال : سمعت الزهري يقول : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو
يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه
الصلاة قد ضيعت)) 13.
فهذا الحديث عده الحاكم أضيق أحاديث صحيح البخاري مَخْرَجاً؛ نقل
السخاوي ما تقدم، ثم عقب بقوله : ((وكأن ضيقه مخصوص برواية الحداد
14 . (
عن عثمان بن أبي رواد ... )).
تخرج بفلان: فهو خريجه:
يستعمل المحدثون هذه العبارة للدلالة على ملازمة التلميذ للشيخ ملازمة
طويلة للاغتراف من معينه والري من علمه؛ ومن ذلك قول الذهبي في الحافظ
أبي بكر محمد بن عمر، المعروف بابن الجِعابي (ت355هـ) : ((أنه تخرج بأبي
العباس بن عقدة )). 15
كما تستعمل في مدح الشيخ والثناء عليه؛ لشيوع فضله على أهل عصره؛ نحو
ما قال الذهبي في ترجمة يحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ): ((وتخرج به
الحفاظ)). 16
وكقول الذهبي كذلك في ترجمة الحافظ أحمد بن إبراهيم؛ الشهير بأبي
جعفر؛ ابن الزبير الغرناطي (ت 708هـ): ((تخرج به الأصحاب)).17
خرج لفلان: أي أسند له:
يقال خرج كتابه، أو خرج التخاريج لنفسه إذا أسند لنفسه؛ نحو قول الذهبي
13: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها: فتح الباري 13/2 ح: 530.
14: فتح المغيث 5/4.
15: تذكرة الحفاظ، للذهبي : 925/3.
16: سير أعلام النبلاء 9 /176.
17: تذكرة الحفاظ : 4 /1484.
9
مناهج التخريج عند المحدثين
في ترجمة يحيى بن عبد الوهاب؛ الشهير بابن منده (ت 511هـ): ((وخرج التاريخ
لنفسه)). 18
كما تستعمل منسوبة إلى غيره؛ نحو قول الذهبي في ترجمة الحافظ أبي عبد
الله محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي (ت 636هـ): (خرج لخلق كثير). 19
ونحوقول الذهبي في ترجمة الحافظ محب الدين محمد بن محمود البغدادي،
الشهير بابن النجار (ت 643هـ): ((وخرج لغيرواحد)).
يُخَرَّجُ حديثُه : أي يعتبربه:
تقال هذه العبارة فيمن كانت روايته لا تدرج ضمن الصحيح، ولكن يستأنس
بها لتقوية غيرها سواء في الشواهد 20 أو المتابعات 21 .
التخريج بمعنى الجمع والتصنيف والتأليف:
نقل ابن عبد البرعن شيخه أبي محمد عبد الله بن محمد بن أسد، رحمه الله،
أنه قال : ((سمعت حمزة بن محمد الكناني يقول : خرجت حديثا واحدا عن
النبي ◌َّ الله من مائتي طريق، أو نحوا من مائتي طريق؛ قال : فداخلني من ذلك
من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك؛ قال فرأيت ليلة من الليالي يحيى بن معين
في المنام، فقلت له:يا أبا زكرياء خرجت حديثا عن النبي عدّة، من مائتي طريق، قال:
فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1)}
[التكاثر: 1])).
18: تذكرة الحفاظ : 4 /1251.
19: تذكرة الحفاظ : 1424/4.
20: الشاهد هو الصحابي الذي يشارك غيره في رواية أصل الحديث، وإن لم يروه بعينه.
- معجم مصطلحات الحديث ولطائف الإسناد، للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي. ص: 200.
21: المتابعة هي أن يشارك الراوي غيره في رواية حديث بعينه، والغرض من بحث المتابعة تقوية الحديث إن كان
الراوي ضعيفا، أو نفي التفرد ولو كان ثقة.
