النص المفهرس

صفحات 181-200

٧ - المصنفات في رجال بلاد مخصوصة
هذا النوع من المصنفات التزم فيه مؤلفوه ترجمة رجال العلم والفكر ومشاهير
الرجال من الشعراء والأدباء والرياضيين وغيرهم في بلدة او مدينة بعينها. سواء من
كان من أهلها الأصليين او من وفد إليها وأقام فيها. ووجهواعنايتهم بالدرجة
الأولى لتراجم رجال الحديث فكان لتراجم المحدثين ورجال الحديث في هذه الكتب
الحظ الأكبر، لذا تعتبر مرجعاً من المراجع في تاريخ الرجال، ومعرفة المقبول منهم
أو الضعيف ..
وقد صنفت كتب كتيرة في هذا. وسأقتصر على ذكر ما طبع منها باختصار .
أ - تاريخ واسط (١): لأبي الحسن أسلم بن سهل المشهور بـ ((بَحْشَل)) الواسطي
(- ٢٨٨ هـ).
ب - مختصر طبقات علماء إفريقية وتونس (٢): صاحب الأصل أبو العرب محمد بن
احمد القيرواني ( - ٣٣٣ هـ). وقد اختصره أبو عمر احمد بن محمد
المعافري الطلمنكي ( - ٤٢٦ هـ).
جـ -تاريخ الرقة (٣): لمحمد بن سعيد القشيري ( - ٣٣٤ هـ).
د - داريا (٤): لأبي عبد الله عبد الجبار بن عبد الله الخولاني الداراني
(- ٣٧٠ هـ).
(١) طبع بمطبعة المعارف في بغداد ، بتحقيق كوركيس عواد سنة ١٩٦٧ م.
(٢) نشرته الدار التونسية للنشر، بتحقيق علي الشابي ونعيم حسن اليافي سنة ١٩٦٨ م.
(٣) طبع الكتاب بمطابع الاصلاح في مدينة حماه بتحقيق طاهر النعساني.
(٤) طبعه المجمع العلمي العربي بدمشق. بمطبعة الترقي. تحقيق سعيد الأفغاني سنة ١٣٦٩ هـ .
١٩٥٠ م.
١٧٩

هـ - ذكر أخبار أصبهان (١): لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (- ٤٣٠ هـ).
و - تاريخ جرجان (٢): لأبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي ( - ٤٢٧ هـ).
ز - تاريخ بغداد (٣): لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ( - ٤٦٣ هـ).
وأكثر هذه الكتب مرتب على حروف المعجم.
(١) طبع في ليدن، بمطبعة بريل سنة ١٩٣١ م. كما طبع بحيدر آباد الدكن بالهند.
(٢) طبعته دائرة المعارف العثمانية في الهند بتحقيق عبد الرحمن المعلمي ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م.
(٣) طبع بمطبعة السعادة في مصر ونشره الخانجي ويقع في ١٤ مجلداً، ويضم /٧٨٣١/ ترجمة منها
/٥٠٠٠/ ترجمة خاصة بالمحدثين.
١٨٠

الفصل الثالث
مراحل دراسة الأسانيد
تمهید :
هناك بعض الأحاديث لسنا في حاجة للبحث في أسانيدها، لأن الجهابذة من
أئمة الحديث ونقاده قد بحثوا فيها بدقة وعناية تامتين مع ما كانوا عليه من المهارة
والاطلاع الواسع على قواعد هذا الفن ومعرفة علل الحديث الغامضة، لذا فقد
كفينا مؤونة البحث في الأحاديث التي بحث الأئمة السابقون فيها، وأعطوا حكمهم
على تلك الأسانيد والمتون، فلا حاجة إذن لاعادة البحث فيها، وإلا صرنا كمن
يكيل البحر! فلا هو بمستطيع ولا مستفيد شيئاً .
ومن هذه الأحاديث التي بحث الأئمة السابقون في أسانيدها - ومتونها أيضاً -
ما يلي:
١ - الأحاديث التي في الصحيحين أو أحدهما :
((أي صحيحي البخاري ومسلم )).
فقد التزم البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى إخراج الأحاديث الصحيحة بأسانيد
نظيفة لا تحوي رجالاً ضعفاء او متروكين، كما انها خالية من العلل القادحة الخفية
التي تقدح في صحة الحديث.
١٨١

