النص المفهرس

صفحات 1-20

دراسات في السنة وعلومها
١
المدخَل
الى حزب الأحَادِيَّةِ الأَعْلِ
والحُكُمْ عَلِيهَا
تأليف
أبي بكر عبد الصَّمد بن بكر بن إبراهيم آل عَابد
الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف
بالمدينة النبوية المنورة
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
توزيع
76
دار 2 الطرفين
٠٥٠٥٧٠٤٨٠٨
www.tarafen.com

للنشر
والتوزيع
دَامُ الطَّقِين
الطائف - وادي وج - جنوب جسر خالد بن الوليد
جوال: ٠٥٠٥٧٠٤٨٠٨ - ٠٥٠٣٥١٢٤٩٩
www.tarafen.com
Tarafen@maktoob.com
دار م الطرفين

دراسات في السنة وعلومها
١
المدخَل
إلى حزب الأحَادِيَّةِ الأَعْر
والحُكُمْ عَلِيهَا
تأليف
أبي بكر عَبدَ الصَّمَد بن بكر آلْ عَابد
المدينة النبوية المنورة
١

ح عبدالصمد بكر ابراهيم عابد ، ١٤٣١ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
عابد ، عبدالصمد بكر ابراهيم
المدخل الى تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها. / عبدالصمد
بكر ابراهيم عابد - المدينة المنورة ، ١٤٣١هـ
.. ص ٤ . سم - (دراسات في السنة وعلومها ؛ ١)
ردمك: ٠-٦٢٦٩-٠٠-٦٠٣-٩٧٨
١- الحديث - تخريج أ. العنوان ب.السلسلة
ديوي ٢٣٧٫٦
١٤٣١/٩١٩٧
رقم الإيداع: ١٤٣١/٩١٩٧
ردمك: ٠-٦٢٦٩ -٠٠-٦٠٣-٩٧٨
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الثانية ١٤٣١ هـ
منقحة وبها زيادات نسأل الله النفع بالجميع .
٢

-3
13
د
بالسّند المتّصل إلى أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري
بسنده في الجامع الصّحيح
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول :
(إِنّما الأَعْمَالُ بالنَّيَّاتِ، وإِنّما لِكُلِّ امِرِئٍ مَا نَوى، فمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إِلى دُنيَا
يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ ينكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِليهِ)
٣

4

بِسمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيم
و به نستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل
المُقَدِّمَةُ
الحمد لله الذي شمل العباد بعنايته ، ووسعهم برحمته، فأنزل لهم نوراً يستضيئون
بهدايته ، ونبراساً يقتبسون من مشكاته ، وبعث إليهم نبياً من أنفسهم يُبين آياته ويُنير لهم
طريق الهداية والرشاد ، بلسان عربي مبين ، لا ينطق عن الهوى، لا في الغضب ولا في الرضا،
آتاه الله جوامع الكلم ، ومُفَصَّل الحِكَم ، إمام الهدى والحبيب المصطفى اللهم صلِّ عليه
وسلم، وعلى آله وأصحابه الطاهرين النُّجبا، أئمة التقى ، ونجوم الهدى ، وعلى من تبعهم
بإحسان إلى يوم المعاد واللقا ، أزكى صلاة وأتم تسليم ، كلما ذكره الذاكرون ، وغفل عن
ذكره الغافلون.
أما بعد ؛
فقد خَصَّ الله هذه الأمة بخصائص شريفة ، ونعم لا تُحصى منيفة ، وما ذلك إلاَّ
بإتباعهم النَّبي الأميَّ عليه صلوات الله وسلامه، قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِىِّ الْأُفِىَ﴾ الآيتين [الأعراف: ١٥٦-١٥٧].
فمن تلك النعم خصيصة لم تكن في الأمم قبلها، وهى حفظ سنة نبيها* بالإسناد
المتصل إليه ، فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فانبرى أهل العلم يرحلون في طلب
الحديث ، ومعرفة الرواة والنّقَلَة ، مُتَّبعين في ذلك البصيرة النَّافذة في نقد الرِّجال وطُرق
التحمل والأداء ، فإنّ هذا العلم دين وعليهم أن ينظروا عمن يأخذون دينهم .
٥