والمتابعة تنقسم إلى قسمين : متابعة تامة؛ وهي أن تحصل المشاركة للراوي في أول الإسناد. ومتابعة قاصرة؛ وهي أن
تحصل المشاركة للراوي في أثناء الإسناد.
- معجم مصطلحات الحديث .. للأعظمي ص: 341 ..
22: جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر 161/2 ... ونقله السخاوي في فتح المغيث (3 /329) للتمثيل على
ذم من قصد بجمعه المكاثرة.
10
مناهج التخريج عند المحدثين
وقال الخطيب : ((وحدثني محمد بن علي الصوري ؛ قال : رأيت أبا محمد عبد
الغني بن سعيد الحافظ في المنام في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فقال لي : يا أبا
عبد الله، خَرِّجْ وصنف قبل أن يحال بينك وبينه، هذا أنا قد حيل بيني وبين ذلك،
ثم انتبهت)).23
وعلى هذا المعنى [أي التخريج بمعنى التصنيف والجمع] جرى مصطلح
طائفة ممن كتب في علوم الحديث كالعراقي في ألفيته 24، وفي شرحها «التبصرة
والتذكرة»،25 وكذا الشيخ زكرياء الأنصاري في شرحه لها : «فتح الباقي»، 26
والسيوطي في ألفيته، 27 وكذا في شرحها للترمسي 28، وكذا المناوي في «فيض
القدير»29، ومحمد أبو شهبة في «الوسيط في علوم ومصطلح الحديث». 30
الإخراج والتخريج:
تتقارب الدلالة اللغوية بين أخرج وخرّج، ومن المحدثين من لم يفرق بين
23: الجامع لخلاق الراوي وآداب السامع 283/2 عدد 1861. وعنه نقله كذلك السخاوي في فتح المغيث
.320/ 3
24: قال الحافظ العراقي في ألفيته (فتح المغيث 3 /307) :
بِهِ، والإتقانَ اصْحَبَنْ وبادِ
***
واحْفَظْهُ بالتدريج ثم ذَاكِرِ
تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وهو في التصنيف
***
إذا تَأهلتَ إلى التأليفِ
أو مسنداً تُفْرِدُهُ صِحابَا
***
طريقتان جَمْعُه أبوابا
يعقوب أَعْلَى رُتْبَةً وما كَمَلْ
***
وجَمهُ معلِّلاً كما فَعَلْ
تَرَاجِماً أو طُرُقاً وقد رأَوْا
***
وجمعوا أبوابا أو شيوخاً أو
كذاك الإخراجُ بلا تحريرِ
***
كراهةَ الجمع لِذِي تقصيرِ
25: انظر : «التبصرة والتذكرة» 241/2 ... 251.
26: انظر : «فتح الباقي» 241/2 ... 251.
27.انظر : «ألفية السيوطي في علم الحديث» مع شرح الأستاذ أحمد محمد شاكر . ص: 94 ...
28:انظر: «منهج ذوي النظر»، شرح منظومة علم الأثر للحافظ السيوطي، لمحمد محفوظ ابن عبد الله التّرْمِسِي ص: 191 ...
29: انظر : «فيض القدير» 20/1 ...
30: انظر : «الوسيط في علوم ومصطلح الحديث» لمحمد بن محمد أبو شهبة. (ص: 81، 353، 362).
11
مناهج التخريج عند المحدثين
معنيبهما، لكن أهل التحري والدقة منهم ميزوا بين اللفظتين 31 وبينوا ما بينهما
من معاني تتفق أوتختلف .
فمصدر (أخرج)): (إخراجا)).
يقال: «أخرج فلان الحديث»، ومعناه عند المحدثين روايته للحديث بالإسناد
من مخرجه وراويه إلى رسول الله عَّسة، إن كان مرفوعا، أو إلى الصحابي إن كان
موقوفا، أو إلى التابعي إن كان مقطوعا؛ لأنه قبل إسناده كان مستور الحال،
مجهول الرتبة كأنه معدوم، فبإسناده المقول إلى قائله أبرزه للوجود، وأخرجه
للإنتفاع به ومعرفة رتبته .