فوجود الحديث في أحد الصحيحين يكفي للحكم على صحة الحديث، ولا
حاجة إلى البحث في إسناده، لأن الغاية من البحث في الإسناد إنما هو الوصول الى
معرفة صحة الحديث أو عدم صحته.
ولا تغترّ بما يثيره بعض الناس - باسم البحث العلمي أو غير ذلك من
الشعارات - في هذه الأيام من أنه يوجد بعض الأحاديث الضعيفة في الصحيحين
أو أحدهما ، ويعزون ذلك إلى نتيجة بحثهم العلمي الذي توصلوا إليه، حسب قواعد
أصول الحديث وعلومه، أو إلى مخالفة تلك الأحاديث للعقل - أي عقلهم - او
لتعاليم الطب (١). أو لقواعد بعض العلوم الكونية المسلمة عندهم او غير ذلك من
التعليلات .
فهؤلاء إما أشخاص لهم إلمام بالحديث وعلومه أرادوا إظهار أنفسهم بأنهم علماء
كبار عندهم المقدرة العلمية التي تمكنهم من ان يتعقبوا أئمة الحديث ويبينوا
أخطاءهم. ولسان حال هؤلاء كما قال الشاعر:
لآت بما لم تستطعه الأوائل
وإني وإن كنتُ الأخير زمانه
وإما أشخاص مستأجرون من قبل أعداء الاسلام. وأكثر هؤلاء ليس عندهم علم
بالحديث وعلومه، فهؤلاء يقولون ما يقولون ابتغاء الكسب الحرام، فيكتبون ما
يكتبون من المقالات المنمقة، والكتب ذات العناوين الخادعة. التي ظاهرها فيه
الرحمة، وباطنها من قِبَلِهِ العذاب، ويدسون في ثناياها من السموم والافتراءات باسم
خدمة السنة وتخليصها من الشوائب، فويل لهؤلاء مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما
یکسبون.
(١) كرد حديث غمس الذباب قبل نزعه وإلقائه، إذا سقط في الشراب، بحجة أنه مخالف لتعاليم الطب.
أو أن النبي قاله بصفته البشرية، لا على أنه من الوحي !... وكل ذلك من هوسات العقل ووساوس
الشيطان للطعن في السنة والتفلت من أحكامها .
١٨٢

فتارة يسمون كتبهم باسم ((أضواء على السنة المحمدية، أو دفاع عن الحديث (١)))
وأخرى يسمونها ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير
البخاري منها (٢))). وهي في الحقيقة ظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله العافية
وحسن العاقبة .
وإليك بعض نصوص الأئمة في أن الأحاديث الموجودة في الصحيحين كلها
صحيحة ولا تحتاج إلى نظر او بحث:
أ - قال النووي رحمه الله في مقدمة شرحه على صحيح مسلم: ((وإنما يفترق
الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر
فيه، بل يجب العمل به مطلقاً، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى يُنظر
وتوجد فيه شروط الصحيح (٣) )).
ب - قال ابن الصلاح في كتابة (علوم الحديث): ((وهذه نكتة نفيسة نافعة ومن
فوائدها: القول بأن ما انفرد به البخاري او مسلم مندرج في قبيل ما يُقطع
بصحته، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه
من حالهما فيما سبق (٤))).
(١) كتاب سود صفحاته شخص يسمى ((محمود أبو رية)) وطبعه بمصر الطبعة الأولى ١٣٧٧ هـ -
١٩٥٧ م وقد رد عليه علماء كثيرون، منهم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في كتاب سماه ((ظلمات
أبي رية)) والشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتاب سماه ((الأنوار الكاشفة)).
(٢) كتاب اقترفت تسطير مفترياته يدا من سمى نفسه ((السيد صالح أبو بكر))، وطبع في مصر سنة
١٩٧٤ م وزعم فيه أن في صحيح البخاري /١٢٠/ حديثاً مكذوباً من الاسرائيليات، سود الله
وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وأتى بكلام لا أثر فيه لعلم ولا دين، ولو كان للسنة النبوية
من يحميها لما أقدم هذا المأجور الآثم على هذا العمل الخبيث.
(٣) مقدمة شرح صحيح مسلم ٢٠/١.
(٤) علوم الحديث ص: ٢٥. وأما قوله بعد ذلك: ((سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد
من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن)). فلا يتوهمن احد ان ابن
الصلاح يقصد بذلك انه يوجد في الصحيحين أحاديث يسيرة ضعيفة، وإنما مراده أن أحاديث
يسيرة انتقد بعض الحفاظ رجالاً في أسانيدها فخرجت عن كونها في المرتبة العليا من الصحيح في
نظر من انتقدها من الحفاظ. فاستثنيت من كونها مقطوعاً بصحتها، لا من كونها صحيحة، وذلك
١٨٣