أهمية البحث : لم يكن انتشار خصيصة الإسناد في علم الحديث فقط بل تعداه إلى
أكثر العلوم الإسلامية التي مؤداها طريق النقل والرواية .
إلاَّ إن الكلام الصادر من مشكاة النبوَّة ليس كغيره من كلام الناس مهما ارتفعت
أقدارهم في العلم والحكمة والعقل .
فكان لابد من أن يتميز تخريج الحديث النبوي عن تخريج غيره من الكلام سواء كان
حكمة أو مثلاً، شعراً أو نثراً.
فالحديث النبويُّ قد وَجد عناية كبرى من علماء السنة تمثلت في تلك الفنون العلمية
المتنوعة ، والدراسات الكثيرة المتقنة حوله سنداً ومتناً .
وكان من بينها علم التخريج حيث أخذ في نموه وتطوره أشكالاً عِدَّة ؛ تكونت من
خلالها معالم هذا العلم وضوابطه .
والمتأمل في صنیع الأئمة في التخريج - کالزيلعي وابن حجر وغيرهما - يتراءى له من
ثنايا كلامهم ضوابط ومعايير انتهجوها أثناء التخريج وتدوينه فكان لابد إذاً من استجلاء
تلك القواعد ، وهاتيك الضوابط ، لتكون نبراساً يهتدي بها من يروم هذا العلم والاشتغال به
ولا يتسنى ذلك ــ في نظري - إلاَّ لمن مارس التخريج علماً وتطبيقاً مستهدياً
بصنيعهم، متأملاً في عباراتهم وإشاراتهم ، مدركاً لملاحظاتهم ، واعياً لأقوالهم ، ملاحظاً
لمناهجهم في هذا الميدان .
هذا ، ويمكن عزو الدوافع التي أدت إلى تطور علم التخريج وظهوره كعلم من
علوم السنة النبوية إلى ما يلي :
١ - انتشار المصنفات العظيمة في الحديث والتفسير والتاريخ التي تعتمد في مادتها
العلمية على الرواية بالأسانيد .
٢- ظهور المصنفات الفقهية الموسعة التي تكتفي عند ذكر الأدلة الشرعية من السنة
النبوية بالإشارة إلى طرف الرواية المحتوى على موضع الاستدلال .
٣- عدم وجود الفهارس العلمية المنظمة لهذه الكتب .
٦

٤ - قلة العناية بحفظ الأسانيد ، ووجود الروايات في العصور المتأخرة .
٥- ومما أدى إلى انتشار علم التخريج في عصرنا ، والاهتمام به ، كثرة تحقيق
المخطوطات ونشر التراث الإسلامي وخاصة في علوم السنة النبوية ، مما يتطلب من المحقّق
الحاذق أن يقوم بتخريج الروايات مع دراسة أسانيدها والحكم عليها .
كل أولئك أدى إلى مزيد من الاهتمام والعناية بهذا العلم الجليل .
الهدف من هذا البحث : مساهمة في سبيل وضع ضوابط ومعايير لعلم
تخريج الأحاديث والآثار تميزه عن مجرد العزو بمعناه الواسع ؛ وهذا ما أسعى إليه من
خلال هذا البحث الذي جعلته مدخلاً إلى علم التخريج .
مجال البحث : قلنا : إن علم التخريج ليس هو مطلق العزو أو مجرد الإخراج بمعناه
الواسع المستفيض ؛ بل هو عزو مميز، وإخراج وإظهار مخصوص لمعلومات معينة ، وفقاً
لمنهج متّبع مخصوص في علوم السنة الشريفة ؛ ميزه عن المعنى الواسع لمطلق العزو ومجرد
الإخراج.
إن ممارسة التخريج دراسة وتطبيقاً تحتاج إلى معالم ترسم للدارس أيسر السبل
وأسهلها في استخراج الحديث أو الأثر بأسرع وقت وأصوب نتيجة.
ويمكننا معرفة تلك المعالم من خلال نظرنا في الحديث النبوي ككل ، حيث نجد أنه
مكون من : إسناد ومتن . والمتن مكون من : لفظ ، واللفظ له معنى أو موضوع .
ومن تحديد هذه المعاني يمكننا أن ننطلق في تحديد معالم طرائق التخريج التي من
خلال دراستها علماً وتطبيقاً مع طول الممارسة وكثرة المران يتيسر للباحث إدراك ضوابط
علم التخريج ومناهج الأئمة فيه .
منهج البحث : منهج بين الوصفي والتاريخي سالكا في هذه الدراسة مسلك الإيجاز
، مكتفياً بالأمثلة التي توضح المراد ، ويقاس عليها غيرها . فذكرت طرق التخريج على سبيل
الإجمال مع ضرب الأمثلة من الكتب المساعدة في كل طريقة والإشارة إلى الصياغة العلمية
٧