وقد تستعمل في انفصال شيء من المكان الذي هو فيه إلى مكان آخر، ومن
هذا الاستعمال قولهم لعمل المحدث الذي يُخْرج الحديث من بطون الكتب :
«إخراج».
فإذا نظرت. مثلا. إلى خبر تأليف مالك. رحمه الله تعالى. «للموطاً»، وأحمد .
رحمه الله تعالى. للمسند، والبخاري ومسلم . رحمهما الله تعالى. «الصحيحين»
: من أن كل واحد منهم بلغت مروياته الألوف المؤلفة، فأخرج كل واحد منهم في
كتابه منها ما ارتضاه في كتاب مستقل ؛ حيث فصلوا هذه المرويات الخاصة
وأخرجوها من مروياتهم العامة.
أما «خرَّج» الرباعي فمصدرها : «التخريج» على وزن التَّفْعِيل، مثل قَدَّس
تَقْدِيسًا، وعَلَّم تَعْليمًا.
يقال: «خرج فلان أحاديث كتاب كذا»، إذا عزا ما فيه من أحاديث. غير مسندة،
أو مسندة. إلى كتاب أو كتب مسندة مع بيان درجتها أو ما فيها من العلل ... ولا يقال
فيه أخرجها، كما تطلق لفظة التخريج عندهم على تصنيف معجم أو مشيخة،
أو جزء حديثي ... 32
31: تذكرة الحفاظ : 4/1428.
32. انظر : حصول التفريج ص: 3، 4.
12
مناهج التخريج عند المحدثين
التخريج عند المحدثين :
يطلق التخريج عند المحدثين على عدة معان؛ منها :
1. أن التخريج يرادف الإبراز؛ فيقولون: هذا حديث أخرجه البخاري، أي أنه
أبرزه للناس بذكر مخرجه؛ وهو رجال إسناده الذين روي الحديث من طريقهم.
وإلى هذا المعنى أشارابن الصلاح في علوم الحديث بقوله: «وللعلماء بالحديث
في تصنيفه طريقتان؛ إحداهما التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام
الفقه وغيرها ... » 33
والمراد بإخراجه روايته للناس في كتابه.
2. ويطلق على إخراج الأحاديث من بطون الكتب وروايتها، وفي هذا المعنى يقول
السخاوي : ((والتخريج إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات
والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه، أو بعض شيوخه، أو أقرانه، أونحو
ذلك، والكلام عليها، وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين ... )). 34
وقال الحافظ العراقي في مقدمة كتابه : «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد»
عند كلامه على منهجه في الكتاب : ((وحيث عزوت الحديث لمن خرجه فإنما أريد
أصل الحديث لا ذلك اللفظ ... فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رويته
منه، عزوته إلیه بعد تخريجه)). 35
ومن هذا ما نقل الخطيب البغدادي. رحمه الله تعالى. عن بعض شيوخه أنه
قال: ((من أرادا الفائدة فليكسر قلم النسخ، وليأخذ قلم التخريج)). 36
ونحو هذا المعنى أورده الذهبي عند ترجمته لأحمد بن عبيد بن إسماعيل
الصفار؛ حيث قال : ((الحافظ الثقة أبو الحسن البصري الصفار، مصنف
33: علوم الحديث، بتحقيق نور الدين عتر، ص: 228، التقييد والإيضاح ص: 255.
34: فتح المغيث، بتحقيق علي حسين علي، 3/ 318.
35: تقريب الأسانيد، للزين العراقي. ص:4 .. ومن المعلوم أن الحافظ العراقي يروي أحاديث كتابه «التقريب»
بأسانيده إلى مصنفي الكتب التي أخرجته؛ وقد ذكر ذلك في المقدمة .
36: الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع 282/2.