فابن الصلاح لم يكتف بأن الأحاديث التي في الصحيحين صحيحة فقط، وإنما قال:
بأنه مقطوع بصحتها، وهذا لعمري زيادة في التأكيد على صحتها وأنه لا يتطرق
لصحتها أدنى ريب ولا يظن أحد أن ابن الصلاح وحده هو الذي قال بهذا القول،
لقد وافقه على قوله هذا عدد من الأئمة المتقدمين، بل هو مذهب أهل الحديث
قاطبة، ومذهب السلف عامة .
قال الحافظ ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) : - بعد أن نقل عن ابن
الصلاح قوله المذكور - ((قلت وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه،
والله أعلم. (حاشية) ثم وقفتُ بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية،
مضمونه: أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة،
منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، والقاضي أبو
الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وابن حامد وأبو يعلى
ابن الفراء وأبو الخطاب وابن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة
السرخسي من الحنفية، قال: ((وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم،
كأبي اسحاق الاسفرائيني، وابن فُورّك، قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة،
ومذهب السلف عامة)) وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً، فوافق فيه هؤلاء
الأئمة (١) .
لأنه لم يقع الاجماع على تلقيها بالقبول على الوجه الذي سبق، بدليل ما نقله الحافظ السخاوي في
( فتح المغيث) عن أبي إسحاق الاسفرائيني أنه قال: ((أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي
اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل
فذاك اختلاف في طرقها ورواتها)) انظر فتح المغيث للسخاوي ٤٧/١. إذن فالإجماع في نهاية
الأمر حاصل على القطع بصحة أصول ومتون الأحاديث التي في الصحيحين. والخلاف في اليسير
منها ليس في تصحيحها او عدم ثبوتها، وإنما في امور فنية يعرفها أهل الفن، فكل ما يثار الآن
من القول بأنه يوجد بعض الأحاديث الضعيفة في الصحيحين انما هو تشويش لبلبلة أفكار الناشئة
والباحثين.
(١) الباعث الحثيث ص: ١٧.
١٨٤

٢ - الأحاديث التي في كتاب التُزمَتْ صحتُه:
والكتب التي التزمت إخراج الصحيح فقط متعددة أشهرها :
أ - الزيادات والتتمات التي في المستخرجات على الصحيحين:
وذلك لأن أصحاب المستخرجات يروون تلك التتمات الأحاديث الصحيحين او
الزيادات عليها بأسانيد صحيحة.
قال ابن الصلاح: (( وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب
البخاري وكتاب مسلم، ككتاب أبي عوانة الاسفرائيني، وكتاب أبي بكر
الإسماعيلي، وكتاب أبي بكر البرقاني، وغيرها، من تتمة لمحذوف، أو زيادة
شرح، في كثير من أحاديث الصحيحين)) (١).
ب - صحيح ابن خزيمة :
إن وجود الحديث في صحيح ابن خزيمة كافٍ للحكم عليه بالصحة، لأن
مؤلفه التزم ان يجمع في هذا الكتاب الأحاديث الصحيحة فقط.
قال ابن الصلاح: ((ويكفي مجرد كونه موجوداً في كتب من اشترط منهم
الصحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة)) (٢).
وقال السيوطي: ((صحيح ابن خزيمة على مرتبة من صحيح ابن حبان،
لشدة تحريه، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول:
إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا، ونحو ذلك)) (٣).
ج - صحيح ابن حبان:
وهو المسمى بـ ((التقاسيم والأنواع)).
(١) علوم الحديث ص: ١٧. أي وكذلك يكفي في تصحيح ما يوجد في الكتب المخرجة .. من تتمة
الخ.
(٢) علوم الحديث ص: ١٧ أي يكفي في تصحيح الحديث كونه ... الخ كما يدل عليه السياق.
(٣) تدريب الراوي ١٠٩/١.
١٨٥

وقد قيل: إن أصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين، ابن خزيمة فابن
حبان، لكنه متساهل في التصحيح، لكن تساهله ليس كتساهل الحاكم، فإن
غايته أنه يسمي الحسن صحيحاً كما قال الخازمي، وذلك لأنه متساهل في
شروط التوثيق (١) .
د - صحيح ابن السَّكن (٢):
ويسمى بـ ((الصحيح المنتقى)) وبـ (( السنن الصحاح المأثورة عن رسول الله
عَ لّه)) وهو كتاب محذوف الأسانيد، وقد جعله مؤلفه أبواباً في جميع ما
يحتاج إليه من الأحكام، ضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة (٣).
هـ - المستدرك على الصحيحين للحاكم :
قال ابن الصلاح: ((واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد
الحديث الصحيح على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتاب سماه ((المستدرك))
أودعه ما ليس في واحد من الصحيحن مما رآه على شرط الشيخين قد أخرجا
عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على شرط مسلم
وحده، وما أدى إليه اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد
منهما.
وهوٍ واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به)) (٤) وقيل في
سبب تساهله إنه كبر فاعترته غفلة، وقيل إنه عاجلته المنية قبل أن يبيض
أکثره، فلم يتيسر له تنقيحه.
(١) انظر تدريب الراوي ١ - ١٠٨.
(٢) ابن السكن هو الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، نزيل مصر ( -
٣٥٣ هـ).
(٣) انظر الرسالة المستطرفة ص: ٢٥.
(٤) علوم الحديث ص: ١٨.
١٨٦