للمادة المخرجة وكيفية الاستعانة بشجرة الإسناد، والإشارة إلى ضوابط الحكم على الحديث
بعد تخريجه .
خطة البحث : جاءت مضامينها كالتالي :
فبعد المقدمة ؛
التمهيد : في مقدمات عامة ( معنى التخريج - أهميته - فوائده - نشأته) .
الفصل الأول : في التخريج بالنظر إلى السند .
وفيه الكلام على كتب الأطراف والمسانيد والمعاجم وما في حكمها ؛ وكيفية
التخريج بهذه الطريقة .
الفصل الثاني : في التخريج بالنظر إلى ألفاظ المتن .
وفيه تكلمت عن علم فهرسة ألفاظ الأحاديث وعن المعجم المفهرس ونحوه،
وكيفية التخريج بهذه الطريقة .
الفصل الثالث : في التخريج بالنظر إلى الموضوع العلمي .
وفيه تكلمت عن تصنيفات كتب السنة ، وعن كتب الأبواب المفهرسة ، والكشّاف
الموضوعي وكيفية استخدام كلٍ .
الفصل الرابع : في التخريج بالنظر إلى حال الحديث سنداً ومتناً . وكلمة عن الكتب
المساعدة في ذلك .
الفصل الخامس : في التخريج عن طريق الاستعلام اللفظي باستخدام الحاسوب .
وفيه الكلام عن خدمات الحاسوب المتاحة حاليا، والإمكانات التي يتيحها
الحاسوب في التخريج ، وفي سلبيات استخدام الحاسوب .
الفصل السادس: في كيفية التخريج عموماً وتدوين ذلك .
وفيه الكلام عن اختيار الطريقة المثلى للتخريج ، وعن الصياغة العلمية للمادة
المخرجة ، وعن استخدام شجرة الإسناد في توضيح أوجه المتابعات والشواهد وتقريبها عند
كثرة الطرق وتشعب الأسانيد .
٨

الفصل السابع : في ضوابط الحكم على الحديث بعد تخريجه .
وفيه الإشارة إلى حاجة الباحث إلى علمَي التاريخ ومعرفة الرجال ، وإلى إتقان
ميزان القبول والرد، ومعرفة الاعتبار عند علماء الأحاديث والآثار .
الخاتمة : في نتيجة البحث .
بيان المصادر والمراجع .
فهرس الموضوعات.
هذا، وما دونته في هذه الوريقات هو مساهمة متواضعة لوضع ضوابط لهذا العلم
الجليل ، حتى يمتاز عن غيره من العلوم .
ولا يكفي في هذا العلم الدراسة النظرية ، بل لابد من طول المران بالتطبيق العملي
وكثرة التدرب والمارسة للتخريج .
أما بعد ؛ فبعد عقدين من الزّمان على ظهور الطبعة الأولى لهذا الكتاب ، تأتي هذه
الطبعة الثّانية ، وفيها تصويبات وإضافات ألزم التّطور التِّقَاني للحاسوب والشّبكة العالميّة
الحديث عن التّخريج بواسطتها ، بقدر الطّاقة . أسأل الله العلي القدير النّفع بالجميع في خدمة
سُنّة المصطفى صلى الله عليه وسلّم .
كما لا أدعي الكمال في ما كتبت وحرّرت، وأستغفر الله العلي العظيم من الخطأ
والزّلل ، فهو من وراء القصد وهو الغفور الرحيم .
حي القصواء - طريق الهجرة
و کتب محسن الظن بالرءوف الرحيم الماجد
أبو بكر عبد الصمد بن بكر بن إبراهيم آل عابد
المدينة النبوية المنورة
خادم طلبة العلم بالمدينة النبوية المنورة
١٤٣١ هـ
٩

التَّمْهِيدُ
في مقدّمات عامّة ؛ وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : في معنى التّخريج في اللغة والاصطلاح
والفرق بينه وبين العزو المجرد.
: في أهميّة التّخريج وفوائده .
المبحث الثاني
: في نشأة علم التّخريج وتطوّره .
المبحث الثالث
المبحث الرابع : في ذكر طرائق التّخريج على سبيل الإجمال .
١٠