13
مناهج التخريج عند المحدثين
السنن، الذي يكثر أبو بكر البيهقي من التخريج منه في سننه)).
37
ولما تكلم الزبيدي على شرح حديث: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا ... )38،
قال رحمه الله: ((والمراد بالحفظ: النقل إليهم بطريق التخريج والإسناد، صحاحا
كن أوحسانا .. )). 39
3 . ويطلق على معنى الدلالة والإرشاد، أي الدلالة على مصادر الحديث
الأصلية ونسبته إليها؛ وذلك بذكر من رواه من المؤلفين؛ قال المناوي عند قول
السيوطي: «وبالغت في تحرير التخريج» ما نصه : ( ... بمعنى اجتهدت في تهذيب
عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن والمسانيد،
فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه
40
إلى من ليس من أهله. وإن جل. كعظماء المفسرين).
وكان من عادة المحدثين أن يخصصوا يوما في الأسبوع للإملاء؛ حيث يملي
المحدث حديثا أو أحاديث بسنده، ثم يقوم بشرح غريبها وبيان بعض فوائدها
ونكاتها ... فإذا كان المحدث أهلا لذلك اعتمد على ما لديه من علم ومعرفة، وإن
لم يكن كذلك استعان ببعض حفاظ عصره لتخريج أحاديثه قبل إملائها؛ وهذا
ما عناه الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بقوله : ((وإن لم يكن الراوي من أهل
المعرفة بالحديث، وعلله واختلاف وجوهه وطرقه، وغير ذلك من أنواع علومه،
فينبغي له أن يستعين ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها
41
قبل يوم مجلسه)).
37: تذكرة الحفاظ : 3 /876.
38: قلت : هذا الحديث ضعيف وإن كثرت طرقه.
39: شرح إحياء علوم الدين: 74/1، وانظر: فتح المغيث 83/1.
40: فيض القدير، شرح الجامع الصغير، للمناوي : 20/1.
41: الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع 2 /88.
14
مناهج التخريج عندالمحدثين
وقد يكون معه علم، ولكنه يريد أن يطمئن إلى ما عنده ممن هو أعلم منه؛
وهذا قال فيه الخطيب البغدادي : ((فإن أحب الراوي خرج أحاديث مجلسه
لنفسه، ونقلها من أصوله إلى فرعه بخطه، ثم عرضها على من يثق بمعرفته
وفهمه ليصلح خللها إن وجده فيها، ويتلافى من الأخطية ما أمكن تلافيها)).42
التعريف الاصطلاحى للتخريج:
بعد أن اطلعنا على معاني التخريج عند أهل اللغة، وبعض الاستعمالات
التي استعمل فيها التخريج يجدر بنا أن نقف على المعنى الاصطلاحي له، وفي
هذا الصدد أسوق جملة من تعاريف طائفة من العلماء والباحثين المعاصرين
للتخريج :
عرف التخريج أحمد بن الصديق (ت 1380 هـ) فقال : (هو عزو الأحاديث التي
تذكر في المصنفات مطلقة غير مسندة ولا معزوة إلى كتاب أو كتب مسندة، إما
مع الكلام عليها تصحيحا وتضعيفا وردا وقبولا، وبيان ما فيها من العلل، وإما
بالاقتصار على العزو إلى الأصول، وقد يتوسعون فيه؛ فيخرجون بعض الكتب
43
التي وقعت فيها الأحاديث مسندة أو معزوة).
وعرفه الدكتور محمود الطحان بقوله: (هو الدلالة على موضع الحديث في
مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده، ثم بيان مرتبته عند الحاجة). 44
وعرفه عبد الموجود محمد عبد اللطيف بقوله: (هو عزو الحديث . بعد
التفتيش عن حاله. إلى مخرجيه من المصادر المعتبرة عند أئمة الحديث والتي
تروى فيه الأحاديث بأسانيد مستقلة بمؤلفيها). 45
وعرفه الدكتور بكر أبو زيد بقوله: (معرفة حال الراوي والمروي، ومخرجه
42: الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع 2 /88.