قال بدر الدين بن جماعة: ((إنه يُتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن
او الصحة او الضعف وهذا هو الصواب)) (١).
وقد تتبع الذهبي كثيراً من الأحاديث التي حكم عليها الحاكم بالصحة،
وحكم عليها بما يليق بحالها فأقر الحاكم على تصحيح بعضها، ولم يقره على
البعض الآخر، فحكم عليها بالحسن* او الضعف والنكارة، بل وحكم على
بعضها بالوضع.
لكن بقي من أحاديث المستدرك أحاديث سكت عنها الذهبي، وهي بحاجة
إلى تتبع وحكم بما يليق بحالها (٢).
٣ - الأحاديث التي نص الأئمة المعتمدون على تصحيحها:
وذلك في كتب السنة المعتمدة المشتهرة، كسنن أبي داود، وجامع الترمذي،
وسنن النسائي، وسنن الدار قطني، بشرط أن ينص المؤلف فيها على صحة تلك
الأحاديث، ولا يكفي مجرد وجودها فيها، لأن مؤلفيها لم يلتزموا إخراج الصحيح
وحده فيها .
أو ينص على صحتها أحد الأئمة، وينقل عنه ذلك بإسناد صحيح، كما في
سؤالات أحمد بن حنبل، وسؤالات ابن معين وغيرهما، فمثل هذا النص كافٍ في
تصحيح الحديث (٣) .
٤ - الأحاديث التي حكم عليها الأئمة وبينوا مراتبها:
هناك كثير من الأحاديث درس الأئمة السابقون أسانيدها وحكموا عليها بما
يليق بحالها، وبينوا مراتبها، من الحسن أو الضعف أو النكارة أو الوضع.
(١) انظر التقييد والإيضاح ص: ٣
(٢) راجع التعليقة رقم (١) صفحة ١٠٣ من هذا الكتاب.
(٣) انظر التقييد والإيضاح ص: ٢٨.
١٨٧

وهذه الأحاديث إن صدر الحكم عليها من إمام معتمد من أئمة الحديث، ولم
يكن معروفاً بالتساهل في حكمه، فإننا نستغني بدراسة الأئمة وحكمهم عليها، ولا
نحتاج لدراستها والبحث في أسانيدها، وذلك مثل الأحاديث التي حسنها الترمذي او
ضعفها، ومثل الأحاديث التي حكم عليها الأئمة بالوضع (١) .
- حاجتنا إلى البحث في أسانيد الأحاديث التي لم يسبق الحكم عليها -
نحن في حاجة ماسة الآن إلى البحث في أسانيد الأحاديث التي لم يسبق للأئمة
والعلماء ان بحثوها وأصدروا حكمهم عليها .
وهي كثيرة جداً، فعلى العلماء المشتغلين بالحديث المخلصين ان يشمروا عن ساعد
الجد، ويستأنفوا نهضة علمية في خدمة الحديث والسنة، فيأخذ كل واحد منهم
كتاباً من كتب الحديث صنفه الأئمة الأقدمون، وضاقت أعمارهم عن الحكم على
تلك الأحاديث، فيتتبع ما فيه من الأحاديث، فيدرس أسانيدها. ويحكم عليها بما
يليق بحالها، وبذلك العمل الجليل يكونون قد قدموا خدمة جليلة للسنة النبوية
المطهرة، التي هي الأصل الثاني من أصول التشريع بعد كتاب الله العزيز.
ولعل بعض الجامعات الاسلامية التي تلهج بخدمة الكتاب والسنة تتبنى مثل هذه
المشروعات العلمية، لتكون ممن قال ففعل.
۔
(١) ولا يعني ذلك انه لا ينبغي أن نبحث في أسانيدها أبداً، بل إن ذلك من حق المتمكن في هذا الفن
لا سيما اذا وجد للأئمة كلاماً متعارضاً في الحكم على بعض الأحاديث أو لاح له ما يعارض ذلك
الحكم. فلا بأس بالبحث والتحقيق من حكم سابق على حديث وبخاصة إذا كان ذلك الحكم
صادراً عن شخص موصوف بالتساهل كابن الجوزي في الحكم على كثير من الأحاديث بالوضع.
لكن أعود فأؤكد بأن ذلك لمن تمكن في هذا العلم وقويت معرفته، وليس ذلك لكل دعي متطفل.
ويحسن بهذه المناسبة ان أنقل ما نقله السخاوي في (فتح المغيث) تعليقاً على كلام ابن الصلاح
الذي لا يرى التصحيح من حق المتأخرين في زمنه فما بعده، قال السخاوي:
(( ولعل ابن الصلاح اختار حسم المادة لئلا يتطرق إليه بعض المتشبهين ممن يزاحم في الوثوب على
الكتب التي لا يهتدي للكشف منها، والوظائف التي لا تبرأ ذمته بمباشرتها :
١٨٨