الَبْحَثُ الأَوَّلُ
في معنى التّخريج في اللغة والاصطلاح
والفرق بينه و بين العزو المجرّد
أ - في اللغة: التّخريج في أصل اللغة مأخوذ من (خَرَجَ).
قال ابن فارس : ((الخاء والرّاء والجيم أصلان .. ))، وقال ((فالأوّل: النّفاذ عن
الشّيء، والثّاني : اختلاف لونين؛ فأمّا الأوّل: فقولنا: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوْجَاً .. )) .
وقال: ((وأمّا الأصل الآخر: فالخَرَجُ لونان بين سواد وبياض .. )) .
وقال : ((ومن الباب: أرضٌ مُخَرَّجَةٌ؛ إذا كان نَبتُها في مكان دون مكان، وَخَرَّجَتِ
الَّاعِيَةُ المَرْتَعَ إِذَا أَكَلَتْ بَعْضَاً وَتَرَكَتْ بَعْضَاً .. )) (١)
ب - في اصطلاح المحدِّثين :
شاع استخدام كلمة التّخريج بين الباحثين في علوم السُّنَّة ، والمتعرّضين للتّخريج في
تحقيقاتهم للأصول الخطّة ؛ بمعناها الواسع الشّامل لمجرد الإخراج والعزو. إلا أنَّ المتأمّل
في صنيع أئمّة التّخريج في كتبهم ؛ يستلهم منه أنّ لهم اتجاهاً إلى ضبط موضوع التّخريج،
والبحث فيه بضوابط تُمّزه عن مُجرّد العزو أو مطلق الإخراج .
ولعلّ من أوائل مَنْ صرَّح بمعنى (التّخريج) في اصطلاح المحدثين الإمامين
السّخاوي والسّيوطي رحمهما الله .
قال السّخاوي :
(( والتّخريج: إخراج المحدّث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب
ونحوها ، وسياقها من مرويّات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام
عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدّواوين .. )).
ابن فارس : مقاييس اللغة (١٧٥/٢ - ١٧٦).
(١)
١١

وقال : ((وقد يُتَوَسَّعُ في إطلاقه على مجرّد الإخراج والعزو .. )) (١)
فكلامه رحمه الله اشتمل على الأمور التّالية :
١ - أن يكون المخرِّج للحديث محدّثاً أو من أهل الاختصاص بالحديث نستفيد ذلك
من قوله : (إخراج المحدّث).
٢- إخراج الحديث من كتاب أو نحوه من المصادر الحديثيّة .
٣- روایته بالسند من مرویّات نفسه أو نحو ذلك .
٤- الكلام عليه . ( تصحيحاً وتضعيفاً وتعليلاً ونحو ذلك ) .
٥- قد يُتوسع في إطلاق التّخريج على مجرّد العزو .
لكنّنا لو أردنا تطبيق هذا التّعريف على مناهج العلماء في التّخريج ؛ نجد أنّه لا ينطبق
إلّا على جانب من تلك المناهج ؛ إذ لا يُمكن تطبيقه تماما على منهج الإمام الزيلعي في (نصب
الرّاية )، ولا على منهج الإمام ابن حجر في ( التلخيص الحبير) فهما لم يسوقا الأحاديث
بأسانيدها إلى منتهاها مثلاً ، لكن ينطبق هذا التعريف على منهج الحافظ ابن حجر في (نتائج
الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار ) ونحوه .
أما السّيوطي فقد قال : (( .. أُطلق في الاصطلاح على شيئين :
أحدهما : إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء ؛ ومنه قولهم : خرَّجه البخاري
ومسلم؛ وهذه العبارة تقع للمغاربة كثيراً، وأكثر ما يقوله غيرهم : أخرج ؛ بالهمزة .
الثّاني : عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمّة؛ ومنه الكتب المؤلّفة في تخريج
أحاديث الإحياء، والرّافعي ، وغير ذلك، تُسمّى: تخاريج . وكأنه من باب مجاز الملابسة ، أو
على حذف مضاف ؛ أي بيان التخاريج .)) . (٢)
فنراه في تقسيمه الأوّل جعل ذِكْر الحديث بسنده في كتاب من الكتب المعتبرة
(١) السخاوي: فتح المغيث (٣١٨/٣).
(٢) السيوطي: البحر الذي زخر (٩١٧/٣-٩١٩).
١٢