43: حصول التفريج ص: 3.
44: أصول التخريج ودراسة الأسانيد ص: 12.
45: كشف اللثام عن أسرار تخريج حديث سيد الأنام في 28/1 ...
15
مناهج التخريج عندالمحدثين
وحكمه صحة وضعفا بمجموع طرقه وألفاظه). 46
وعرفه محمد أبو شهبة بقوله: (التخريج هو عزو الأحاديث إلى من ذكرها في
كتابه من الأئمة، وبيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف). 47
وعرفه صبحي البدري السامرائي بقوله: (هو عزو الحديث إلى مصدره أو
مصادره من كتب السنة المشرفة، وتتبع طرقه وأسانيده، وحال رجاله، وبيان
48
درجته قوة وضعفا).
وبالمقارنة بين هذه التعاريف نجد أن الشيخ أحمد بن الصديق جعل بيان
درجة الحديث والحكم عليه ليس من مستلزمات التعريف (إما مع الكلام عليها
تصحيحا وتضعيفا وردا وقبولا، وبيان ما فيها من العلل، وإما بالاقتصار على
العزو).
وكذلك فعل الدكتور محمود الطحان حيث قال : (ثم بيان مرتبته عند
الحاجة). وهكذا يكونان قد سارا على نهج واحد في عدم اشتراط هذا القيد.
لكن الشيخ عبد الموجود أورد هذا القيد مجملا في قوله : (عزو الحدیث بعد
التفتيش عن حاله ... ).
في حين صرح الشيخ بكر أبو زيد بهذا القيد : (وحكمه صحة وضعفا).
ونص على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة تفصيلا: (وبيان درجتها من الصحة
والحسن أو الضعف)، وكذلك فعل الشيخ صبحي السامرائي.
ومجمل القول أن كل من لم يذكر قيد بيان حال المروي صحة وضعفا
في التعريف قد سار على الأصل عند علماء الحديث في أن ذكر سند الحديث
46: التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل 41/1، 52.
47: هامش صفحة 353 من كتابه : الوسيط في علوم ومصطلح الحديث.
48: نص على ذلك في مقدمته لتخريج أحاديث مختصر المنهاج في أصول الفقه للحافظ زين الدين عبد الرحيم
العراقي . ص: 7.
16
مناهج التخريج عند المحدثين
والإحالة إلى راويه يرفع العهدة عن الناقل، وهذا الحال قد يكون مناسبا لفترة
سابقة كان فيه المحدثون من الوفرة واتساع المعرفة ما يمكنهم من الحكم على
الحديث بمجرد معرفة مخرجه، لكن الحال قد تغير فأصبح العزو إلى المصادرلا
يؤدي هذه المهمة ؛ ولذا أصبح لزاما في العصور التالية بيان حال المروي صحة
وضعفا بعد بيان المخرج.
والمتتبع لكتب التخريج لكبار المحدثين مثل تخاريج : الحافظ الزيلعي
(ت762هـ)، وزين الدين عبد الرحيم العراقي (ت806 هـ)، والحافظ ابن حجر (ت
852 هـ) يلحظ أنهم التزموا بأجمعهم ذكر درجة الحديث، وعدم الاكتفاء بمجرد
العزو.
والتعريف المرتضى للتخريج عندي هو:
(عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره الأصلية، وتتبع طرقه وأسانيده وألفاظه،
وحال رجاله، وبيان درجته قوة وضعفًا).
تحليل التعريف:
(عزو الحديث): هذه أول عملية يقوم بها المخرج لذلك ابتدئ بها في التعريف،
حيث يعرفنا بمخرج الحديث فيقول : (أخرجه البخاري في «صحيحه»)،
أو (أخرجه الطبراني في «معجمه الكبير»)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على
هذا المعنى.