طريقة دراسة الإسناد
بما ان علماء مصطلح الحديث اتفقوا على ان شروط الحديث الصحيح خمسة
وهي :
١ - العدالة في الرواة.
٢ - الضبط في الرواة
٣ - الاتصال في السند .
٤ - عدم الشذوذ في السند والمتن.
٥ - عدم العلة في السند والمتن.
فإن دراسة الاسناد تتطلب البحث عن تحقق هذه الشروط الخمسة في الاسناد او
تحقق بعضها، ليُبْنى الحكم على الحديث بعد تلك الدراسة، وتُعْرَف مرتبته.
لذلك فإن أول عمل نبدأ به لدراسة الاسناد - في ضوء ما تقدم - هو البحث
في تراجم رجال الاسناد، لمعرفة ما قاله علماء الجرح والتعديل في عدالتهم وضبطهم،
وهذا ما يحقق لنا معرفة وجود الشرط الأول والثاني في الإسناد أو عدم وجودهما .
وللدواوين كتاب وحساب
وللحديث رجال یعرفون به
ولذلك قال بعض أئمة الحديث في هذا المحل: الذي يطلق عليه اسم المحدث في عرف المحدثين ان
يكون كتب وقرأ وسمع ووعى، ورحل الى المدائن والقرى، وحصل أصولاً ، وعلق فروعاً من
كتب المسانيد والعلل والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف، فإذا كان كذلك فلا ينكر له ذلك.
وأما إذا كان على رأسه طيلسان، وفي رجليه نعلان وصحب أميراً من أمراء الزمان. او من تحلى
بلؤلؤ ومرجان. أو بثياب ذات ألوان، فحصل تدريس حديث بالافك والبهتان، وجعل نفسه لعبة
للصبيان، لا يفهم ما يقرأ عليه من جزء ولا ديوان فهذا لا يطلق عليه اسم محدث بل ولا انسان.
وانه مع الجهالة آكل حرام. فان استحله خرج من دين الاسلام انتهى)) انظر فتح المغيث للسخاوي
٠٤١/٤٠/١
١٨٩

كيفية اخراج الترجمة
مر بنا فيما سبق في بحث ((أنواع الكتب المؤلفة في الرجال)) ان أئمة الحديث
صنفوا مصنفات كثيرة في تراجم الرواة، وجعلوها على أنواع متعددة في الترتيب
والتبويب، أو في شمولها للرواة عامة، أو اقتصارها على رواة مخصوصين بكتب
معينة، او على تراجم الثقات فقط، أو الضعفاء فقط وما إلى ذلك.
لذا فان على الباحث الذي يريد إخراج الترجمة لراوٍ من الرواة أن ينظر فيما إذا
كانت لديه معلومات سابقة عن هذا الراوي من مثل أنه أحد رجال الكتب الستة ،
او ممن تُكلم فيه، أو من بلدة بعينها أو من طبقة بعينها. ليسهل عليه - في ضوء
تلك المعلومات - أن يتناول الكتاب الذي يوصله إلى ترجمة ذلك الراوي بأقرب
وقت وأيسر طريق .
وإذا لم يكن لديه أية معلومات عن هذا الراوي فيإمكانه الوصول الى ترجمته في
كتب التراجم من معرفة اسمه فقط، لأن غالب كتب التراجم ذكرت أسماء الرواة
على ترتيب حروف المعجم بالنسبة للاسم واسم الأب، فيبحث عنه في بعض كتب
التراجم، فان لم يجده يبحث عنه في كتاب آخر، وهكذا حتى يجده.
مثال لدراسة الاسناد عملياً
ولنمثل لذلك بمثال: هذا المثال هو إخراج التراجم لرجال إسناد في سنن النسائي
عملياً وهو: قال النسائي ((أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد بن الحارث
قال: حدثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو
قال: لما فتح رسول الله عَ لَّه مكة قام خطيباً فقال في خطبته: لا يجوز لامرأة
عطية إلا بإذن زوجها)). (١) .
(١) سنن النسائي: ٤٩/٥.
١٩٠

فهذا الاسناد فيه ستة أشخاص وهم:
١ - إسماعيل بن مسعود .
٢ - خالد بن الحارث.
٣ - حسين المُعلِّم.
٤ - عمرو بن شعيب.
٥ - شعيب (والد عمرو).
٦ - عبد الله بن عمرو (أي ابن العاص).
وقبل البحث عن تراجم هؤلاء الرواة من كتب التراجم، نقول: بما ان هذا
الإسناد في سنن النسائي، إذن فجميع هؤلاء الرواة يمكن العثور على تراجمهم في
الكتب التي تولت تراجم رجال الكتب الستة، إذن فلا حاجة للبحث عن تراجمهم
في غير تلك الكتب، والكتب المطبوعة في تراجم رجال الكتب الستة هي:
١ - تهذيب التهذيب لابن حجر.
٢ - تقريب التهذيب لابن حجر أيضاً.
٣ - الكاشف للذهبي.
٤ - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال الخزرجي، والكتب الأربعة مرتبة على
حروف المعجم.
ولنأخذ كتاب ((تقريب التهذيب)) ولنبدأ بإخراج الراوي الأول وهو:
١ - إسماعيل بن مسعود: نفتش عن اسمه ((إسماعيل)) في حرف الهمزة، فنجد أول
شخص اسمه إسماعيل في (٦٥/١) لكن اسمه (( إسماعيل بن أبان)) إذن نقلب
عدة أوراق لنرى من اسم أبيه مسعود فنجد في (٧٤/١) اثنين كل منهما
اسمه ((إسماعيل بن مسعود)) وهما: ((إسماعيل بن مسعود الزَّرَقي)) و ((إسماعيل
ابن مسعود الجَحْدَري)) لكن نستطيع ان نميز ((اسماعيل بن مسعود)) الذي هو
شيخ النسائي بأنه ((الجحدري)) من أمرين: أولهما ان المؤلف رمز بحرف (س)
١٩١