تخريجا؛ ومثَّل بكتابي البخاري ومسلم ، مشيراً إلى استخدام المحدّثين لكلمَتَيْ (خرَّج)
و(أخرج ) عند العزو إليهما .
وفي تقسيمه الثّاني جعل العزو إلى الأئمّة کالبخاري ومسلم مثلا يُسمّى تخريجا ،
ومَثَّل بكتب التّخريج ؛ كتخريج أحاديث كتاب إحياء علوم الدين ؛ لزين الدين العراقي .
ثم فيما بعد نرى الإمام المناوي ( عبدالرؤوف ١٠٣١ هـ) في شرحه الموسوم ( بفيض
القدير شرح الجامع الصّغير للسيوطي ) يكاد أن يُصرّح بتعريفٍ جامع لعلم التّخريج وذلك
عند شرحه لقول السّيوطي : (( وبالغت في تحرير التّخريج .. )) فقال: (( بمعنى اجتهدت في
تهذيب عزو الأحاديث إلى مُخرّجيها من أئمّة الحديث ؛ من الجوامع والسّنن والمسانيد ، فلا
أعزو إلى شيء منها إلّا بعد التّفتيش عن حاله ورجال مخرجه .. )).(١)
ففي قوله: (( اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث )) إيماء إلى نوع خاصٍّ من العزو
وليس مجرّد الإخراج ولا مطلق العزو .
وكذا في قوله : ((إلى مخرجيها من أئمّة الحديث )) أنه يخصّهم بتخريج الحديث من
كُتبهم دون غيرهم من المصنّفين .
ثمّ يُضيف إلى هذا العزو المخصوص أمراً مهماً؛ وهو: الكلام على الحديث بعد
التّفتيش عن حاله ورجاله ؛ فكأنّه يُشير إلى أنّ التّخريج في اصطلاح المحدّثين يجب أن يكون
له ضوابط ومعايير تُمُّزه عن مُجرّد الإخراج ومُطلق العزو .
يؤيّد ذلك ما جاء في ترجمة المحبّ الطّبري (أحمد بن عبد الله بن محمّد المكي
٦٩٤هـ) رحمه الله في (العقد الثّمين) حيث قال التّقي الفاسي : (( وله تواليف حسنة في فنون
من العلم ، إلا أنّه وقع له في بعض كتبه الحديثيّة شيء لا يُستحسن ؛ وهو : أنّه ضمّنها
أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل الأعمال ، وفضائل الصّحابة رضي الله عنهم من غير
تنبیه علی ذلك ، ولا ذکر إسنادها لیعلم منه حالها .
(١) المناوي: فيض القدير (٢٠/١).
١٣

وغاية ما صنع ؛ أن يقول : أخرجه فلان ، ويسمي الطّبراني مثلا ، أو غيره من مؤلفي
الكتب التي أخرج منها الحديث المشار إليه . وكان من حقه أن يُخَرِّجَ الحديث بسنده في
الكتاب الذي أخرجه منه ؛ ليسلم بذلك من الانتقاد ، كما سلم به مؤلف الكتاب الذي أخرج
منه المحبّ الطّبريُّ الحديثَ الذي خرَّجه ، أو يقول : أخرجه الطبراني مثلا بسند ضعيف ؛ كما
صنع غير واحد من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدون إخراجه)). (١)
فعزو الحديث مع عدم الحكم عليه : يراه التّقي الفاسي عيباً لا يُستحسن من المخَرِّج
للحديث .
كما إنّ المعنى الذي ذكره المناوي هو المعنى الذي استقر عليه المحدّثون في الأعصار
المتأخّرة لأنّ الرّواية بالإسناد أصبحت عزيزة المطلب .
ومن خلال ما تقدّم يمكن أن نصوغ تعريفاً ضابطاً لهذا العلم يتميّز به عن غيره من
علوم السّنّة ، ويكون منطلقاً لوضع قواعده، فنقول وبالله التوفيق :
التخريج في الاصطلاح هو :
عزو الحدیث إلی مَنْ أخرجه من أئمّة الحدیث ، والكلام علیه بعد التّفتیش عن حاله
ورجال مخرجه .
فخرج بقولنا : ( أئمّة الحديث ) مَنْ أخرج الحديث وليس من أهل الحديث ،أو ليس
له اختصاص به ؛ فلا ينظر إليه . ودخل تحته كتب أئمّة الحديث التي لم تختص بمتونه مثل
کتب التّفسیر والتّاریخ التي يسوقون فيها سند الحديث ومتنه .
وبقولنا : ( الكلام عليه ) العزو الذي لا يشتمل على بيان حكم الحديث أوحاله ؛
وجعلناه قیداً لنفرّق به بین التّخریج کعلم قائم بذاته وبین مجرّد العزو .
(١) الفاسي: العقد الثمين (٦٣/٣).
١٤