(مصدره أو مصادره الأصلية): والمراد بمصدره أو مصادره الأصلية: المصنفات
التي جمعها أصحابها عن طريق تلقيهم من شيوخهم بأسانيدهم إلى النبي عبد الله ،
أو من دونه.
ويعد من مصادر الحديث الأصلية كل ما كان خالصا للأحاديث كالكتب
الستة، وكذا «مستدرك الحاكم»، و«مسند الإمام أحمد» وغيرها .. ويلحق بها
كتب التفسير والفقه والتاريخ التي تستشهد بالأحاديث، لكن يشترط في كل واحد
17
مناهج التخريج عند المحدثين
من أصحاب هذه الكتب أن يروي الأحاديث التي يحتج بها بسنده استقلالا، لا
أن ينقلها من غيره دون سند أو رواية. وأمثال هذا الصنف كثير؛ منه: «تفسير
الطبري»، وكتاب «الأم»، للشافعي، و»تاريخ بغداد»، للخطيب البغدادي،
وغيرها من المصادر الأصلية التي حافظت على خصيصة الإسناد التي امتازت بها
هذه الأمة على غيرها من الأمم.
أما عزو الحديث إلى الكتب التي جمعت طائفة من الأحاديث خلوا من ذكر
السند، فهذه لا يعتبر العزو إليها تخريجا في اصطلاح المحدثين، وإنما هو تقريب
المادة من الباحث ليعلم أن هذا الحديث مروي في الكتاب الفلاني؛ ومن أمثال
هذه الكتب :
«بلوغ المرام من أدلة الأحكام»، للحافظ ابن حجر، أو «الجامع الصغير»،
للسيوطي، أو «الأربعين النووية»، للنووي، أو «رياض الصالحين» له أيضا.
(وتتبع طرقه وأسانيده) : تتبع الطرق والأسانيد قيد هام في التعريف؛ إذ به
يرتقي الحديث من درجة الضعف إلى الحسن، أو من الحسن إلى الصحة، وهو
من أهم الوسائل المعينة للوصول إلى معرفة درجة الحديث.
(وتتبع ألفاظه) : وعن طريق تتبع ألفاظ الحديث من خلال طرقه يتبين ما فيه
من شذوذ، أو علة، أو اضطراب، أو إدراج، أو غير ذلك ...
(تتبع حال رجاله) : جرح الرواة وتعديلهم هو الأساس الأول الذي تبنى
عليه الأحكام المتعلقة بالرواة، ويلحق به معرفة المتصل والمنقطع، والتدليس
بأقسامه ...
(وبيان درجته قوة وضعفًا): هذا القيد هو زبدة عملية التخريج، وكل خلل في
تنفيذ أي مرحلة من مراحل التخريج السابقة قد تعود على الباحث المخرج بما
لا تحمد عقباه.
وعلى سبيل المثال؛ فلوكان الحديث مرويا في الصحيحين أو أحدهما، ولم يقف
المخرج على ذلك، فعزاه لمن ليس من شرطه رواية الصحيح، فقد لا يقف على
18
مناهج التخريج عند المحدثين
الحديث من طريق تستجمع شروط الصحة؛ فيحكم على الحديث بالضعف؛
فيكون عمله هذا من أكبر زلاته، وما قيل في مرحلة العزو يقال فيما يأتي بعدها.
أهمية التخريج ووجه الحاجة إليه :
لا شك أن معرفة فن التخريج من أهم ما يجب على كل مشتغل بالعلوم
الشرعية أن يعرفه، ويتعلم قواعده وطرقه لكي يصل إلى معرفة الحديث في
مواضعه الأصلية الأولى التي صنفها الأئمة. وهذه الحاجة تزداد وتتأكد عند
طالب العلم حينما يريد الاستشهاد بحديث من الأحاديث؛ ولا يعرف مخرجه ولا
درجته.