لـ ((الجحدري)) ومعنى هذا الرمز أنه اخرج له النسائي في سننه، على حين
انه رمز لـ ((الزرقي)) بحرف (عس) ومعناه أنه اخرج له النسائي في مسند
علي فقط. وثانيهما انه قال عن (الزرقي) إنه من الطبقة الخامسة، وهي طبقة
صغار التابعين، ولا يمكن للنسائي ان يروي عنه بلفظ ((حدثنا)) وهو من طبقة
صغار الآخذين عن تبع الأتباع، وقال عن ((الجحدري)) إنه من الطبقة
العاشرة، وهو الذي يمكن ان يروي عنه النسائي.
٢ - خالد بن الحارث: نفتش عن اسمه خالد في حرف (الخاء) فنجد أول من
اسمه ((خالد)) في (٢١١/١) إلا أنه ((خالد بن إياس)) فنجول بنظرنا بعده
بعدة تراجم، فنراه بعد أربع تراجم في آخر الصفحة ذاتها، وهو ((خالد بن
حارث الهُجَيْمي)) ولا يوجد من اسمه ((خالد بن الحارث)) غيره في رجال
الكتب الستة .
٣ - حسين المُعلِّم: نبحث عمن اسمه (حسين) في حرف (الحاء) فنجد في
١٧٣/١، هذا العنوان: ((ذِكْرُ من اسمه الحسين، وبما أن الشخص الذي
نبحث عن ترجمته لم يذكر اسم أبيه في الإسناد لذلك ينبغي علينا استعراض
من اسمهم (حسين) كلهم حتى نعثر عليه، وباستعراض من اسمهم (حسين)
نعثر على ((حسين المعلم)) في: ١٧٥/١ واسمه (( حسين بن ذكوان المعلم))
وكلمة ((المعلِّم)) تقال لمن يعلم الصبيان.
٤ - عمرو بن شُعيب: نبحث عمن اسمه ((عمرو)) في حرف (العين) فنجد في:
٦٥/٢ هذا العنوان ((ذِكْر مَن اسمه عمرو بفتح أوله)) فنبحث عن اسم أبيه
شعيب فنجده في: ٧٢/٢، وهو عَمْرو بن شُعيب بن محمد بن عبد الله بن
عمرو بن العاص .
٥ - شعيب (والد عمرو): نبحث عنه في حرف (الشين) فنجد اول من اسمه
(شعيب) في ٣٥١/١، وبما اننا عرفنا اسم أبيه وهو محمد عندما كنا نبحث
عن ترجمة ابنه (عمرو) إذن نبحث عن اسم أبيه (محمد) فنجده في ٣٥٣/١،
١٩٢

قال عنه المؤلف: (( شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق،
ثبت، ساعه من جده)).
٦ - عبد الله بن عمرو (أي ابن العاص): نبحث عن اسمه ((عبد الله)) في حرف
(العين) فنجد في ٤٠٠/١ هذا العنوان: ((ذكر من اسمه عبد الله)) ثم نبحث
عمن اسم أبيه ((عَمْرو)) فنجد ((عبد الله بن عمرو بن العاص)) في ٤٣٦/١،
وهو الصحابي المشهور .
البحث في عدالة الرواة وضبطهم
بعد أن أخرجنا تراجم رجال الإسناد ، وعرفنا مكانها في كتب التراجم،
ننتقل إلى مرحلة ثانية، ألا وهي مرحلة البحث عن عدالة هؤلاء الرجال
وضبطهم، وذلك بقراءة ما قاله علماء الجرح والتعديل عن كل راوٍ خلال
ترجمته، ولنأخذ الإسناد السابق نفسه مثالاً لذلك، ولنبدأ بـ ( إسماعيل بن
مسعود ).
١ - إسماعيل بن مسعود :
أ - قال عنه في التقريب: ٧٤/١ (ثقة).
ب - وقال عنه في الكاشف: ١٢٨/١ (ثقة).
جـ- وقال عنه في الخلاصة: ص: ٣٦ (قال أبو حاتم: صدوق) وفي الحاشية: وقال
النسائي (ثقة).
٢ - خالد بن الحارث:
أ - قال عنه في التقريب: ٢١١/١ - ٢١٢ ( ثقة ثبت).
ب - وقال عنه في الكاشف: ٢٦٦/١ - ٢٦٧ قال احمد: ((إليه المنتهى في التثبت
بالبصرة)) وقال القطان: (( ما رأيت خيراً منه ومن سفيان)).
جـ- وقال في الخلاصة: ص ٩٩ - ١٠٠ : (قال النسائي: ثقة ثبت، قال القطان:
ما رأيت خيراً منه ومن سفيان).
اصول التخريج م ١٣
١٩٣