ج - العلاقة بين التّعريف اللغوي والتّعريف الاصطلاحي :
بما أنّ الباحث في تخريج حديثٍ ما يسعى إلى معرفة مصدر الحديث وإخراجه من
بطون الكتب وبيان حاله وإبرازه للنّاس ، فذلك هو الإخراج والإظهار وهو ما تضمنه قوله:
(النّفاذ عن الشئ)، وكذلك قد لا يتطرّق الباحث إلى ذكر كلّ روايات الحديث الذي
يُخرجه، بل يكتفي بالإشارة إليها بما يُوضّح المقام ؛ كأنه ذكر بعضها وترك بعضها الآخر،
وهذا أيضاً تضمّنه الأصل الثّاني في المعنى اللغوي . والله أعلم وأحكم .
د- ضوابط التّخريج والفرق بينه وبين مجرد العزو :
يمكننا استخلاص ضوابط التّخريج من كلام الأئمّة الفاسي والسّخاوي
والسيوطي والمناوي رحمهم الله في النّقاط الآتية :
١ - أن يكون التّخريج من كتب أئمّة الحديث .
٢- الكلام على الحديث من حيث القبول والرّد (صحة وضعفاً وتعليلاً ... ).
٣- عزو الأحاديث عزواً بيّناً واضحاً ليسهل الرجوع إلى مصادرها التي أُخرجت
منها.
ومن هذا يظهر لنا أن بين التّخريج والعزو عموماً وخصوصاً، فكلّ تخريج يشتمل
على عزو ، ولكن ليس كلّ عزو يتضمّن تخريجاً بالمعنى الاصطلاحي هنا .
فالتّخريج لابد فيه من الكلام على الحديث سنداً ومتناً إضافة إلى العزو ( الذي هو
مجرّد الإخراج ) حيث يكتفي الباحث بذكر المرجع أو المصدر فقط .
وعلى هذا التفريق سنسير في بحثنا هذا والله ولي التوفيق .
١٥

الَبْحَثُ الثَّاني
في أهميّة التّخريج وفوائده
إنّ ممارسة تخريج الأحاديث والآثار ، وجمع النّصوص الحديثيّة ، والتّفتيش عنها في
بطون الكتب - مخطوطة ومطبوعة - من جوامع ومسانيد ومصنفات وأجزاء ومشيخات ؛
والنّظر في أحوال الرجال وتراجمهم ، ومعرفة الوجوه المختلفة لرواية الحديث ، من تقديم
وتأخير ، واختصار وزيادات في النص ، كلّ أولئك له فوائده الجمّة التي تعود على الباحث
والقارئ سواء .
ولا يصير المرء ماهراً في علم الحديث حتى يمارس التّخريج علماً وتطبيقاً .
قال الخطيب البغدادي رحمه الله: (( كان بعض شيوخنا يقول : من أراد الفائدة
فليكسر قلم النّسخ وليأخذ قلم التخريج)) (١) وقال: ((قَلَّ ما يتمهَّرُ في علم الحديث ويقف
على غوامضه ، ويستثير الخفيَّ من فوائده، إلاَّ من جمع متفرقه، وأَلَّف مشتته، وضم بعضه
إلى بعض ، واشتغل بتصنيف أبوابه ، وترتيب أصنافه ، فإن ذلك الفعل مما يقوي النّفس ،
ويُثبِّت الحفظ ، ويشحذ الطّبع، ويبسط اللسان، ويُحيِّد البيان، ويكشف المشتبه ويوضّح
الملتبس ، ويكسب أيضاً جميل الذّكر، وتخليده إلى آخر الدهر .
كما قال الشّاعر :
یموت قوم فيحیی العلم ذکرهم
والجهل يُلحق أمواتاً بأموات)). (٢)
ولا يكون ذلك إلا بالتخريج .
هذا، ومن تلك الفوائد التي يمكن أن نذكرها في هذه العُجالة والتي نجنيها من
التّخريج ما يأتي :
(١) الجامع لأخلاق الراوي والسامع (٢/ ٢٨٢).
(٢) المصدر نفسه (٢/ ٢٨٠) وانظر: ابن الصلاح: المقدمة (ص ٣٧٤).
١٦