ويذهب بعضهم إلى أن التخريج وإن كانت الحاجة إليه ماسة، فلا يتجاسر
عليه إلا من كان مالكا لضوابطه، عارفا لأصوله، ملما بأحكامه، وفي ذلك يقول :
((إن من أخذ قلم التخريج، ولم يدخل من الباب الذي دخل منه العلماء من
معاناة النظر في كتب السنة والأثر، وأصول التخريج الأصيلة : أنواع المصطلح،
وما يستظهر من فقه المتون والأسانيد، فلن يكون على تخريجه طلاوة العلم
وحلاوته، وسيقع في هنات وهنات، وأستغفر الله من جرأتنا مع قصورنا:
وقد رأَوا
***
كراهةَ الجمعِ لِذِي تقصيرِ *** كذاك الإخراجُ بلا تحرير45ٍ)) 50
وعليه فإن الطريق الأمثل لمن رغب في هذا العلم : أن يديم النظر في أصول
الحديث ومصطلحه، وقواعده، وأن يعكف51 على كتب الحديث وشروحه،
ورجاله، وطبقاتهم، ومنازلهم، ومراتب النقاد منهم، ومراعاة ألفاظهم، وتغاير
عباراتهم، وحقيقة مصطلحاتهم، والتمرس فيها بطول الكشف وكثرة البحث
والدرس، ومشافهة الأشياخ، واستنهاض البلاد، والسعي في مناكبها بالارتحال،
49: فتح المغيث 3/ 330.
50: التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل : بكر عبد الله أبو زيد. ص : 14 ..
51: عكف عليه يعكفُ عكفا وعكوفا : أقبل عليه مواظبا، لا يصرف عنه وجهه . - تاج العروس (مادة عكف
. (179/ 24
19
=
مناهج التخريج عند المحدثين
وطي الليل مع النهار، حتى تكون هذه الوجهة الشريفة للراغب : «دينا ودیدنا»،
مع حسن الفهم، وصلاح النية والقصد.
فمن مجموع هذه الهيئة تحصل لمن رزق حظا من هذا العلم، ملكة للدخول
في : «درج التخريج بالتدريج»، إلى أن يصل مرتبة التخريج بمعناه الدقيق.
ويصير بهذا كأنما أصول التخريج تنقدح في نفسه، ويحصل له نوع دلالة،
ونفاذ بصيرة. 52
جذور التأصيل لعلم التخريج من القرآن الكريم:53
لقد حرص القرآن الكريم على تثبيت منهج إقامة الحجة والبرهان لإثبات
الدعاوى والبينات؛ وهو منهج قائم في القرآن بدعائمه الثابتة؛ قال تعالى: {وَقَالُوا
لَنْ يَدْخَلَ الْجَنَّةَ إلَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)} [البقرة: 111].
فلما زعم أهل الكتاب أن الجنة وقف عليهم، رد الله عليهم؛ فطالبهم بإقامةٍ
البرهان على دعواهم. وقال عزوجل: {قُلْ أَرَ أَنْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ
أَرُونِيِ مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شَرْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ
أَقْتُوفَيِ بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا لَوْ أَنَارَةٍ مِنْ عِلْمِ إِنْ كُنْتُمْ
صَلَّدِّقِينَ (4)} [الأحقاف: 4].
فلما عبد المشركون الأصنام احتج الله عليهم، هل لهم خلق في الأرض، أم لهم
مشاركة في خلق السماوات.
وقال بعض المفسرين (أثارة) أي إسناد مأخوذ من الأثر أي الرواية، وقيل
الأثارة البقية؛ ولذا قال أبو جعفر الطبري أو أثارة من علم: (أي ببقية من علم).54
52: التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل. ص: 18.
53: انظر : التأصيل . ص: 44.
54: تفسير الطبري (بتحقيق أحمد محمد شاكر، طبعة مؤسسة الرسالة) : 22 /92.
20