٣ - حسين المعلم :
أ - قال عنه في التقريب: ١٧٥/١ - ١٧٦ (ثقة ربما وهم).
ب - وقال عنه في الكاشف: (الحسين بن ذكوان المعلم البصري الثقة).
جـ -وقال عنه في الخلاصة: (وثقه ابن معين وأبو حاتم).
٤ - عمرو بن شعيب:
أ - قال عنه في التقريب: ٧٢/٢ (صدوق).
ب - وقال عنه في الكاشف: ٣٣٢/٢: قال القطان: إذا روى عنه ثقة فهو حجة،
وقال أحمد: ربما احتججنا به، وقال البخاري: رأيت أحمد وعلياً وإسحق
وأبا عبيد ، وعامة أصحابنا يحتجون به، وقال أبو داود : ليس بحجة.
جـ - وقال عنه في الخلاصة: ص ٢٩٠ : قال القطان: إذا روى عن الثقات فهو ثقة
يحتج به، وفي رواية عن ابن معين: إذا حدث عن غير أبيه فهو ثقة، وقال
أبو داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس بحجة، وقال أبو إسحق:
هو كأيوب عن نافع عن ابن عمر، ووثقه النسائي، وقال الحافظ أبو بكر بن
زياد: صح سماع عمرو من أبيه: وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن
عمرو، وقال البخاري: سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو .
٥ - شعيب بن محمد (والد عمرو):
أ - قال عنه في التقريب: ٣٥٣/١ (صدوق).
ب - وقال عنه في الكاشف: ١٣/٢ - ١٤ (صدوق).
جـ - وقال عنه في الخلاصة: ص ١٦٧ (وثقه ابن حبان).
٦ - عبد الله بن عمرو بن العاص:
صحابي مشهور، والصحابة لا يُبحث عنهم بالنسبة للعدالة والضبط.
١٩٤

خلاصة البحث في عدالة الرواة وضبطهم
بعد استعراض ما قاله علماء الجرح والتعديل في رجال الاسناد الستة تبين لنا :
أ - أن الثلاثة الأول وهم: (اسماعيل بن مسعود) و(خالد بن الحارث) و(حسين
المعلم) كلهم عدول ضابطون، لأن أئمة الجرح والتعديل وثقوهم، ولم يجرحوا
عدالتهم ولا ضبطهم. ومعلوم لدينا أن الثقة هو العدل الضابط.
ب - وان السادس وهو (عبد الله بن عمرو) صحابي فهو ثقة.
جـ - وأن الرابع وهو (عمرو بن شعيب) مختلف في توثيقه، لكن مَن لم يوثقه لم
يَعْزُ ذلك إلى جرح في عدالته أو ضبطه، وإنما عزا ذلك إلى أمر خارج عن
العدالة والضبط، وهذا الأمر هو: في روايته عن أبيه، هل سمع من أبيه؟
وإذا كان سمع من أبيه، فهل كل ما روى عن أبيه سمعه منه؟ لذلك نرى
كثيراً من أئمة الجرح والتعديل يقولون: إذا حدث عن غير أبيه فهو ثقة.
والخلاصة أن عمراً ثقة في نفسه. فإذا صرح بالتحديث عن أبيه فحديثه حجة
ليس فيه شيء والله أعلم.
د - وأن الخامس وهو (شعيب بن محمد) أمره يشبه أمر ابنه عمرو، فهو في نفسه
ثقة، وإنما الخوف في روايته عن جده عبد الله بن عمرو، فهو وإن صح
سماعه منه على الراجح. لكن سماعه منه ليس بكثير، فيخشى ان لا يكون
سمع منه كل ما روى عنه وإنما هي صحيفة لعبد الله بن عمرو. رواها
شعيب وجادة ولم يسمعها، وإن كان المقصود بجده (محمد بن عبد الله بن
عمرو) فليس لمحمد صحبة، فیکون الحديث مرسلاً.
١٩٥

البحث في اتصال الاسناد
هذا وبعد أن انتهينا من بحث شرطي العدالة والضبط في رجال الاسناد نبدأ
ببحث الشرط الثالث من شروط صحة الحديث، وهو : اتصال الاسناد ، فنقول:
١ - أما النسائي فقال: ((أخبرنا)» إسماعيل بن مسعود.
٢ - وأما إسماعيل بن مسعود فقال: ((حدثنا)) خالد بن الحارث.
٣ - وأما خالد بن الحارث فقال: ((حدثنا)) حسين المعلم.
فهذه العبارات والصيغ في الأداء يستعملها المحدثون في القراءة والسماع من
الشيخ، إذن فالسند إلى هنا متصل.
٤ - وأما حسين المعلم فقال: عن عمرو بن شعيب.
و (عنعنته) هذه محمولة على الاتصال. لأن حسيناً ليس بمدلس أولاً، ويمكن
لقاؤه بـ عمرو بن شعيب، ومعروف في التراجم بالأخذ عنه، ومذكور في
تلاميذه.
٥ - وأما عمرو بن شعيب، فقد صرح بأن أباه حدثه. فالاسناد لا زال متصلاً.
٦ - وأما شعيب بن محمد بن عبد الله، فقال ((عن)) عبد الله بن عمرو، وهنا
الاشكال، لأن شعيباً. وُصف بالتدليس، لكن الحافظ ابن حجر ذكره في
الطبقة الثانية من المدلسين (١)، وهي الطبقة التي قال عن أهلها: إنهم من احتمل
الأئمة تدليسهم، وخرجوا لهم في الصحيح لإمامتهم وقلة تدليسهم في جَنْبِ ما
رووا .
لذلك فاننا نحتمل تدليسه هنا، ونحمل العنعنة على السماع لقلة تدليسه ولأنه
ثبت سماعه من جده عبد الله، فالاسناد متصل إن شاء الله.
(١) في رسالة له في المدلسين، اسمها: تعريف أهل التقديس، بمراتب الموصوفين بالتدليس. [ نشرت
هذا الكتاب دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٩٨٤ م] ((الناشر)).
١٩٦