١ - توثيق الحديث ومعرفة درجته في اصطلاح المحدّثين .
٢- معرفة الزيادة والنّقص في متن الحديث ، فيُعرف ما هو صحيح ، وما هو شاذ أو
منکر ، أو مدرج .
٣- معرفة الوجوه المختلفة لرواية الحديث ؛ مما يساعد في الاستنباط الصحيح
للأحكام الفقهيّة .
٤ - تصويب النّص مما يقع فيه من التّحريف أو التّصحيف ، فنخلص إلى نص
صحيح .
٥ - تصويب الأسماء في الإسناد، وتوضيح المبهمات وتقييد المهملات منها،
وضبطها الضّبط الصّحيح وغير ذلك .
٦ - فائدة تعود على الباحث نفسه وهي تكوين مَلَكَةٍ عِلميَّةٍ لديه في إتقان تصويب
النّصوص ، وكذا إتقان عزوها وتوثيقها . واطلاعه على أوجه الاحتمالات للنّصوص العلميّة
وروایاتها .
كما يُوَّسِّع من أُفُقِهِ العلمي من الاطلاع على أساليب العلماء في العزو والجرح
والتّعديل ، والاستنباط أيضاً؛ كصنيع الإمام البخاري في تراجم أبوابه ، وكالترمذي في بيان
العلل والحكم على الحديث ؛ ونحو ذلك .
١٧

الَبَحَثُ الثَّالث
في نشأة علم التّخريج وتطوّره
إنّ علم التّخريج على هذا النسق الذي نراه اليوم لم يكن وليد الصدفة ، ولا جديد
الفكرة ، بل كان ناشئاً عن حاجة بدت في أُفق التّدوين للسّنّة ، والاستشهاد بها ، والتّصنيف
فيها .
وتختلف هذه الحاجة باختلاف الوقت الذي تُصنف فيه علوم السّنّة وتُدون .
وقد بدأت بواكير علم التّخريج إبان العصر الذّهبي للتّدوين وكتابة الحديث
النّبوي ، والتّأليف فيه ، وتمييز صحيحه من سقيمه، مما جعل التّخريج يأخذ مظاهر وأشكالاً
شتّى ؛ حتّى استقر على الحال التي هو عليها في يومنا هذا .
فالمُحدِّث في السّابق لا يصير ماهراً في الرّواية ، عالماً بصحيح الحديث من سقيمه،
مطلعاً على علله ؛ حتى يَروي الحديث من وجوه مختلفة ، وأسانيد متغايرة ، وروايات
متعدّدة ، فالحاجة للتّخريج في ذلك العهد موجودة ، لكن أخذت مظهراً مناسباً لتلك
الحقبة من الزمن ؛ حيث كانت عهداً زاهراً لرواية الأحاديث والآثار ، قَلَّ أن ترى محدثاً لا
يحفظ الأحاديث بأسانيدها، فيكفي عند إرادة تخريج حديثٍ ما أن يُشار إلى أنه يُروى عن
فلان وعن فلان من الصّحابة أو التابعين .
ولعلّ أوّل مَنْ يُمكن أنّ ننسب إليه نشأة هذا العلم وتأسيسُه هو: الإمام أبو عيسى
التِّرمذي (٢٧٩ هـ) في كتابة ( الجامع ) ؛ حيث يقول عقب الأحاديث التي يوردها : وفي
الباب عن فلان وعن فلان ..
فصنيعه هذا بالنّسبة لذلك الوقت يُعَدّ تخريجاً ، فالعلماء عندما أخذوا في التّأليف في
أبواب السّنّة النّبويّة ، وتصنيف العلوم فيها ، احتاجوا إلى الاختصار، وعدم التّطويل خشية
السآمة وقصور الهمم ؛ ولما كانت كتبهم تُعدّ في جانب ما يُروى في الباب من روايات
مختصرةً؛ كانت الحاجة ماسّة إلى الإشارة إلى مَنْ رواه من الآخرين . فكان منهج التّرمذي
هذا يُعدّ تخريجاً .
١٨