البحث عن الشذوذ والعلة وصعوبته
أما البحث عن الشذوذ والعلة، فهو أمر أصعب بكثير من البحث في عدالة
الرواة وضبطهم واتصال السند، لأن الكشف عن الشذوذ والعلة إثباتاً أو نفياً أمر لا
يقوى عليه إلا صاحب الاطلاع الواسع جداً على متون الأحاديث وأسانيدها، حتى
يمكنه معرفة اتفاق أسانيد هذا الحديث في جميع الطرق التي ورد بها الحديث أو
عدم اتفاقها .
وقد ذكر علماء المصطلح ان العلة تطرّق إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع
شروط الصحة من حيث الظاهر (١). كما ذكروا أن وقوع العلة في سند الحديث
أكثر من وقوعها في متنه (٢) .
والطريق إلى كشف علة الحديث جمع طرقه والنظر في اختلاف رواته قال
الخطيب البغدادي: ((السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجْمعَ بين طرقه، ويُنْظَرَ في
اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الاتقان والضبط (٣).
وهذا كما ترى أمر صعب جداً. لا سيما على الذي ليس عنده اطلاع واسع على
طرق الحديث الكثيرة واختلافها، أو على من ليس لديه القدرة على ذلك الجمع
والنظر في اختلاف الرواة والحكم على الراجح منها .
الحكم على هذا الحديث
المقصود بـ ((الحكم على الحديث)) بيان مرتبته من الصحة أو الحسن أو الضعف،
أو الوضع، وذلك بعد دراسة إسناده على الوجه الذي سبق آنفاً .
أما بالنسبة للحكم على هذا الحديث الذي درسنا إسناده فهو كما يلي:
(١) انظر علوم الحديث - معرفة الحديث المعلل ص: ٨١.
(٢) المصدر السابق ص: ٨٢.
(٣) المصدر السابق ص: ٨٢.
١٩٧

١ - إن رجال الإسناد الستة كلهم ثقات، أي عدول ضابطون، يعني ان رجال
الإسناد رجال الصحيح، وإن كان بعضهم وهما ((عمرو بن شعيب وأبوه
شعيب )) ليسا من أعلى رجال الصحيح، بل هما من أدنى رجال الصحيح.
٢ - إن سند الحديث متصل، وإن كان فيه شوب انقطاع في عنعنة شعيب عن
جده عبد الله بن عمرو .
٣ - لم يظهر لي - في حدود اطلاعي - شذوذ او علة في سند هذا الحديث او
متنه .
مما تقدم أقول إن الحديث ((صحيح)) لكن ليس في قمة أنواع الصحيح،
وإنما هو من أدنى مراتب الصحيح أو هو من أعلى مراتب الحسن، والله أعلم.
هذا وقد روى الحديث - غير النسائي - الإمام أحمد في مسنده (١). وأبو داود في
سننه (٢)، وسكت عنه، ومعلوم أن ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاحتجاج
على المعتمد .
وقد قال الذهبي: ((الحسن أيضاً على مراتب، فأعلى مراتبه: بَهْز بن حكيم عن
أبيه عن جده، وعَمْرو بن شُعيب عن أبيه عن جده، وابن إسحاق عن التيمي،
وأمثال ذلك مما قيل إنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصحيح)) (٣).
استحسان اكتفاء الباحث في الاسناد بقوله:
((صحيح الاسناد)) أو ((حسن الاسناد)) أو ((ضعيف الاسناد))
مرّ بنا ان كشف العلة والشذوذ في الحديث نفياً او إثباتاً امر صعب جداً، لا
يقوى عليه كل باحث او مشتغل بالحديث، لذا يستحسن في حق الباحث في
الأسانيد ان يقول في نهاية بحثه عن مرتبة الحديث: ((صحيح الإسناد)) أو ((حسن
(١) المسند : ٢٠٧/٢.
(٢) سنن أبي داود - كتاب البيوع - ٢٩٣/٣ - ح ٣٥٤٧.
(٣) تدريب الراوي: ١٦٠/١.
١٩٨